هـي الجبنـة راحـت فيـن؟ حكـايات منـي الـسـيد ج 1

— هـي الجبنـة راحـت فيـن؟! أنا لسـه جايبـاها امـبارح باللـيل، حتـة كبيـرة كده مخصـوص للسندوتشـات، قـولت أريـح نفـسي الصـبح بدل الطبـخ….
هنا وقفت “آيـة” مش قادرة تتحرك قدام باب التلاجة المفتوح على الآخر، وحاسة بنار الغيظ بتغلي جواها. هوا التلاجة الساقع كان بيخبط في وشها، بس خدودها كانت سخنة ومولعة كأن عندها الحمى. في الرف اللي في النص، مطرح ما سابت قالب الجبن التقيل امبارح وهو متغلف في كيسه الأصفر، ملقيتش غير نص لمونة دبلانة وبرطمان صلصة فيه حبة صغيرين في القعر….

من الصالة، جيلها صوت “أحمد” جوزها وهو بيدور على الفردة التانية من الشراب قبل ما ينزل الشغل:
— تلاقيكي كلتيه ونسيتي يا آية.. أو يمكن أنا قمت في وسط الليل… لأ استني، ده أنا قمت شربت مية بس. يا بنتي، هو أنتِ هتعملي مناحة ومصيبة عشان حتة جبن؟ اتكلت وخلاص، فداكي!

قفلت آية باب التلاجة براحة، بس رقعة الباب عملت صوت عالي ورخم في هدوء الصبح. المشكلة مكنتش في قالب الجبن.. ولا في لانشون الفراخ اللي اختفى من تلات أيام، ولا حتى في برطمان النسكافيه الغالي اللي لسه شارينه ولقوه نزل للنص وهما اصلا كانوا طول اليوم برا البيت! اللي كان هيموتها ويجننها حاجة تانية خالص: آية بدأت تشك في عقلها وفي ذاكرتها. هي فاكرة بالظبط وهي بتفضي الشنط وبترص الحاجه في الرفوف، وبتظبط منيو الأسبوع في دماغها. وبعدين، وبمنتهى الهدوء، الحاجه بتتبخر! من غير شوشرة ومن غير ما حد يحس، وبكميات صغيرة.

دخلت آية الصالة وهي بتمسح إيديها في الفوطة وقالت:
— يا أحمد، أنا مستحيل أكون أكلت نص كيلو جبن في ليلة واحدة، ولا أنت كمان.. ده احنا كان يجيلنا تلبك معوي ونموت! في حاجة مش مظبوطة في البيت ده.

أحمد لقى أخيراً فردة الشراب تحت الكنبة، وقعد يلبسها وهو بيبرطم وبيتأفف. هو كان جوز طيب وابن حلال: هادي، شغال، ومالوش في المشاكل والمناهدة. “نقطة ضعفه الوحيدة —واللي كان شايفها ميزة وإنه كده ابن بار— هي أمه، الست ميرفت.”

بص لمراته بنظرة كلها تعب وزهق وقال:
— رجعنا تاني للأسطوانة دي؟ أنتِ عايزة تقولي إيه بالظبط؟ إن البيت فيه عفاريت؟ ولا إن أمي هي اللي بتدخل تاخد الحاجه؟ يا آية اعقلي كلامك، دي ست كبيرة وليها معاشها ومش ناقصها حاجة. دي بتجيلنا في غيابنا عشان تسقي الزرع وتأكل القطة.. بتخدمنا يا بنتي! وأنتِ…
قاطعته آية بسرعة، مع إن ده بالظبط اللي كان على طرف لسانها:
— أنا مقلتش حاجة! أنا بس بقول إنه غريبة.. الأكل مبيختفيش إلا في الأيام اللي هي بتشرفنا فيها. الثلاثاء اللي فات، علبة السجق المستورد اختفت بالكامل. ويوم الخميس، بانيه الفراخ اللي كنت مطلعاه يفك عشان أعمله عشا.. ودلوقتي الجبن!
#حكـايات_منـي_السيـد
أحمد وقف وظبط قميصه وقال بنبرة تريقة:
— يمكن تكون نقلت الحاجه من مكانها.. أو تيمو (القطة) هو اللي أكلها…حصري علي صفحة روايات و اقتباسات..
ردت آية بنفاذ صبر:
— القطة؟ القطة فتحت باب التلاجة، وطلعت قالب جبن مقفول ومتغلف وشفطته؟ أحمد، شغل مخك معايا شوية!
— طيب طيب، أنا اأخرت على الشغل — قالها وهو بيبوسها بوسة سريعة على خدها، عشان يهرب من الكلام — بالليل هبقى أشتري جبن غيره، متبوظيش أعصابك. أمي دي ست بركة، وتدي هدومها للي محتاج، وأنتِ عمالة تشكي فيها كأنها حرامية! عيب يا آية، دي في مقام مامتك.

أول ما باب الشقة اتقفل، آية اترمت على الكرسي اللي في الطرقة. وفعلاً، حست بنغزة ذنب وكسوف من نفسها. حماتها، الست ميرفت، شكلها دايماً غلبان وفي حالها؛ بعبايتها السادة، وإيشاربها، وشكواها اللي مابتخلصش من الضغط وسعر الأدوية اللي بقا في السما. كانت ساكنة في العمارة اللي جنبهم علطول، ومعاها نسخة من مفتاح الشقة “عشان الطوارئ”، زي ما أحمد صمم من أول ما اتجوزوا. في الأول، آية ممانعتش، قالت أهو ينفع لو ماسورة ضربت أو نسيت المكواة شغالة. بس مؤخراً، الزيارات دي زادت عن حدها وبقت عمال على بطال…..حصري على صفحة روايات و اقتباسات……
آية شغالة محاسبة في شركة مقاولات كبيرة. والشغلانة دي معوداها على الدقة، والتركيز في التفاصيل، وأن “واحد زائد واحد يساوي اتنين”؛ يمكن عشان كده، عقدة الأرقام والحسابات مكنتش مخلية مخها يرتاح. كانت حافظة ميزانية البيت بالقرش. هي وأحمد بيحوشوا عشان يشتروا عربية جديدة، فكانت بتظبط مصاريف الأكل بالورقة والقلم.

بس في الشهرين الأخرانيين، البند ده بدأ يوسع منهم بشكل مش مفهوم، الفلوس بتطير بسرعة، والتلاجة دايماً بتبان فاضية!
بعد الظهر، وهي مخلصة الشغل، آية عدت على السوبر ماركت. الأسعار كانت نار وتشوي! وقفت شوية محتارة ومذهولة قدام…حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
#حكـايات_منـي_السيـد

الفصل الثاني
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان دايماً بيدي آية إحساس بالأمان، بس النهاردة الصوت ده كان بيعمل في قلبها رعبة غريبة. دخلت الشقة، رمت شنطتها على أقرب كرسي، وجريت على المطبخ علطول وعينها على التلاجة كأنها بتراقب متهم تحت الملاحظة. حطت الأكياس الجديدة اللي جابتها على الرخامة: قالب جبن تلاجة صغير، وعلبة تونة، وشريط لانشون. قعدت تبص للحاجه بحسرة، الفلوس اللي دفعتها كانت كفيلة من كام شهر تعمل خزين أسبوع بحاله، ودلوقتي يا دوب ممشية اليومين بالعافية.
سندت راسها على الرخامة الساقعة وهي بتفكر. كلام أحمد الصبح وجعها، خلاها تحس إنها زوجة مفترية وبتتبلى على ست كبيرة في مقام أمها. بس عقلها المحاسب، اللي مبيفوتش المليم، كان رافض يقتنع. “البركة مابتطيرش الأكل يا أحمد” الكلمة دي كانت بتلف في دماغها ومخلية النوم يطير من عينها.
قررت آية تاخد خطوة جريئة ومحسوبة. فتحت نوتة صغيرة كانت شايلاها في درج المطبخ، وبدأت تكتب بالتاريخ والساعة كل حاجة دخلت البيت، وكل حاجة اختفت. ورتبت خطتها للأيام اللي جاية بمنتهى الهدوء. يوم الأربع، يعني بكرة، حماتها ميرفت هتيجي زي عادتها عشان تسقي زرع البلكونة وتأكل القطة “تيمو” لأن آية عندها مأمورية شغل في فرع الشركة الجديد في التجمع، وأحمد هيكون في ميعاد تسليم موقع ومش هيرجع قبل الساعة سبعة بالليل. يعني الشقة هتكون فاضية تماماً ومهيأة للزيارة المعتادة.
صباح يوم الأربعاء، نزلت آية من البيت وهي مجهزة كل حاجة على الشعرة. رصت في التلاجة علبة حلاوة طحينية لسه مقفولة، وكيلو لبن بخيره، وطبق فيه أربع قطع برجر فريش كانت متبلاهم بإيدها للغدا. وقبل ما تقفل باب التلاجة، طلعت موبايلها وصورت الرفوف بدقة، كدليل قاطع تواجّه بيه نفسها قبل أي حد، عشان تخلص من وسواس الشك اللي بدأ يجننها.
نزلت، ركبت الميكروباص، وطول الطريق للتجمع وعينها على الشاشة، بتراجع الأرقام والتقارير في الشغل بس بالها كله كان في شقتها اللي في شبرا. الساعة جت اتنين الظهر، وده الميعاد اللي حماتها بتنزل فيه عادة. آية مكنتش قادرة تصبر لحد ما تروح وتشوف بنفسها. فجأة، وهي قاعدة في مكتبها، لقت فكرة لمعت في دماغها زي البرق. اتصلت بـ “مروة” صاحبتها وجارتها في العمارة اللي قصادها علطول.
— أيوة يا مروة، بقولك إيه… أنتِ قاعدة في البلكونة دلوقتي؟
— أه يا بنتي، بظبط المحشي وبشرب الشاي، خير في إيه؟ صوتك ماله مخضوض ليه؟
— وحياة عيالك يا مروة، ركزي معايا كده. طنط ميرفت، مامات أحمد، نزلت من عندنا ولا لسه؟
مروة سكتت ثواني، وسمعت صوت حركتها وهي بتقوم تقف في البلكونة وتتفرج على الشارع:
— استني كده بصة… أه يا ستي، لسه نازلة حالا من مدخل عمارتكم، وراكبة توكتوك ورايحة ناحية بيتها.
آية لفت دراعها حوالين وسطها وحست بنغزة في قلبها وسألتها:
— طيب… مش لمحتِ معاها حاجة في إيدها؟ يعني محملة أكياس؟ شنطة سودا؟ أي حاجة؟
مروة ضحكت بذهول واستغراب:
— وأنا مالي يا بنتي ومال حماتك! بس استني… هي فعلاً معاها الشنطة القماش الكبيرة بتاعتها دي اللي لونها كحلي، وشكلها تقيل أوي في إيدها، لدرجة إنها مالت وهي بتركب التوكتوك من تقلها. في إيه يا آية؟ أنتِ مراقباها ولا إيه؟
— مفيش يا مروة، تسلميلي يا حبيبتي، هكلمك بعدين لما أروح.
قفلت آية السكة، وحست إن الأرض بتلف بيها في المكتب. الشنطة الكحلي القماش! الست ميرفت مابتفارقهاش في أي مشوار، وبتقول دايماً إنها بتشيل فيها زجاجة المية بتاعتها وعلبة الضغط وشمسية الصيف. بس هل زجاجة المية وعلبة الدواء بيبقوا تقال لدرجة إنهم يميلوا الست وهي بتركب التوكتوك؟ الأسئلة كانت بتاكل في دماغها.
الساعة جت ستة مغرب. آية وصلت العمارة، طلعت السلم وهي بتنهج، مش من تعب المشوار، من ضربات قلبها السريعة اللي كانت مسموعة. فتحت الباب بمنتهى الهدوء، ودخلت الشقة كأنها بتقتحم مكان غريب ومش بتاعها. رمت الطرحة على الكنبة وجريت على المطبخ علطول ونفسها مقطوع.
فتحت باب التلاجة… ونزلت دموعها من الصدمة والكسرة.
البرجر اختفى بالكامل! وطبق الحلاوة الطحينية المقفول، اتفتح، ومأخوذ منه بالظبط نصه، ومحطوط مكانه المعلقة متسخة بالداخل! وعلبة اللبن نقصت برضه بشكل واضح.
طلعت الموبايل بسرعة، فتحت الصورة اللي دقتها الصبح، وقارنت بين الصورة والواقع. مكنش فيه أي مجال للشك أو التبرير. الست ميرفت بتدخل البيت في غيابهم، تاكل اللي تاكله، وتعبّي الباقي في الشنطة الكحلي وتمشي!
قعدت آية على أرض المطبخ، وبكت بحرقة وضيق. مكنتش بتبكي على الأكل ولا على الفلوس، كانت بتبكي على بيتها اللي ملوش حرمة، وعلى جوزها اللي مبيصدقهاش وبيطلعها كدابة وناقصة عقل ومفترية، وعلى الست اللي بتدخل بوش ملاك مكسور وغلابة، وتطلع محملة بخزين البيت اللي أصحابه بيتحرموا منه وبيوفروا في مصاريفهم عشان يحوشوا لقمة بكره ويشتروا عربية.
في وسط دموعها، سمعت صوت مفتاح أحمد وهو بيدخل من الباب. مسحت دموعها بسرعة وقامت وقفت وظبطت نفسها. دخل أحمد وهو مبتسم وشايل في إيده كيس صغير فيه علبة جبن زي ما وعدها الصبح:
— مساء الخير يا يويا.. بصي جبتلك إيه؟ أحسن قالب جبن من السوبر ماركت، عشان متزعليش تاني، وتعرفي إن جوزك ميرضيهوش نكدك وعصبيتك.
آية بصت للعلبة وبصت لوشه الصافي الطيب، وحست بغصة ومرار في حلقها. قالت بنبرة هادية كئيبة وغريبة عليها:
— شكراً يا أحمد.. كتر خيرك. ادخل غير هدومك على ما أحضر العشا.
أحمد استغرب هدوءها المفاجئ، بس فرح إن العاصفة عدت من غير مشاكل:
— طيب الحمد لله، النفوس اأطفت اهي. أنا هغير واأجي أساعدك في المطبخ.
وهما قاعدين على السفرة بياكلوا، آية مكنتش قادرة تحط لقمة واحدة في بقها. كانت بتراقب أحمد وهو بياكل بتلذذ وبراءة، وفجأة قطعت الصمت وقالت:
— أحمد.. هي طنط ميرفت معاشها كام بالظبط؟
أحمد رفع عينه من الطبق واستغرب السؤال اللي ملوش مقدمات:
— معاشها؟ عادي يعني، زي أي موظف حكومة قديم، يا دوب بيكفي علاجها وفواتير شقتها واللقمة اللي بتاكلها بالعافية. ليه بتسألي؟
آية حركت الشوكة في طبقها وهي باصة لتحت:
— أصلها دايماً تشتكي من الغلا.. وتقول إن العلاج غلي أوي، فكنت بفكر يعني لو نقدر نساعدها بمبلغ بسيط كل شهر من الميزانية؟
أحمد ابتسم ووشه نور بالرضا، ومد إيده مسك إيد آية بحب وامتنان:
— يا حبيبتي يا آية! أصيلة والله وبنت حلال وعمري ما شكيت في أصلك. بس متقلقيش، أنا فعلاً بطلع لها جزء من مرتبي كل أول شهر من وراكي.. قصدي يعني من غير ما أقولك عشان متشيليش هم المصاريف والالتزامات اللي علينا. وهي برضه بتدبر حالها، وبتطبخ وتظبط نفسها في بيتها.
الكلام نزل على آية زي المية الساقعة وصدمها أكتر. أحمد بيديلها فلوس من وراها ومن قوتهم! والست كمان بتاخد الفلوس ومن وراه وفوقيها بتيجي تسرق التلاجة والخزين! دي مقتطعة من قوتهم تلات مرات: مرة بالفلوس اللي أحمد بيديها لها بعطف، ومرة بالأكل الخزين اللي بتاخده في شنطتها، ومرة بالثقة اللي اأهزت بين آية وجوزها بسببها وعيشتهم في نكد.
يوم الجمعة الصبح، كان يوم الإجازة الأسبوعية. أحمد كان لسه نايم ومأنتخ، وآية صاحية من بدري جداً، ودماغها مبطلتش تفكير وتخطيط. “المواجهة المباشرة والكلام مش هينفعوا” قالت لنفسها وهي بتبص للسقف. لو واجهت أحمد من غير دليل مادي ملموس يشوفه بعينه، هيقلب الترابيزة عليها ويقول إنها بتتبلى على أمه وبتكرهها، وممكن الموضوع يوصل للطلاق وخراب البيوت. ولو واجهت الست ميرفت، هتعيط وتعمل عيانة وتشتكي لابنها إن مراته أهانتها وطردتها.
الحل كان لازم يكون ذكي، وحاسم، ومفيهوش ثغرة واحدة.
لبست آية ونزلت بسرعة بحجة إنها بتشتري عيش سخن وفطار للاإجازة. وراحت على محل أدوات كهربائية وإلكترونيات كبير في الشارع الوراني. دخلت وقابلت الشاب المهندس اللي واقف هناك:
— لو سمحت.. كنت عايزة كاميرا مراقبة صغيرة جداً، متتشفش بالعين المجردة، وبتتوصل بالواي فاي علطول على الموبايل.
الشاب طلع لها كذا موديل وشرح لها:
— عندي دي يا فندم، حجمها أصغر من علبة الكبريت، وممكن تتدارى في أي مكان، في فازة، أو فوق دولاب المطبخ، وبتسجل صوت وصورة بجودة عالية وبتتبعتلك تنبيه على الموبايل أول ما يحصل أي حركة في المكان.
اشترتها آية بفلوس كانت محوشاها لظروف الطوارئ الشخصية من وراء مصاريف البيت. رجعت الشقة، واستغلت إن أحمد لسه قايم يدخل الحمام، ودخلت المطبخ بسرعة وعينها على الباب. وقفت على كرسي خشبي، وثبتت الكاميرا بدقة فوق تقفيلة المطبخ العالية، في زاوية مخفية تماماً ورا برطمان ديكور قديم مليان ورد مجفف، بس كاشفة التلاجة والرخامة وباب المطبخ بالكامل. ظبطت الأبليكيشن على موبايلها، وجربت الرؤية.. كانت واضحة وزي الفل ومغطية كل شبر.
يوم الاثنين اللي بعده، آية نزلت شغلها وهي حاطة إيدها على قلبها والتوتر بياكل فيها. كانت عارفة إن حماتها بتيجي في نص الأسبوع دايماً وعينها منزلتش من على الموبايل. الساعة جت واحدة الظهر بالظبط، وفجأة، الموبايل في جيب آية اأهز بعنف متتالي.
“تنبيه: تم رصد حركة في المطبخ.”
آية اأستأذنت من مديرها في العمل ودخلت الحمام وقفلت الباب على نفسها بالمفتاح. فتحت الأبليكيشن، وبدأت البث المباشر والكاميرا شغالة.
الشاشة ظهر فيها المطبخ بتاعها هادي. وبعد ثواني، ظهرت الست ميرفت وهي داخلة وبإيدها الشنطة الكحلي القماش الكبيرة.
الست ميرفت لفت حولين نفسها في المطبخ، وبصت بره في الطرقة تتأكد إن مفيش حد في الشقة، وفجأة ملامح وشها اتغيرت تماماً؛ مكنش وش الست الغلبانة العيانة اللي بتمشي تتسند وبتشتكي من ركبها، لاء، كانت بتتحرك بخفة ونشاط غريب يحسدها عليه الشباب!
فتحت التلاجة بكل جراءة، طلعت علبة جبنة كيرى كاملة غالية وحطتها في الشنطة. وبعدين شافت كيس لحمة مفرومة كانت آية مطلعاها الصبح تفك عشان تعمل مكرونة بشاميل لما ترجع من الشغل.. الست ميرفت مسكت الكيس، شمته، وراحت حطاه هو كمان في الشنطة الكحلي! مأكتفتش بكده، فتحت ضلفة الخزين العلوية، وطلعت زجاجة زيت ذرة مقفولة، وكيسين مكرونة، وحطتهم برضه في الشنطة لحد ما الشنطة بدأت تتملي وتتنفخ وتثقل. وقبل ما تقفل الضلفة، فتحت درج المعالق، وطلعت قالب زبدة نيوزيلاندي مستورد وغالي، أخدت منه قالبين صغيرين وحطتهم في كيس أسود صغير في جيب عبايتها الواسع!
آية كانت بتتفرج وشفايفها بتترعش من كتر الذهول والقهر الممزوج بالغل. الصورة كانت واضحة وضوح الشمس، تفاصيل الوش، الحركات الخبيثة، والسرقة العيني عينك من غير أي ذرة ضمير. سيفّت الفيديو علطول على مساحة الموبايل الداخلية، وقفلته وهي حاسة بنار وولعة بتاكل في صدرها ومش قادرة تتنفس.
رجعت آية البيت الساعة خمسة بعد الظهر. أحمد كان رجع بدري النهاردة وقاعد في الصالة بيتفرج على التلفزيون وبيتسلى. دخلت المطبخ، وبنفس السيناريو المتكرر والملعوب، لقت اللحمة المفرومة اختفت والزيت والمكرونة والزبدة.
خرجت الصالة، وقفت قدام أحمد وهو مربع رجله، وقالت بنبرة جامدة خالية من أي مشاعر أو عصبية:
— أحمد.. اللحمة المفرومة اللي كانت بتفك في المطبخ راحت فين؟ وزجاجة الزيت الجديدة فين؟
أحمد نفخ بضيق وزهق ورما الريموت من إيده على الكنبة:
— تاني يا آية؟ تاني وتالت وعاشر؟ أنا لسه راجع من الشغل وتعبان وهموت من الجوع! مش هخلص من قصة الأكل اللي بيطير والعفاريت دي؟ قلتلك ميت مرة يمكن نسيتي، يمكن استعملتيهم الصبح في حاجة ونسيتي من كتر الضغط!
آية قاطعت كلامه ببرود شديد يرعب الصخر:
— وماماتك؟ مش يمكن هي اللي خادتهم وهي بتسقي الزرع؟
أحمد وقف على حيله وعينه شررت غضب وعروق رقبته ظهرت، وزعق بعلو صوته في الشقة:
— لحد هنا وفوقي لنفسك يا آية! أمي خط أحمر وسيرتها على لسانك متجيش! أنا سكت لك كتير وقولت معلش مضغوطة وبتتوهمي، لكن تغلطي في أمي وتتهميها في شرفها وأمانتها وتقولي عليها حرامية وتمد إيدها على التلاجة عشان كيس مكرونة ولا حتة لحمة؟ لأ.. ده أنا أطربق البيت ده على دماغك ودماغ اللي جابوكي دلوقتي حالا! أمي متمدش إيدها على حاجة مش بتاعتها، دي ست طاهرة وحاجة بيت الله وبتصلي وعارفة ربنا كويس!
آية محركتش رمش واحد، ومتهزتش ولا خافت من زعيقه وعصبيته وتكسيره للكلام. مدت إيدها في جيب جاكت الشغل بمنتهى الهدوء، طلعت الموبايل، فتحت الفيديو اللي سجلته، وحطت الشاشة في وش عينيه علطول ومن غير ولا كلمة.
— اتفضل يا أحمد.. اتفرج بنفسك على الست البركة الطاهرة الساجدة العابدة وهي بتسرق قوتنا وقوت عيالنا اللي لسه مجوش الدنيا وبتوفر من لقمة عيشنا. اتفرج على أمك وهي بتفضي التلاجة والخزين في الشنطة الكحلي بتاعت الدوا!
أحمد بلم وتنح، وزق إيدها في الأول بغضب وعصبية وهو فاكرها بتخرف، بس عينه لقطت الشاشة مجبرة. شاف أمه.. شاف عبايتها الكحلي، وشاف الشنطة القماش الكبيرة. صوته اختفى تماماً وكأن القطة أكلت لسانه. مسك الموبايل بإيد بتترعش زي الورقة، وقعد على الكنبة وهو مش مصدق عنيه والدم هرب من وشه. الفيديو شغال بجودة عالية، وأمه بتنقي الحاجه بنشاط مبيظهرش قدامه، وتعبّي في الشنطة، وتدور وراها بخبث وحذر عشان متسيبش أثر.
الدقائق مرت في الصالة كأنها سنين ودهور من الصمت القاتل. أحمد كان بيبص للشاشة وشه بيجيب ألوان؛ أحمر وأصفر وأزرق، الصدمة كانت أكبر بكتير من قدرته عقله على الاستيعاب. أمه.. الست اللي كان بيحلف بحياتها وصونها، واللي كان بيخانق مراته ويقاطعها عشانها، بتطلع في الآخر هي السبب الأساسي في نكد بيته، وخسارة فلوسه، وتدمير ميزانيته.
رفع عينه لآية ببطء، وكانت ملامحه مكسورة تماماً ومذلولة، دموعه كانت محبوسة وعلى وشك النزول من الكسوف والخزي، وقال بصوت متحشرج ومبحوح ومكسور:
— آية.. أنا… أنا مش عارف أقولك إيه… أنا أسف يا بنتي حقك عليا…
آية ربعت إيدها بثقة، وبصتله بنظرة قوية وحاسمة وقالت:
— الكلام والأسف ملوش أي لازمة ولا فايدة دلوقتي يا أحمد. الفيديو ده معايا ونسخة منه متشالة في مكان أمين، والسرقة دي والنهب ده بقاله شهرين وزيادة واحنا بنموت ونوفر في القرش. دلوقتي احنا قدامنا حل من الاتنين ملوش تالت، وأنت الراجل والابن البار اللي هتختار بنفسك…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *