نعيمى وجحيمها بقلم أمل نصر 2

الفصل التاسع

– نعم!
غمغمت بها بعدم تصديق وهي واقفة أمامه، أردف هو بتأكيد وتشديد على كل حرف يخرج من فمه، وملامح وجهه الصارمة؛ تخبرها بكل وضوح عن مدى جديته :
– خوديها قاعدة من دلوقتي يازهرة، انا مبعدتش كلامي مرتين، وانتِ سمعتِ كويس أوي انا قولت إيه؟ فاستوعبي بقى براحتك .
هتفت متوخية الحذر في نبرة صوتها رغم الغضب الذي الذي عصف برأسها وجعل الد.ماء على الفور تغلي بداخلها :
– يافندم انا مش فاهمة يعني، حضرتك لو تقصد عن غيابي اليومين اللي فاتوا فاانا قولتك السبب هو مرض جدتي، أما عن حكاية الهزار ولا الضحك، فاظن حضرتك يعني قبل ماترقيني عندك ، بالتأكيد طبعًا عرفت نبذة عن أخلاقي وشطارتي في الشغل، ولا انا هنا على أساس إيه بالظبط؟
اعتلت شفته ابتسامة غير مفهومة وهو يلتفت مائلًا بجذعه نحوها مرددًا :
– طبعًا عشان شطارتك يازهرة؛ امال هايكون عشان إيه تاني كمان !
توقفت قليلًا تنظر اليه بعدم فهم، وهو يبادلها النظرة بغموض؛ تود الجدال معه ولكن لا تملك الحيلة أو الطريقة أمام تحكمه وسيطرته، ثم مالبثت ان تتحرك لتجر أحباطها معها، وتستأذنه مغادرة :
– طب عن أذنك يافندم .
ذهبت من أمامه وهي تجزم بداخلها ان نظراته القوية نحوها تخترق ظهرها من الخلف ، حينما خرجت ولم تجد الفتيات سقطت على كرسيها الجديد تنفخ بعن.ف مرددة:
– أووووف ياساتر، دا إيه ابني أدم ده؟
استغفرت قليلًا قبل أن تستدرك عدم وجود الفتيات فالتفت برأسها تبحث في أنحاء المكتب مغمغة :
– ودول راحوا فين كمان ؟
…………………………..

– خاينة، ونعمة ربنا طلعتي خاينة .
هتفت بها غادة نحو كاميليا بالغرفة الكبيرة الخاصة بحمام النساء، بعد أن اغلقنه عليهن، زفرت كاميليا ترد على اتهامها متحلية بضبط النفس:
– بلاش كلامك المستفز ده ياغادة، يابنت الناس انا مش عايزة اخسرك ، ساعة دلوقتي بحايل فيكي عشان افهمك وانت البعيدة دماغك فيها جزمة قديمة، بتهلفطي في الكلام، ومش مدياني فرصة اَخد نفسي حتى.
هتفت غادة ببكاء تنتحب أمامها:
– يعني حتى الكلام اللي طالع من قهري مش متحملاه مني ياكاميليا ، لدرجادي انا تقيلة عليكم ، تطبخوها مع بعض، انت تترقي وتسحبيها هي مكانك وانا زي الأطرش في الزفة تخبوا عليا عشان اعرف زيي زي الغريب، وبعد دا كله اطلع انا برضوا الوحشة.
هزت برأسها كاميليا تستوعب رد فعل غادة الغريب فقالت بدهشة :
– أطرش إيه وزفة ايه اللي بتتكلمي عنهم؟ وليه البكا من الأساس؟ بنت خالك صدر قرار ترقيتها مع قرار ترقيتي، في وقت واحد، يعني محدش فينا اتدخل مع رئيس الشركة وهو بيمضي على القرار.
اقتربت برأسها منها تردف بتشكك
– ياسلااام ، وانتِ بقى عايزاني اصدق الكلام ده ؟ طيب ترقيتك انتِ ومعروفة ، عادي يعني وبتحصل ، لكن ترقية زهرة في انها تتحط مكانك، تيجي ازاي دي بقى؟ يعرفها منين هو؟ حتة موظفة صغيرة مكملتش اربع شهور في الشركة.
– معرفش!
اردفت بها كاميليا وتابعت بقوة نحو غادة:
– صغيرة ولا كبيرة حتة، دي كلها حاجات تخص رئيس الشركة، وانتِ مش من حقك على فكرة انك تزعلي في حاجة زي دي، لأنها ماخدتش مكانك ولا جارت حقك….
– لا حقي ياكاميليا.
صاحت بها غادة مقاطعة بحدة وأكملت:
– حقي عشان انا اللي استحق ، انا شغالة في العلاقات العامة يعني انفع واجهة، انا زكية ولبقة مع الكل ، مش خيبة وبتكسف من خيالي زي صاحبتنا دي اللي بتتكعبل في هدومها لو حد كلمها.
اجفلت كاميليا وهي تعود برأسها للخلف تنظر اليها جيدًا بتمعن، مصدومة من ملامح وجهها التي أظلمت أمامها وتغيرت، وكأنها واحدة أخرى، سألتها غادة بنفس الحدة:
– إيه ؟ بتبصيلي كدة ليه واكني واحدة مجنونة قدامك؟
صمتت كاميليا قليلًا ثم ردت بهدوء مع ابتسامة مستخفة:
– بصراحة مستغربة ، انتِ معصبة نفسك وقالبة الدنيا، على وظيفة زهرة كانت رافضاها بكل قوتها، وقبلت بيها بالعافية في الاَخر بعد ضغط
– ننننعم !
صدرت من غادة رافعة طرف شفتها بازدراء اثار التسلية لدى كاميليا .
– والله زي مابقولك كدة ياقلبي، انا عن نفسي بقالي يومين بحايل فيها عشان تقبل واقدر انا بعدها ان امشي بقى واستلم وظيفتي الجديدة !
اردفت بها كاميليا مستمتعة بمشهد غادة التي توسعت عيناها بشدة وهي تنظر اليها بذهول مع تجمد ملامح وجهها بشكل يثير الضحك.
اجفلن الاثنتان على طرقة خفيفة قبل ان يندفع الباب وتدلف زهرة اليهم ، قالت مخاطبة إياهم رغم اندهاشها من هيئتهم :
– إيه الأخبار ؟ كل دا قافلين عليكم الباب وبتتخانقوا ؟
أومأت لها كاميليا بتعب وقبل أن ترد سبقتها غادة وهي تسأل زهرة رافعة حاجبها المرسوم بدقة:
– انت فعلًا يابت كنتِ رافضة الشغل مع جاسر الريان ؟
أجابتها زهرة غير مبالية:
– أه ياختي، وكان عندي استعداد كمان اسيب الشغل، بس اعمل ايه بقى؟ قبلت عشان مايتقطعش عيشي في المخروبة دي.
صرخت غادة بحريق اشتعل بداخلها نحوهم :
– ولما هو كدة والبرنسيسة بتدلع عالشغل ، محدش قال اسمي انا ليه؟ خبيتوا انتوا الاتنين عليا لييييه؟
انتفضت زهرة تلتصق بالباب خلفها واقتربت كاميليا منها تهتف بنفاذ صبر:
– وطي صوتك الله يخرب بيتك هاتفضحينا، انتٍ أيه يابنت انتِ مجنونة؟ ارسي على حيلك بقى وليكي عليا في اقرب فرصة ححاول انا بنفسي اتوسطلك على ترقية كويسة، حلو كدة؟
صمتت غادة تكتم غيظها مع استمرار تلاحق انفاسها الغاضبة وهي تحدق بهم، أجفلن فجأة على دوي صوت هاتف زهرة والتي فتحت بسرعة هروبًا من غادة على الرغم من عدم معرفتها بصاحب الرقم .
– الوو… مين معايا ؟
– الوو .. يازهرة انتِ فين ؟
فغرت فاهاها بصمت وهي تشير بسبابتها لكاميليا بدهشة نحو الرقم ، وقد علمت صاحبه من صوته الأجش .
اجفلها مرة أخرى بصيحته :
– بقولك انتِ فين يازهرة ما تردي؟
انتفضت ترد سريعًا بتعلثم :
– أنا في حمام السيدات يافندم، انت عايز حاجة؟
– لا تمام ، بس حاولي متتأخريش .
انهى المكالمة بعد أن ختمها بجملته الهادئة، فالتفتت زهرة قائلة بحدة :
– ودي عرف رقمي منين ده؟ هو انا لحقت اغيب دقيقتين عشان يتصل بيا يندهلي؟
لوحت لها كاميليا بكفها قائلة :
– دا شئ عادي يازهرة ، رقمك بيبقى عنده في الملف بتاعك ولا انتِ ناسية ، واحنا كدة كدة لازم نخرج بقى ونمشي، انا اساسًا متأخرة على الوظيفة الجديدة.
تحركن للخروج ثلاثتهم فغمغمت من خلفهم غادة بحنق :
– اتحركي ياختي انتِ وهي على وظايفكم الجديدة ، الله يسهل لعبيده .
التفت اليها كاميليا برأسها ناظرة بيأس من طريقتها ، اما زهرة فهتفت مرددة لها:
– خديها يااختي الوظيفة الجديدة مش عايزاها، قال اللي خدتوا القرعة تاخدوا ام الشعور بلا هم .
……………………

في طريق عودة الفتيات نحو المقر الجديد لعمل زهرة ، بعد تفرق غادة عنهن وعودتها لمحلها في العمل ، توقفن على هتاف عماد الذي هلل أمامهن بمرح :
– ياهلا ياهلا بالناس اللي اترقت وهاتتكبر علينا ياهلا
تبسمت زهرة تكتم ضحكها أمامه ، وصدر الرد من كاميليا التي قالت بمزاح :
– اه نتكبر عليكم ونشوف نفسنا كمان ، حقنا ياأخي مش اترقينا .
رد هو الاَخر على مزاحها يلوح بسبابته لزهرة نحو الأخرى :
– شوفتي بقى يازهرة، انا كان قلبي حاسس من الأول ان البت دي مستنية بس فرصة، واخدة بالك؛ فرصة بس عشان تنزع بقى الوش الناعم ويظهر وشها الحقيقي .
قالتها كاميليا ردًا على مزاحه
– انا برضوا ياعماد ، ولا انت اللي السواد بقى مالي قلبك ياجدع .
– انا برضوا اللي السواد مالي قلبي ؟ ولا انتِ اللي طلعتي صفرا واحنا مكناش واخدين بالنا ولا إيه بس.
اصبح هو وهي يتبادلن المزاح ، وزهرة تضحك بينهم بخجل كالعادة، غير قادرة بحياءها الدائم على مجاراتهم في الحديث المرح، حتى انتفضت على دوي هاتفها برقمه مرة أخرى، فهتفت على كاميليا قبل ان تهرول اليه :
– دا بيتصل بيا يستعجلني من تاني ، انا ماشية بقى وانتِ ابقي حصليني .
نظر عماد في اثر زهرة يغمغم سائلًا لكاميليا:
– مين ده اللي بيتصل يتسعجلها من تاني؟
– قصدها على رئيسها الجديد جاسر بيه طبعًا، امال هايكون مين يعني ؟
قالت كاميليا قبل أن تستأذن هي الأخرى لتلحق بها قبل أن تغادر الشركة ، وتذهب لمحل عملها الجديد.
…………………………

– اتأخرتي ليه؟
هتف بها بأعين حمراء من الغضب ، فور أن دلفت اليه، خرج هي صوتها بارتعاش من هيئته :
– انا كنت في الحمام ، يعني شئ عادي لو حصل واتأخرت يافندم .
ضر.ب بكفه على سطح المكتب هادرًا بقوة جعلها تنتفض مجفلة:
– متأكدة يا زهرة ان تأخيرك كان في الحمام وبس ؟ يعني ماوقفتيش تضحكي ولا تهزري مع حد مثلًا :
قطبت جبينها تسأله بدهشة:
– قصدك ايه يافندم؟ انا مش فاهمة.
ضغط يجز على اسنانه وهو يتناول في الملفات يرميها نحوها على سطح المكتب بغيظ.
– اقصد ولا مقصدتش، اتفضلي الملفات دي كلها تراجعيها وتعملي تقارير مفصلة عنها فاهمة.
اومأت برأسها بقهر وهي تتناولهم بفزع من حجمهم وعلمها الأكيد بالساعات المرهقة التي ستقضيها في العمل حتى الإنتهاء منهم .
فور ان استدارت سمعته يهتف من خلفها :
– ومافيش بريك النهاردة يازهرة .
اومأت برأسها مرة ثانية ، تحتجز الدموع بعيناها.
تابع خروجها الحزين دون أسف، فور تذكره رؤيته لها بالشاشة وضحكاتها مع كاميليا وهذا الفتى ثقيل الظل وهو يتباسط في حديثه معهم ، لدرجة جعلته يتمنى التخلي عن وقاره ، ليذهب اليهم فارضًا الخصومات والجزءات عليهم، حتى لا يلتقوا مرة أخرى، تمتم فور خروجها بغيظ:
– ماشي يازهرة، ماشي ياعماد ال……
……………………..

في الخارج كانت كاميليا تلملم في متعلقاتها واشياءها الخاصة من فوق سطح المكتب والادراج، قبل مغادرتها الشركة نهائيًا ، لاستلام وظيفتها الجديدة، أجفلت على خروج زهرة بوجهها العابس وهذا الكم الهائل من الملفات التي اسقطتهم على سطح المكتب بعن.ف .
– إيه ده؟
سألتها كاميليا قاطبة وهي تشير بعيناها نحوهم ، أجابتها زهرة بابتسامة صفراء :
– دا الهم التقيل اللي أمرني الباشا اشتغل فيهم بعيد عنك، انا قولتلك الراجل ده مشغلني عنده عشان يطفشني ويطلع عليا عقده مصدقتنيش .
مطت شفتاها واهتزت كتفاها كاميليا بعدم معرفة تجيبها:
– مش حكاية مصدقتكيش، بس هو اساسًا نظام الشغل هنا بالشكل ده، دول عددهم كبير ، امتى بس هاتلحقي تخلصيهم ؟
سقطت زهرة على مكتبها تردد بغيظ:
– لما هو بيعمل معايا كدة من أول يوم ، امال بقية الايام هايعمل ايه بس؟ انا مش عارفة ايه طبيعة الراجل ده بصراحة؟ دا كل اللي عليه، بتضحكي وتهزري، بتضحكي وتهزري، فيه إيه هو هايكتم نفسي ولا إيه؟
تسمرت كاميليا وتوقفت عما تفعل وهي تنظر اليها مضيقة عيناها بتفكير مرددة :
– تضحكي ولا تهزري ! وهو ماله أساسًا ؟
رفعت زهرة اليها أنظارها تهتف حانقة:
– انا الدنيا اسودت في عنيا يا كاميليا وبقيت حاسة نفسي هاطرد قريب بسببه، تصدقي بالله دا منع عني حتى البريك العادي بتاع الموظفين هنا في الشركة.
هتفت كاميليا مرددة خلفها :
– كماااان !
………………………….
وفي الناحية الأخرى ، على مكتبها كانت تتلاعب بقلمها ، مطبقة شفتاها ، وعيناها تنظر في الفراغ بشرود، من وقت أن تركت الفتايات، ونيران صدرها مازالت مشتعلة ولم تهدأ بعد، عقلها يدور بلا هوادة نحو خيانتهم لها، وخططهم التي يدبرونها من خلف ظهرها، وهي التي كانت تظن انها اذكي من الاثنتان في التدبير والتخطيط؛ تستفيق الاَن على هذه الحقيقة المرة، انها كانت مغيبة في اللعب مع نفسها دون مساعدة ، في مقابل اتفاق كاميليا مع زهرة من خلف ظهرها، ليصبحن اعلى منها في التدرج ، بالإضافة الى راتبهم و الذي سوف يزداد لضغف راتبها هي، بالإضافة لازياد فرصهم في العثور على العريس الذي تحلم أو” اللقطة” كما تتخيل ، جزت على اسنانها وهي تردف لنفسها بصوت مسموع :
– لا وبيشقوطني لبعض ويقلولي ان البرنسيسة كانت رافضة كمان! ماشي، بقى انا افضل موظفة كحاينة في مكاني هنا ، وهما يسبقوني بمراحل في كله، ماشي ياكاميليا ، ماشي يازهرة. .
– غادة
التفت رأسها بحدة نحو زميلتها في الغرفة التي هتفت باسمها تنظر لها بصمت فتابعت الفتاة :
– انتِ بتكلمي نفسك ياغادة؟
– أكلم نفسي ولا اتجنن حتى، انتِ مالك انتِ؟
بها في وجه الفتاة جعلتها تتركها بخوف قائلة:
– خلاص يااختي ، اعملي انتِ عايزاه وانا مالي .
عادت غادة لنفسها وخططها تتوعد داخلها بالتقدم عليهم وسبقهم ، مهما حدث ومهما كان الثمن.
………………………….

في مكتب الرئيس الجديد كانت واقفة مكانها برهبة في انتظاره ، تنظر من النافذة الزجاجية الكبيرة نحو المناطق الصناعية حولها، وحركة المارة من العمال والموظفين؛ وهم يبدون كالنمل اسفل المبني الشاهق الإرتفاع، التفت رأسها فجأة على صوت الباب الجانبي الذي فُتح على اَخره ليدلف اليها هذا الرجل الذي رأته قريبًا يطول جسده الغريب، بالإضافة الى وسامة وجهه الغربية
– مساء الفل ، اتأخرت عليكي صح .
اردفت خلفه ترد التحية:
– مساء الخير يافندم، عادي ولا. ويهمك .
جلس بحماس على كرسيه يردد وهو يشير لها لتجلس امامه :
– اعملك ايه بقى ؟ ما انت لو جيتي من أول يوم، كان زمانك حاصرة معانا الإجتماع دلوقتي.
أومأت بابتسامة مجاملة:
– تتعوض يافندم ، الجيات أكتر من الريحات، المهم انا كنت عايزة اعرف فين مكتبي عشان احاول افهم النظام من دلوقتي.
اطلق ضحكة مدوية أجفلت من غرابتها قبل أن يردف لها :
– كدة عالحامي على طول ، دا صدق بقى جاسر لما قال انك زي القطر في الشغل .
لم تستجب لدعابته وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها وجهها وهي لا تدري ان كان هذا مدح او سخرية ، انتبه هو فقال مصححًا :
– على فكرة انا مش بتريق ، انا قصدي انك بيرفكت يعني ودي حاجة ممتازة طبعًا ولا إيه ؟
اومأ غامزًا بعيناه الجريئة بنظرتها، وابتسامة ماكرة جعلتها تتوتر في حضوره ، حركت هي رأسها بموافقة مدعية الجدية كعادتها وقالت :
– تمام يافندم ممكن بقى اعرف مكتبي فين ؟
– تاني برضوا
اردف بها مطقًا ضحكة اخرى يردد معها:
– طب خدي نفسك حتى وقدريني شوية؛ تشربي معايا حاجة ساقعة أو سخنة ، مش احنا هايبقى معظم الشغل مابينا الأيام اللي جاية برضوا.
اومأت بالموافقة وقد أربكها بكلماته للمرة الثانية.
……………………………..

وعودة الى زهرة التي كانت منكفئة على الملفات المكدسة أمامها بتركيزٍ قد اوشك على النفاذ منها؛ بعد قضاءها عدة ساعات في العمل بها ، وهي لم تنهي نصفها بعد حتى ، رفعت رأسها عنهم بتأفف وقد اشتد اللألم في رقبتها وظهرها،
– روح ياجاسر ياريان الهي ما توعى تبربش بعنيك ياشيخ .
تمتمت بها بغيظ وهي تتناول هاتفها تتصل على جدتها :
– الوو… ايوة ياستي عاملة ايه دلوقت؟…………. البت صفية مرعياكي ولا سابتك ؟…………… طب كويس أوي ، اتغدتيتي بقى ولا لسة ………… ليه بس ياستي ماانا قايلالك من الأول اني هاتأخر………… والنبي ياشيخة ماتتعبي قلبي ، انا قولتلك اني هاتأخر يبقى خلاص بقى …….. لا مااضمنش هارجع الساعة كام؟ …………..تمام ياقلبي ولا يهمك بس ماتنسيش تدعيلي والنبي …….. ياروح قلبي، حاضر من عيوني هاجيبلك بسبوسة تحلي بقك بيها ، انت تؤمر ياقمر .
أنهت المكالمة بابتسامة كالعادة، تدخلها عليها رقية بخقة ظلها الدائمة ، ولكنها اختفت فور ان اصطدمت عيناها به، واقفًا بجوار باب مكتبه المفتوح ، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله، وكأنه يراقبها!
قطبت تنهض عن كرسيها بامتعاض وقالت على مضض:
– حضرتك عايز حاجة يافندم ؟
تقدم بخطواته ليصل اليها قبل ان يرد بسؤال .
– كنتِ بتكلمي مين ؟
– نعم !
قالتها باستنكار ، فقال مبررًا :
– انا اقصد طبعًا، عشان الشغل اللي سيباه وراكي متكوم ده.
قال وهو يومئ بعيناه نحو الملفات ، ردت هي تجاهد للتحكم في غضبها :
– يافندم ما انا شغالة اهو ومابطلتش دقيقة ، جات يعني على اتصال صغير اطمن بيه على ستي؟ دا انا حتى ماخدتش البريك بتاعي ، ولا ريحت نهائي .
– صمت يحدق بها قليلًا بملامحه الصارمة ثم أومأ بعيناه نحو المكتب قائلًا :
– ماهي السندوتشات قدامك اهي ، ما اكلتيش ليه انتِ بقى؟
رمقت زهرة الشطائر التي وضعها عامل الكافتيريا أمامها على سطح المكتب منذ ساعات في خطوة غريبة، جعلتها تسأل العامل عنها فاأجابها ، بأنه أتى بأمر مباشر من رئيسها؛ رئيس الشركة.
– ما بتروديش ليه ؟ انا بكلمك .
سألها بصوته الأجش ، ردت زهرة كاذبة:
– متشكرة يافندم ، انا مش باكل حاجة برة البيت .
مال برأسه ساخرًا يقول:.
– غرببة يعني، مع ان اول مرة شوفتك فيها هنا في المكتب؛ وكان السندوتش في إيدك ساعتها!
احتدت عيناها وازداد توترها، لتذكيرها بها اللقاء الكارثي مع تذكره لتفصيلة صغيرة كهذه ، فقالت باعتزاز
– بتحصل يافندم، بس لما ابقى جعانة بقى ؛ لكن انا دلوقتِ مش جعانة ولا ليا نفس نهائي .
صمت مرة أخرى يعاود التحديق بها وهي واقفة بتملل، من سهام نظراته المصوبة نحوها ، ثم مالبث ان يرد بلهجة غامضة :
– تمام يازهرة ، روحي انتِ دلوقتِ وكملي بقى بكرة .
رفعت عيناها اليه تسأله بعدم تصديق :
– صح يافندم، يعني انا ممكن اروح دلوقتِ ؟
انتظرته قليلًا قبل أن يجيبها بتمهل وهو يضغط على كلماته :
– كام مرة هاقولك اني مبكررش كلامي يازهرة.
– تمااام .
اردفت بها مقتضبة وهي تومي برأسها بتفهم وعيناها تخفضها عن النظر نحوه، أجفلها بسؤاله :
– هاتروحي مع مين دلوقتِ وكاميليا مش موجودة؟
– هاتروح معايا انا ياجاسر باشا .
صدرت بغتة من الخلف جعلتهم ينتبهون على دلوفها اليهم ، وتابعت:
– انا غادة بنت عمتها ياجاسر ياباشا ، هو انت مش فاكرني؟
اكتفى بأن يلوح لها بكفه وهو يرتد عائدًا الى مكتبه دون ان يرد عليها ، تسمرت غادة قليلًا تتابعه حتى اختفى داخل مكتبه ، تغمغم بانبهار :
– القميص الابيض هاياكل منه حته وهو متقسم مظبوط على العضلات والجسم المفرود ، يخرررب بيت حلاوتك .
بعد انتهائها التفت لزهرة وجدتها جالسة ووجنتها مستريحة على قبضتها المستندة بها على سطح المكتب، تحدق بها مضيقة عيناها .
– ننعم !! بتبصيلي كدة ليه بقى؟
تجاهلت زهرة السؤال وردت بسؤال من عندها :
– انتِ برضوا لحقتي تظبطي مكياجك ؟ لا وتغيريه بالكامل كمان، لهو انتِ بتقضي يومك كله في الحمام يابنتي ؟
تبسمت غادة باستخفاف وهي تجلس أمامها :
– مافيش داعي اني اشرحلك واتعب نفسي ، عشان دي حاجات صعب عليكِ تتعلميها ياروحي ، ياللا بقى خلصينا عشان نعرف نروح ، عشان كمان تعرفي اني بعمل بأصلي رغم خستك وندالتك معايا، انت والمحروسة كاميليا ، لكني جيتلك اهو عشان اخدك تروحي معايا.
ردت زهرة بابتسامة ساخرة:
– كتر خيرك ياست غادة، اخجلتيني بتواضعك حقيقي يعني ، على العموم انا خمس دقايق كدة وهاخلص الملف اللي في إيدي، مش هاخليكي تتأخري أكتر كتير يعني.
– مطت شفتيها وهي تومئ لها بعيناها بعدم اكتراث، ومن داخلها تمتم :
– اصبر نفسي معلش وماله، مش يمكن يطلع من وراها المصلحة ولا الشبكة تلقط بسببها! ويجي الخير اللي بحلم بيه !

الفصل العاشر

أمام مراَتها كانت تمرر الفرشاة على وجهها وهي تضع في مساحيق التجميل المتعددة ببطء وتمهل، متجاهلة عن قصد دوي هاتفها بمجموعة هائلة من الإتصالات التي كانت تنظر لها باستخفاف ثم تعود لما تفعله بعدم اكتراث للوقت أو مايتبعه من عواقب في التأخير، ركزت بدقة على كل تفصيلة بوجهها غطتها وجملتها بحرفية عن خبرة سنوات؛ لما تفعله منذ أن تخرجت من المعهد مع زهرة ، ثم انتقلت للعمل بالمحلات كبائعة او المطاعم كنادلة، فاكتسبت خبرة في الإحتكاك والتعامل مع جميع اصناف البشر ، عكس ابنة خالها التي ظلت محتبسة البيت بعد تخرجها، معتمدة اعتمادًا كليًا على خالها الذي كان يُحاوطها برعاية وحمائية مثيرة للإستفزاز قبل أن تأتيهم الفرصة معاً في الإلتحاق بالعمل مع كاميليا بشركتها، وتساوت الرؤوس بينها صاحبة الخبرة والممارسة العملية وبين ابنة خالها المحظوظة والتي خرجت من منزلهم على مقعد السكرتارية مباشرةً؛ فلم ينل منها تعب المناهدة مع الزبائن في المحلات أو تتوجع اقدامها من الوقوف طوال اليوم كنادلة في المطاعم الرخيصة، انتبهت هذه المرة على صوت اَخر لجرس المنزل، توقفت قليلًا تستمع لبعض الأصوات التي تداخلت مع صوت والدتها التي فتحت الباب، ثم تفاجأت بها بانعكاس صورتها في المراَة وهي تقف خلفها بوجه متجهم وعابس:
– انتِ لسة واقفة قصاد المراية وبتتمكيجي ياغادة ؟ مش واخدة بالك ياهانم من الساعة ولا بالتأخير اللي اتأخرناه ، دا انا بقالي ساعة برن عليكي وانتِ حتى مكلفتيش نفسك تردي عليا؟ يعجبك كدة عمايلها البت دي ياعمتي؟
– يرضيني بقا ولا مايرضنيش، هاعملها ايه انا بقى ؟ اهي قدامك اهي؛ اتصافوا مع بعض .
قالت إحسان وكأن الأمر لا يعنيها، ثم تحركت تخطو للخارج بهدوءٍ غريب اندهشت له زهرة، ثم انتبهت على قول غادة التي تحدثت هي الأخرى ترد عليها :
– ياستي مرة في التاريخ تتحسب فيها مجيتك ليا عشان تستعجليني عالشغل زي ما بعمل انا كل يوم ، وبتحمل كلام رقية وتريقتها من غير ما اشتكي .
– مجية ايه وهباب ايه ؟ في ايه يابنتي احنا متأخرين بجد والله، اخلصي الله يخليكي مش عايزة اخدلي كلمتين من جاسر الريان لو اتأخرت .
لوت ثغرها وهي تغمغم أمامها :
– ايوة بقى عايريني بالشغل الجديد والترقية ، ماانا عارفه وفاهمة لوحدي مش محتاجة تفكريني يعني .
– أفكرك بإيه يابني أدمه انت بقولك متأخرين، دا وقته كلامك ده؟
هتفت بها زهرة حانقة نحوها، ردت غادة وهي تدنوا نحو على الأرض :
– ثواني طيب هالبس الجزمة بتاعتي
صرخت زهرة بعدم سيطرة :
– كمااان، لسة هاستناكي على ما تلبسي الجزمة؟ دا شكلي انا اللي هالبس النهاردة وانول غضب هولاكو!
…………………………
بعد مايقارب الساعة كانت زهرة تقف على أعصابها بجوار غادة في مصعد الشركة وهي تنظر للساعة كل دقيقة ، تتمتم بقلق :
– يا نهار اسود المواصلات عكت معانا وزودت التأخير، مصيبة بقى لو كان وصل هو قبلي ، دا مش بعيد يطرني اصل انا عارفاه دا بيتلككلي .
مصمصت غادة بشفتيها تردف لها بصوت مسموع :
– ياسلااام ، على أساس بقى ان الراجل حاطك في دماغه ؟ هو فاضي يفتكرك اساسًا ؟
لم ترد زهرة وتجاهلت تهكمها للتندمج في النظر نحو العداد الإلكتروني في انتظار الوصول لطابقها، حتى اذا توقف المصعد خرجت سريعًا وخلفها غادة التي تقابلت عيناها فور خروجها بهذا الرجل ثقيل الظل الأسمر ، يغمز لها بعيناه قبل ان يدلف لداخل المصعد في الجهة الأخرى تقبلتها بتكشيرة بوجهها أمامه، ولكن عقلها تيقظ فور ان تذكرت انه حارس جاسر الريان الشخصي ، نظرت نحو زهرة التي كانت تهرول مسرعة بالرواق الطويل ، فومضت برأسها فكرة خبيثة، لتنفذها بدون تأخير؛ وبحركة مفاجئة صرخت على زهرة توقفها :
– اَه ، الحقيتي يازهرة .
استدارت اليها زهرة مجفلة على صوتها فوجدتها متكورة على نفسها بجانب الحائط ، واضعة كفها على رأسها ، تأن بألم :
– اللحقيني يازهرة، حاسة نفسي مش قادرة اكمل .
ارتدت عائدة اليها تسألها بخوف مختلط بالأندهاش وهي تقترب منها :
– مالك يابنتي ؟ ايه اللي حصل ماكنتي كويسة.
ردت غادة متصنعة الألم :
– مش عارفة يازهرة، فجأة كدة حسيت بدوخة جامدة اوي ، ااه ، دا بابنه ضغط دا ولا إيه ؟ انا حاسة نفسي هاقع اسنديني يازهرة .
– طب يعني اروحك دلوقتِ ولا اعمل معاكي ايه بس ؟
قالت زهرة بتوتر وهي تسندها بيديها الاثنتان، تشبثت بها غادة أكثر تجيبها ، لا يازهرة انتِ بس وصليني مكتبي ، ولا اقولك وصليني على مكتبك اقرب ، اخد نفسي بس الاول وبعدين نشوف .
– طب تعالي بقى وربنا يستر .
أذعنت زهرة توافق على طلبها على مضض وهي تعود لساعة يدها كل دقيقة تحتسب الدقائق التي تمر على تأخيرها عن ميعادها وهي تسير بخطواتِ بطيئة مع غادة التي تتحامل بثقل جسدها عليها .
حينما وصلت للغرفة الواسعة توقفت على مدخلها بأعين جاحظة من الخوف ، وهي تراه أمامه متكئ بجسده على طرف مكتبها وكأنه في انتظارها ، بوجه متجهم عاقد حاجبيه المقلوبان وهو ينظر نحوها بتحفز ، ابتلعت ريقها الذي جف على الفور من الخوف فقالت لغادة وهي تتركها :
– استني هنا ماينفعش تدخلي دلوقتِ .
حاولت غادة التفوه بكلمة ولكن زهرة لم تعطيها فرصة وهي تخطو بتردد وخوف نحوه ، حتى اذا وصلت قالت بأدب :
– صباح الخير يافندم .
رفع حاجبه الشرير يجيبها بنبرة مريبة باعثة للخوف أكثر بقلبها:
– صباح الخير!! دا على أساس انك واصلة في ميعادك مش قريب على ادان الضهر .
– أدان الضهر ازاي بس يافندم الساعة لسة ماتمتش تسع……
قالت ببرائة لتنتفض فجأة على مقاطعتهِ لها بصحية قوية جعلت جميع جسدها يهتز مرتدُا لخلف .
– وليكِ عين تقوليها كمان قدامي ، بعد ماسبتيني انتظرك بالنص ساعة .
ارتعشت شفتها وتلعثمت وهي لا تقوى على تجميع كلمة مفيدة أمامه :
– ممم ماهي بنت عمتي…
دوى صوت غادة من ناحية الباب تردف له متصنعة اللهاث:
– هي ملهاش ذنب يا جاسر باشا، انا اللي أخرتها لما تعبت ودوخت فجأة وهي كانت بتسندني .
انتبه لها فرمقها بنظرة مخيفة قبل أن يصيح بصوتِ جهوري اهتزت له أركان المكتب :
– ارجعي على مكتبك يا اَنسة ولو تعبانة روحي على ببتكم، معنديش انا وقت للكلام وللتفسير .
فغرت غادة فاهاها ببلاهة وعدم استيعاب فهدر عليها بقو اكبر:
– بسرعة يالا.
انتفضت تهرول بجزع أمامهم، متناسية ادعاءها المرض، فعاد جاسر يومئ بسبابته لزهرة نحو اثرها :
– هي دي اللي كانت تعبانة وبتسنديها ؟
صمتت زهرة لا تقوى على جداله ، فخاطبها يجز غلى أسنانه :
– موضوع التأخير ده ما يتكررش تاني، اوصل انا المكتب الاقيكي في انتظاري، فاهمة .
اومأت برأسها بألية وتابع هو :
– انا داخل مكتبي، عشر دقائق والاقيكي داخلة بملفات مصنع الأسمنت.
اومأت مرة أخرى وهي لم ترفع عيناها اليه فذهب لغرفة مكتبه لتسقُط هي على مقعدها مطلقة السراح لدماعاتها التي كانت تهطل بغزارة ، وهي تكتم شهقاتها وتفعل ما أمرها به بقهر .
…………………………….

في وسط الحارة التي تقطنها زهرة علقت اعقاد الزينه والمكبرات الصوتية وانتصب الخشب في التحضير لحفل زفاف احدى فتيات الحارة ، كان محروس جالسًا مع احد اقارب العروس بتابع الاستعدادت حينما اتى فجأة فهمي ليلجلس بجواره يحيه :
– عم محروس ازيك ياحبيب قلبي وحشني .
– اهلًا يافهمي ماتشوفش وحش.
قال محروس على مضض امام الرجل الذي انسحب بزوق من جوارهم :
– طب عن اذنكم ياجماعة انا رايح اشوف البنات حضروا الغدا ولا لسة .
قالها الرجل وهو يذهب متهربًا من الجلسة معهم ، نظر في اثره فهمي يردد من خلفه بسماجة :
– اذنك معاك ياعم عادل ، ربنا يتمم جواز بنتكم بخير يارب.
نكزه محروس بكف يده ليسأله:
– عايز ايه يافهمي ؟ بعد ما قطعت قعدتي مع الراجل واحنا بنتفق على الفلوس اللي بقيالي عنده من جهاز بنته؟
اصدر صفيرًا بصوته فهمي يردد :
– أوعى أوعى بقى ، ورجعنا اهو لجهاز العرايس كمان، دا انت بشبشت معاك ياعم بقى وزهزهزت
– بشبشت وزهزهت ايه انت كمان ؟ دا انا عاملهم بالتقسيط ، يعني هايطلع عين امي على ما اخلص حسابي معاهم، انت جاي تقر بقى ولا ايه ،
رد فهمي ضاحكًا :
– اَقر دا بس ياعم ، دا انت الخير اللي بتحط في عبك كانه اتحط في عبي على طول ، انا وانت واحد ياابو نسب ولا انت نسيت ان انا السبب في دا كله ؟
شدد على كلماته الأخيرة فرد محروس بتوتر :
– ياعم منستش والله فلوسك ، بس اديك شايف بنفسك اللي خدتهم منك باليمين راحوا في تسديد الديون القديمة وشرا قطن وقماش اشتغل بيه ، هي الورشة اتحركت شوية ، بس بقى فايدتها عايزة صبر .
– ههههه
صدرت منه بسخرية فااكمل :
– انا مالي بالهليلة دي كلها يابرنس ، انا اديتك الفلوس على اساس انها مهر البت ، يبقى ليه التعب بقي في شرح مأساتك ؟
تعرق محروس وانعقد لسانه عن الرد بعد أن ذكره هذا الملعون باتفاقهم.
– سكت ليه يا قلبي ماترد ؟
سأله فهمي بخبث فرد محروس بتلجلج :
– يااافهمي ..مماانا قولتلك.. ان البت هي اللي رافصة
– وانا قولتلك ماليش فيه.
هتف بها بقوة اجفلت محروس وتابع رافعًا حاحبه المقطوع بنصفه:
– انا ساكت يامحروس وصابر عشان انت تميل دماغها ، مش عايز أذيك عشان عيلة عقلها طاقق ، ماتعرفش مصلحتها ولا مصلحة والدها فين ؟ دا انا قاطعت صنف النسوان ياجدع يجي من ٣ اشهر دلوقتي في انتظار البطل….
– عيب يافهمي كلامك البارد ده ، انت بتتكلم عن بنتي.
قالها محروس بمقاطعة حادة لم تؤثر في فهمي الذي اردف بسماجته :
– خلاص ياعم ماتبقاش حنبلي ، انا بس عايزك تحس بيا وتفهم؛ ان البت فارقة قوي معايا ، واخد بالك انت ، فارقة ومعششة في نفوخي .
اومأ له محروس برأسه وقد عصفت بعقله الأفكار ، بعد تورطه مع رجل كفهمي هذا.
………………………

– ادخل .
اردف بها مقتضبة وهو منكفئ بتركيز على مجموعة من العقود أمامه ، دلفت اليه لتضع الملفات التي أمرها بها على سطح المكتب أمامه قائلة بعملية :
– الملفات يافندم اللي انت أمرت بيها .
تناولها وقبل ان ينظر بهم، رفع رأسه اليها فقطب يسألها :
– انت معيطة ؟
نفت تهز برأسها بقوة وكذب مفضوح:
– لا حضرتك انا مكنتش بعيط .
اعتلت وجهه ابتسامة وقد ترك من يده كل الاوراق وفرغ اليها قائلًا بتسلية :
– ولما انت مش معيطة، شكل وشك بقى كدة ليه ؟
– مالي وشي يافندم ؟
ردت بدفاعية جعلته ينهض ليقف مقابلها ، مقربًا المسافة بينهم ليشرح :
– عنيكِ دبلانة اوي عكس ما شوفتها من شوية، الحمار اللي انتشر في بعض مناطق وشك بزيادة ، دا غير كمان مناخيرك اللي بقى شكلها يضحك .
– انا شكلي يضحك ؟
سألته تومئ بسبابتها نحوها فردد هو :
– انا بقول مناخيرك .
اخفضت عيناها صامتة بتوتر من وقوفه بهذا القرب أمامها، وهو يدقق بوجهها وكأنه يحفظها، فقالت بجدية:
– طب انا أمشي دلوقتي يافندم ولا استنى حضرتك على ما تمضي على الأوراق ؟
تحمحم يعود لرشده بعد اندماجه في تفاصيلها ، وعاد لمقعده يتصنع الجمود :
– على العموم تمام يعني لو مش عايزة تعترفي ، بس المهم دلوقتِ بقى انا عايز انبه عليكِ ان في تأخير النهاردة عشان في اجتماع لرؤساء المجموعة ومديري الأقسام ، يعني تعملي حسابك .
– اعمل حسابي ازاي يافندم ؟ هو انتوا هاتتأخروا لإمتى بالظبط؟
سالته فمط شفتيه قائلًا بهدوء :
– مقدرش احدد بالظبط امتى، بس احنا اجتماعتنا بتبقى بالساعات يعني ممكن نجر لبعد تسعة كمان.
– نهار اسود ازاي بقى؟ دا كدة ستي ممكن تطين عيشتي .
دلفت بكلماتها بعفوية اثارت بداخله ابتسامة مستترة، جاهد لعدم إظهارها، فقال متصنعًا الحزم:
– الأمور العائلية دي مش في الشغل يازهرة، خلي بالك من كلامك، واتفضلي بقى عشان انا هاراجع في الملفات قبل ما امضي .
اتم جملته ودنى برأسه ليعود لعمله وينشغل عنها، تحركت هي بتردد ثم استدارت عائدة اليه تهتف بتصميم :
– يافندم معلش بقى حتى لو هاتقولي امور عائلية ، بس انا ماينفعش اتأخر النهاردة بالذات .
التفت اليها يسألها بحدة واهتمام :
– ليه بقى ياست زهرة ماينفعش النهاردة بالذات ؟
فركت أمامه بكفيها وأجابت بتوتر :
– بصراحة بقى النهاردة عندنا فرح في الحارة، ودا بيبقى فيه شرب وحاجات كدة ، وانا اخاف اعدي عالشباب هناك وهما بحالتهم دي، انا مضمنش الظروف.
– وانتِ عرفتي منين انهم بيشربوا؟
سألها مضيقًا عيناه ، اجابته على الفور دون تفكير:
– خالي خالد هو اللي كان بيقولي كدة ، وكان بيمنعني اروح اي فرح غير وانا معاه ، وهو دلوقتِ مش موجود يبقى انا اخلي بالي من نفسي بقى.
ظل صامتًا يحدق بها بغموض ، فسألته هي بنفاذ صبر :
– قولت ايه يافندم بقى ؟ اروح على ميعادي ؟
نفى برأسه قائلًا بإصرار :
– لا يازهرة مش هاتروحي على ميعادك .
اصابها الإحباط فهمت تجادل ولكنه أوقفهًا مردفًا:
– بس انا هاتصرف واخلي السواق والحارس بتاعي يوصلوكي لحد باب البيت، مبسوطة كدة؟
اومأت برأسها صامتة بجمود قبل أن تنصرف من أمامه ، بداخلها تود الصراخ بوجهه والرفض بشكل قاطع ، ولكنه لا يترك لها فرصة بجبروته، ومن الناحية الأخرى وصله اعتراضها مرتسمًا على ملامح وجهها المتجهمة ، التي تفضح مابداخلها حتى لو هي اظهرت العكس ، كم ود لو يطيل حديثه معها فتفصح أكثر عن عائلتها وعن حياتها، تنهد بثقل وهو يهز برأسه ليتسفيق الى عمله ، والذي ما ان اتجه اليه تذكرها ، فرفع رأسه يتمتم بداخله:
– عايزالك دارسة لوحدك يازهرة .
………………………….

طرق بخفة على باب غرفتها وحينما لم ترد ، دلف للداخل يتطلع بأرجاء المكان وهي غير موجودة فيه؛ ابتسم بداخله وهو يرى الديكورات الحديثة وقد اتخذت الطابع الانثوي بها ، اصدر صفيرًا إعجاب على زوقها الرفيع في انتقاء المقاعد العصرية والتفاصيل الصغيرة التي زينت بها الاركان، مكتبها الجديد الذي تراصت عليه إطارات الصور والاقلام الملونة؛ كان مرتب بعناية ، تقدم بفضول ليجلس محلها فتناول الصور ليتأملها ، الصورة الأولى كانت بزي التخرج من الجامعة ، يبدوا ان التفوق كان حليفها دائمًا وليس الاَن فقط ، الثانية لرجل عجوز من رسمة عيناه ولونها البني خمن انه أباها ، أما الأخرى فهى لشاب وسيم يضمها بذراعه بحميمية مع فتاة أصغر في الجهة الأخرى .
انتبه فجأة على فتح الباب ودلوفها اليه قاطبة الحاجبين بدهشة ، سبقها في الحديث سائلًا ببرود :
– حلوة اوي الصورة دي ، دا خطيبك؟
فغرت فاهاها تسأله بعدم استيعاب
– استاذ طارق ، حضرتك قاعد على مكتبي وانا مش موجودة!
– اه صحيح ، معلش بقى مخدتش بالي .
قال بتصنع وهو ينهض من أمامها ويترك المكتب ، حتى وقف أمامها واردف :
– بصراحة انا كنت جاي اشوفك لو محتاجة حاجة او في أي شئ ناقصك ، بس انشديت بقى للديكور الجديدة ونسيت نفسي وانا بتفرج عالصور .
اومأت برأسها بتفهم حتى تنهي الجدال :
– تمام حضرتك ، والف شكر طبعًا انك كلفت نفسك وجيت تسألني من غير ما اتكلم.
– مافيش داعي للشكر ياكاميليا ، احنا خلاص بقينا زملة ، هو انتِ كنتِ فين صح ؟
أجفلها بسؤاله الفضولي فتماسكت تجيبه بضبط نفس
– حضرتك انا كنت بعمل جولة في المكان عشان استكشف حركة العمل وشغل العمال .
قال بإعجاب :
– ماشاء الله مابتضيعيش وقت انتِ ، تعجبني الروح العملية، عالعموم انا تحت أمرك في أي سؤال لو حبيتي .
اومأت بموافقة دون ان تعزم ولو بالمجاملة عليه بالجلوس ، تحمحم هو ليستأذن ولكنه توقف فجأة :
– صحيح انتِ مجاوبتيش على سؤالي .
هزت رأسها اليه باستفسار:
– سؤال ايه يافندم معلش ؟
– الشاب الوسيم اللي سالتك عنه في الصورة ؟
قال بابتسامة غريبة اثارت استفزازها ، أجابته بابتسامة صفراء :
– دا اخويا حضرتك ، والبنت اللي معانا تبقى اختي الصغيرة .
– امممم .
تفوه يردف بابتسامة متوسعة وهو يهم بالخروج :
– حلوين ماشاء ربنا يحفظهم ، بس انتِ أحلى .
اومأ غامزًا بوجنته كالمرة السابقة ثم خرج بأناقة من امامها، جعلها تنظر في اثره بمزبهله لحظات و مشدوهة من جرأته .
……………………………..

والى زهرة التي كانت تتحدث برجاء مع جدتها التي كانت تمطرها بالسباب في الهاتف .
– شغل ايه دا يابت اللي بيأخر لتسعة؟ ماتباتي برة أحسن .
– ياستي افهميني بقى ، انا قاعدة اساسًا غصب عني، يعني ارحميني والنبي .
– وايه اللي غاصبك ياختي ؟
اجابتها على الفور بصوتِ خفيض:
– الراجل المفتري صاحب الشغل، قال ايه عامل اجتماع ، طب وربنا انا اترجيته ان امشي واتحايلت بيكي لكن برضوا مرديش.
زامت رقية قليلًا ثم سألتها باعتراض :
– طب وهاترجعي ازاي ياناصحة وتعدي عالرجالة اللي هاتترشق في الشارع تسكر وتشرب في الفرح ؟
ردت زهرة :
– ما انا قولتله عليها دي كمان وقالي انه هايخلي السواق والحارس بتاعه يوصلوني لحد البيت يعني ما تقلقيش ان شاء الله.
صمتت قليلًا رقية قبل ان تردف لها على مضض
– ماشي يازهرة اما نشوف اخرتها ايه الشغلانة المهببة دي
فور انهائها المكالمة وقبل ان تعود لعملها جيدًا وجدت عامل البوفيه يدلف اليه ملقيًا التحية قبل ان يضع أمامها علبة عصير ومعها شطائر لحم على سطح المكتب .
– ايه دا يابلال ؟ ساندوتشات بورجر !
سألت وهي ترمق الشطائر بذهول ، اجابها الفتى بابتسامة :
– جاسر بيه هو اللي أمر بالطلب زي امبارح .
القت نظرة ممتعضة على باب غرفته قبل ان تعود للفتى قائلة:
– خدهم يابلال ، بدل ما يترموا زي اللي فاتوا .
اتسعت ابتسامة الفتي وهو يتحرك بأقدامه للخلف قائلًا :
– اسف يازهرة ، انا اللي عليا اني اجيب وبس، وانتِ بقى حرة في انك تاكليه أو ترميه.
عبست بوجهها وهي تعود لعملها وتتمتم بغيظ :
– جايبلي ساندوتشات لحمة فاكرني مفجوعة وما هاصدق، والنعمة ما مقربة منهم ، ان شالله امو.ت حتى من الجوع .
– زهرة حبيبتي .
تأففت بسأم وهي ترفع رأسها لصاحبة الصوت التي أتت فجأة :
– عايزة ايه ؟ مش خفيتي بقى وجريتي زي الحصان اول اما زعق فيكِ البيه ، ولا اكنك كنتِ عيانة اساسًا.
ردت غادة بصوت ملهوف وهي تجلس أمامها:
– والنعمة كنت عيانة صدق مش تمثيل ، بس اعمل ايه بقى؟ جاسر الريان لما شخط فيا واكنه وحش وهاياكلني ، القوة هبت فيا ان اجري منه هربانة بجلدي لحد اما وصلت مكتبي واترميت عليه زي الجثة ، لولا البنت زميلتي ما قامت بالشغل بدالي وجابتلي برشام يرفع الضغط ، ماكنت ابدًا هارفع راسي ولا اقدر اخطي برجلي واجيلك هنا واكلمك .
استمعت لها زهرة ثم لوت ثغرها تتجاهلها دون رد وهي تعود لعملها ، خرج صوت غادة بأسف :
– لا تكوني زعلانة مني يازهرة عشان أخرتك النهاردة ، بس والنعمة ياشيخة ماكنت اعرف ان كل دا هايحصل ويطلع رئيسك شديد قوي كدة .
– واديكِ عرفتي .
تفوهت بها مقتضبة زهرة ، فسألتها غادة بتردد :
– هو عمل معاكي ايه ؟ اداكي جزا ولا خصم منك ؟
رفعت اليها رأسها ترد بحدة :
– عمل اللي عمله ياستي ، اديني خدت اللي فيه النصيب وخلاص .
عضت غادة على باطن وجنتها بغيظ بعد ان الجمتها بكلماتها، وهي التي كانت تتحر.ق شوقًا لتعلم العقاب الذي نالته زهرة.
– ماشي يابنت خالي زي ما تحبي، الا صحيح هي سندوتشات البرجر دي بتاعة مين .
سألت الاَخيرة وهي تلعق شفتيها في النظر نحوهم ، اجفلتها زهرة قائلة :
– بتاعة اللي بتاعته بقى ، كُليهم يا غادة وعلى مسؤليتي .
– بجد ، انا فعلًا تعبانة وعايزة حاجة تقوتني.
اردفت بلهفة بها وهي تتناولهم بنهم وشهية مفتوحة .
رمقتها زهرة غير مبالية قبل ان تعود لعملها ولكنه أجفلها باتصاله، يباغتها بقوله الغريب :
– مابتكليش ليه ؟
اردف بحزم جعلها تنتبه تلقائيًا نحو الكاميرا الملتصقة أمامها في أعلى الحائط ، ردت بتحفظ أمام غادة :
– عادي يعني يافندم ، مش مشكلة .
– مش مشكلة ازاي وانت هاتقعدي اليوم كله في الشغل ، دا غير اني مش هاسمحلك بالبريك النهاردة يازهرة عشان الشغل المتكوم قصادك .
قال بنبرة حادة تلقتها هي بعند وهي تنظر نحو الكاميرا وترد بهدوء عكس ما بداخلها:
– تمام يافندم برضوا مش مشكلة .
اتاها الرد وهو يجز على اسنانه غاضبًا:
– ماشي يازهرة انتِ حرة .
……………….. …………..

وعودة الى الحارة
كان فهمي يستمع الى اصوات الغناء العالية الصادرة من السماعات الكبيرة وهو مندمج ، يلوح بيداه ويميل بجسده على ألحان الموسيقى الشعبية، يراقب بعيناه افراد من صبيانه الذي يعملون معه بالقرب منه منتشرين بين الشباب ، يوزعون المواد المخدرة بأثمانها المرتفعة، اجفل فجأة على دوي هاتفه برقم غريب، نظر الى الشاشة مرددًا بدهشة :
– رقم دولي ! ودا من مين دا كمان ؟
– الوو مين معايا ؟
اتاه الصوت الغاضب :
– دا انا يافهمي ، اوعى تكون نستني ياراجل.
قطب قليلًا ثم اصدر ضحكة ساخرة يردد:
– خالد باشا! لا انساك ازاي ياغاي دا انت حبيبي ، مكلف نفسك وبتتصل بيا دولي ، لدرجادي انا وحشتك؟
هدر خالد بصوت قوي :
– اسمع ياض انت ، انا معنديش وقت للوع بتاعك ، ولا عندي طاقة عشان اهددك انك تبعد عن زهرة اللي افتكرت انها بقت لقمة سهلة بعد خالها ماسافر، انا بس ببلغك بردي اللي هاتشوفه دلوقتي حالاً ، عشان تتاكد ان بنت اختي تحت عنيا وتحت رعايتي حتى لو فرقت مابينا بلاد ، ونجوم السما اقربلك منها .
– يعني ايه مش فاهم ؟
اردف فهمي فجاءه الرد من خالد :
– اقفل دلوقتِ وانت تفهم .
قالها وانهى خالد على الفور المكالمة ، جعل فهمي ينظر دقائق للهاتف بعدم استيعاب حتى انتبه على اصوات الصراخ العالية وربكة في قلب الحارة مع سيارات باللون الكحلي تدخل بكثافة تطارد صبيانه، حتى توقفت واحدة أمامه وخرج منها الرجال الأشداء يردف أحدهم بسخرية على وجهه المتجهم :
– فهمي باشا ممكن تنورنا بحضورك .
غمغم فهمي بغضب:
– ياولاد ال…….. طب وديني ما انا سايب حقي .
………………………………..

على الطاولة الكبيرة والمستطيلة ، كانت توزع نسخ من ملف الاجتماع على اعداد الحاضرين والمفترض حضورهم ، تتحرك بألية وقد انهكها التعب ، وضعف تركيزها مع الصداع واحساسها الشديد بالجوع .
– ايه مالك ؟ تعبانة ولا جعانة بقى؟
رفعت رأسها وجدته أمامها يهندم في سترته التي يرتديها ، فتابع وهو ينظر لها بغيظ:٠
– ابعتي جيبالك حاجة تاكليها بدل ماتوقعي في نص الأجتماع ، انا مش ناقص عطلة.
– لا شكرًا .
اردفت بها فجعلته يستشيط غضبًا ، نفث من انفه
دخان وهو يشير للنادل الذي كان يوزع هو الاَخر زجاجات المياه على الطاولة بعدد الحضور .
– انت يابني روح جيبلها حاجة تاكلها.
– يافندم مش جعانة، انا بس اللي عندي شوية صداع .
كذبت بإصرار وحرج فسبقه الفتي في الرد بعفوية :
– انا عارف طلبك يازهرة ، انت اكيد مصدعة عشان ماخدتيش طلب القهوة باللبن بتاعتك زي كل يوم ، تحبي انزل اروح اجيبلك؟
انشق ثغرها بابتسامة جميلة نحو الفتي اثارت غضب الاَخر :
– متشكرة يابلال ربنا يخليك ، مش عايزة اتعبك .
– لاتعب دا ايه؟ دا انت تؤم………..
– ماتخلص تشوف شغلك ولا تجيبلها اللي هي عايزاه ، انت لسة هاترغي .
قال بحدة مقاطعًا الفتي الذي انتفض من صيحته وهرول من أمامه على الفور ، فرمقها بنظرة مخيفة وهو يجلس محله على رأس الطاولة ، زفرت بداخلها بيأس من هذا الرجل الغريب وأفعاله الأغرب.
– مساء الخير يازهرة ،
قال مديرها السابق وهو يخطو نحو الطاولة ، بابتسامة ودودة، استجابت تبادله ابتسامته وهي تردد خلفه التحية وتضع امامه ملف الاحتماع :
– مساء الخير يااستاذ مرتضى ، ربنا يخليك .
– عاملة ايه بقى في شغلك الجديد ، دا المكتب ضلم من غيرك .
– لدرجادي ! لا طبعًا المكتب دايمًا منور باصحابه.
– زهرة .
هتف بها بحزم ، فتحركت على مضض تقترب منه :
– نعم يافندم عايز حاجة ؟
اشار لها بكف يده فدنت تقترب برأسها منه ، لتجده يردف لها من تحت أسنانه :
– بطلي توزعي في ابتساماتك كدة في الرايحة والجاية ، احنا في اجتماع مهم ، مش حفل تعارف .
اومأت له بابتسامة صفراء وهي تعتدل مستقيمة، غمغمت بغيظ وهي تبتعد عنه :
– اعوذ بالله منك يااخي ، دا انت مش بني أدم طبيعي ، ياسااااتر .

الفصل الحادي عشر

تشعر برأسها على وشك الإنفجار؛ رغم ارتشافها لفنجانها المفضل القهوة باللبن والذي أتى به عامل الكافتيريا بلال؛ نجدة لها في اَخر لحظة قبل بدء الأجتماع ، تجاهد في التركيز على مناقشات العذاب وهي جالسة على يمينه ، تعمل بربع طاقتها في تدوين محضر الاجتماعات وملاحظاته التي لا تنتهي ، تزفر بداخلها كل ما وقعت عيناها على ساعة يدها، الشئ الوحيد الذي كان يبعث بالطاقة داخلها ويحثها على الإستمرار، هو رؤية صديقتها وهي تعمل بينهم كفرد منهم، تناقش وتجادل برأيها الحر دائمًا بثقة وقوة، ما أجملها بهية الصورة وعزيزة النفس كاميليا .
– طب انا بقول كفاية بقى، ونأجل الباقي على المرة الجاية.
انتبهت لمقولته التي ألجمت الجميع عن مواصلة النقاش وجعلتهم يضبون أغراضهم للمغادرة، كادت ان تصرخ مهللة بالنصر فرحة بانتهاء الإجتماع على الثامنة وليس التاسعة كما توقعت ، تتمنى الهرولة بحرية أمامهم حتى تصل الى باب الشركة ومنه تطير الى جدتها وحصن الأمان منزلهم.
– إنتِ يااا
قطبت زهرة وهي تنظر الى ناحية الصوت لتجد امرأة ثلاثنية بشعر اصفر وبشرة برونزية على عينان باللون العسلي تخاطبها :
– حضرتك بتكلميني؟
اومأت لها زهرة بسبابتها نحو نفسها تسألها ، أشارت المرأة الصفراء بعنجهية :
– هاتيلي منديل من العلبة اللي قدامك دي .
– العلبة مش بعيد عنك يامرفت، طلعيلك منديل لوحدك.
تفاجأت زهرة بصوته الخشن ورده السريع من قبل حتى ان تفتح هي فاهاها، مما احرج المرأة فجعلها تفعل على الفور دون مجادلة .
– طب انا كدة بقى خلصت ، عايز مني حاجة تاني يافندم؟
سألت زهرة بلهفة، أجابها صامتًا بنظرة مسيطرة كالعادة وهو يتناول دفترها وينظر به ، زفرت داخلها وهي جالسة في انتظار قرار افراجه عنها قبل إن تتنقل بأنظارها نحو صديقتها التي كانت تخاطبها بعيناها من قريب، فانشق ثغرها لها بابتسامة كادت ان تطيح بعقله بجوارها ، وقد غفل عن المدون بالدفتر وتركزت عيناه على وجهها المضئ بإشراق، مع هذه الغمزة الموجودة أسفل ذقنها والتي زادتها روعة ، لأول مرة يراها هكذا عن قرب لفترة طويلة من الزمن، كان بامكانه مدها أكثر ولكنه أشفاقًا عليها أنهى الأجتماع قبل موعده .
من تتبعه لنظراتها انتبه على صديقه الذي أتى يقترب منه بصحبة كاميليا التي ذهبت تلاقئيًا اليها من الناحية الأخرى .
– ايه ياعم ؟ مش الإجتماع خلص برضوا ولا انا ييتهيألي .
قال طارق بمرح كعادته ، استجاب جاسر مرددًا له :
– خلص ياسيدي ، بس انا لازم كدة اديها نظرة اخيرة ولا انت مش عارفني .
– عارفك طبعًا ياكبير ياجامد انت، لكن قولي مرفت دي تبقى صاحبة مراتك صح ؟
سأل طارق الاَخيرة بصوتٍ خفيض وهو يشير بعيناه نحو المرأة وهي تخرج أمامهم مغادرة من غرفة الإجتماعات
أجابه جاسر بنظرة غير مبالية تفهمها الاَخر فتابع قائلًا :
– طب مش كفاية شغل بقى، الساعة ٨ دلوقتي ، يعني يدوب تروح وتاخدلك شاور تريح بيه جسمك شوية.
اومأ له جاسر وقبل ان يرد تفاجأ بهتافها بإسمه :
– جاسر باشا.
– نعم في ايه؟
قال بجديه عكس ما يشعر به من دغدغة جميلة بأذنه فور سماع اسمه بصوتها لأول مرة ، اردفت له بلهفة :
– انا خلاص مروحة مع كاميليا ، يعني خلاص مش عايزة السواق ولا الحارس يوصلوني .
– ليه ؟ هي كاميليا في طريقك ؟
سأل قاطبًا باستفسار ، أجابته كاميليا :
– لا طبعًا يافندم، بس انا فرحانة بعربيتي الجديدة بقى وقولت اوصل زهرة معايا، ما انا كدة كدة رايحة الحارة النهارة على فرح واحدة كانت جارتنا زمان .
اومأ لها قائلًا بصوته الأجش:
– الف مبروك ياستي عالعربية وفرح قريبتك ، بس برضوا زهرة مش هاتروح معاكي.
– ليه بقى؟
هتفت معترضة ، أجابها بتفكه غريب عنه:
– إيه نسيتي العيال اللي بتشرب في الحارة ؟ ولا انتِ عايزة خالك خالد يزعل منك؟
أخفضت زهرة عيناها عنه بخجل وقد اكتسى وجهها بالحمرة ، اما كاميليا فانفغر فاهاها بدهشة مما تراه من تغير بجاسر الريان لأول مرة، كما فعل طارق بالظبط .
……………………….
بعد قليل وبداخل سيارة جاسر الريان كانت جالسة في الخلف مع غادة التي كانت لا تصدق نفسها وهي تتأمل كل ركن وكل تفصيلة بالسيارة الفارهة .
– يالهوي يابت يازهرة ، دا انا حاسة قلبي هايوقف من الفرحة والنعمة.
قالت غادة هامسة بصوت خفيض لزهرة التي كانت تنظر لها بجمود مكتفة ذراعيها ، وتابعت :
– رغم اني كنت هامو,ت النهاردة واركب مع كاميليا في عربيتها الجديدة بس تتعوض بقى، هو كل يوم الواحد هايلاقي توصيلة بعربية جاسر الريان .
حينما ظلت زهرة على صمتها هتفت غادة :
– ماتردي يابت مبلمة ليه كدة ؟ ولا يكون مش قادرة تستوعبي انتِ كمان زيي ، لا عندك حق بصراحة .
جذبتها فجأة زهرة من ذراعها تهمس بغيظ في أذنها:
– اهدي بقى الله يخرب بيتك وبطلي فرك ، الرجالة اللي قاعدين قدام دول مراقبين وشايفين كل حاجة ، ماتخليهمش يضحكوا علينا .
شهت رافعة شفتها باستنكار :
– يضحكوا على مين ياما؟ هو احنا قرود قدامهم ، طب خلي واحد فيهم يعملها كدة عشان كنت اعرفه مقامه صح.
– منورين يااَنسات .
انتفضت الفتيات على الصيحة التي أتت من صوتٍ جهوري في الأمام .
فهتفت غادة نحو الرجل وهي واضعة يدها على قلبها :
– يخرب بيتك فزعتني ، مش تدي اشارة الأول بدل ماتوقف قلبنا بصوتك الغريب ده .
– ههههههه
ضحك الرجل بسماجة اثارت حنق غادة ودهشة زهرة ، تدخل السائق عابس الوجه دائمًا :
– بطل غلاستك دي ياإمام ، خلينا نخلص في يومنا .
اردف إمام بمشاكسة وهو يغمز لها بالمرأة :
– بلاها غلاسة عشان القمرات، انت تؤمر ياعُبد ، اه ياني ياما، ياما نفسي اتجوز
مالت زهرة بوجهها تخبئ بكفها ابتسامة متسلية وقد فهمت مقصد الرجل من وجه غادة الذي تميز غيظًا حتى اصبح شكلها كالشخصيات الكرتونية
…………………………..

والى جاسر الذي استقل سيارة صديقه وجلس بجواره في الأمام ، ينظر بعيناه الى الخارج من نافذة السيارة، غير منتبه لحديث طارق ولا بغناءه خلف مذياع السيارة، فقد فشرد عقله بصاحبة الإبتسامة الرائعة بندرتها ، يستعيد بذهنه كل احداث يومه معها ، رقتها ، خوفها منه طوال الوقت ، خفة ظلها وعفويتها في إلقاء الجُمل بدون تفكير ، تذكر حديثه معها منذ لحظات حينما خرجت معه من باب الشركة تتوجه نحو سيارته لكي تستقلها مع حارسه الشخصي والسائق فوجد هذه الفتاة ثقيلة الظل قريبتها منتظرة بجوار السيارة:
– زهرة .
هتف بحزم فالتفت عائدة اليه تجيبه بطاعة :
– نعم يافندم، عايز حاجة قبل ما امشي ؟
اومأ بعيناه نحو غادة يسألها:
– البنت دي مستنية هناك ليه؟ وايه اللي أخرها اصلًا عن ميعاد انصرافها .
أجابته زهرة.
– يافندم البنت دي تبقى بنت عمتى وانا اللي طلبت منها تستنى عشان تروح معايا .
– ياسلااام .
اردف بها ساخرًا وتابع :
– وانتِ بقى بتعزمي عليها من قلبك تركب عربيتي من غير ماتقوليلي ؟
احتدت عيناها فقالت باعتزاز :
– انا معزمتش فسحة يافندم ، لا حضرتك، انا طلبت منها ترافقني عشان مااقعدتش مع اتنين رجالة في عربية لوحدي، وانا ايش ضمني؟
كتم ابتسامته حتى لا يحرجها فتابعت :
– وعلى العموم لو انت مش موافق ، ناخدها من قصرها وحمد لله عربية كاميليا موجودة أهي مامشيتش…..
– امشي يازهرة .
– نعم حضرتك
تابع مرددُا بصرامة وهدوء:
– بقولك امشي يازهرة على العربية بسرعة وخدي قريبتك معاك ، الوقت اتأخر
همت لتجادل معترضة ولكنه أوقفها بنظرته الحادة والمسيطرة ، فاستدارت نحو السيارة مذعنة لأمره ، ابتسم خلفها بتسلية قبل ان يذهب الى سيارة صديقه.
– ااه ، ايه دا الله يخرب عقلك هببت ايه ؟
تفوه بها جاسر بفزع يستفيق من شروده بعد ان اندفعت رأسه بقوة للأمام وارتدت في نفس الثانيه بفضل حزام الأمان ، رد طارق وهو يسرع بمحرك السيارة :
– اعملك ايه بس ياصاحبي كان لازم افوقك ؟ اصلك سرحان ومش معايا خالص .
– تفوق مين يابني ادم انت ؟ ماكنت اعمل بينا حادثة احسن بهزارك السخيف ده .
قال جاسر بغضب قابله طارق بابتسامة باردة يردد:
– اسف ياروحي، بس انا بغير لما الاقيك تنشغل عني ولا تفكر في حد غيري .
– ياربي عليك يااخي لما تطلب معاك غتاتة، ياساااتر.
أردف جاسر مغمضًا عيناه باشمئزاز اثار ضحك الاَخر :
– حبيبي ياجاسر والله ، واحشتني قعاداتك وهزارك ياجدع، ماتيجي تسهر معايا النهاردة .
– وانت هاتسهر فين بقى ؟
– ايه دا ؟ هو انت هتوافق بجد تسهر معايا؟
سأله طارق بعدم تصديق، أومأ له جاسر بعيناه فهلل الاَخر بترحيب :
– ايوة بقى ياجسورة ، واحشتني بجد ليالك.
……………………………

حينما وصلت السيارة الفارهة ذات الماركة العالمية في المنطقة الشعبية الفقيرة ، واخترقت قلب الحارة، كل الرؤس التفت حولها ، حتى ان بعض البشر تركت الفرح ، كي تتبع وجهة السيارة الغريبة بحارتهم .
هتفت غادة بلهفة :
– شايفة يازهرة ، الناس في الحارة كلهم هايتجننوا على العربية .
أومأت لها زهرة بصمت وقد نفذت طاقتها حتى عن الكلام .
– اوقف هنا يااًنسات قدام العمارة القديمة دي ؟
، سألها السائق ، وأجابته زهرة :
– ايوة ياحضرت ولو على اول الشارع تمام برضوا.
– لا تمام ايه ؟ انتِ لازم تنزلي من العربية على باب البيت عدل ، دي تعليمات جاسر بيه .
قال الحارس، وأومأت له زهرة برأسها فالتمعت اعين غادة بالحماس حتى اذا توقفت السيارة وترجلت زهرة منها ، خاطبت غادة السائق :
– كمل بقى طريقك ، عمارة بيتنا في الشارع اللي جاي ده.
– لحد كدة وخلصت ، انا الباشا أمرني بتوصيل الاَنسة بس ، ماحدش جاب سيرتك انتِ
اجفلها السائق برفضه بصلف وقلة زوق فهتفت عليه غاضبة :
– جرا ايه ياجدع انت؟ هما الخطوتين دول هايتعبوك ولا يبوظوا العربية لو كملتهم
اردف السائق بحدة وهو ينظر لها في مراَة السيارة:
– ماليش فيه الكلام دا انا، اتفضلي يااَنسة عشان عايز اللف واخرج بالعربية من حارتكم .
– وحد قالك ان احنا اللي ماسكين فيك بلاخيبة ، روح ياخويا في ستين داهية تاخدك بلاقرف .
بصقت بكلماتها وهي تترجل من السيارة ، صافقة الباب بعن,ف لم يؤثر في السائق الذي خاطبه الحارس بتصنع الغضب وهو يترجل من السيارة خلفها:
– اما انت قليل زوق صح ياعبده ، هي دي برضوا معاملة الاَنسات؟
هرولت تطقطق بكعب حذائها على الأرض امام نظرات الجيران الفضولية ، وتتبعها هو حتى صار يسير معها :
– ماتزعليش ياقمر ، هو كدة الواد عبده ، جلف وما يعرفش يعامل النسوان الحلوة.
لفت نظرها بتشديده على حروف كلمته الاَخيرة ، فتوقفت في اقرب شرع مختصر ترمقه بنظرة ن,ارية وهي تجز على أسنانها تردف:
– هو في إيه بالظبط يا أخينا انت؟ كل ما تشوفني تغمزلي بعيونك ، يااما تلقح قدامي بالكلام ، اعرفك منين انا عشان تاخد عليا بالشكل ده؟
أجابها يبتسم ببرود وهو يتلاعب بحاجبه :
– وهو لازم يبقى تعارف شخصي ياعسل، دي حاجة كدة اسمها تااَلُف ارواح .
اشارت بسبابتها مرددة بازدراء :
– تااَلُف ارواح! وانت تقصد بزكاءك الخارق، ان روحي انا ممكن تاخد على روحك انت ؟ دا على كدة بقى تلقيحك قي العربية كان بقصد ؟
برقت عيناه الواسعة وهو يردف لها بتفكه :
– أييييوة، خدتِ بالك انتِ لما طلعت من قلبي بحر,قة كدة وانا بقول اَااه يامٌا، ياما نفسي اتجوز ؟ هامو,ت عالحلال والنعمة.
فردت ظهرها ومدت بذقنها اليه بتعالي تردف :
– الحلال بتاعك ده ياشاطر تدور عليه مع واحدة من مستواك، مش انا اللي يناسبها حلالك ده يابابا.
– بلاش الحلال ، طب يناسبك الحرام ؟
أجفلها بوقاحته في الرد ، مما جعلها بدون تفكير ترفع يدها اليه كي تصفعه، متناسية فرق الطول الهائل بينهم ، مما جعله يتلقف كفها ببساطة ، فضغط عليها حتى كاد ان يسحق عظامها بين قبضته القوية وقال :
– طب مش تخلي بالك ياحلوة وانتِ بتطلقي إيدك كدة في الهوا ، لا تروح منك وماترجعش تاني.
صرخت بألم مكتوم :
– سيب إيدي يابني أدم انت ، بدل ما اصرخ والم عليك الحارة كلها ، والبسك فضيحة تضيعك شغلك .
ضغط على شفته المنفرجة بابتسامة وهو ينظر إليها باستمتاع ثم تركها فجأة تركض هاربة منه نحو منزلها بخوف ، تابعها مضيقًا عيناه بتفكير وهو يحٌك بطرف ابهامه على وجنته الخشنة قبل ان يستدير مغادرًا وهو يتمتم بتسلية .
– شرسة شرسة يعني ، وانا انسان مريض بتستهويني جدًا الأنواع دي .
…………………………..
والى زهرة التي انتظرت قليلًا بمدخل العمارة ، حتى أتت اليها كاميليا بعد ان تتبعتهم بسيارتها .
– اتأخرتي ليه ؟
هتف بها زهرة فور رؤيتها ، ردت كاميليا وهي تخطو اليها بسرعة :
– مش على ما قدرت الاقي مكان اركن فيه العربية ياقلبي .
– ايوة ياعم عربيتي والكلام الفاضي ده ، اتقنعري علينا ياختى اتقنعري
قالت متصنعة الحقد ، جذبتها كاميليا بمزاح ثقيل من ذراعها وهي تسحبها نحو الدرج قائلة :
– يخرب عقلك، هي غادة بهتت عليكي يابت ولا ايه ؟ قولي يابت وطلعي السواد اللي جواكي ناحيتي قولي .
ضحكت زهرة مقهقهه وهي تصعد معها الدرج ، اردفت كاميليا :
– بس الفرح برة ايه؟ يجننن ، صحيح انا شوفت عربية نوال في المكان اللي ركنت فيه عربيتي .
– نوال خطيبة خالي ، معقول !
قالت زهرة قاطبة جبهتها بدهشة .
…………………………

حينما دلفن الفتيات لداخل المنزل هللن بمرح ترحيبًا بنوال الجالسة على الأرض تتناول مع رقية وجبة عشاءها .
– ياهلا ياهلا ، الأستاذة نوال بحالها في بيتنا وبتاكل عالأرض كمان .
قالت زهرة ورددت خلفها كاميليا بمزاح :
– لأ وكمان قاعدالك ياختي بالبيجاية والنص كوم في بيت خطيبها ، فين الحياء ولا التربية ، ايه قلة الأدب دي ؟
– لا ما احنا خلاص قلعنا برقع الحيا ولغينا التربية فاضل بس نبقى قلالاة الأدب .
ردت نوال وهي تنهض عن الطعام بضحك مستجيبة لمزاحهم قبل ان تعانقهم الاثنتان باشتياق ، ترحب بهن ويرحبن بها .
– بس غريبة يعني مااتصلتيش بيا ولا قولتي ان جاية .
سألتها زهرة فجاوبتها نوال :
– لا ماهي الزيارة النهاردة كانت بسبب مفاجأة ليكِ ياقمر .
– مفجأة ليا انا ؟
سألت زهرة بدهشة فرددت شقيقتها صفية :
– يالهوي ياابلة دا اللي حصل النهاردة في الحارة ولا افلام السيما ؟
سألت كاميليا من ناحيتها هي الأخرى :
– ايه اللي حصل ؟
– حصلش ولا محصلش ، اتنيلي انتِ وهي اطفحوا اتعشوا الأول وبعدين احكوا براحتكم .
– صدقتي يا ستي ، والنعمة دا انا هامو,ت من الجوع .
قالت زهرة وهي تجلس بجانبهم تتناول الطعام ، وهتفت كاميليا وهي ترتمي على رقية تح,ضنها.
– ستي حبيبتي ، وحشتيني ياقلبي .
– وحشك عفريت، توك ما افتكرتي يابت الجز…….، اقطعلك شعرك اللي انتِ فرحانة بيه ده ها؟
قالت رقية وهي تلكزها بقبضتها والأخرى مقهقه تتقابل تعنيفها المحبب .
………………………..
والى جاسر الذي دلف مع صديقه طارق لداخل الملهى الليلى ، يتلقى الترحيب من رواده والعاملين به بحرارة بعد فترة انقطاع كبيرة .
– عملت ثورة انت النهاردة في المكان ياكبير بمجيتك .
قال طارق وهو يجلس على طاولة خصصت لهم، جلس امامه جاسر قائلًا باتزان:
– طبعًا يابني هو انا أي حد ؟
– لا ياعم مش أي حد دا انت جاسر باشا، بقولك ايه بقى احنا عايزاين السهرة النهاردة تبقى صباحي ، نسوان ومشروب و……
– حيلك حيلك بس اوقف عندك على كدة .
اردف جاسر مقاطعًا صديقه، وأكمل
– من اولها كدة، انا اَخري مشروب معاك وبس ، لاعندي دماغ لنسوان ولا الكلام الفاضي ، لو انت عايز اسيبلك انا الطرابيزة ؟
هتف طارق على مضض:
– خلاص ياعم بلاها ، هو انت بتيجي كل يوم يعني؟
قال جاسر بابتسامة مشاكسة :
– طب افرد وشك طيلب ، عشان بس ماحسش اني تقيل عليك ولا حاجة .
رد طارق بابتسامة صفراء ، قابلها جاسر بضحكة مجلجلة اثارت دهشة الاَخر فقال مداعبًا :
– هل هلالك ، الضحكة دي بقالي سنين ماسمعتهاش منك ياعم ياجاسر ، ايه جرا في الدنيا ؟
لم يجيبه جاسر فتابع بجدية :
– طب معلش بجد بقى ماتزعلش مني ، هو انت فعلًا قاطعت النسوان وزهدت فيهم .
– مين قال كدة ؟
سأله جاسر باقتضاب ، وأجاب الاَخر :
– أنت ، بتصرفاتك وفعلك ، مراتك وكأنها عدوتك، اني اشوفك في علاقات عابرة او حب حقيقي ، مافيش خالص ، يبقى ايه بقى ؟
– حب حقيقي !
سأله جاسر بتفكير وهو يتلاعب بأطراف أصابعه على على شعر ذقنه النابت حديثًا ، رد طارق بتأكيد:
– اه حب حقيقي ياسيدي ، مدام مش عايش الحب مع مراتك اللي بالأسم دي ؟ يبقى تدور انت بنفسك على اللي تسعدك .
سأله جاسر :
– طب انت جربت الحب الحقيقي؟
اجابه طارق وهو يهز برأسه :
– مش عارف والله ياصاحبي ، انا بنجذب لستات كتير اوي ، اللي من لون عنيها ، اللي من شعرها ، واللي من …..
توقف عن الكلام يصف معبرًا بكفيه ، فنهره جاسر بقرف :
– دا مااسموش حب ، دا اسمه حاجة تانية .
– ياعم عارف بس بهزر معاك .
رد طارق وتابع بجدية :
– واصلني والله اللي تقصده وحاسوا اوي كمان ، خصوصًا اليومين دول .
سأله جاسر باستفسار :
– اه، ليه بقى خصوصًا اليومين دول ؟
صمتت قليلًا طارق محدقًا به، ثم أجابه بتردد:
– بصراحة بقى انا منجذب ومشدود أوي لكاميليا معرفش…….
قطع جملته متأثرًا بنظرة محذرة من جاسر الذي رفع له سبابته بتهديد :
– ايااك ياطارق ، انا بحذرك عشان مقلبش عليك .
– ياعم يكفينا شر قلبتك ، انا مقصدش حاجة وحشة والله ، انا بس بقول مشدود ليها ، لكن مش بغرض وحش .
اكمل طارق بتبريره وجاسر يحذره بتهديد حتى انتبه على مدخل الملهى خلف طارق وتسأئل:
– دي ايه اللي جابها دي ؟
– هي مين ؟
سأل طارق قبل ان يستدير بجذعه فعاد اليه هامسًا :
– يانهار ابيض دي مراتك !
…………………………….

– ايوة ياخالي ، ربنا يخليك يارب ومايحرمني منك .
قالت زهرة وهي تحادث خالها في الهاتف ، بعد ان علمت من نوال الخطة التي رسمها ونفذتها هي بحرفية بالإتفاق مع شقيقها ، ظابط المباحث ، في القبض على فهمي واعوانه.
وصلها صوته المحبب :
– بس يابت، بطلي شغل الشحاتين ده؟ هو انا عملت ايه يعني ؟ بس لو حابة تعملي الواجب اشكري الأستاذة نوال عندك .
– الأستاذة نوال اه ، دي بترسم يابابا عشان تتبت رجلها عندك .
قالت زهرة بمشاكسة في نوال الجالسة أمامها على الكنبة الخشبية تبتسم بسعادة وبجوارها كاميليا ورقية وصفية يتابعن باهتمام، وصلها رد خالد عبر مكبر الهاتف:
– هي لسة هاتبت ، ماهي تبتت ياختي وانتخت من زمان ، هو انا لسة هاقولك يابن اختي ، ادهاني ادهاني .
انطلقت الضحكات من الجميع ونهضت نوال تلوح لها بيداها كي تتناول الهاتف ، هتفت زهرة بغضب مصطنع :
– اخص عليك بعت بنت اختك وحبك القديم اخص .
جذبت الهاتف نوال مرددة لها :
– انت بنفسك قولتي حبه القديم، يبقى الجديد هو اللي يكسب ، ايوة ياخالد اخبارك ايه ؟
سألته بنعومة وهي تغلق المكبر مخرجة لسانها لهم قبل ان تتابع وتتحرك تاركتهم .
– الصوت هنا مش كويس باينه من الشبكة ، ثواني هاكلمك من اؤضة ستي، دقيقة واحدة .
هتفت كامليا من خلفها :
– كمان هاتكلميه من الاؤضة ؟ دي احتلت البيت بقى .
– عقبالك انتِ كمان لما تحتلي بيت جوزك .
خاطبتها رقية بمداعبة استجابت لها كاميليا بابتسامة ، فقال زهرة بحالمية :
– بحب قوي قصة حبهم الغريبة دي ، رغم التعب والصبر اللي فيها ، لكنهم مازالوا متمسكين ببعض وماحدش فيهم خان العهد .
تابعت خلفها كاميليا :
– سبحان الله عندك حق ، شوف قعدوا كان سنة بنفس المكتب شغالين مع بعض ، وماحدش فيهم عنده الجرأة يعترف ، ولما حصل طلعت معاهم مشكلة ابوها اللي عايزلها شقة برا الحارة .
– عنده حق ياكاميليا برضوا ، اي حد في الدنيا بيبقى نفسه يربح بنته ، واحنا العمارة هنا زي ما انتِ شايفة ،ايلة للسقوط .
– بس انت خالك حلو ويتحب .
قالت كاميليا بشقاوة فلكزتها رقية بقبضتها جعلتها تتأوه ضاحكة :
– اه ياستي خلاص كفاية والنبي، هو انتِ النهارة مستلماني ولا ايه ؟
– اه ياختي مستلماكي وعايزاكي تقري النهاردة ، مدام جيتلي برجلك .
ردت رقية مصطنعة العزم ، وهتفت كاميليا :
– يانهار ابيض ياانا وقعت في الفخ بقى؟ انا ايه اللي خلاني النهاردة بس ، والغي مشوار الفرح .
قالت صفية :
– القعدة الحلوة ياابلة هي اللي خلتلك تلغي مشوار الفرح ، زي انا كدة ما سايبة المذاكرة وقاعدة جمبكم .
– اه ياناصحة وخلي القعدة تنفعك في اَخر السنة .
قالت زهرة فهتفت رقية :
– بت ياصفية قومي من هنا وروحي زاكري .
– بس ياستي .
– اخلصي يابت .
نهضت صفية مغادرة الجلسة على مضص بعد اصرار رقية التي خاطبت كاميليا :
– قوليلي بقى ياحلوة واعترفي ، ايه اللي مخليكي بترفضي في العرسان ومش عايزة تتجوزي .
– ازاي بس ياستي ؟ والنعمة عايزة بس النصيب .
– نصيب في عينك، برضوا بتلفي وتدوري ومش تقري .
– اه
تأوهت صارخة من قبضة أخرى على ذراعها فهتفت باستسلام :
– هاقر والله وهاقول .
قالت وصمتت قليلًا معهم قبل ان تتابع امام نظراتهم المتفحصة .
– بصراحة بقى انا مقدرش اسلم واحد قلبي وجسمي غير وانا متأكدة مية في المية اني بحبه ، وانه هايصوني ومايخونيش مع اي واحدة غيري .
– ودا هاتجيبيه منين بقى؟ هاتفصليه ؟
قالت رقية بسخرية ضحك على اثرها الفتيات ، قبل ان تردف كاميليا .
– خلاص بقى يبقى ماتلموش البنت لما تتأخر ولا ماتتجوزش خالص ، مدام المسألة صعبة قوي كدة .
– يخرببتك .
تفوهت بها رقية بعد أن ألجمتها كاميليا بردها.
………………………..

– جاسر، ياجاسر ، استنى ياعم .
هتف طارق من خلفه وهو يلاحق خطواته االسريعة في البحث عن سيارته في موضع السيارات، توقف الاَخر يرد بغصب :
– بتنده ليه؟ مش خلاص السهرة انفضت وانا قولتلك ماشي؟
اقترب طارق يرد عليه بلهاث :
– يابني مش عايزك تفهمني غلط ، والله ما اعرف انها بتيجي هنا، انا اصلًا بقالي فترة مابجيش هنا.
تنهد جاسر يردف له :
– خلاص ياطارق، اللي حصل حصل ، مافيش داعي للاعتذار وانا مسامحك خلصنا .
أومأ طارق ببعض الإرتياح ثم مالبث ان يتحدث بجدية :
– بس الصراحة ، انت كسفتها ياطارق ، كون انك تخرج من المحل بمجرد ماهي دخلت ، اي حد هايفهمها دوغري .
– خلي اللي يفهم يفهم بقى وياريت هي تحس على دمها لحد كدة .
قال جاسر بعدم اكتراث ، حدق به طارق قليلًا يتمتم :
– دا انت بقيت بتكرها فعلًا ياجاسر .
– اكرها ولا احبها حتى ، خلاص بقى خليني اروح .
قال وهو يلوح بكفه ذاهبًا من امام صديقه ، حتى اذا وصل الى سيارته وجلس فيها ، اخرج هاتفه على الفور يطلب رقمها بدون تفكير.
– الووو….. ايوة يازهرة .
وصله صوتها المتردد بقلق :
– الووو .. ايوة يافندم ، هو في حاجة حصلت ؟
اربكه سؤالها له على الفور ، فقال متحججًا :
– لااا انا بس كنت بطمن عليكِ بعد ماوصلتِ .
شعر بغباء قوله من صمتها فغير بفكرة اتته على الفور.
– زهرة هو انت معاكي حساب على الفيس بوك ؟
قطبت تجيب عن سؤاله الغريب .
– لا طبعًا ، انا معنديش حساب في أي حتة ، انت بتسأل ليه ؟
ردد بمكر .
– لا يعني ، اصل في واحدة دخلتلي على الخاص بنفس الأسم ، افتكرتها انتِ
هتفت غاضبة بتشنج:
– لا طبعًا حضرتك ، مش انا اللي اعمل كدة ولا انا بالأخلاق اللي تسمحلي اعمل حاجة قليلة الأدب زي دي .
صمتت بعد ان وصل الى أسماعها، اصوات غريبة مكتومة ، فتابعت تسأله بقلق.
– حضرتك هو في إيه عندك ؟ وانت مابتتكلمش ليه ؟ هو انت حصلتلك حاجة.؟
بسؤالها الاَخير ابعد السماعة ولم يستطيع الأكمال، حتى لا يصل اليه اصوت ضحكه الذي لم يقدر على كبحه ولا توقفه .

الفصل الثاني عشر

على الكرسي الجلدي الذي كانت جالسة عليه، تهزهز بأقدامها بعصبية، تنفخ دخان سيجارها الذي يخرج وكأنه حريق نابع من داخلها ، تهذي بالكلمات الساخطة بعدم تصديق :
– انا يامرفت ، انا مرفت يعمل فيا كدة ويخلي شكلي زبالة قدام صحابي ، بقى مريهاااان يتعمل فيها كدة يامرفت؟
لوت ثغرها الاَخرى وهي تجيبها :
– بصراحة انا مش عارفة اقولك ايه ؟ الموقف اللي حكتيه يثبت فعلًا انه موقف زبالة ، بس انا اللي مستغرباه هو بيعمل معاكي كدة ليه ؟ هو مش عارف ان انتوا مشهورين وموقف زي دي الناس ماهتصدق تحكي فيه، دا غير انه كدة بيحرجك فعلًا قدام صحابك .
ردت ميري من تحت أسنانها :
– إلا يحرجني ! دا الأوباش أخدوها فرصة عشان يتريقوا ويهزروا بسخافة عليا اناااا، الحيوانات .
– أديكي قولتي بنفسك ، أوباش وحيوانات كمان ، ايه بقى اللي مخليكي مستمرة معاهم ؟ ماتسبيهوم وافضي لجوزك دا اللي هايروح منك وكفاية بقى.
قالت مرفت بغضب ، قابلته الأخرى بضحكة ساخرة تردد :
– افضى لمين ياقلبي ؟ هههه ياحبيبتي جاسر الريان دا لو حتى عملتلوا أمينة وبقى هو سي السيد ، برضوا مش هايحن ، انا عارفاه هو بيعمل كدة قصد عشان أطلب الطلاق.
تسائلت الأخرى وهي تمط شفتاها بدهشة :
– معقوول؟! هي لدرجادي الأمور اتعقدت مابينكم ؟
– واكتر كمان من الدرجادي ياروحي .
اردفت ميري وهي تشعل سيجارة أخرى وتابعت :
– جاسر قلبه أسود ، من يوم الحادثة وهو مش راضي ينسالي اللي حصل.
– لما سبيته يتعالج في أوروبا لوحده ؟
قالت مرفت بتخمين ، ردت ميري بتشدق :
– وافرض يعني سيبته؟ ماهو كان معاه والدته ، بصراحة انا كمان متحملتش عصبيته وجو الخنقة بتاع المستشفيات والقرف ، وانتِ عارفاني يامرفت بحب الحرية والأنطلاق ، ماليش بقى في الجو البلدي ده .
زفرت مرفت بملامح ممتعضة قبل أن ترد عليها:
– اهو الجو البلدي دا ياناصحة هو اللي خلاه قلب عليكي لما موفقتيش جمبه في شدته ، بس انا مازلت فاكرة يا ميري ، انتِ مش بس رجعتي مصر وسبتيه ، لا دي انتِ كنتِ عايزة تطلقي كمان .
ردت ميريهان بتوتر :
– مماهو بصراحة انا خوفت قوي لما الدكاترة خمنوا عدم وقوفه على رجله من تاتي ، دا غير كمان لما قالوا ان احتمال مايخلفش .
خرجت الاَخيرة بخزي وصوت خفيض ، اومأت مرفت برأسها وقد وصلها المعنى :
– اااه يبقى عشان كدة بقى ، ياخسارة ياميري ، كان لازم تصبري شوية وتفهمي من الأول ؛ ان واحد زي جاسر الريان ده لا يمكن هايتقبل الهزيمة ولا الضعف ، جاسر عنده ارادة حديدية مكنته انه يتخطى ويرجع أحسن من الأول كمان .
زفرت ميري تشيح بوجهها عنها لعدم تحملها الحقيقة قبل ان تردف :
– اهو اللي حصل بقى ، طلبت الطلاق ووالدي مرديش وبعدها صاحبنا دا رجع على رجله ، حاولت كتير اتقرب وهو رفض، صبرت عليه وحطيت في بُقي جزمة قديمة لما خاني مع اشكال زبالة وانا مكانش بيقربلي وبرضوا لا حن ولا قدر حتى ، بس المدة طالت قوي ، وهو بيزيد في غباءه وعِنده معايا ، وانا هامو,ت والمسه وهو حرمني من قربه، بس زهقت بقى وقرفت .
– ميري ، بصيلي هنا وحطي في عينك في عيني .
اردفت مرفت وهي تمسك بأطراف أعصابها على ذقن ميري لتنظر اليها جيدًا وتابعت :
– انتِ عارفة كويس انه كان بيخونك عشان يردلك القلم ويثبت لنفسه انه تمام ، وانتِ اللي جبتيه لنفسك يبقى تصبري كمان وتحاولي تغيري من نفسك .
نزعت يدها عن ذقنها بعن,ف هاتفة :
– تاني انتِ كمان اغير من نفسي ، ابوس على ايده مثلًا عشان يرضى عني؟ دا قافل في وشي بالضبة والمفتاح، عالعموم انا بلغت والده عشان يشوفلي صرفة معاه ، ماهو الإهانة دي لا يمكن اعديها على خير .
برقت لها مرفت بعدم تصديق:
– يانهار ابيض، انتِ اشتكيتي لوالده ياميري وهو في المستشفى بيتعالج برا؟
اردفت الأخرى بعدم اكتراث :
– امال يعني عايزاني اسكت على كرامتي اللي اتهانت ؟ مش كفاية والدي اللي مرديش يسمعني اصلًا بحجة انه مشغول بأمور الوزارة والكلام الفارغ ده !
………………………………….
– بتقول إيه؟
هتف بها جاسر وهو يترجل من سيارته الى محدثه في الهاتف وأردف .
– هي البت دي معندهاش دم ولا إحساس ، بتتصل بيك وانت راجل تعبان بتتعالج في اَخر الدنيا على حاجة تافهة زي دي؟
وصل اليه صوت أبيه بضعف :
– يابني مهياش حاجة تافهة ، ثم كمان هي ماقلتس لحد غريب ، امال يعني عايزها تشتكي لوالدها بقى عشان يكبر الموضوع وتبقى حكاية .
صاح بغضب وهو يدلف لداخل منزله الكبير :
– ولا يقدر يعمل حاجة ، يتشطر الأول على بنته اللي داخلة ملهى ليلي الساعة ١٢ بعد نص الليل ، هو ليه عين يكلمني أساسًا !
وصل اليه صوت والدته التي تناولت الهاتف من زوجها وتدخلت بحديثهم :
– يابني ياحبيبي بلاش عصبيتك دي ، انا ميت مرة اقولك اتفاهم معاها ، انت بس اديها ريق حلو دي ماهتصدق ، انا بنت اختي بتحبك وهاتم,وت عليك .
اردف بضحكة متقطعة ساخرة :
– تاني برضوا ياماما بتحاولي معايا ، بعد ماورطتيني فيها بحجة انها بنت الغالية حبيبة قلبك ، اللي ماتت في عز شبابها واتحرمتي منها، اقنعتيني انها يتيمة ومحتاجة اللي يطبطب عليها عشان تتعدل ، وهي ضلع معوج بكتر الدلع وحب النفس والاَنانية ، انا معدتش جاسر بتاع زمان ياست الكل ولا انت نسيتي ؟
– يابني ياحبيبي….
معلش والنبي الله يخليكِ ياأمي ، اقفلي دلوقتي وبكرة الصبح هاتصل انا واطمن عليكم .
– ياجاسر…….
كان قد وصل الى غرفته وهو ينهي المكالمة بعد مقاطعة والدته ، رمى الهاتف وسلسلة المفاتيح على المقعد الوحيد الذي وجده أمامه قبل ان يسقط بظهره على التخت ، يتنفس بثقل ، وكل عضلة بجسده تأن من التعب ، بالإضافة تزاحم الأفكار السيئة بعقله بعد أن عادت اليه مشاهد الحادث القديمة، ومراحل العذاب في العلاج الشاق بعد ذلك حتى يستطيع الوقوف على أقدامه مرة أخرى ، وقد ظن عدم النجاة وانهيار عالمه، أغمض عيناه يستعيد وجهها الجميل بمخيلته ويتذكر مشاكسته لها منذ قليل وردودها العفوية التي تُسعده دائمًا، تنهد من العمق وهو يفتح أجفانه على رؤية الغرفة الكبيرة الخالية من الحياة ، لأول مرة منذ فترة طويلة يكره شعور الوحدة فيها ، بعد أن كييف نفسه عليها بل وكان يجد الراحة بها ، لكن كان هذا قبل أن يراها !
………………………………………..

بعد أسبوع .
دلف الى الشركة التي جعلها المقر الرئيسي لقيادة المجموعة ، يقضي معظم يومه بها ، يدير كل شئ من داخلها ، عكس ما كان ينتوي سابقًا، قبل أن يراها وتتغير معه كل خططه، خطواته السريعة توقفت فور أن دلف للغرفة الواسعة ، حينما رأى إبتسامتها التي تسلب لب قلبه؛ وهي تتحدث في الهاتف غافلة عنه ، بطء بخطواته حتى اصبح قريبًا منها ويستمع الى محادثتها :
– حبيبي والله زي مابقولك كدة ، رقية حكمت عليها تبات معانا ليلتين وصاحبتك ماصدقت ، دي روحت بالعافية والنعمة بعد ما والدها اتصل وبهدل الدنيا معاها، واقعة اوي بصراحة يعني ؟
صمتت قليلًا تستمع لرده عبر الاثير فانطلقت ضحكة بصوتها كادت أن توقف قلبه من خلفها ، ورأسها تميل للخلف حتى اصطدمت عيناها به فانتفضت تنهض مجفلة أمامه حتى أغلقت المكالمة دون أن تدري :
– جاسر بيه ، اسفة والله مكنتش واخدة بالي .
رغم الإحباط الذي انتابه بتوقف ضحكاتها ، لكنه تمكن من رسم الجمود كالعادة في حديثه:
– مش تخلي بالك يااَنسة من ضحكتك وانتِ في مكان شغلك .
اومأت برأسها وردت وهي مطرقة رأسها:
– عندك حق ، مش هاتكرر تاني يافندم .
صمت قليلًا وانتظرته هي أن ينصرف ولكنه فاجئها بسؤاله الفضولي:
– كنتِ بتكلمي مين ؟
رفعت عيناها اليه باندهاش وردد هو :
– بسألك ، مين دا اللي كنتِ بتناديه ياحبيبي ؟
عضت على وجنتها من الداخل تكبح غضبها ، فقالت متصنعة الإبتسام :.
– دا يبقى خالي ياجاسر بيه ، انا كل كلامي كدة معاه .
– خالك خالد .
اردف بها قبل ان يتحرك قليلًا ثم استدار قائلًا :
– انا بسألك بس عشان مصلحتك ، مهما كانت معزة خالك عندك ، الكلمة دي مايصحش تتقاله عشان بس ماحدش يسمعك و يفهمك غلط بعد كدة .
اومأت برأسها بعدم اقتناع ، املًا في ذهابه الذي حدث بعد ذلك ولكنها اوقفته قبل أن يدلف لغرفته هاتفة :
– على فكرة ياجاسر باشا، انا خلصت كل الملفات المتكومة ، يعني النهاردة بقى يحقلي اَخد فرصتي زي بقية الموظفين في البريك بتاعي .
التفت برأسه لها بنظرة حانقة قبل ان يدلف لمكتبه صافقًا الباب بقوة أمامها .
………………………………

بداخل دكانه الذي كان يعمل به بجهد وقد توفرت معه المواد الخام كي ينهي الأعمال القديمة والتي توقفت من منذ زمن ، بيده احدى الوسادات التي يعمل عليها بتركيز ، وبجواره من الناحية الأخرى العامل الصغير ، المدعو عامري . يعمل هو الاَخر بقطعة أخرى، أرتفعت رأس الأثنان فجأة على صيحة جهورية أجفلتهم:
– صباح الخير عليك ياعم يامحروس .
– فهمي ! هو انت خرجت إمتى من السجن ؟
تمتم بها محرس بعد أن انتفض وسقطت الوسادة منه على الأرض وهو يرى الظل الطويل أمامه بمدخل الدكان ، يخطو ببطء وخطوات متمهلة ، بوجهه الإجرامي وملابسه المتسخة بفعل السجن ، قال مخاطبًا الفتى :
– قوم ياعسل روح هاتلي حاجة ساقعة من البقال اللي في الشارع اللي ورانا .
تسمر عامري بجلسته بعد تركه ماكان يعمل به أيضًا فانتقلت عيناه باستفسار الى معلمه الذي هدر عليه فهمي :
– في ايه ياجدع ؟ ماتقول للواد يتحرك يجيبلي حلاوة خروجي من السجن ولا انت مش فرحان بخروجي من السجن يامحروس؟
استدرك نفسه محروس يستوعب الصدمه فهتف على صبيه :
– روح ياعامري نفذ اللي قالك عليه عمك فهمي ، قوم يابني اتحرك بسرعة ، حمد الله عالسلامة ، كفارة يا فهمي.
أومأ له الفتي وهو ينهض على مضض كي يخرج ويتركهم .
بعد مغادرته تناول فهمي أحد المقاعد ليجلس عليها بالعكس ليصبح مقابل محروس الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة من الخوف .
– عامل ايه يامحروس من غيري ؟ بتعرف تصرف نفسك من الكيف ؟
سأله بنبره غريبة ، أجابه محروس على تخوف :
– لا ماهو الواد شمة اللي كان شغال معاك ، مقصرش معايا بصراحة، كان بيديني اللي بطلبه منه وكله بحسابه.
ردد فهمي بتمهل وهو يتناول سيجارة من جيبه ليشعلها :
– اه صح عندك حق ، كله بحسابه ، بس ياترى بقى دفعت انت حسابه ؟
رد محروس بعدم فهم:
– اه طبعًا ، وحتى اسأله ، انا مافيش مرة سحبت منه حاجة الا وتمنها في إيده الأول .
– والتمن بقى جايبه منين ياغالي ؟
صاح فهمي فجأة وهو يباغت محروس بجذبه من قمصيه، جعل الخوف يزحف بأوردته :
– الله الله يافهمي ، ايه اللي حصل ياجدع ؟ وانت بتعمل معايا كدة ليه ؟.
هدر فهمي وهو يجز على اسنانه بعد أن أوقع السيجارة من فمه ، وأصبحت أنفه تنفث دخانا يلفح بشرة محروس :
– بعمل كدة عشان انت جبان، خيخة ، اعتبرتك راجل لما اديتك الفلوس مهر البت عشان تجوزهاني وفي الاَخر خدت انا على قفايا ، خطيبة المحروس اتفقت مع اخوها الظابط وعملوا عليا رباطية عشان يدخلوني السجن وماخرجش منه تاني ، لكن لا ياحبيبي ، العيال هي اللي شالت الليلة عشان انا صفحتي بيضا والبوليس فتشني وملقاش في هدومي حاجة .
– طططب ماهو دا كويس يافهمي ، مدام ربنا نصرك عليهم وخدت براءة
قال محروس بتلجلج من الخوف ، جز الاَخر على أسنانه أكثر في قوله :
– لا مش كويس ياعنيا ، عشان الزفت اخو المحروسة حطني في دماغه وحلف انه هايسود عيشتي لو قربت من الكونتيسا بنتك ، يعني لبست غضب الحكومة بسببك .
دافع محروس يومئ بكفه نحو صدره :
– أنا يافهمي؟! وانا ذنبي ايه بس في الليلة دي ؟
شدد فهمي من قبضته على تلابيب قميص محروس يهزهزه بعن,ف هادرًا :
– ماهو انت لو راجل وبتعرف تحكم اهل بيتك ، مكانش أي حاجة من دي حصلت ، اسمع اما اقولك ياض ، قدامك فرصة اسبوع بالكتير ، ياتردلي الفلوس اللي اخدتها على داير مليم، والكيف اللي كنت بتبلبعه على حسابي ، ياتجوزني البت وبرضاها تمنع الرباطية دول عني. فاهم ياخيخة .
صمت محروس بصدمة فدفعه فهمي للخلف بقوة حتى اصطدم ظهره بالحائط حتى اَلمه بشدة
– ومن غير سلام .
اردف بكلماته الاَخيرة وهو ينهض بعن,ف عن كرسيه الذي ارتمي على الأرض ، تاركًا محروس يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يشتكي من اَلام ظهره ، مصعوقًا مما حدث وما ينتظره من أيام سوداء بعد تهديد فهمي الصريح له.
……………………………

في الموقع الجديد لها وهي جالسة على مكتبها تعمل بكل طاقة ونشاط ، سمعت طرق مهذب على باب غرفتها ، رفعت عيناها فتفاجأت بمن يطل برأسه اليها مستئذنًا بدماثة ولطف :
– صباح الخير ، ممكن ادخل ؟
– كارم !! اهلًا بيك اتفضل طبعًا ودا برضوا كلام .
قالت وهي تنهض عن مقعدها لترحب ، تقدم هو ليصافحها قبل أن تشير اليه ليجلس أمامها .
– المكتب نور .
قالت بابتسامة ودودة ، بادلها ابتسامتها مرددًا :
– المكتب منور بصحابه ياستي ، بس ايه الجمال ده ، دا انتِ طورتيه وحطيتي فيه من روحك .
ازداد اتساع ابتسامتها وهي ترد :
– الله يخليك يارب ، اشكرك على زوقك .
أومأ لها برأسه قائلًا بإعجاب :
– حقيقي تستاهلي الترقية ياكاميليا ، انا بباركلك من قلبي فعلًا .
– الله يبارك فيك ، بس انت كنت مختفي يعني طول الفترة اللي فاتت ، دا حتى اجتماع المجموعة محضرتهوش ؟
ابتسم بداخله على ملاحظتها لغيابه ، وأجاب:
– لا ما انا كنت برا البلد بظبط الدنيا للباشا الكبير وحرمه،ولما اطمنت على كل حاجة رجعت .
– واوو دا انت بتسد مع جاسر باشا بقى برا وجوا كمان ، صدق الا قال عليك إيده اليمين.
تبسم بانتشاء وقد أطربه تعبيرها وقال :
– الحمد لله انا ببذل المجهود في الشغل من قلبي وحمد لله ربنا بيوفقني والاَقي التقدير ، متهيألي انك شبهي.
اومأت بسبابتها نحوها تردد:
– انا شبهك انت معقول؟
– مين شبه مين؟
اتت فجأة من هذا الذي دلف اليهم دون استئذان ، نهض كارم يرحب به مصافحًا :
– طارق بيه اهلًا بيك .
بادله المصافحة بأطراف أصابعه مرددًا:
– اهلا بيك ياسيدي ؟ انت جيت من أمتى ؟
اجاب كارم وهو يعاود الجلوس:
– انا وصلت من السفر امبارح، عديت على مكتبك ، قالولي انك تحت مع العمال، قولت اَجي ابارك للزميلة كاميليا على المنصب الجديد ، بس الحمد لله اني شوفتك عشان يدوبك بقى أمشى .
– اومأ له برأسه ليخرج؛ مشمئزًا من أدبه الزيادة كما يصنفه دائمًا ، ولكنه تفاجأ بردها هي من خلفه:
– طب استنى اشرب شاي حتى ، هو انت لحقت تقعد .
– ربنا يحفظك يارب ، ملحوقة ان شاء الله الجيات كتير ، سلام ياطارق باشا .
اردف بكلماته قبل أن يغادر ، فنهض طارق خلفه يغمغم بحنق وصوت خفيض:
– يقولها شبهي والجيات كتير وهي تعزم عليه بالشاي ، اللي ما عملتها في مرة حتى معايا.
-انت بتقول حاجة ياطارق بيه؟
– لا ياستي مافيش ، عن إذنك .
رد على سؤالها وهو يخرج بأناقة رغم غضبه :
…………………………..

في وقت لاحق من اليوم .
حينما أتى وقت استراحة الموظفين ، خرجت سريعًا وكأنها طفلة وهذا موعد خروجها ، فاأخيرًا سمح لها هذا المتجبر لتأخذ فرصتها كالاَخرين ، كانت تهرول بخطواتها وكأنها تخشى منه إيقافها ، لا تعلم أنها مراقبة من شاشته كالعادة ، دوى هاتفها باتصال دولي فبطئت من خطواتها لتجيبه :
– الوو…… ايوة ياخالي بتتصل ليه تاني ؟
– هو انا لحقت اتكلم معاكي أصلًا يابت ال….. نسيتي انك ناهيتي وقفلتي في وشي من غير استئذان .
خبئت بكفها ضحكتها قبل أن ترد على سبته :
– مافيش فايدة فيك ، مهما وصلت ولا اتعلمت ولا حتى سافرت ، برضوا واخد طبع رقية في الشتيمة .
– ايوة ياختي انا واخد طبع امي في الشتيمة خليكي انت المؤدبة فينا.
اردف خالد قبل أن يضحكها مرة أخرى ثم أكمل :
– المهم بقى عشان انا مش فاضي دلوقتي ، بكرة ان شاء الله هايوصلك عالبنك بالمصري كدة يجي خمسة وخمسين الف جنيه .
– خمسة وخمسين .
– ايوة يابنتي ، هاتدفعي منهم لسمسار الغبرة قسط خمس اتشهر الشقة على الشهور اللي فاتت والخمسة مصاريف ليكِ انتِ وستك .
رددت زهرة على تخوف من المسؤلية: .
– ربنا يسهل ياخالي ان شاء الله .
شدد خالد بكلماته :
– خلي بالك من نفسك يازهرة وحرسي من الحرامية ياعين خالك ، انا سالف نصهم ، يعني قدامي كام شهر تاني على مااقدر ابعت غيرهم .
– تمام ياخالي ربنا هو المعين .
– ونعم بالله .
………………………….

بعد انتهائها من المكالمة مع خالها نزلت بالمصعد سريعًا الى كافتريا الشركة وهي تطلب غادة كي تصاحبها الى هناك ، وقبل أن تصل الى هناك، كادت أن تصطدم به خارجًا من إحدى الغرف ، رفع كفيه يتراجع ضاحكًا بقهقهة حتى اخجلها فابتسمت له بخجل ، ردد بغير تصديق:
– اقسم بالله انا لو حلفتلك اني كنت بفكر فيكِ ، اكيد مش هاتصدقي صح .
تسائلت بابتسامة مستترة تدعي الجدية :
– ليه يعني ؟
– عشان غيبتي كتير قوي المرة دي ، وانا كل يوم ادخل الكافتيريا مخصوص عشان اشوفك وانتِ مابتجيش .
قال مباشرةً بدون مواربة أجفلها حتى انعقد لسانها عن الرد واخفضت عيناها كالعادة ، هم ليتابع هو ولكن ظهور غادة اوقف كل شئ .
– واقفين مكانكم ليه؟ ماتكملوا طريقكم عالكافتيريا .
قالت غادة وهي تقترب منهم ، رد عماد :
– لا وحاجة ، انا بس كنت بحكي لزهرة عن فرح اختي اللي تم امبارح .
– ايه دا ؟ انت اختك اتجوزت صح امبارح ؟
سألته غادة وارتفعت انظار زهرة اليه لتتبين صدقه ، اجاب هو بكل ثقة :
– حمد لله ربنا تم على خير وسترناها ، عشان افضى بقى لنفسي وادور انا كمان على صاحبة النصيب .
قال وعيناه على زهرة التي وصلها تلميحه ، فتابع يخاطبهم :
– تعالوا معايا جوا اجيبلكم حاجة تشربوها ، وبالمرة افرجكم عالصور .
وافقت غادة بحماس حتى سحبت معها زهرة المترددة ، ليجلسن الثلاثة على طاولة وحدهم ، يريهم صور شقيقته والعائلة واجواء الفرح ، وهن يعلقن على مايرونه بتركيز ، غافلين عن أعينٍ تراقبهم من خلف الشاشة بغيظ ، حتى فاض به وخرج من الغرفة نهائيًا .
……………………………..

حينما قارب انتهاء فترة استراحتها ، ذهبت زهرة الى موقعها على الفور ، حتى لا تترك له فرصة لمعاقبته بتأخرها ، ولكنها اصطدمت به فور عودتها جالسًا على طرف مكتبها ، واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ينظر أمامه في الفراغ ، ظنته شاردًا فتمتت داخلها بقلق :
– استر يارب ، ودا ايه اللي مقعده هنا ؟ دا البريك حتى مخلصش.
التفت اليها فجأة وكأنه شعر بحضورها، فاعتدل بجسده مخاطبًا إياها بأمر :
– البسي شنطتك عشان انتِ خارجة معايا دلوقتِ حالًا ، عندنا ميعاد مع عميل مهم .
رددت بعدم استيعاب :
– اخرج فين حضرتك ؟ ثم ان جدول مواعيدك النهاردة مافيهوش مواعيد مع عملة أساسًا.
أردف لها بحزم :
– دا ميعاد ظهر فجأة ، فبلاش تجادلي معايا واخلصي ياللا انا مستنيكي في العربية تحت ، تحرك ليذهب ولكنها أوقفته هاتفة:
– بس يافندم انا مابخرجش معاك في المواعيد اللي زي دي ، كارم هو اللي بيقوم بالمهمة .
التفت برأسه اليها ناظرًا من طرف عيناه يجيبها بغموض:
– لا ماهو الوضع اتغير ، زي مافي حاجات كتير هاتتغير بعد كدة !
………………………….

بعد قليل
بداخل المطعم الفاخر ، والجديد عليها بديكوراته الغريبة ، والوانه الهادئة ، إضائته الخافته وموسيقى بالكاد تسمع ، وزعت الطاولات فيه بشكل متباعد ، يناسب خصوصية زبائنه القلائل والواصخ من ملابسهم ومايرتدونه ، حجم الغناء الفاحش ، عكس ماترى دائمًا في المطاعم التي تعرفها ، أو حتى التي دخلتها مع كاميليا .بدء القلق يسري بداخلها وهي ترى نفسها وكأنها من كوكب اَخر بينهم ، بالإضافة الى نظراته المسلطة عليها مباشرةً والتي تشعرها بعدم الأرتياح ، تتملل في جلستها ، تتهرب بعيناها بالنظر حولها في أرجاء المكان حيث تذهب كل دقيقة نحو المدخل ، مع دخول كل فرد من الرجال وكأنها ستعلم بهوية العميل الذي لا تعرفه .
– إيه مالك متوترة ليه ؟
سألها بصوته الأجش ، قالت هي بارتباك وهي تنظر حولها بطرف عيناها :
– ولا حاجة يافندم، بس حاسة نفسي غريبة بلبسي عن الناس اللي هنا .
– انتِ مش غريبة يازهرة ، بالعكس انتِ أحلى منهم كلهم .
– نعم !
أردفت بها وهي ترفع عيناها اليه ولا تدري ان كانت سمعت جيدًا أم لا، ليجفلها بقوله الاَخر :
– تعرفي تفرقي بين الرغبة والحب الحقيقي يازهرة ؟
سهمت وهي تنظر اليه وقد ارتسم على ملامح وجهها عدم الفهم مع بوادر الغضب، فتابع :
– انا مش بسألك بنية وحشة بالعكس انا عايزك تفهمي اللي عايز أقوله .
– وإيه هو اللي انت عايز تقوله؟
قالت بحدة لم تؤثر فيه، اردف بسؤال:
– قوليلي يازهرة انتِ اتخطبتي قبل كدة ؟
– لا .
نفت بقوة فابتسم بزاوية فمه بارتياح واومأ لها :
– اشربي اللي قدامك يازهرة ، انا طلبتك قهوة باللبن زي مابتحبي ، بس هي مختلفة شوية عشان هنا بيعمولها بشكل يجنن ، انا قاصد اجيبك هنا أساسًا عشان كدة .
نظرت الى الفنجان الذي يقصده فتفاجأت بحجم الرغوة التي تشكلت أمامها وكأنها قلوب ، رفعت رأسها ناظرة اليه بقوة تسأله
– هو انت عايز توصل لإيه بالظبط ساعدتك؟
– أوصلك انتِ
– إيه ؟
خرجت منها بخوف حقيقي وأكمل هو:
– انا عايز اتجوزك يازهرة ،

الفصل الثالث عشر

– أنا عايز اتجوزك يازهرة.
فور سماعها الجملة، ارتد ظهرها للخلف بصدمة تحدق به مبهوتة، مجفلة، نحو الرجل الجالس أمامها بهيبته المعتادة، صامتًا يراقب بتفحص وقع الجملة عليها، أردف لها :
– عارف انك مصدومة، بس انا راجل دوغري وماليش في اللف والدوران، انا عايز أتجوزك بجد .
رددت بشفتيها هامسة بعدم استيعاب :
– ازاي يعني ؟
أجابها مرددًا ببساطة:
– زي اي اتنين بيتجوزا يازهرة ، ماتعرفيش الناس بتتجوز ازاي ؟
رفعت عيناها اليه بنظرة غاضبة ، قابلها بابتسامة متلاعبة اثارت بداخلها الغيظ ، اردف ملطفًا :
– بلاش تفهميني غلط ، انا لو مش بحترمك ماكنتش دخلتلك من سكة الحلال، كنت جربت معاكي أساليب تانية، ما انا برضوا جاسر الريان .
تذكيرها بهويته أعادتها لنفس النقطة لعدم التصديق، أسبلت عيناها عنه وبداخلها تنتظر تفسيرًا ، تابع هو :
– أظن ان يعني في الفترة البسيطة اللي انتِ قضيتيها في الشغل معايا ، خدتِ فكرة عني تعرفك بأخلاقي .
رددت بعدم تركيز :
– بس انت متجوز.
– اعتبريني مش متجوز، ودا حقيقي على فكرة، كل اللي بين وبين ميري مسألة وقت مش أكتر، ثم انت هاتفرق معاكي في إيه؟
قطبت ناظرة إليه بعدم فهم، أكمل هو:
– وافقي يازهرة وانا موافق على كل اللي تطلبيه.
– كل اللي اطلبه !
رددت خلفه الجملة وهي تعيد تكرارها داخل رأسها بتشتت، ثم ما لبثت أن تسأله بفطنتها:
– عامر بيه عارف بالكلام ده حضرتك؟
– لأ مش عارف، وانا مش هاعرفه دلوقتِ وهو بيتعالج بعيد عني، ولا والدتي هاتعرف كمان عشان بنت اختها.
أومأت برأسها وقد صدق تخمينها تردد :
– يعني حضرتك عايز تتجوزني في السر؟
– بس دا وضع مؤقت يازهرة ، على ما تستقر أموري .
التوى فمها المطبق بابتسامة غريبة لم يفهما، قبل أن تتناول مشربها ترتشف منه صامتة عن الرد اليه بإجابة مفيدة تريحه .
………………………….
خرجت غادة من الباب الرئيسي للشركة وهي تغمغم بالكلمات الحانقة ، بعد أن علمت من ساعي المكتب بمغادرة زهرة للشركة تقريبًا منذ ساعة .
– ماشي يازهرة ، بقيتي تخرجي وتمشي على كيفك دلوقتِ ، بعد ماكنتِ بتخافي ماتعدي الشارع من غيري ، طبعًا ماهي الترقية قوة قلبك، ماشي .
– انت بتكلمي نفسك يااَنسة ؟
شقهت مرتدة باقدامها للخلف ، حينما فاجئها هذه الثقيل بها وظهوره أمامها من العدم .
– يخربيتك هو انت متسلط عليا ياجدع انت؟ ناقصاك انا ولا ناقصة خفة دمك دي دلوقتِ .
تفوهت بها اليه ساخطة، فكان رده ضحكة سمجة وهو يردف :
– هههه عجبتني خفة دمك دي، اصلها حقيقة على فكرة .
جزت على أسنانها تود لو امتلكت المقدرة لض,ربه فقالت وهي تتحرك لتتخطاه :
– طيب ياخويا ، أسيبك انا بخفة دمك دي واستظرافك، مش فاضيالك .
غمغم من خلفها :
– الحق عليا اللي استنيت لميعاد انصرافك عشان اونسك بدل ما تمشي لوحدك بعد صاحبتك ماخرجت مع جاسر بيه وسابتك .
ابتسم بعرض وجهه وهو يرى تأثير كلماته الخبيثة، حينما استدارات اليه بأعين تقدح شررًا تسأله :
– انت قصدك ان صاحبتي انا، اللي هي زهرة…. خرجت مع جاسر الريان؟.
اجابها رافعًا حاجبه بتسلية :
– اَه امال ايه، دي حتى ركبت معاه في عربيته كمان ، وجاسر بيه الله يستره، استغنى عني في مشواره معاهم النهاردة ، باينه كدة عايز يريحني شوية .
اصبح جسدها يهتز من فرط انفعالها وهي تسأله مرددة:
– يعني كمان خرجت معاه لوحدها، وهي ازاي قبلت ؟
ردد هو بمكر :
– لا ياغادة مش لوحدهم ، عبده السواق كان معاهم .
– مش فارقة، تغور ماتغورش انا ايه هايهمني اساسًا، ايه اللي ها يهمني؟
بصقت كلماتها والتفت مغادرة بغضبها ونيران صدرها تحر,ق الأخصر واليابسة، قهقه هو من خلفها على هيئتها مرددًا لنفسه بمرح :
– الله يخرب عقلك ياواد ياإمام ، فتنت الاصدكاء في بعضيهم .
……………………..
بداخل سيارته وهي جالسة بجواره في الخلف ملتصقة في الباب، مسبلة عيناها ولا تنطق ببنت شفاه ، من وقت أن اخبرها بعرضه وعرفت نيته، وهي على هذه الحالة ، كم مرة سألها وهي تجيبه بكلماتٍ مبهمة مقتضبة، أصابت رأسه الحيرة من جمودها وغموض موقفها، يريد استشعار رد فعل واحدة تؤنبه بشئ ولا يجد الطريقة.
– ااا كفاية لحد هنا وقف ياا.
قالت زهرة فجأة تخرج عن جمودها ، انتهزها فرصة ليخاطبها:
– يستنى ليه؟ هو انت بيتك هنا؟
سألها يقصد أحد الأبنية الكبيرة في الميدان ، أجابته على مضض:
– لا حضرتك احنا بيتنا في الحارة اللي ورا الميدان ، وقف هنا يااخ اا.
– اوقف ياباشا؟
قال السائق مخاطبًا جاسر الذي تفهم موقفها ، وأومأ له بالموافقة ، وفور أن توقفت السيارة قبض على مقبض الباب بجوارها مع ترك مسافة اَمنة بينهم قبل أن تترجل منها ، هامسًا :
– زهرة ، حاولي تفكري كويس في الكلام اللي قولته، انا مش مستعجل على الرد، خُدي وقتك .
اومأت برأسها دون أن ترفع انظارها اليه حتى تركها تترجل ، فخرجت مسرعة دون ان تلتفت ولا حتى تلقي السلام مع مغادرتها .
…………………….

تسير مسرعة بخطواتها وقد تنفست اَخيرًا الهواء الطبيعي بعيدًا عن محيط هذا الرجل ، مازالت حتى الاَن لا تصدق ماسمعته منه ، اَخر ما كانت تتصوره ان تلقى عرض الزواج من جاسر الريان نفسه، ذلك المتجبر والذي لطالما أخافها بتجهمه وجموده يطلب منها الاَن الزواج وفي السر ؟!
– زهرة ، زهرة .
التفت برأسها نحو مصدر الصوت وجدت أباها أمام مدخل ورشته يشير اليها بيده ليوقفها .
حركت رأسها أليه باستفسار، فأشار بيده لتذهب اليه ، اذعنت مغيرة اتجاه عودتها لترى مالذي يريده منها .

بعد قليل وبعد أن استمعت منه وهي جالسة أمامه بجمود متكتفة الذارعين، عاقدة حاجبيها، تنظر اليه بصمت .
– ها يازهرة ماسمعتش ردك يعني ؟
رددت خلفه :
– ردي في إيه بالظبط ؟
– ردك في اللي بحكي فيه بقالي ساعة ، في المصيبة اللي ورطتوني فيها انتِ وخالك وخطيبته واخوها الظابط، فهمي حالف ليطين عيشيتي بسببكم .
– بسببنا !!
تفوهت بها زهرة وهي على وشك الإنفجار ردًا على كلمات والدها ، وتابعت تجاهد ببعض التماسك .
– يعني انت تشرب وتاخد فلوس من واحد زي فهمي ، عارفه كويس ، وعارف نيته الوس…… ناحية بنتك ، واما خالي يتحرك عشان يدافع عني مع خطيبته المحترمة واخوها اللي بينفذ القانون مع واحد لبس العيال الصغيرين في السجن وخرج هو منها زي الشعرة من العجين عشان يحاسبك على غلطك معاه ، تقوم تحط غلبك فينا احنا !
وقف محروس قبالها مشددًا على كلماته :
– ماهو انتِ السبب ، لو كنتِ وافقتي من الأول مكانش دا كله حصل ، الراجل عايز يتاقلك بالدهب بس انتِ ترضي، هاتلاقي فين في حارتك الفقرية دي واحد زيه؟ واحدة غيرك كانت خدتها فرصة وخدت منه اللي هي عايزاه ، بس انتِ فقرية….
قاطعته صارخة :
– إييييييه؟ هي بيعة وعايز تكسب فيها ؟ ولا انا متحرم عليا اعيش اللي بتعيشه أي بنت في جوازة طبيعية مع واحد مناسب لها، بتحبه ويحبها ؟ ولا……..
توقفت بحلقها الكلمات تبتلع الغصة ، لاتدى ان كانت موجهة كلماتها له ام لهذا الذي سبقه منذ قليل، فذهبت من أمامه مغادرة قبل أن تنفجر به مخرجة ماتراكم مافي قلبها نحوه منذ سنوات
ولجت لداخل بنايتها الذي أتت اليه مهرولة ، فتوقفت على أول درجات السلم تلهث بتعب من كل ما مر بيومها ، أخرجت هاتفها من حقيبتها الذي كان على وضع الصامت، فتفاجئت بكم الاتصالات الهائلة من غادة ، تجاهلتها واتصلت بمن تستطيع مساعدتها بالفعل،
– الوو… ايوة ياكاميليا ، تعالي والنبي اللحقيني بسرعة، انا حاسة نفسي في مصيبة.
…………………………..

– يابت اهمدي بقى خايلتيني ، يخربينك
قالت إحسان مخاطبة ابنتها التي تقطع الغرفة أمامها ذهايابًا وإيابًا وهي تتاَكل من الغيظ، ردت غادة وهي تشير اليها بالهاتف :
– تعالي وشوفي بنفسك كام مرة اتصل بيها والست هانم مابترودش، طبعًا ماهي شافت نفسها عليا، بعد ما بقت تركب عربيات مع رجالة غريبة.
هتفت إحسان لتوقفها:
– يابت اعقلي بقى وبلاش كلامك ده اللي يودي في داهية، انتِ عايزة تأذيها وتأذي نفسك معاها؟
– وأذي نفسي معاها ليه بقى ها؟ كنت ركبت معاهم مثلًا وانا مش دريانة؟
تفوهت بها غادة وهي تمد برقبتها نحو والدتها الجالسة على طرف التخت أمامها، زفرت إحسان قبل أن تجذبها وتُجلسها عنوة بجوارها لتخاطبها :
– طب اقعدي بس واسمعي مني، كلام الجنان ده ماتهلفتيش بيه قدام حد ، عشان مايوصلش للبيه بتاعكم ويكدرك يابت الخايبة، او يطردك من شركته، دا انت ماصدقتِ تلاقيها .
ردت غادة وهي تضر,ب بكفيها على ركبتيها من الغيظ:
– طب اعمل ايه بس يامٌا؟ انا قاعدة محلك سر ، والهانم اللي طول عمري بقول عليها خايبة، شكلها كدة اتعلمت تلعب من ورا ضهري، بعد مااتقدمت عليا، هي والمحروسة كاميليا.
مطت شفتيها إحسان قائلة باستخفاف :
– ولا أي حاجة ياعين امك، عشان زهرة دي اللي انتِ خايفة منها ، ابوها مورط نفسه في مصيبة مع فهمي بسببها ، واخد منه فلوس بالهبل مهرها والبت رافضة، وفهمي حالف لخالك ياينفذ ويتجوزها ، يايجيبلوا الفلوس على داير مليم خلال اسبوع ، وانت طبعًا عارفة خالك ، ايده والأرض.
– يعني خالي لو غُلب في أمره ، هايجوزوا زهرة ؟
تسائلت غادة بابتسامة ترتسم على محياها ، ردت إحسان:
– أمال تفتكري يعني، خااالك هايقدر يسد ويدفع الفلوس في اسبوع .
نفت تحرك رأسها بارتياح وهي تعتدل بجلستها واضعة قدم فوق الأخرى تردد:
– ساعتها بقى اَخد انا مكانها عند جاسر بيه ، ماانا مش هافوت دي عند كاميليا ، مش هي وعدتني انها تتوسطلي بترقية، وساعتها بقى يبتدي الشغل الصح .
……………………………..

– معقووول ؟ انتِ بتتكلمي جد؟
سألتها كاميليا فاغرة فاهاها، وهي تهز برأسها وترمش بعيناها بعدم تصديق لما سمعته منها ، ردت زهرة بغضب :
– أمال يعني هاكون بهزر انتِ كمان؟ دي مصيبة واتحطت فوق راسي، قال وانا اللي كنت بسأل نفسي على عاميله الغريبة معايا ، اتاري البيه كان حاططني في دماغه وانا مش دريانة.
اومأت لها كاميليا بتفكير :
– عندك حق، انا عن نفسي في مرة من المرات شكيت ، بس استبعدت الفكرة من دماغي فورًا ، عشان معرفتي البسيطة بجاسر ، مخلتنيش اتوقع منه أبدًا حاجة زي ، بس انتِ هاتردي تقولي إيه؟
– ودي فيها رد ؟ انا مش معتبة الشركة دي تاني نهائي، وخلي الباشا يدورلوا على واحدة غيري بقى.
قالت زهرة بانفعال ردًا على سؤال كاميليا التي اعترضت :
– لا طبعاً ماينفعش الكلام اللي انتِ بتقوليه ده ؟ هو محل ملابس، دي وظيفة في شركة محترمة يابنتي ، يعني في أصول قبل ما تتصرفي بأي تصرف
هتفت زهرة بانهيار :
– اصول ايه بس ياكاميليا ؟ دا انا كنت بخاف منه من غير سبب، دلوقتِ بقى عايزاني اشتغل معاه وانا عارفة بنيته ناحيتي، دا ايه المرار ده بس ياربي.
زحفت كاميليا لنتحشر بجوارها تحت الفراش كي تضمها اليها، مربتة على ذراعيها تخاطبها بتهوين :
– على فكرة اللي انتِ شايفاه مرار ده ، في غيرك هايمو,ت عليه، جاسر الريان ده مش راجل هين ، كون انه يبصلك دي حاجة كبيرة قوي تديكي ثقة في نفسك، تعرفك انك جميلة ومرغوبة بجد .
ردت زهرة ورأسها مستريحة على كتف كاميليا :
– كل ده ملوش قيمة عندي ياكاميليا ، انا عمري ماحلمت بواحد زي جاسر ده يبصلي، طول عمري بحلم بالعش اللي يضمني مع واحد يحبني واحبه، يكون مُتعلم ومتوظف في الحكومة أو شركة كويسة عشان ماتبهدلش في العيشة معاه، وانا اساعده بمرتبي، نعمل فرح الشارع كله يشهد عليه و نربي ولادنا بلقمة حلال، انا نفسي في عيشة عادية زي بقية البنات ياكاميليا ، حرام اعيش عيشة عادية؟
قالت كاميليا بحنان وهي تزيد بضمها :
– لا ياحبيبتي مش حرام أبدًا طبعًا ، أكيد ربنا هايديكي اللي بتحلمي بيه واكتر كمان ، بس تبقي قوية وماتخافيش من حد، ولو عايزة ترفضيه ، ارفضيه بقلب قوي كمان، ولو عالوظيفة تغور الوظيفة وان شاء الله ربنا يعوض باللي أحسن منها .
رفعت زهرة رأسها ناظرة إليها لتخاطبها برجاء :
– صح ياكاميليا، يعني انا ممكن اقول له لأ ،
واسيبلوا شركته واغور من وشه ؟
– ممكن طبعًا.
– طب ازاي ؟
– هاقولك ، بس قومي تعالي معايا الاول طمني رقية ، دي هاتمو,ت من القلق عليكي .
قالت كاميليا وهي تسحبها لتنهض معها عن التخت ، استجابت زهرة لتخرج من الغرفة التي لازمتها من وقت أن عادت الى المنزل، لتذهب الى رقية التي كانت جالسة على دكتها بوسط الصالة، تسبح على مسبحتها بقلق على حفيدتها، وفور أن رأتها تهلل وجهها فهتفت بسخرية متصنعة الغضب:
– هل هلالك شهر مبارك ، اَخيرًا ياحلوة اتهز بيكي السرير وقومتي عشان نشوف وشك ؟
ردت بابتسامة زهرة قبل أن ترتمي تدخل في أحضان جدتها التي شددت عليها بذراعيها تنهرها بعتب :
– برضوا دي عمايل يازهرة ، تسبيني كدة على نا,ري بقعدتي هنا من غير ماتطمنيني عليكِ وانا هامو,ت واعرف اللي صابك .
ردت بصوت مكتوم داخل ح.ضن جدتها :
– بعد الشر عليكِ ياستي، سمحيني مش هاتكرر تاني .
– لا كرريها ياختي عشان ادخل فيكِ السجن المرة الجاية .
قالت رقية بمزاح كعادتها استجابت له زهرة ضاحكة ، وردت كاميليا مضيقة عيناها.
– ياشرس انت، ماكنتِ زي القطة من شوية بس .
لوحت لها رقية بقبضة يدها مهدد بحزم مصنع :
– بس يابت انتِ، عشان ماحطش غلبي فيكِ دلوقتِ وانا على اَخري أساسًا وايدي بتاكلني .
هتفت كاميليا وهي ترتمي بجوارهم :
– ياااولد ياجااامد ، طب انا نفسي اجرب ايدك بجد بقى ياللا يارقية.
لكزتها رقية بخفة قبل أن تجذبها هي الأخرى داخل أحضانها مع زهرة، فخاطبت الاثنتان سائلة”
– عايزة اعرف منكم بقى ، ايه السبب اللي خلى زهرة تزعل كدة؟
– ضغط شغل ياستي .
خرجت من فاه الاثنتين ، قبل ان تلكزهم بقبضتها غير مصدقة :
– ضغط شغل برضوا ياولاد الجزمة…… فاكريني عبيطة؟
………………………
في اليوم التالي
كانت جالسة على مكتبها تردد في الأدعية والسور الحافظة ، واطرافها ترتشعش من الخوف في انتظاره، تشعر بجفاف حلقها كل دقيقة ، لترتشف من زجاجة المياه الموجودة على سطح المكتب، ثم تعود لترديد الأدعية مرة أخرى ، أجفلت حينما ولج فجأة اليها داخل الغرفة الواسعة بخطواته السريعة، قبل أن يبطئها وهو يقترب منها ، وقفت هي احترامًا له.
– صباح الخير
القى التحية وعيناه تتفحص وجهها بدون تحفظ كعادته، خرج صوتها برد التحية بصعوبة وعيناها لا ترفعها اليه:
– صباح الخير يافندم .
– عاملة إيه ؟
أجفلها بسؤاله فارتفعت عيناها اليه دون إردتها تومئ برأسها :
– تمام يافندم والحمد لله، ااا انا كنت عايزة اقولك اي….
– تعالي المكتب جوا وقولي اللي انتِ عايزاه ، انا مستنيكِ.
قال كلماته وخطى ذاهبًا نحو مكتبه على الفور، ارتفعت شفتها العليا وهي تنظر في اثره مرددة بدهشة :
– هو فاكرني هاقوله إيه ده ؟
……………………………

بعد قليل وبعد ان قرأت الاَيات المنجيات على باب مكتبه ، وفعلت تمارين الشهيق والزفير عدة مرات قبل أن تطرق ويسمح لها بالدخول ، وصلت لتقف أمامه ودون أن تنطق ببنت شفاه وضعت الورقة التي بيدها على سطح المكتب.
– إيه دي ؟
سألها قاطبًا وهو يرمق الورقة التي أمامه بنظرة سريعة، ظلت هي على صمتها ، مطرقة راسها للأسفل، تناول الورقة ليقرأها، فارتفع حاجبيه يردد بدهشة:
– دا طلب استقالة ، افهم من كدة ان دا ردك على عرضي ؟
ابتلعت ريقها وهي تجاهد للسيطرة على ضربات قلبها السريعة لتجيبه بتماسك :
– لا طبعًا حضرتك بس دا منعًا للحرج .
– مش فاهم يازهرة وضحي أكتر، موافقة على عرضي ولا لأ.
قال بحدة ويده تطرق بالقلم على سطح المكتب ، استجمعت شجاعتها وهي تتذكر توصيات كاميليا لها بالأمس، فنفت برأسها المتشنجة تردد:
– لا حضرتك ، وارجو منك تتقبل أستقالتي .
صمت قليلًا وظل صوت قلمه الذي يطرق به على سطح المكتب هو سيد الموقف ، وظلت هي على وضعها لاتستطيع أن تواجه عيناه التي تشعر بسهامها المسلطة عليها تكاد أن تُرديها قتيلة ، ثم مالبث أن يرد بهدوء مريب أدهشها:
– تمام يازهرة، دا كان عرض مني وانتِ رفضتيه براحتك طبعًا.
رفعت اليه عيناها تسأله :
– طب والإستقالة حضرتك هاتمضيلي عليها طبعًا مش كدة؟ .
حرك رأسه بالرفض قائلًا باقتضاب :
– لأ .
– لأ ليه حضرتك ؟
سألته تريد تفسيرًا ، أجاب بلهجة مسيطرة :
– عشان مش انا الراجل اللي يغصب واحدة ست على جوازه منها، ولا انا الرئيس اللي يضيق على موظفته عشان رفضت عرضه، انا قولتلك براحتك يعني مافيش داعي لمخاوفك دي كلها .
تنفست قليلًا وقد أدخلت كلماته بعض الإرتياح بقلبها ، فقالت مستغلة طيبته الجديدة عليها :
– طب مدام كدة يافندم ، يبقى رجعني تاني لمكتب الأستاذ مرتضى ، احسن برضوا .
– اخرجي دلوقتي يازهرة.
– نعم !
اردفت بها مندهشة لتجد ملامح وجهه تحولت فجأة وعاد الى تجهمه المعتاد مع انقلاب حاجبيه وهو يهدر عليها:
– الموضوع وخلاص اتقفل، يبفى قفلي على كدة انتِ كمان وارجعي شغلك حالاً ، دلوقتِ يازهرة .
مع صيحته الاَخيرة انتفضت ترتد بأقدامها لتخرج مغادرة من أمامه على الفور .

خارج مكتبه تنفست الصعداء اخيرًا واضعة يدها على قلبها الذي هدأت سرعاته قليلًا ، زفرت وهي تسقط على كرسي مكتبها ، تمسح بكفيها على وجهها حامدة ربها على مرور هذه اللحظة العصيبة وانتهاءها على خير ، وجدت هاتفها يصدح بدوي صدور مكالمة ، التقطته سريعًا لتجيبها على الفور :
– الوو…… ايوة ياكاميليا .
– عملتي ايه يازهرة طمنيني ؟
زفرت مرة ثانية مع سؤال صديقتها الذي أتى سريعًا قبل أن تجيبها وعيناها على باب مكتبه، بصوت خفيض وحذر :
– هو قالي براحتك انك ترفضي أو توافقي وانا مبغصبش واحدة ست على جوازها مني ولاهاضيق عليكِ عشان رفضتيني .
ردت كاميليا :
– طب كويس والله راجل محترم .
هتفت زهرة جازة على أسنانها :
– أيوة ياختي بس مرديش يمضيلي عالإستقالة او حتى يرجعني عند الأستاذ مرتضى ، يعني مشكلتي معاه مستمرة ، انا بخاف منه بجد ياكاميليا، ونفسي بقي الاقي حل لمشكلتي دي.
ردت كاميليا بحزم من جهتها :
– بس يابت اعقلي كدة وخليكِ جامدة ، تخافي منه ليه ان شاء الله هو هاياكلك؟ مدام طمنك من جهته يبقى خلاص بقى ، شوفي شغلك تمام عشان ماتديهوش فرصة يضيق عليكِ زي ماقال ، وعلى فكرة بقى ، جاسر الريان محترم بجد يعني مابيقولش كلام في الهوا، فاطمني بقى.
ردت زهرة وهي تستوعب كلمات صديقتها
– يارب ياكاميليا يطلع كدة زي ماقولتي ، عالعموم انا ححاول اللتزم زي ماقولتِ واما اشوف اَخرتها إيه.
– اَخرتها خير ان شاء الله .
– طب بقولك إيه؟ ماتنسيش بقى ميعادنا، عايزة اللحق البنك قبل مايقفل.
قالت زهرة وردت كاميليا بسؤال :
– تمام انا معاكِ ، بس انتِ ميعاد انصرافك على تلاتة العصر ، جاسر الريان هايسمحلك بقى بالانصراف بدري .
خبطت زهرة بكفها على جبهتها بإحباط مرددة:
– مش عارفة .
……………………………

مر اليوم بعملها بروتيتية عادية دون تغير تشعر به ، سوى تجاهله لها كلما دلفت اليه بمستند او ملف ضروري ، يومئ لها بيده على سطح المكتب لتضعه أمامه، دون أن يرفع رأسه اليها، ومن جهتها كانت تعمل بجدية وتركيز حتى لا تعطيه فرصة للتضيق عليها كما ذكرت كاميليا، ولكن ارتباطها مع كاميليا للحاق بميعاد البنك قبل ان يغلق ، جعلها على صفيحٍ ساخن من القلق ، حتى أجمعت أمرها للدلولف اليه بشجاعة وطلب الإنصراف مبكرًا عن موعدها
……………………….

– نعم يا اَنسة وعايزة تخرجي بدري ليه ان شاء الله؟
كان رده بسؤاله السريع على طلبها ، أجفلت من عودة فضوله الغريب نحوها ، وحاولت الرد بزوق وعدم الخطأ :
– عادي يافندم ، عايزة اخرج بدري في أمر ضروري يخصني.
ترك مابيده واعتدل بظهره للخلف بالمقعد يسألها بسماجة وتصميم :
– وانا بقى يازهرة ماينفعش اسمحلك بالانصراف، غير لما اعرف السبب واشوفه يستاهل ولا لأ.
– من فضلك ياجاسر بيه ، انت قولت بنفسك انك مش هاتضيق عليا ، وانا دلوقتِ بترجاك في أمر ضروري .
أجفلته بجرأتها على تذكيره بوعده اليوم لها ، ضيق عيناه واصبح يصك على فكه غيظًا منها ومن رأسها العنيدة ، ثم رد على مضض وهو يزفر من أنفه دخانًا:
– ماشي يازهرة هاسمحلك بالانصراف ، عشان مابقاش المدير الظالم اللي بيضيق على الموظفة اللي عنده.
انتشت داخلها وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامة النصر ، فتحركت لتخرج مستنئذنة بلطف :
– الف شكر ليك يافندم ، عن اذنك بقى .
أوقفها هادرًا فور أن التفت تنوي الخروج من مكتبه :
– بس بقى مافيش بريك النهاردة يازهرة.
استدرات بكليتها اليه وعلى وجهها ابتسامة جميلة ، أنسته موقفها العنيد ورفضها له اليوم بل أنسته نفسه ، وهي تقول بأدب :
– تحت أمرك يافندم .
وخرجت من أمامه متهادية بخطواتها رغم شعورها بعدائيته نحوها وصوت أنفاسه الهادرة خلفها تكاد أن تصل لأذنها .
…………………………..

فور خروجها تفاجأت بغادة الواقفة أمامها بجوار المكتب .
– غادة انتِ هنا من إمتى ؟
سألتها زهرة وهي تتوجه ناحية الجلوس خلف مكتبها ، ردت غادة وهي متكتفة الذراعين :
– انا هنا من زمان ياحبيبتي ، انتِ اللي اتأخرتي جوا ، كل ده بتشتغلوا ؟
أجابتها زهرة بحسن نية وعدم تركيز :
– أمال يعني هاكون بلعب انتِ كمان ؟ المهم بقى انت ليه جيتي الشغل بدري النهاردة ومااستنتنيش اَجي معاكي زي كل يوم ؟
– عادي يعني ، ماانت كمان بقيتي تروحي عالبيت من غير ماتقوليلي .
قالت غادة بتلميح عن الأمس فهمته زهرة فردت تجيبها :
– يابنتي امبارح كنت في ميعاد شغل مع جاسر بيه ، معلش ملحقتش اقولك وحتى من تعبي بعد ماجيت، نمت زي القتيلة ومارديتش على اي حد في التليفون .
– امممم
صدرت منها مبهمة ثم تابعت وهي تلعب بخصلة من شعرها :
– طب وعلى كدة بقى انت هاتروحي معايا النهاردة ولا برضوا معاكي مشوار مع الباشا؟
أسبلت عيناها زهرة وقد انتبهت اَخيرًا على تلميحاتها ، فقالت مصححة ومشددة على كل حرف :
– ماسموش ميعاد مغ الباشا، اسمه ميعاد شغل ، الراجل اللي جوا ده يبقى مديري وانا السكرتيرة بتاعته، مش رفيقته ولا صاحبته ، وردًا على سؤالك ، لا ياستي مش ماشية معاكي النهاردة ، عشان عندي مشوار مهم مع كاميليا ، هاتاخدني بعربيتها توديني البنك عشان اوفر عليكِ السؤال كمان .
قالت غادة بعكس مايدور بنفسها :
– يعم وانا مالي ، تاخدك بعربيتها ولا تجيبك حتى ، انتِ فاكراني هابصلكم كمان ولا إيه ؟
همت لترد زهرة ولكن دوى صوت هاتف المكتب الداخلي ، فتناولته لترد ، فتفاجأت بصياحه :
– فين ملف مناقصة الحديد يازهرة ، انا مش منبه عليكِ تجيبيه .
– يافندم ماهو عندك مع بقية الملفات اللي دخلت بيها من شوية .
صرخ هادرًا حتى كاد أن يصم أذنها :
– هو انا لو شوفته ولا لقيته ، كنت هاتصل بيكِ وازعجك ياست زهرة، اخلصي يالا اتصرفي واجيببه .
– ططيب ثواني هادخل واشوفوا .
قالت بتلعثم ثم تحركت سريعًا نحو مكتبه ، تاركة غادة التي تتلاعب بشعرها بعدم اكتراث .
دلفت اليه تشير بيدها أمامه نحو سطح المكتب :
– انا جيبته مع مجموعة الملفات اللي دخلت بيها من نص ساعة ، ممكن تكون اللي قدامك دي .
– اتفضلي طلعيه انتِ بنفسك ، انا مش مدور على حاجة .
هتف غاضبًا وهو يض,رب بقبضته على سطح المكتب أمامها ، تحركت باَلية نحو خلف المكتب بجواره، تبحث عن الملف بتركيز وسط المجموعة المذكورة وبعض الملفات المتناثرة بفوضوية امامه.
ورغم المسافة الاَمنة بينهم إلا انه ارتبك فجأة مع حضورها بجواره، أسكرته رائحتها المسكية، والتي لا يعرف ان كانت هذا عطرًا ام أنه شئ اَخر لا يعلمه، توقف عقله عن العمل وتوقف الزمان والمكان وهو يشعر بحضورها قد ملأ المحيط من حوله .
استقامت فجأة ملوحة له بالملف :
– أهو يافندم ، الملف اللي انت طالبه .
اشار بيده اليها لتضعه أمامه ، فاقدًا القدرة عن الكلام أو تصنع الجديدة ، أذعنت تنفذ أمره باستغراب وتخرج بناءًا على إشارة سبابته لها للخروج .
بعد مغادرتها ظل لبعض اللحظات يجاهد لاستعادة ذهنه جيدًا وهو يفرك بكفه على صفحة وجهه، حتى فاض بهِ ، فدفع بقلمه الذهبي نحو الحائط بقوة ليقع منكسرًا على الأرض ، وبسرعة تناول هاتفه يتصل بيده اليمنى كارم والذي ما ان أجاب ، خاطبه جاسر بأمر :
– اسمع ياكارم ، سيب اللي في إيدك وتعالالي حالًا دلوقتي ، عايزك ضروري

الفصل الرابع عشر

تقود سيارتها وصوت ضحكاتها التي لا تتوقف تكاد تصل للمارة في الشارع ، حتى انها كانت تضر,ب بكفيها على عجلة القيادة من فرط مرحها ، مما اضطر زهرة التي كانت تشاركها الضحك للكزها بمرفقها على خصرها حتى تنتبه للطريق :
– يابت بس الله يخربيتك هاتودينا في داهية .
– مش قادرة والنعمة ماقادرة ههههههه.
لكزتها مرة أخرى قبل ان تيأس منها وتوجه نظراتها نحو النافذة ، وبعد أن هدأت كاميليا قليلًا خاطبتها :
– ماتزعليش مني لو كنت غلست عليكِ ، بس بجد انا مش قادرة، جيبتي منين الجرأة دي يازهرة ؟ ومع مين ؟ مع جاسر الريان ؟
أجابتها زهرة بابتسامة شقية:
– والله مااعرف اهي جات كدة بقى ، بس كمان هو خنقني بإصراره انه يعرف رايحة فين ؟ وانا بقى دبيت الجملة وانا بايعة بصراحة، يطردني بقى يقعدني ، براحته .
ردت كاميليا وهي تضحك بمكر :
– بعد اللي قولتيه دا ياحبي ، لايمكن اتوقع انه يطردك، بقى جاسر الريان ياناس، يسمح لموظفته انه تتحداه كدة، دي حاجة ولا في الخيال .
خبئت ابتسامة زهرة وهي تسألها بارتياب:
– تقصدي ايه ياكاميليا بكلامك ده ؟
أجابتها كاميليا بابتسامة :
– بصراحة مش عارفة، بس انا اسمع يعني عن المثل اللي بيقول ، حبيبك يبلعلك الزلط .
– حب ايه وكلام فارغ ايه انتِ كمان؟ قفلي عالسيرة دي ياكاميليا قفلي .
قالت زهرة وقد تغير لون وجهها وشحب، ردت كاميليا التي انتبهت لها :
– خلاص ياستي هاقفل ولا تزعلي .
زهرة بتردد :
– مش حكاية ازعل، بس انا مصدقت اني خلصت من الموضوع ده ، مش عايزة افتح فيه تاني .
ابتعلت كاميليا كلماتها حتى لاتزعجها، وفضلت تغير مجرى الحديث :
– طب ايه ؟ احنا وصلنا المنطقة اللي انتِ قولتي عليها ، مكتب الراجل السمسار دا فين بقى؟
أجابتها زهرة وهي تشدد بذراعيها على حقيبة النقودة الموضوعة بحجرها:
– اخر الشارع ياكاميليا ، هتلاقي يافطة كبيرة اوي مكتوب عليها باللون الأخضر اسم السمسار ماهر بركات.
قادت قليلًا كاميليا حتى وصلت للعنوان المذكور، فوقفت بسيارتها امام البناية التي معلق عليها اليافطة ، ترجلت هي وزهرة التي كانت تحتضن في حقيبة النقود بتخوف ، حينما دلفن الى داخل المكتب وجدن الساعي فقط أمامهم ينظف أرضية المكتب، سألته زهرة :
– السلام عليكم، استاذ ماهر بركات موجود؟
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، لا حضرتك، ماهر بيه خرج مع زبون من شوية .
كان رد الساعي ، سألته زهرة بتوجس :
– طب وهايرجع امتى، انا عايزاه ضروري .
– والله حضرتك معرفش هايرجع امتي ، بس هو مدام اتأخر كدة يبقى أكيد بيفرج الزبون على اماكن تانية وممكن يستنى مايرجعش المكتب تاني النهاردة .
– يعني مافيش فرصة انه يرجع النهاردة؟
سألته كاميليا فكان رد الرجل بضحك :
– والله حضرتك لو عايزة انتِ والاَنسة تستنوا براحتكم ، بس انا مضمنش بقى انه يجي مدام اتأخر كدة.
تبادلت الفتاتين النظرات بإحباط ، قبل أن يغادرن بيأس .
في طريقهم للعودة للمنزل خاطبتها كاميليا :
– خلاص يازهرة ، النهاردة بكرة واحدة يعني مفرقتش .
ردت زهرة بحزن :
– لأ فرقت ، عشان انا كنت عايزة افش غلي دلوقتِ وارميهم في وشه ابن الورمة ده ، بعد ما هددني اَخر مرة انه هايفسخ عقد الشقة لو اتأخرنا أكتر من كدة .
عادت كاميليا للضحك مرة أخرى مرددة لها :
– بقيتي شرسة أوي انتِ يازهرة ومعندكيش صبر ، طب ما احنا نيجي بكرة ان شاء وبرضوا نرميهم في وشه ، زعلانة ليه بقى ؟
– زعلانة عشان هاستغلك واتعبك معايا تاني ، ماهو انا بصراحة ماينفعش انزل بالشيلة دي في الموصلات ، الواحد مايضمنش .
قالت زهرة ببعض الحرج ، وردت كاميليا بترحاب :
– ياستي استغلي براحتك وانا موافقة، هو انا جايبة العربية وبدفع اقساطها اللي بالشئ الفلاني دي كل شهر ليه بقى ؟ عشان ابات فيها مثلًا؟
– طب والمصيبة اللي على رجلي دي هاعمل فيها إيه من هنا لبكرة وانا عندي شغل بكرة الصبح .
سألتها زهرة بحيرة، أجابتها كاميليا بلهجة مطمئنة :
– يابنتي سيبيها في البيت وانا هعدي عليكي بعربيتي أخدك من الشغل على بيتكم ، تسحبي الشنطة وبعدها نروح عالسمسار على طول نخلص .
تنهدت زهرة قائلة بامتنان :
– ريحتي قلبي بكلامك ده، ربنا يريح قلبك ياكوكو وتتجوزي اللي انتِ بتحلمي بيه؟
رددت خلفها كاميليا وهي تتنهد بابتسامة حالمة :
– يارب يااختي يارب
……………………

طلبتها للجواز كدة على طول من غير مقدمات ؟ طب كنت جرب الأول الطرق الودية، يمكن كانت لانت معاك من غير جواز أصلًا .
سأله طارق بدهشة وهو جالس معه أمام بار المشروبات في الملهي الليلي، رد جاسر بنزق وهو يرتشف من كأس المشروب الذي بيده :
– زهرة محترمة ماينفعش معاها أي طريق تاني غير الحلال.
– ياسلام طب أهي رفضتك ياناصح ، دي تلاقيها خدتها فرصة وقالت تطمع فيك.
ردد جاسر ردًا على كلمات صديقه.
– تطمع في إيه ؟ دي قدمت طلب استقالة وكانت عايزة تسيب الشغل .
– كمااان!
اردف بها قبل أن يرتشف من مشروبه هو الاَخر ، ثم قال بتفكير وهو يستوعب كلماته :
– دي جريئة أوي بقى انها ترفض جاسر الريان ذات نفسه ، هي تطول واحد زيك أساسًا يبصلها ؟
رمقه جاسر بنظرة حانقة قبل يرد بابتسامة جانبية ساخرة :
– زهرة مش جريئة أساسًا على فكرة ، بالعكس بقى دي بتخاف من خيالها ، بس بقى هي دماغها ناشفة حبتين وتفكيرها مختلف شوية .
– طب وانت تتعب نفسك معاها ليه؟ اقبل استقالتها وريح دماغك .
تنهد بثقل وهو ينظر لكأسه صامتًا لعدة لحظات وانتبه عليه طارق الذي كان يحدق بهِ بتفكير، ثم قال باقتضاب :
– مش قادر ياطارق ، مش قاااادر.
هم ليرد طارق ولكن أوقفه ظهور إحدى الفتيات من عاملات الملهى وهي تتقرب منهم بملابسها العارية وابتسامة لعوب على شفتيها توقفت فجأة من نظرة مخيفة رمقها بها جاسر ، قبل أن يشير لها بسبابته فارتدت هاربة من أمامهم.
ردد طارق الذي تابع ذهاب الفتاة بأسى:
– يخرررب عقلك حرام عليك طفشت الرزق ، إيه ياأخي؟ هي البت لحقت تتكلم حتى ؟ طب نديها فرصتها، يمكن تطلع كويسة وتنسيك البت اللي شاغلة تفكيرك دي.
اومأ بذقنه جاسر قائلًا بازدراء :
– انتِ عايزة دي….. تنسيني زهرة ؟
قطب طارق يقول بابتسامة مندهشًا :
– غريب أوي انت ياصاحبي، مرة تبقى زير نسوان ، كل يوم مع واحدة شكل ، ومرة تكرهم مرة واحدة وبعدها ترجع مصمم على واحدة بس ، وكأن متخلقش غيرها؟
رد جاسر بجدية:
– اولًا انا عمري ما كنت بتاع نسوان وانت عارف كدة كويس ، دي كانت فترة وعدت بعد ماخفيت ورجعت للحياة بعد الحادثة، اما بخصوص زهرة ….
صمت قليلًا بتفكير ثم استطرد :
– مش عارف بصراحة الاَقي تفسير للي بيحصلي بمجرد مااشوفها، عندي رغبة قوية إني امتلكها ومتبقاش لراجل غيري، أي همسة منها بتقت,لني من جوا .
قطب طارق مرة اخرى يتفحصه باندهاش والاَخر تابع بشرود :
– عليها ابتسامة بتح,رق قلبي لما اشوفها بتوجها لحد غيري ، ضحكتها من يوم ماسمعتها وانا بعيد تكرارها في عقلي ليل ونهار من روعتها ، كل حاجة فيها بت…..
قطع كلمته يتوقف عن استرساله وقد استفاق اَخيرًا ، ليجد صديقه يحدق بهِ مضيقًا عيناه بتركيز ويخاطبه :
– كمل ياجاسر ، وايه تاني؟
– أكمل ايه تاني انت كمان؟ هي حكاية ؟
قال جاسر بدفاعية مرتبكًا ، أجفله طارق يسأله :
– انت متأكد ان اللي حاسس بيه تجاه البنت دي مجرد رغبة ؟
ارتبك أكثر فنهض عن كرسيه فجأة قائلًا بتوتر :
– انت باينك متقل في الشرب وبتخرف وانا معنديش وقت ليك ياعم، سلام .
تفوه بكلماته وذهب على الفور أمام نظرات صديقه الذي ظل صامتًا يتتبع أثره حتى خرج من الملهى .
……………………….

وعند محروس الذي اللتزم مكانه بداخل المنزل ولم يعد يخرج سوى للعمل، بعد تهديد فهمي له وعصيان ابنته الذي يعلم تمام العلم ، أنه لو ضغط عليها سوف تتجه لخالها حامي الحمى دومًا لها، بالإضافة لخطيبته المحامية أو شقيقها رجل الأمن، ضر,ب جبهته بيأس وحيرة، وصداع رأسه يكاد يفتك بها ، لا يعلم ما الحل القريب لهذه المعضلة، كان يجب عليه أن يتروى قبل أخذه المال، ولكن كيف كان سيفعلها ورؤيته للمال الذي وضعه فهمي أمامه ليضغط على نقطة ضعفه وحاجته اليه ، شلت عقله عن التفكير، كيف يرفض واحتياجات رأسه من المكيفات أصبحت متوفرة فجأة وبكثرة ، كيف سيرد لفهمي مبلغه الاَن والذي تحصل عليه من الزبائن وتداين به لأصدقائه لا يكمل العشرة الاف؟ كيف سيقنع ابنته لترحمه من هذا الذل بموافقتها على فهمي؟ هو يعلمها جيدًا ، على قدر رقتها وهشاشتها فإنها تملك رأسٍ عنيدة كالثور، ولكنها طيبة فليعمل على هذه النقطة ويحاول معها من جديد..

في صباح اليوم التالي تفاجأت به زهرة وهي تهبط الدرج كي تذهب الى عملها ، واقفًا أمام باب شقته وعيناه للأعلى، كأنه في انتظارها، القت عليه التحية بتردد كي تتخطاه وتذهب :
– صباح الخير.
– صباح النور ، هاتمشي وتسيبي ابوكي في المصيبة اللي واقع فيها يازهرة .
ردد بتعجل كي يوقفها، فالتفت اليه ترد من تحت أسنانها :
– ياصباح ياعليم يارزاق ياكريم، يعني عايزني اعملك ايه بقى؟ هو انا اللي كنت وقعتك في المصيبة اللي انت بتقول عليها دي ؟
قال بمسكنة:
– لأ ماوقعتنيش، بس انا لما وافقت على فهمي كان غرضي انك تتستري مع واحد غني، يريحك من الشقا، وقبلت بفلوسه مهر عشان اجهزهك، بعد ما اسدد ديوني واشغل ورشتي من تاني .
ردت زهرة وهي تجاهد لضبط النفس:
– برضوا مش فاهمة ، انا ايه دخلي بوقعتك مع فهمي ؟ انت عارف من الأول اني مابطيقهوش ولا اطيق سيرته ، تقبل ليه تاخد فلوسه؟
– مالكيش دخل وانا غلطت ياستي ، بس اهو دلوقتِ ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، دا ممكن يخلص على ابوكي واخواتك يتشردوا يازهرة ، يرضيكِ يابنتي؟
التمعت عيناها وهي تحدق به صامتة بحزن ، فقد استطاع ان يجد مدخله أليها ، ثم ما لبثت ان ترد قائلة بأسى :
– كان نفسي اساعدك والله ، بس بصراحة مقدرش ، سامحني يابويا.
القت بكلمتها الاَخيرة وتحركت تهبط بقية الدرجات مسرعة من أمامه ، تخفي عنه سيل دمعاتها على وجنتيها بحزن يعصر قلبها.
تابعها بعيناه وهي تغادر، يجز على اسنانه من الغيظ.
– حتى حياتي هانت عليكِ يابت ال……. ماشى يازهرة ، ماشي.
ارتد ليعود داخل منزله يتناول وجبة فطوره قبل الذهاب للورشة ولكن استوقفه هذا الحديث الدائر بين صفية ووالدتها داخل غرفتها :
– والله ياماما زي مابقولك كدة ، الشنطة كانت متعبية بالفلوس اللي سحبتها زهرة من البنك امبارح ، دا انا اول مرة اشوف رزم الورق الجديدة وريحتها اللي تشرح القلب، ميات كلهم والورقة فيهم تجر,ح الطير زي ما بيقولوا .
– والله يابنتِ مافيش حاجة بعيدة عن ربنا ، خالد تعب وكبر قوي على ماقال ياجواز ، ربنا يقرب البعيد ويتجوز زميلته المحامية دي قريب بقى، قادر ياكريم .
قالت سمية ، ورددت من خلفها ابنتها بلهفة :
– ان شاء الله ياماما السنة دي يخلص اقساط الشقة، زهرة بعد ماترجع من شغلها النهاردة هاتسدد اقساط خمس اشهر يعني خمسين الف جنيه ، يبقى كدة سدد نص تمن الشقة والنص التاني هايبقى حاجة هينة ان شاء الله ، ياما نفسي احضر فرحه في قاعة زي اللي بنشوفها في التليفزيونات كدة ياماما ، دا هايبقى حلو قوي جمب مراته اللي زي القمر دي .
اكتفى بهذا القدر محروس وخرج على الفور بخفة كما دلف بخفة، يسوقه شيطانه ، غير عابئ بشئ سوى نجاة نفسه!
…………………. .

ينظر الى سيده الذي يقلب في اوراق الملف الذي أمامه ويقرأ فيها بتركيز ، وعدد من الأسئلة الملحة داخل رأسه ، يريد إجابتها .
– هي دي كل المعلومات اللي عندك ؟
سأله جاسر باهتمام ، اجاب كارم :
– حضرتك دي معلومات سريعة جمعتها بعد ماطلبت حضرتك مني امبارح .
– ابوها شغال منجد ! يعني إيه؟
اجاب كارم على سؤال سيده بابتسامة:
– منجد حضرتك، دا يبقى الصناعي اللي بيعمل مراتب القطن وكنب الصالون وحاجات شبهم .
– يعني راجل كويس ؟
ردد كارم بابتسامة متوسعة:
– كويس دا ايه بس ياباشا؟ دا راجل برشامجي وبيمشي بس بكيفه ، بنته اساسًا متربية مع خالها وستها بعد ما والدتها ما اتوفت واتجوز غيرها .
اومأ برأسه يستوعب الكلمات واستطرد كارم :
– انا شوفت البيت اللي ساكنينه ، حاجة بجد مؤسفة ، قديم قوي واَيل للسقوط ، تقريبًا المباني اللي في الحارة كلها اَيلة للسقوط، بس هو انت يعني شاكك في حاجة ياباشا؟.
– حاجة إيه اللي اشك فيها؟
سأله جاسر بعدم فهم ، رد كارم باضطراب :
– قصدي يعني في سلوك البنت أو سيرتها…….
– ماتكملش ياكارم احسنلك .
اجفله بمقاطعته الحادة مما اثار الريبة بداخله، أكمل جاسر باعين تقدح شررًا :
– انا لو شاكك فيها مش هاشغلها عندي أساسًا ، ثم دي حاجة تخصني، و انت من امتى بتسأل ولا تتدخل في أي حاجة بطلبها منك ؟
– اَسف ياباشا.
اعتذر بأدب ، تقبله جاسر واستطرد بأمر سلطوي:
– عايز معلومات تانية أكتر من كدة ، وطبعًا مش عايز أنبهك عالسرية .
…………………………..
خرج كارم من مكتبه وتوجهت عيناه على زهرة يخاطبها بزوق وهو يخطو بتمهل :
– عاملة ايه يازهرة النهاردة؟
اجابته رغم دهشتها :
– الحمد لله كويسة، متشكرة يااستاذ كارم عالسؤال .
– لا شكر على واجب ياستي ، الباشا جوا طالب الملفات اللي قالك عليها من شوية .
قال كارم بابتسامة وهو يومى بسبابته للخلف، ردت وهي تنتفض من جلستها تتناول الملفات المطلوبة :
– تمام ياكارم وانا جهزتهم ، حالًا داخلة بيهم .
– ربنا يعينك .
تفوه بها وخرج على الفور ، مما جعل زهرة تنظر في اثره لعدة لحظات بدهشة

بعد قليل وحينما دلفت اليه بداخل المكتب وبيدها عدد من الملفات لتضعها أمامه بعملية ، كان بجلسته على كرسيه لا يفعل شئ سوا النظر اليها ، ويده تتلاعب بالقلم الجديد .
– عايز حاجة تاني يافندم ؟
صمت قليلًا وعيناه لا تُحيد عنها ثم رد بتمهل:
– عدلتي الملف اللي قولتلك عليه من شوية؟
قالت وهي تشير بسبابتها نحو المجموعة التي أمامه :
– طبعًا يافندم وحتى شوف بنفسك .
– طلعيه وخليني اشوفه.
قال بلهجة مسيطرة وهو يومئ لها بعيناه نحوهم ، أذعنت لأمرها رغم دهشتها واقتربت من أمام المكتب تخرج له الملف المطلوب دون الألتفاف من ناحيته ، عيناها لا ترفعها اليه كالعادة ولكنها تشعر بتحديقه الفج بها دون حياء .
– اهو يافندم .
وضعت الملف أمامه واستقامت لترتد باقدامها للخلف تخاطبه:
– عايز حاجة تاني يافندم ؟
رمق الملف بنظرة سريعة ثم ارتفعت عيناه اليها بصمت ونفى برأسه .
ارتدت تخرج بعملية رغم استغرابها من حالته، اغمض عيناه هو بعد خروجها يتنهد بثقل ، ويدها تطرق بالقلم على سطح مكتبه بتفكير.
……………………………….

ايه دا بقى ؟ جبتهم منين دول ؟
سأله فهمي رافعًا حاحبه المقطوع في المنتصف وهو يتفحص في رزم النقود داخل الحقيبة التي أمامه على الطاولة، أجاب محروس بثقة وهو يجلس على مقعده مقابله:
– وانتِ مالك بقى جبتهم من انه داهية ؟ انت ليك فلوسك واتردتلك على داير المليم ، ليك حاجة تاني عندي ياباشا؟
ضيق عيناه فهمي صامتًا يحدق به بتفكير وهو ينفث دخان الشيشة من أنفه ، كرر محروس بثقة:
– ماردتيش يعني ياباشا، ليك حاجة تاني ؟
– حسك طلع يامحروس وشوفت نفسك ، شكلك كدة معبي ايدك ، مش ناوي تريحني وتقولي جبت الفلوس منين ؟
– يوووه هي شغلانة بقى؟ ماقولنا فلوسك واتردتلك ، انت هاتعملي فيها تحقيق ؟
بصق كلمته الاَخيرة ونهض يغادر من أمام فهمي دون استئذان ، والاَخر يتبعه بنظرة متشككة ، حتى جلس امامه أحد صبيانه ، يهمس له بجوار اذنه وكفه تشير نحو الحقيبة، استمع له فهمي ثم ردد بتساؤل :
– يعني الشنطة بتاعة زهرة! ودي جابت الفلوس منين؟
………………………………

بعد أنتهاء يومها في العمل وتوجهها للمغادرة مع غادة ، كانت كاميليا في انتظارها بجوار الشركة على الإتفاق .
– ودي إيه اللي جابها دي بعربيتها دلوقتِ؟
ردت زهرة على سؤال غادة وهي تخرج معها من الباب الرئيسي:
– جايا معايا هاتوصلني البيت ياستي ، فيها حاجة دي ؟
رمقتها غادة وحاجبها المرفوع بشر تردد:
– جايه توصلك انتِ لوحدك ، وانا إيه بقى؟ ماليش لازمة مابينكم ؟
– في إيه ياغادة ؟ هو انا معرفش اهزر معاكِ أبدًا، كل حاجة تاخديها كدة بنية وحشة، هاتوصلك طبعًا، وبعدها توصلني مشواري .
قالت زهرة وتمتمت الاَخيرة بصوتِ خفيض ، اثار فضول غادة لتسألها :
– انتِ بتقولي حاجة ؟
نفت زهرة برأسها تجيبها بابتسامة مصطنعة :
– لا حبيبتي هاكون بقول إيه بس؟ ماتخديش في بالكِ انتِ .
لوت غادة فمها قبل أن تهتف بنزق :
– ياختي اهو الغتت كمان وصل عندها عشان تكمل.
تنهدت زهرة بغضب من كلمات غادة التي وجهتها نحو عماد الذي وصل بالقرب من سيارة كاميليا وخرجت اليه هي تتحدث بمودة كعادتها، حينما وصلن الفتيات استقبلهم عماد بقوله ضاحكًا :
– طبعًا ياعم حقكم تدلعوا وتتأخروا براحتكم ، مدام معاكم اللي يوصلكم ويغنيكم عن مواصلات الحكومة ووجع القلب .
ردت كاميليا بمشاكسة:
– بطل قر بقى يخربيتك ، ايه يابني ؟ خف الحقد الطبقي دا شوية بقى .
– حقد طبقي !
هتفت بها عماد واستطرد ضاحكًا :
– خلاص اتخليتِ عن طبقة الشعب وانضميتي لطبقة البشوات عشان جيببتِ عربية نص عمر ، امال لو جبتيها اَخر موديل ، هاتعملي ايه ياكاميليا ؟
– ههاجر ههههه.
اردفت بها تلوح بكفها في الهواء ضاحكة ، وانطلقت معها ضحكاته مع ضحكات الفتايات التي رحب بهن عماد بعد ذلك ، فأصرت كاميليا على توصيله معهم ، كاد أن يرفض ، ولكن بنظرة واحدة منها تراجع لينضم إليهم ، زهرة في المقعد الأمامي بجوار كاميليا، وعماد في الكنبة الخلفية مع غادة التي التفت كي تفتح باب السيارة من الناحية الأخرى تجاوره على مضص، فتفاجأت بهذا الحارس الثقيل يغمز لها بعيناه من الناحية الأخرى بمشاكسة كعادته قبل أن ينتبه على خروج سيده من باب الشركة ليستقيم باحترام في انتظاره ، والذي انتبه هو الاَخر على السيارة الصغيرة وهي تلتف مغادرة، وتجمع بداخلها الفتيات ومعهم هذا المتحذلق عمااد.
اكمل هبوط الدرجات الباقية قبل أن يعتلي سيارته وشياطين غضبه تتراقص أمام عيناه ، جسده يهتز من فرط غضبه .
– نروح البيت على طول ياباشا ولا في مشاوير تانية ؟
سأله السائق بأدب، وكانت إجابته :
– غور على أي مصيبة ؟
ابتلع السائق كلماته ومعه إمام الحارس، رغم الإجابة المبهمة والغريبة من سيدهم الغاضب ، تحركت السيارة نحو وجهة المنزل مؤقتًا، في انتظار تعليماتٍ أخرى منه.
……………………………..

توقفت كاميليا بالسيارة امام البنابة التي تقطنها زهرة ، بعد أن أوصلت عماد الى وجهة عمله الاَخرى؛ التي يعمل بها مساءًا، ثم تخلصت من غادة بتوصيلها الى منزلها هي اولًا قبل زهرة التي ترجلت الاَن تاركة حقيبتها اليدوية بداخل السيارة ، كي تصعد وتأتي بحقيبة النقود وكاميليا في انتظارها، ولكنها توقفت فجأة على هذا الصوت القبيح الذي هتف بإسمها :
– اهلًا أهلًا بسنيورة الحتة … زهرة .
كان مستندًا بظهره على المبنى المجاور ثم تقدم بخطواته نحوها ، توقفت هي أمامه بتحدي في انتظاره، حتى اذا وقف أمامها خاطبته بازدراء :
– بنتده بإسمي في نص الشارع ليه؟ عايزة ايه يافهمي ؟
– كنت عايز اشكرك رغم زعلي من رفضك لطلبي .
قال بسماجة زادت من الغضب بداخلها فقالت بحنق :
– لا شكر على واجب ياسيدي ، وسع بقى خليني امشي ،
– طب مش هاتسأليني بشكرك على إيه قبل ماتمشي ؟
تكتفت ناظرة اليه بصمت متأففة ، اردف هو:
– كنت عايز اشكرك على الفلوس اللي ردتيهالي مع والدك النهاردة ، اصلي كنت محتاجهم قوي ، لكن انتِ جبتيهم منين ياأبلة ؟
– فلوس إيه ؟
سألته بعدم فهم ، أجابها بتأكيد :
– الفلوس اللي بعتيهم النهاردة مع ابوكي ، رزم الاَلفات الجديدة .
– انا بعتلك مع ابويا فلوس جديدة ورزم كمان ؟
ابتسم داخله فهمي وهو يرى وجه زهرة الذي شحب وانسحبت منه الد,ماء، فقد تأكد الاَن بصدق تخمينه ، وهو سرقة محروس للنقود الجديدة والمعروف وجهتها أكيد من البنك .
أتت اليهم كاميليا تسأل زهرة بتحفز وهي تومئ بذقنها نحوه:
– في ايه يازهرة ؟ الجدع ده بيتصدرلك ليه ؟ هو لسة مترباش .
ابتسم فهمي بزواية فمه رغم تلميح كاميليا الصريح بسجنه ولم يرد، فقد اكتفى بمشاهدة زهرة التي نظرت لها برعب تغمغم بكلمات غير مفهومة قبل ان تهرول لداخل المبنى وهرولت من خلفها كاميليا تتبعها .
………………………….

– يانهار اسود يانهار اسود ، الشنطة مش موجودة ياكاميليا، الشنطة اختفت.
كانت تهذي بها بانهيار وهي تبحث بخزانة ملابسها وتقلبها رأسًا على عقب، هتفت كاميليا وهي تبحث معها بأرجاء الغرفة :
– إنت متأكدة انك حطتيها هنا ؟ مش يمكن تكوني سبتيها في أؤضة ستك وانت ناسية؟
– والله حطيتها في الدولاب بتاعي وفي الضرفة الوسطانية كمان، أنسى ازاي بس ياناس أمانة كبيرة زي دي ؟ أنسى إزااااي؟
انضمت كاميليا معها رغم يأسها تخاطبها:
– طب يعني هاتكون راحت فين بس ؟ دي حتى شنطة كبيرة وتقيلة مش حاجة هينة.
توقفت زهرة فجأة وقد بدأت تستوعب الكارثة ترد ووجهها مغرق بالدموع :
– فهمي مكنش بيهزر يا كاميليا ، ابويا فعلًا خد الفلوس ، بس ازاي وانا مكتمة من امبارح وحتى غادة مجبتش قدامها سيرة ؟ ياستي ياستي .
هتفت الاَخيرة وهي تخرج مسرعة نحو جدتها الذي منعها المرض من مشاركة البحث مع حفيدتها .
– ماشوفتيش اي حد غريب دخل النهاردة ؟ او حتى قريب ، أي حد ؟
رددت رقية بصوتِ مرتعش :
– والله ياحبيبتي ماشوفت ، انتِ من ساعة ماخرجتي وسبتيني في البلكونة وانا فضلت مكاني لحد اما جات صفية على الساعة عشرة جابتني هنا ، وانت عارفاني على حطة ايدك ياحبيبتي .
خرجت كلمات زهرة بنشبج مع بكائها :
– ياستي والله مااقصد اجر,حك ، انا بس عايزة اعرف لو كنت حسيتي او لمحتي أي حد في البيت هنا بعد انا ماخرجت؟
صمتت قليلًا تعصر ذاكرتها رقية ثم أجابت :
– هو انا اللي فاكرها يعني ااا بعد انتِ ماخرجتي يجي بنص ساعة كدة ، حسيت بكركبة خفيفة ، بس خمنت تكون صفية رجعت بعد ما نسيت حاجة، حتى ندهت عليها وماردتش .
التفتت زهرة نحو صديقتها تردد بتأكيد :
– يبقى هو فعلًا ياكاميليا، ودخل خدهم بعد مااتخانقت انا معاه ومشيت على شغلي ، بس عرف ازاي ؟ …. هو انا لسة هاسأل نفسي ؟ انا رايحالوا .
قالت الاَخيرة وهرولت راكضة نحو ورشته التي لمحته فيها منذ قليل قبل ان تصل لمنزلها ، ركضت كاميليا خلفها ولكنها توقفت قبل دخول الورشة ، وقد شعرت بالحرج من حضور موقف مخزي كهذا بين فتاة وابيها ، فوقفت تنتظرها في الخارج وتراقب.
وعند محروس الذي انتفض على صرختها وهي تلج مندفعة داخل ورشته .
– سرقت الفلوس يابا ، سرقت فلوس خالي واديتها لفهمي .
استدرك نفسه فهتف على صبيه ليخرج من الورشة :
– اطلع انت دلوقتِ ياعامري وتعالى بعد شوية ، بسرعة ياض .
انتظر خروج الفتي ثم رد عليها مستنكرًا :
– مش تنقي الفاظك يابت ، داخلة كدة هاجمة زي البهيمة وبتتهميني ظلم حد قالك ابوكي حرامي ؟
هتفت بسخرية مريرة
– اه تصدق انه حصل فعلًا ، وانا اتأكدت بنفسي دلوقتِ
ان انت سرقت فلوس خالي ياحرامي .
– لمي نفسك يابت فهمية .
هدر بها ويده توقفت في الهواء قبل ان تنزل على وجنتها ، استطرد مهددًا :
– انا مش عايز امد ايدي عليكِ ، لكن لو طولتِ لسانك اكتر من كدة لكون دافنك وانتِ حية مكانك هنا .
– ادفني ، قطع من جتتي حتى ، بس هات الفلوس ابوس ايدك ، فهمي أكدلي ان انت اللي خدت الفلوس وادتهالوا رد الدين بتاعك النهاردة ، بأمارة كمان انها ورق جديد من البنك .
قالت برجاء ، فاأخرج هو سبة بذيئة من فمه نحو فهمي وهو يبتعد قليلًا عنها قبل ان يعود اليها متبجحًا :
– ماشي يازهرة انا اللي خدتهم ، وانتِ قولتيها بنفسك عشان اسد ديني؛ بعد انتِ ما اتخليتي عني ونشفتي راسك .
– انا نشفت راسي ، لكن هو ذنبه ايه ؟
صاحت بها وتابعت :
– حرام عليك، انا لو مسددتش الشهر ده السمسار هايفسخ العقد وتروح الشقة من خالي ، وتروح الجوازة كلها كمان ، دا ابوها المستشار بيتلكك وحالف بعد السنة مافيش جواز ، مش كفاية ضيع نص شبابه على بنتك اليتيمة كمان عايز تحرمه من حب عمره ؟
اصدر من فمه صوت ساخر قبل أن يرد :
– وماله ياحلوة، مش عاملي فيها البطل وحامي الحمى ، خليه يضحي شوية كمان .
– يضحي ايه تاني ؟ يعني يم.وت بالحيا بقى عشان يرضيك ؟
قالت صارخة قبل أن تنتبه على ضحكة ساخرة وصاحبها على مدخل الورشة يتقدم نحوهم ويردد:
– ههههههه عليا النعمة عرفت لوحدي ، دا انا استاهل اوسكار بقى في الزكاء والمفهومية ياجدعان.
رد محروس من تحت أسنانه:
– انت جيت ياوش الفقر ، مش كفاية فتنت الأهل في بعضيهم ؟
التفت على جملته بنظرة حانقة قبل ان تنتبه الى هذا الكريه الذي تجاهل أباها ليقترب منها مرددًا:
– مستعد ارجعلك فلوس خالك دلوقتي حالًا وعليهم خمسين كمان مهرك ، بس انتِ قولي اه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *