غلطة عمرى بقلم نورهان العشرى 4

نهى رفعت راسها ودموعها مغرقة وشها، بس حماتها مسمتهاش وكملت بسمّ أشد:

* “سمعتِ إنه قرر يتجوز صح؟ أهو أنا بقى من بكرة هدورله على ست ستك، بنت أصول تسمع كلامه وتصون بيته، مش تروح تلف على رجالة برة وتكلمهم من وراه وتفضحنا! خليكِ كدة قعدة زي الكرسي في البيت، ليكي الأكل والشرب، و العروسة الجديدة هي اللي هتاخد الدلع كله.. اشربي بقى من الكاس اللي عملتيه بإيدك!”

 

على مدار أسبوع كامل، كانت حماتها مستلمة الدفة؛ تلف على المعارف والجيران، تجمع صور البنات وتعرضها على فهد وهو راجع من شغله قرفان ومنهك. كان بيبص للصور ببرود ويرميها على التربيزة ويقولها بنبرة ناشفة:

“مش وقته يا أمي، سيبيني في اللي أنا فيه”. هو مكنش شايف ولا عايز يشوف ست في الدنيا غير اللي قاعدة جوة الأوضة وصوت عياطها المكتوم كان بيبث النار في صدره. حكايات نورهان العشري

أما نهى، فكانت في الأيام الأولى عايشة في شبه غيبوبة، لحد ما في ليلة، وهي باصة لوشها في المراية، لقت عينيها منفوخة، وشكلها دبلان، وحماتها كلماتها لسه بتعوي في ودنها زي الذئاب. في اللحظة دي، جواه حاجة اتمزقت واتبدلت.. حست بكرامتها اللي بتقل، وبأنها رخصت نفسها أوي. حكايات نورهان العشري

وقفت قدام المراية، مسحت آخر دمعة بعنف، وقالت لنفسها بصوت قوي لأول مرة:

*”لو فهد هيتجوز عليا، أنا مش هكون موجودة أصلاً عشان أشوفها.. أنا رجعت عشان خاطر اللي في بطني وبناتي، وعمري ما هقبل أكون نص ست في حياة راجل، حتى لو الراجل ده فهد”

 

من تاني يوم، الشقة اتغير حالها. نهى قامت، غسلت وشها، لبست فستان بيتي صيفي أنيق ومرتب، رفعت شعرها بشكل جميل، ورشت من عطرها اللي فهد بيحبه. فتحت الشبابيك ودخلت الشمس، وبقت تقضي طول اليوم مع بناتها؛ تلعب معاهم، وتضحك بصوت عالي وهي بتلعب وراهم في الصالة، وتغني لهم عشان تشغل عقلها وقلبها عن الوجع اللي بيعصرها من جوة. كانت بتصبر نفسها بإن فهد ابن عمها وحبيبها وعمره ما هيعمل كدة، ولو عمل.. يبقى لكل حادث حديث، والباب يفوت جمل.

فهد كان مراقب كل ده.. الشقة اللي مفاتيحها معاه، كان يدخل ببطء ومن غير صوت، ويقف في الممر يراقبها من بعيد لبعيد من غير ما تاخد بالها. كان بيشوف ضحكتها مع البنات، طريقتها وهي بتهتم بنفسها وبلبسها، والبرود اللي غلف ملامحها فجأة. حكايات نورهان العشري

التجاهل ده بدأ يجننه.. مكنش ده الرد اللي مستنيه! كان فاكر إنها هتيجي تبكي وتترجاه ميتجوزش، كان عايز يديها درس عمرها عشان اللي حصل دا ميتكررش تاني. أو على الأقل تظهر عليها علامات الغيرة والكسرة. لكن نهى بقت تتعامل معاه كأنه شبح في البيت؛ تجهز له أكل وتسيّبه على السفرة وتمشي، تحط له هدومه المكوية على السرير من بعيد لبعيد، ولما يتقابلوا في الممر، بتبص له بنظرة باردة، وخالية من أي عاطفة، وتعدي من جنبه كأنها بتعدي من جنب حيطة.

البرود ده شعلل النار في قلب فهد. رجولته وكبريائه وجعوه؛ إزاي قدرت تقلب الصفحة بالسرعة دي؟ إزاي مبقاش فارق معاها إنه ممكن يكون لواحدة تانية؟ الغيظ عماه، وقرر إنه لازم يكسر البرود ده ويشوف في عينيها لهفة الحب والغيرة بتاعة زمان، حتى لو هيلعب لعبة خطيرة.

في يوم، رجع فهد البيت بالليل، ودخل الصالة وهو بيتكلم في التليفون بصوت مسموع وواضح، وعينه بترمق باب الأوضة اللي نهى قاعدة فيها مع البنات. قال بنبرة فيها فرحة مصطنعة وواضحة:

“يا أمي.. خلاص، بلغي الجماعة إننا هنروح نقرأ الفاتحة يوم الخميس الجاي. البنت ما شاء الله عليها أدب وجمال وأصل، وأنا موافق…”

 

قفل الخط، وحط الموبايل على الترابيزة بعنف، وقعد على الكرسي وهو بياخد نفس طويل، مستني الباب يتفتح وتخرج نهى وهي منهارة أو بتصرخ في وشه. حكايات نورهان العشري

جوة الأوضة.. نهى كانت ساندة ظهرها على الباب، كلامه نزل عليها زي طعنة خنجر مسموم في قلبها. النفس اتقطع من صدرها، وحست بوجع رهيب لدرجة إنها حطت إيدها على بطنها وخافت على الجنين. دموعها كانت هتخونها وتنزل، بس افتكرت عهدها لنفسها، وافتكرت كرامتها. غمضت عينيها، أخدت نفس طويل، ورسمت على وشها أهدأ وأبرد ابتسامة تقدر عليها.

فتحت الباب وخرجت بكل ثبات وثقة، خطواتها كانت راسية وفستانها بيتحرك معاها بنعومة. فهد رفع عينه بسرعة وشافها وهي بتقرب، قلبه دق بسرعة وهو مستني الانفجار.

نهى مشيت لحد السفرة، أخدت كباية المية، وبصت له بنظرة ثاقبة وباردة، وقالت بصوت هادي ومستقر تماماً ما فيهوش أي رعشة:

“ألف مبروك يا فهد.. ربنا يتمم لك على خير.”

 

وقبل ما يستوعب الكلمة، لفت ضهرها ودخلت أوضتها وقفلت الباب بالراحة وبكل برود.

فهد جمد في مكانه، صوابعه ضغطت على مسند الكرسي لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر من كتر الغيظ والذهول. اللعبة اللي عملها عشان يحرق دمها، ارتدت في صدره هو، وبقى سؤاله الوحيد اللي بياكله من جوة:

“يا ترى هي فعلاً مبقتش تحبني؟ حكايات نورهان العشري

ده الهد

كانت الساعة داخلة على سبعة الصبح الهدوء مسيطر على البيت كله بس هو هدوء كداب، عامل زي الرماد اللي تحته نار قايدة. فهد كان قاعد في الصالة، قميصه مفتوح أول زرارين منه، وعينيه على باب الأوضة، السيجارة في إيده مبتطفيش، والغيظ بياكل في قلبه من برودها اللي شافه الصبح.

وفجأة، الباب اتفتح.

خرجت نهى، بس المرة دي مكنتش لابس فستانها البيتي.. كانت لابس عبايتها الخروج ولفّة طرحتها. وفي إيدها الشنطة الكبيرة اللي لمت فيها هدومها وهدوم بناتها، والبنتين الصغيرين كانوا نايمين جوة ومجهزاهم.

فهد اتسمر في مكانه. السيجارة وقعت من بين صوابعه على الطفاية. وقف وفرد طوله وعينيه اسودت بأكتر نظرة رعب وغضب عاشها في حياته. بصلها وبص للشنطة اللي في إيدها، وصوته طلع خشن ومتحشرج:

“إيه اللي في إيدك ده يا نهى؟ إنتِ رايحة فين في وقت زي ده؟”حكايات نورهان العشري

نهى وقفت بثبات، رغم إن قلبها كان بيتخلع من مكانه، حطت الشنطة على الأرض وبصت في عينيه مباشرة ولأول مرة من يوم الأزمة بنظرة صافية، راسية، وموجوعة بس مش مكسورة:

“أنا غلطت يا فهد.. غلطت وأقريت بغلطي، ونزلت تحت رجليك ورجل أهلي، وربنا وحده يعلم نيتي كانت إيه، لا كنت بخونك ولا كنت بقل بيك، أنا كنت بنقذ بيت صاحبتي. بس أنت حكمت وقسيت، وكسرتني كسر عمري ما هنساهولك.”

بلعت ريقها، وحطت إيدها على بطنها بحركة عفوية وكملت بنبرة قاطعة:

“بس في كل الأحوال.. أنا مش الست اللي تقبل بضرة، ولا نهى اللي تعيش نص ست في حياة راجل عشان العيال. أنا لمت هدومي وهدوم بناتي وهمشي حالا.. عشان تفضى لجوازتك الجديدة والست اللي اخترتها، ولما أولد بالسلامة.. يا ريت ورقتي توصلني بيت أبويا.” حكايات نورهان العشري

 

الكلمة دي خلت فهد يفقد عقله تماماً. كبريائه، وغيظه، وخوفه المرعب من إنها تضيع من بين إيديه بجد، كل ده انفجر في ثانية واحدة.

قرب منها بخطوات سريعة زي الإعصار، زق الشنطة برجليه طيرها لآخر الصالة، ومسكها من كتافها الاتنين بقبضة قوية وخشنة بس واعية، هزها بعنف وهو بيصرخ في وشها وعروق رقبته بارزة وعينيه حمرا دم:

“بالسهولة دي؟! بالبساطة دي بتبيعي سبع سنين؟! إنتِ مبقتيش تحبيني للدرجادي يا نهى؟ هانت عليكِ عيشتنا؟ هان عليكِ حضني؟ عايزة تمشي وتسيّبيني عشان كلمتين قولتهم؟ إنتِ إيه، معندكيش قلب؟! مفكراني هسيبك تخرجي من الباب ده وإنتِ شايلة حتة مني ومنك؟!”

 

قعد يزعق ويبهدل الدنيا، يزق الكراسي، صوته كان مالي البيت كله بغضب الراجل اللي بيحارب عشان حبه اللي بيضيع. نهى قدام المنظر ده، وقدام الرعب والوجع اللي شافته في عينيه لأول مرة، حصونها كلها اتهدت. البرود المصطنع داب، وانفجرت في العياط بشهقات عالية وصوت يقطع القلب، وجسمها كله بقى يرتعش وهي بتغطي وشها بإيديها.

 

أول ما شاف دموعها وانهيارها، الغضب اللي في قلبه اتقلب للوعة ولهفة حارقة. شد إيديها من على وشها بعنف وعاطفة جياشة، وسحبها لحضنه بكل قوته.. حضن قوي، كأنه بيدفنها جوة ضلوعه عشان يمنعها تخرج من حياته.

نهى بقيت تخبط على صدره بقبضتها الضعيفة وهي بتعيط وتشهق في حضنه:

“سيبني يا فهد.. سيبني أمشي.. أنت كنت قاسي أوي معايا.. قاسي لدرجة دبحاني! ليه تدوس عليا كدة؟ ليه تحرق دمي وتقولي هتعيشي كرسّي في البيت دا و هتتجوز عليكِ واحدة تانية؟ أنا كنت بموت في كل ثانية وأنت مابتسمعنيش!”

 

فهد ضغط عليها أكتر، ودفن وشه في رقبتها وهو بيتنفس عطرها بعشق وجنون، إيديه الخشنة كانت بتمسح على ظهرها وشعرها بقوة وعنف عاشق مش عايز يسيب حبيبته:

* “أنا آسف.. حقك عليا، أنا كنت هتموت من غيظي منك.. برودك كان بيقيد فيا النار يا نهى! كنت عايز أشوف غيرتك، عايز أسمع صوتك وأنتِ بتقوليلي متسبنيش، مكنتش طايق إنك تبصيلي كأني غريب!”

 

نهى بحرقة:

ـ طب ما انت كنت هتطلقني وهتفرط فيا. نسيت انك خدتني عند المأذون عشان نطلق؟حكايات نورهان العشري

 

فهد بحدة:

ـ مكنتش هعمل كدا. كنت عايز أعلمك درس بس. لكن عمري ما كنت هنطقها ولا هفرط فيكي أنا بعشقك يا نهى و مقدرش اعيش لحظة واحدة من غيرك..

 

رفع راسها بإيديه، ومسك وشها بين كفوفه الكبيرة بقوة وحنان مخلوطين ببعض، وبص في عينيها المليانة دموع وقال بصوت واطي وخشن مليان عشق ورجوع:

” و كمان عمري ما فكرت اتجوز عليكي، مفيش ست في الدنيا تقدر تملى عيني غيرك. أنا كنت بلعب بيكِ عشان أحرق دمك زي ما حرقتي دمي، بس أنا اللي اتحرقت بالنار.. إنتِ بتاعتي أنا، مراتي وأم عيالي وحبيبتي، ومفيش قوة على الأرض هتاخدك مني ولا هتبعدك عن الحضن ده.”

 

نهى استسلمت تماماً في حضنه، لفت إيديها حوالين رقبته وبقت تبكي، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان

حكايات نورهان العشري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *