عريس امى

لمحة نيوز
الرئيسية
قصص قصيرة
روايات
تريندات
القائمة
search
عريس أمى
الأربعاء 12/أغسطس/2026 – 02:45 م
لمحة نيوز
المحتويات
الصفحة 1
من 3 صفحة
الصفحة 2
أمي كان عندها 63 سنة لما فجأة قالتلي إنها عايزة تتجوز.
والعريس كان عم فتحي، الراجل اللي ساكن في الشقة اللي قصادنا. مراته ماتت من خمس سنين، لا عنده عيال ولا حد يسأل فيه، ومعاشه تقريبًا مفيش.
أمي بقت كل يوم توديله الأكل، تغسله هدومه، وتقضي له طلباته، وبقوا الاتنين تقريبًا ما بيفارقوش بعض.
الجيران كلهم كانوا بيشكروا في أمي ويقولوا إنها ست أصيلة وطيبة، وإن عم فتحي ربنا فتحها عليه بيها.
أنا ما اتكلمتش.
ولا حاولت أمنعها.
لحد ما وقفنا قدام مكتب السجل المدني، وأمي كانت ماسكة دراع عم فتحي وبتضحك زي بنت صغيرة رايحة تتجوز لأول مرة.
شدّيتها من دراعها، وقلت لها جملة واحدة بس.
أمي اتجمدت مكانها.
إيديها اللي كانت ماسكة قسيمة البيانات العائلية بدأت تترعش.
أما عم فتحي…
فلون وشه اتغير في ثانية.
الجزء الأول
السنة اللي أمي تمت فيها 63 سنة، فجأة بدأت تتعلم تحط ميكاب.
طلعت إيشارب أحمر قديم كان مستخبي في قاع الدولاب، غسلته تلات مرات، وبعدها نشرته في أوضح مكان في البلكونة.
رجعت من الشغل في يوم، لقيتها واقفة قدام المراية بتحط روج.
الروج ده أنا اللي كنت جايباهولها هدية في عيد الأم السنة اللي فاتت.
وقتها كانت قالتلي
إيه اللون الفاقع ده؟ أنا كبرت على الحاجات دي.
ومن يومها ما لمستهِوش.
لكن دلوقتي كانت واقفة قدام المراية، ضامة شفايفها لبعض عشان توزع الروج، وبعدها بصتلي وسألتني
حلو عليّا؟
حطيت شنطتي وبصيتلها شوية.
حلو أوي يا ماما.
ابتسمت.
والابتسامة دي تحديدًا…
بقالي سنين ما شفتهاش على وشها.
من بعد ما أبويا مات، أمي بقت عاملة زي حلة اتحطت على البوتاجاز من غير نار.
موجودة، وبتعمل كل اللي عليها…
بس باردة.
كل يوم تصحى الساعة ستة الصبح، تنزل السوق، ترجع تعمل الأكل، تمسح الشقة،
تقعد قدام التليفزيون شوية، وبعدين تنام.
حياتها كانت ماشية بنظام.
لكن فاضية.
ففي الأول افتكرت إنها أخيرًا قررت ترجع تعيش حياتها.
لحد تاني يوم، لما شفتها شايلة طبق شوربة لحمة وبتخبط على باب الشقة اللي قصادنا.
الشقة بتاعة عم فتحي.
فتحي عبدالعال، 68 سنة، أرمل من خمس سنين.
كان لسه ناقل عندنا في العمارة من حوالي ست شهور.
ومن أول ما جه، كل الناس في العمارة كانوا بيتكلموا عن قد إيه هو راجل غلبان.
عايش لوحده.
معندوش أولاد.
ولا أهل قريبين منه.
وكمان رجله كانت بتوجعه ومشيته تقيلة شوية.
وأمي كانت أول واحدة راحتله بطبق محشي.
بعدها بقت شوربة.
رز.
خضار.
أكل مطبوخ.
وبعدين بدأت تساعده يطلع هدوم الشتاء والصيف، وتنشرله البطاطين في الشمس.
وبعد فترة، حتى كيس الزبالة اللي قدام باب شقته، أمي كانت وهي نازلة تشيله معاها وترميه.
مرة قلتلها
ماما، المساعدة حاجة حلوة، بس مش لازم تعمليله كل حاجة.
مسحت إيديها في المريلة وقالت
يا بنتي ده جارنا، والجيران لبعضيها. فيها إيه يعني لما أساعده؟
ما اتكلمتش بعدها.
بعد حوالي نص شهر، رجعت من الشغل متأخر.
وأول ما دخلت مدخل العمارة، سمعت ضحك من فوق.
صوت أمي.
ومعاه صوت عم فتحي.
كانوا واقفين عند بسطة السلم في الدور التاني.
عم فتحي كان شايل كيس تفاح، وأمي كانت مسكاه من دراعه وبتساعده يطلع.
نور السلم اشتغل أول ما دخلت.
الاتنين بصوا ناحيتي في نفس اللحظة.
أمي سابت دراعه بسرعة، وبان عليها الارتباك.
لكن عم فتحي ابتسم بمنتهى العادية.
إيه يا بنتي، رجعتي من الشغل؟
كلمة يا بنتي دي خلت صوابعي تتقبض من غير ما أحس.
ما رديتش.
أمي قالت بسرعة
عمك فتحي رجله وجعاه، كنت بسنده وهو طالع.
عم فتحي تنهد وقال
والدتك دي ست أصيلة أوي. والله لولاها، أنا ما كنتش عارف الأيام دي كانت هتعدي عليّا إزاي.
قال الجملة بصوت مش عالي أوي…
لكن عالي بالقدر الكافي إن أم محمد اللي كانت نازلة ترمي الزبالة تسمعه.
رفعت أم محمد راسها وضحكت
يا سلام! والله إنتوا الاتنين لايقين على بعض أهو!
وش أمي احمر.
وعم فتحي…
ما نفاش الكلام.
الليلة دي، أمي عملت تلات أصناف على العشا.
الغريب إنهم كانوا كلهم من الأكلات اللي عم فتحي بيحبها.
قعدت قدامها على السفرة.
وهي بتحطلي الأكل، بدأت تلف وتدور في الكلام.
الواحد لما بيكبر، بيبقى حلو يكون فيه حد جنبه يونسه.
وقفت المعلقة في إيدي.
عايزة تقولي إيه يا ماما؟
بصت في طبقها.
عم فتحي راجل طيب ومحترم.
بصيتلها.
كملت
مالوش في اللف والدوران، وبيعاملني كويس.
سألتها
كويس إزاي؟
اترددت.
بيعرف يتكلم… وبيقدر اللي قدامه وبيخاف عليّا.
ضحكت من غير ما أقصد.
يعني هو يقولك كلمتين حلوين، وإنتِ تطبخيله وتغسليله وتنضفيله وترميله الزبالة، وده اسمه بيعاملِك كويس؟
وش أمي اتقلب.
إيه طريقتك دي؟ ليه بتتكلمي كده؟
حطيت المعلقة.
أنا بس بسأل عشان أفهم.
خبطت أمي المعلقة على السفرة بعصبية.
أبوكي مات من سنين! وإنتِ عندك شغلك وحياتك، وأنا قاعدة في البيت لوحدي! ساعات اليوم كله يعدي وملاقيش بني آدم أتكلم معاه!
البيت سكت فجأة.
التليفزيون كان شغال على برنامج صحي، والمذيع بيتكلم بحماس كأن الدنيا كلها بخير.
وأنا كنت ببص لعيني أمي اللي بدأت تحمر.
ما قدرتش أزود عليها.
مسحت عينيها وقالت
أنا مش عايزة أبقى حمل عليكي.
وبصتلي.
أنا بس نفسي ألاقي حد نعيش سوا ونونس بعض في اللي فاضل من العمر.
قلت
ماشي.
رفعت عينيها بسرعة.
كملت
بس إنكم تعيشوا مع بعض حاجة… والجواز حاجة تانية.
نظرتها هربت مني.
وقتها قلبي نزل في رجلي.
إنتوا اتكلمتوا في الجواز؟
ما ردتش.
لكن سكوتها كان كفاية.
تاني يوم، عم فتحي دخل بيتنا رسمي لأول مرة.
كان جايب كيس يوسفي.
كيس بلاستيك رفيع، وجواه كام واحدة يتعدوا على الصوابع.
أول ما دخل نادى
يا ست الكل، أنا جيت أهو.
كنت قاعدة على الكنبة براجع شوية ورق للشغل.
أول ما شافني، ابتسامته وقفت لحظة.
إنتِ كمان موجودة يا بنتي؟
قلت
ده بيتي، طبيعي أبقى موجودة.
وشه اتشد.
أمي طلعت راسها من المطبخ.
إيه يا بنتي الأسلوب ده؟ هو حد بيكلم الكبير كده؟
عم فتحي رفع إيده بسرعة.
لا لا، سيبيها. دي برضه خايفة على أمها.
وبعدين حط كيس اليوسفي على الترابيزة وقال
بصي يا بنتي، أنا راجل على قد حالي. لا عندي أملاك ولا أهل ولا عيال. بس لو ربنا كتبلي نصيب مع والدتك، هحطها في عيني.
رفعت عيني من الورق.
هتحطها في عينك إزاي؟
اتلخبط.
أمي خرجت بكوبايتين شاي.
وإنتِ مالك مصممة تمسكي في كل كلمة كده ليه؟
فضلت باصة لعم فتحي.
طالما بنتكلم عن مستقبل، يبقى لازم كل حاجة تبقى واضحة.
فرك إيديه في بعض وقال
يعني هنعيش مع بعض، وكل واحد يسند التاني.
وبعدها ابتسم
والدتك شاطرة في الطبيخ، وأنا أعرف أونسها وأتكلم معاها.
وكمل
هي صحتها الحمد لله كويسة، وأنا صحيح أكبر منها شوية ورجلي بتتعبني، بس أنا راجل حنين وبعرف أقدر الست.
ما رديتش.
لأن كل كلمة كان بيقولها، بالنسبة لي كانت شبه توزيع مهام.
أمي تطبخ.
تنضف.
تخدم.
وتهتم.
وهو…
يتكلم معاها.
الغريب إن أمي كانت سامعاه ووشها كله رضا وسعادة.
بالليل، أم محمد خبطت علينا.
كانت جايبة شوية خضار، وقعدت تضحك مع أمي.
والله يا أم منى، ربنا بيعوضك. عم فتحي راجل طيب ولسانه حلو وبيعرف يقدر الست.
أمي وقفت جنبها مكسوفة كأنها عروسة جديدة.
أم محمد بصتلي وقالت
وإنتِ بقى يا منى ما تبقيش أنانية.
الكبير من حقه يفرح ويعيش حياته برضه.
هزيت راسي.
طبعًا من حق أمي تفرح.
أم محمد ابتسمت برضا.
فكملت
المهم بس فرحتها ما تبقاش إنها تتحول لخدامة ببلاش عند راجل تاني.
الابتسامة اختفت من وش أم محمد.
وأمي شدتني
لمحة نيوز
