زواج في سن ال 47 ج2

انجى الخطيب

الكلمة الأخيرة فضلت ترن في وداني وأنا ببصله.
“كل خطوة لمراتي…”
قالها بهدوء، لكن كان فيها إحساس بالسيطرة خلاني أتوتر.
ابتسمت بالعافية وقلت: “يعني إيه؟”
رد وهو بيخلع ساعته: “يعني بطمن عليكي… الدنيا مبقتش أمان.”
هزيت راسي وسكت، لكن جوايا كان بيقول إن الموضوع أكبر من مجرد خوف.
طول الليل معرفتش أنام.
كل شوية أفتكر الرسالة اللي شفتها على تليفونه، والورقة اللي كانت في الدرج، وكلام أخو مراته الأولى.
تاني يوم استنيت لما نزل شغله، وخرجت أقابل الراجل.
أول ما قعدنا، لقيته بيبص حواليه كذا مرة قبل ما يتكلم.
قال: “أنا وافقت أقابلك عشان ضميري وجعني… بس اللي هقولهولك يفضل بينا.”
قلت بسرعة: “اتفضل.”
طلع نفس طويل وقال: “أختي بعد الجواز بفترة بدأت تشتكي من نفس اللي انتي بتحكيه… بخل شديد، وتحكم في كل جنيه، وإلحاح مستمر يعرف معاها كام وفي البنك كام.”
سكت لحظة وكمل: “إحنا افتكرنا إنه طبع فيه وخلاص.”
قلت: “وبعدين؟”
قال: “بعدها عرفنا إنه كان كل شوية يقنعها تدخل معاه في استثمار جديد. مرة عربية، مرة محل، مرة قطعة أرض.”
سألته: “وافقت؟”
هز راسه بالنفي.
“في الأول لأ… لكن مع الضغط المستمر وافقت مرة واحدة.”
قلبي اتقبض.
“وحصل إيه؟”
رد وهو بيبصلي في عيني: “الفلوس راحت… وكل حاجة كانت متسجلة بأسماء ناس تانيين، ولما سألته قال المشروع خسر.”
اتخضيت.
“يعني نصب عليها؟”
قال: “إحنا مقدرناش نثبت حاجة… لأنها كانت واثقة فيه وماضية على أوراق بنفسها.”
سكت شوية، وبعدها مد إيده في شنطة صغيرة كانت معاه، وطلع ظرف بني قديم.
حطه قدامي وقال: “دي أختي كانت سايباها قبل الطلاق، وقالت لو حصل أي حاجة معاه في المستقبل، يمكن الورق ده يفيد.”
فتحت الظرف ببطء.
كان فيه صور لعقود، وصور تحويلات بنكية، وكذا ورقة عليها ملاحظات مكتوبة بخط إيدها.
لكن اللي شد انتباهي ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها.
مكتوب فيها بخط مرتب:
“لو اتجوز بعدي ست معاها ميراث أو أملاك… عرفوها إنها متوقعش على أي ورقة مهما كانت.”
إيدي بدأت ترتعش.
بصيت لأخوها وقلت: “هي كانت حاسة إنه هيكرر نفس اللي عمله؟”
هز راسه وقال: “كانت متأكدة.”
رجعت البيت وأنا دماغي هتنفجر من التفكير.
ولأول مرة من يوم ما اتجوزته، حسيت إن قرار الطلاق بقى أقرب من أي وقت فات.
لكن قبل ما أخد أي خطوة، كان لازم أعرف الحقيقة كاملة.
ولما دخلت الشقة، لقيته قاعد في الصالة مستنيني.
الغريب إنه كان راجع من الشغل بدري.
بصلي وقال بابتسامة هادية:
“اتأخرتي ليه؟”
جاوبت وأنا بحاول أكون طبيعية: “كنت عند ماما.”
فضل باصصلي ثواني، وبعدها قال:
“غريبة… أصل مامتك اتصلت بيا من ساعة تسأل إذا كنتِ عندي ولا لأ.”
في اللحظة دي عرفت إنه كشف كذبتي… لكن اللي صدمني بجد، إنه فتح درج الترابيزة اللي جنبه، وطلع منه نفس الظرف البني اللي كنت لسه شايفاه من أقل من ساعة… وقال وهو بيبصلي من غير ما يرمش:
“واضح إن في ناس بدأت تحكي عني حكايات قديمة… مش كده؟”
……..
اتسمرت مكاني، وبصيت للظرف اللي في إيده، وبعدها بصيتله.

أنا كنت سايبة الظرف عند أخو مراته الأولى… إزاي بقى معاه؟

حاولت أخبي ارتباكي وقلت:”ظرف إيه ده؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة، لكن عينيه مكانش فيهم أي ابتسامة.

قال:”متتعبيش نفسك… أنا بعرف كل حاجة قبل ما تحصل.”

بلعت ريقي وقلت:”مش فاهمة.”

قرب مني خطوة وقال:”أنا سألتك سؤال… كنتي فين النهارده؟”

رديت بنفس الإجابة:”قولتلك… عند ماما.”

فضل ساكت شوية، وبعدها فتح الظرف وطلع منه كام ورقة.

“عارفة دي إيه؟”

هزيت راسي بالنفي.

قال:”دي صور من نفس الورق اللي مع الشخص اللي قابلتيه النهارده.”

قلبي وقع.

يعني هو كان عارف إني خرجت، وعارف قابلت مين.

لكن إزاي؟

سألته وأنا بحاول أتمالك نفسي:”إنت مراقبني؟”

ضحك وقال:”لا… بس الدنيا صغيرة.”

الكلام كان بسيط، لكن نبرته كانت تقصد أكتر بكتير.

قعد على الكنبة، وحط الورق قدامه، وقال بهدوء:”بصي… أي اتنين اطلقوا طبيعي إن كل واحد يطلع التاني وحش. متسمعيش كلام حد.”

قلت:”طيب والورق ده؟”

قال بسرعة:”كلام مالوش قيمة.”

بصيتله وسألته:”لو مالوش قيمة… محتفظ بيه ليه؟”

لأول مرة من ساعة ما عرفته، سكت.

سكات طويل.

وبعدين قام فجأة، جمع الورق، ورجعه الظرف.

قال:”أنا مش بحب حد يدخل بيني وبين مراتي.”

رديت بهدوء:”وأنا كمان مبحبش حد يخبي عني الحقيقة.”

الجو بقى تقيل.

ولا أنا اتكلمت، ولا هو.

دخل أوضة النوم، وقفل الباب وراه.

أما أنا، فقعدت في الصالة أبص للسقف.

كل حاجة كانت بتقول إن في سر أكبر بكتير من مجرد فلوس.

تاني يوم، وأنا في الشغل، رن تليفوني من رقم غريب.

رديت.

صوت ست كبيرة قالت:”إنتِ زوجة الأستاذ…؟”

قلت:”أيوه.”

قالت:”أنا مش هقولك اسمي دلوقتي… لكن لازم أقابلك، لأن في حاجة لو عرفتيها متأخر… هتندمي طول عمرك.”

سألتها بسرعة:”حضرتك مين؟”

ردت:”أنا واحدة أعرفه من أكتر من عشرين سنة… وشفت بعيني حاجات محدش يعرفها.”

قبل ما أسأل أي سؤال تاني، قالت:”متقوليلوش إنك هتقابليني… ولو فضل يضغط عليكي عشان تبيعِي شهاداتك أو تديه أي توكيل… ارفضي مهما حصل.”

وقبل ما أقول كلمة، قفلت الخط.

فضلت أبص للتليفون بإيدي.

كان عندي ألف سؤال.

مين الست دي؟

عرفت رقمي منين؟

وليه ظهرت دلوقتي بالذات؟

لكن السؤال اللي خوفني أكتر من أي حاجة…

هو أنا فعلًا اتجوزت راجل بخيل…

ولا اتجوزت راجل كان بيرسم خطة من أول يوم دخل حياتي؟
…….
فضلت ماسكة التليفون دقيقة كاملة، أبص للشاشة بعد ما المكالمة انتهت، وكلام الست بيلف في دماغي.
لأول مرة من ساعة ما اتجوزت، حسيت إن الخوف اللي جوايا بقى له سبب.
طول اليوم في الشغل معرفتش أركز. كل شوية أرجع أفتكر تفاصيل صغيرة كنت باعتبرها عادية.
افتكرت إنه أول شهر جواز طلب مني أعرفه كل حساباتي البنكية عشان “لو حصل حاجة يبقى عارف أتصرف”.
وافتكرت إنه كان بيسألني كل فترة إذا كنت عملت وصية ولا لأ، وكان بيقولها بهزار:
“الواحد لازم يبقى منظم… الدنيا ملهاش أمان.”
ساعتها ضحكت وعديتها.
دلوقتي… بقيت بخاف من كل كلمة قالها.
بعد الشغل روحت قابلت الست في كافيه هادي بعيد عن منطقتنا.
كانت ست في أوائل الستينات، شكلها بسيط، لكن ملامحها كلها توتر.
أول ما قعدت قدامها قالت:
“قبل أي كلام… أوعي تثقي فيه ثقة عمياء.”
قلت باستغراب:
“حضرتك تعرفيه منين؟”
قالت:
“كنت شغالة معاه في نفس الشركة زمان.”
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
“كان ذكي جدًا… ويعرف يدخل لأي حد من نقطة ضعفه.”
قلت بسرعة:
“يعني نصب على ناس؟”
هزت راسها وقالت:
“معنديش دليل على كلمة نصب… لكن كان دايمًا يدور على الشخص اللي معاه فلوس أو ممتلكات، ويقرب منه جدًا.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
قالت وهي بتبصلي:
“ولما سمعت إنه اتجوز بعد طلاقه الأخير، وسألت مين هي، وعرفت إن عندها ميراث… فهمت ليه وافق على الجوازة.”
حسيت بغصة في حلقي.
قلت:
“بس هو كان بيقول إنه اتجوزني عشان أكون ونيسه في آخر العمر.”
ابتسمت بأسى وقالت:
“الكلام سهل… الأفعال هي اللي بتكشف الحقيقة.”
طلعت من شنطتها ورقة مطوية.
وقالت:
“دي مش عشان أتهمه… دي مجرد صورة من إعلان قديم كان كاتبه بإيده وهو بيدور على شريك يموله في مشروع، قبل جوازكم بكام شهر.”
بصيت في الورقة.
كان فعلًا بيعرض فكرة مشروع، وكاتب إنه محتاج شريك برأس مال كبير.
افتكرت كلامه معايا بعد الجواز بأيام.
“نفك الشهادات.”
“نشتري دهب.”
“نعمل مشروع.”
كل حاجة كانت ماشية في نفس الاتجاه.
رجعت البيت وأنا واخدة قرار.
مش هواجهه.
ومش هتكلم.
لكن من اللحظة دي، ولا جنيه هيخرج من حساباتي، ولا إمضاء هيتحط على أي ورقة من غير مراجعة محامي.
دخلت الشقة، لقيته قاعد مستنيني كأنه عارف إني كنت فين.
بصلي وقال بابتسامة:
“كنتي فين بعد الشغل؟”
قلت بهدوء:
“اتأخرت شوية.”
قال:
“أصل أنا مريت على الشركة قالولي إنك خرجتي بدري.”
استغربت.
إيه اللي يوديه شركتي؟
وليه يسأل عليا؟
قبل ما أتكلم، مد إيده ناحيتي بظرف أبيض وقال:
“ده عقد المشروع… اقريه براحتك، ولو مقتنعة نمضيه آخر الأسبوع.”
أخدت الظرف من غير ما أفتح.
ولما دخلت أوضة النوم، فتحته بهدوء.
قلبت أول ورقة… والتانية… والتالتة.
لحد ما وقعت عيني على بند صغير مكتوب بخط قانوني، لكنه كان كافي يخليني أقف مكاني.
البند كان بيديله صلاحيات واسعة في إدارة رأس المال والتصرف فيه باسم المشروع بعد توقيعي.
وقتها فهمت إنه ماكانش مستعجل على فلوسي…
كان مستعجل على إمضتي.

حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *