زعيم العيلة حكايات ميرا

زعيم العيلة بصّ للخدامة وقال الفستان ده مش هيخرج من البيت… وإنتِ كمان.
أنا بحب أبقى غير مرئية.
آخر مرة راجل بصلي بجد… قفل باب المكتب علينا.
بقالّي سنتين كاملين… 730 يوم… بصحى الساعة خمسة الفجر، وأدخل قصر ياسين المنشاوي الساعة ستة بالظبط. وطول المدة دي، عمره ما بصلي بجد.
وده كان اختياري… وانتصاري… وطريقة نجاتي.
كنت مجرد جزء من ديكور البيت.
اللي بيعمل القهوة، ويرتب الفوط، وينضف الأوض… من غير صوت.
شبح بيتحرك في البيت، ومحدش بياخد باله منه.
وده كان اللي أنا عايزاه.
لأن لما تبقي غير مرئية…
محدش يلمسك من غير حق.
محدش يعلق على جسمك.
محدش يقرب منك أكتر من اللازم.
ولا يفضل يبصلك بنظرات تخوفك.
اتعلمت قيمة الاختفاء في شغلي القديم.
كنت شغالة في مكتب صغير، ومديري كان مقتنع إن التنورة اللي لابساها دعوة، وإن ابتسامتي المؤدبة معناها إني معجبة بيه.
وفي يوم…
قفل باب المكتب.
وحط إيده على كتفي…
وبدأت تنزل ببطء.
وقال بصوت واطي
إنتِ جميلة أوي يا كارما… ومميزة.
كنت واقفة مكاني…
خايفة.
مش عارفة أهرب إزاي من غير ما أخسر الشغل اللي كنت محتاجاه.
ومن يومها…
أقسمت…
إن محدش هيشوفني بالشكل ده تاني.
قصيت شعري.
وبقيت أربطه كحكة مشدودة لدرجة إنها كانت بتوجع دماغي.
اشتريت هدوم أوسع مني بتلات مقاسات.
ألوانها كلها رمادي… بيج… وأسود.
هدوم من غير أي ملامح.
ولبست نضارة رغم إن نظري كان سليم.
كانت بتخليني أبان جدّة… ومقفولة… وبعيدة.
والخطة نجحت.
ياسين المنشاوي عمره ما بصلي مرتين.
وأغلب الأيام…
مكنش بيبص مرة واحدة.
روتيننا كان ثابت كأنه صلاة.
كل يوم الساعة سبعة وثلاث دقايق ينزل.
ولا مرة اتأخر.
ولا مرة سبق ميعاده.
بدلته مكوية.
وشعره لسه مبلول من الدش.
وريحة عطره الهادية كانت تملّي المكان.
قبلها بدقايق…
القهوة السادة كانت مستنياه.
من غير سكر.
ومن غير لبن.
بحطها على الرخامة.
بياخدها…
يشرب نصها…
ويقلب في موبايله.
ولما يخلص…
يحط الفنجان.
ويقول الكلمة الوحيدة اللي بيقولهالي كل يوم.
تسلمي.
وأرد تلقائي
العفو يا ياسين بيه.
وساعات بيكون مشي…
قبل ما أخلص الجملة.
هو مكانش شايفني.
لكن أنا…
كنت شايفاه.
عارفة إنه يوم التلات بيلبس الرمادي.
ولما يتوتر…
يفرك صدغه الشمال بصباعين.
عارفة إن والدته بتتصل كل أسبوع.
وكل مرة يبص للاسم…
ويرفض المكالمة.
أكيد بينهم وجع قديم.
بس عمره ما كان من حقي أسأل.
عارفة إنه لما ينام قليل…
يشرب القهوة أبطأ.
ويفضل الشغل قبل الضهر.
ويسهر لحد الفجر.
ويبتسم نادر جدًا.
كنت أعرف عنه مئات التفاصيل الصغيرة.
أما هو…
فماكانش يعرف حتى اسمي كامل.
في الليلة اللي قبل كل حاجة تتغير…
صاحبتي دنيا كانت عندي في الشقة.
وقالت وهي رامية المخدة عليا
يا بنتي عيشي شوية.
قلت
ما أنا بعيش.
بشتغل…
وبدفع الفواتير.
ضحكت.
ده مش اسمه عيشة.
وبعدين سألتني
وافقتي تقابلي أحمد ولا لأ؟
أحمد كان صاحب ابن خالة جوزها.
ورّتني صورته.
شاب محترم.
شغله ثابت.
وشكله هادي.
قلت وأنا مترددة
موافقة.
صفقت بفرحة.
بكرة الساعة تمانية بالليل.
وممنوع تعتذري.
تاني يوم صحيت وأنا متوترة.
روحت الشغل.
حضرت القهوة.
الساعة سبعة وثلاث دقايق…
نزل ياسين.
أخد الفنجان.
وقال
تسلمي.
قلت
العفو يا ياسين بيه.
وكالعادة…
ما بصليش.
طول اليوم وأنا بفكر في معاد الساعة تمانية.
كان لازم أغير هدومي.
وأبان بني آدمة…
مش الشبح اللي عايشة بيه بقالي سنتين.
لكن شقتي بعيدة.
ومكنش فيه وقت.
فقررت أجهز نفسي في أوضة العاملات.
كنت عارفة إن ياسين كل يوم بيخرج الساعة سبعة.
الفستان كان مستخبي في شنطتي.
أحمر.
اشتريته بعد تلات شهور تحويش.
محدش يعرف عنه حاجة.
ولا حتى دنيا.
كان أول حاجة أشتريها لنفسي من سنين.
حاجة تخليني أحس…
إني لسه ست.
مش مجرد آلة شغل.
خلصت كل حاجة بسرعة.
المطبخ بيلمع.
الصالة

متوضبة.
أوضه النوم جاهزة.
والساعة ستة ونص…
كان لسه في المكتب.
دخلت أوضة العاملات.
قفلت الباب.
وطلعت الفستان.
كان ناعم…
وفخم…
ويستاهل كل جنيه دفعته فيه.
خدت دش سريع.
ولما لبسته…
حسيت إني شخص تاني.
كان مظبوط على جسمي.
أظهر كل حاجة كنت مخبياها سنتين.
سيبت شعري ينزل.
تموجاته السودة وصلت لنص ضهري.
حطيت شوية ماسكارا.
وروج هادي.
ولمسة بسيطة من البلاشر.
بس.
الكعب الأسود خلاني أقف بطريقة مختلفة.
ولما بصيت في المراية…
افتكرت إني معرفش الست اللي قدامي.
همست لنفسي
إنتِ مين؟
وضحكت من توتري.
أنا كارما.
عندي 26 سنة.
أجلت حلمي.
وصرفت فلوسي على علاج أبويا.
بس أحلامي…
لسه ما ماتتش.
حطيت موبايلي ومفاتيحي في شنطة صغيرة.
كانت الساعة سبعة وربع.
قولت لنفسي
النهارده بس…
هعيش.
بكرة هرجع للكحكة.
والهدوم الواسعة.
والنضارة.
والاختفاء.
فتحت الباب.
وخرجت.
صوت الكعب كان بيرن في الرخام.
كنت قربت أوصل لباب الفيلا…
لما سمعت خطوات.
جاية من ناحية الأوض.
وقفت مكاني.
مستحيل.
هو المفروض يكون خرج.
ظهر ياسين من آخر الطرقة.
لابس نفس البدلة الرمادي.
رابط الكرافتة مفكوك.
وأكمامه مرفوعة.
وشعره باين عليه إنه مرر إيده فيه أكتر من مرة.
أول ما شافني…
وقف فجأة.
وقال باستغراب
مين…
لفيت ناحيته.
وعيوننا اتقابلت.
ملامحه اتغيرت واحدة واحدة…
استغراب.
عدم تصديق.
ثم صدمة كاملة.
وقال بصوت واطي…
كارما؟!
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا
فضل ياسين واقف مكانه كأنه نسي ياخد نفسه.
كانت أول مرة يشوف كارما بالشكل ده.
مش الخدامة الهادية اللي بتمشي في القصر من غير صوت…
لكن بنت عندها ست وعشرين سنة، بعينين واسعتين، وشعر أسود نازل على ضهرها، وفستان أحمر بسيط خلاه يدرك قد إيه هو ماكانش شايفها أصلًا.
أما كارما…
فحست إن قلبها هيقف.
أول فكرة جت في دماغها
خلاص… اترفدت.
نزلت عينيها بسرعة وقالت بتوتر
أنا… أنا آسفة يا ياسين بيه.
ما ردش.
فضل باصلها.
لأول مرة من سنتين، كان بيحاول يفتكر…
إزاي عمره ما لاحظ إنها بالشكل ده؟
قطع الصمت وسأل بهدوء
رايحة فين؟
قالت وهي بتضم الشنطة لصدرها
عندي معاد.
رفع حاجبه.
معاد؟
هزت راسها.
حد متقدملي… وصاحبتي رتبت المقابلة.
لأول مرة، حس ياسين بحاجة غريبة.
ضيق خفيف في صدره.
حاجة مالهاش اسم.
لكنه أخفاها بسرعة.
قال
فهمت.
ثم سكت ثواني.
وبعدين سأل
ليه كنتِ مخبية نفسك كل السنين دي؟
اتوترت كارما.
ماكانتش ناوية تحكي.
لكن نبرة صوته كانت هادئة بشكل غريب.
همست
عشان محدش يبصلي.
عقد حاجبيه.
يعني؟
بلعت ريقها وقالت
آخر مدير اشتغلت عنده… لما بصلي، حاول يستغلني.
ومن يومها قررت أبقى غير مرئية.
الهدوم الواسعة…
والنضارة…
وشعري المربوط…
كل ده كان عشان أحمي نفسي.
ساد صمت طويل.
شعر ياسين لأول مرة بثقل الكلمات.
افتكر كل صباح كان يعدي جنبها من غير حتى ما يعرف شكل وشها.
وقال بصوت منخفض
وأنا…
كنت واحد من الناس اللي ما شافوكيش.
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع.
بالعكس.
ده كان أكتر مكان حسيت فيه بالأمان.
لأن حضرتك عمر ما بصيتلي بالطريقة اللي كنت بخاف منها.
خفض ياسين رأسه للحظة.
ثم قال
يبقى أنا مدين لك باعتذار.
رفعت عينيها باستغراب.
اعتذار؟
لأني كنت فاكر إني بعرف كل اللي بيشتغلوا معايا…
واكتشفت النهارده إني حتى ماكنتش أعرف مين كارما.
ابتسمت بخجل.
ثم نظرت إلى الساعة.
لو سمحت… هتأخر.
رجع ياسين خطوة، وفتح لها باب الفيلا بنفسه.
وقال
أتمنى تكون مقابلة كويسة.
ابتسمت لأول مرة من قلبها.
شكرًا يا ياسين بيه.
خرجت.
وظل واقفًا يتابعها حتى ركبت سيارة الأجرة واختفت من أمام القصر.
ولما رجع إلى الداخل…
وقعت عينه على النضارة الطبية المزيفة فوق تسريحة أوضة العاملات.
أمسكها بيده…
وهمس لنفسه
يعني كل يوم…
كنت بشوف القناع…
وعمري ما حاولت أشوف الإنسان اللي وراه.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتفه.
ظهر اسم خطيبته…
ريم.
نظر إلى الشاشة، ثم إلى النظارة في يده.
ولأول مرة منذ سنوات…
ترك الهاتف يرن دون أن يجيب رن الهاتف حتى انقطع.
بعد أقل من دقيقة…
رن مرة تانية.
ريم.
ياسين أخد نفسًا عميقًا، ورد.
جاله صوتها الحاد
أنت فين؟ الناس كلها مستنياك من ساعة.
قفل عينيه للحظة.
كان ناسي تمامًا إن عنده عشا مع أهلها لمناقشة ترتيبات الفرح.
قال بهدوء
حصلت ظروف في الشغل.
ردت ببرود
الشغل أهم مني كالعادة.
أنهى المكالمة بعد دقائق، لكنه كان شارد الذهن.
لأول مرة، حس إن المشكلة مش في المكالمة…
المشكلة إنه طولها كان بيفكر في سؤال واحد
ليه بنت كانت عايشة معاه سنتين اضطرت تخبي نفسها بالشكل ده؟
في نفس الوقت…
كانت كارما قاعدة في كافيه صغير.
قدامها أحمد.
شاب محترم، هادي، لابس قميص أبيض ونظارته الطبية.
ابتسم وقال
بصراحة… دنيا كانت عندها حق.
استغربت.
في إيه؟
قالتلي إنك بنت محترمة.
ابتسمت بخجل.
بدأوا يتكلموا.
عن الشغل.
وعن أهلهم.
وعن الأحلام المؤجلة.
ولأول مرة من سنين…
كارما ضحكت من قلبها.
بعد ساعة…
وصل ياسين بيت ريم.
كان البيت مليان ضيوف.
أول ما دخل، قامت ريم تستقبله.
لكنها وقفت فجأة.
إيه ده؟
بصلها باستغراب.
قالت وهي تقرب منه
دي ريحة برفان ست.
اتجمد مكانه.
ثم افتكر…
كارما وهي خرجت من أوضة العاملات، كان عطرها الهادي فضل في الطرقة، ولما وقف قريب منها، أكيد علق جزء بسيط في بدلته.
ابتسم بسخرية من الموقف.
وقال
يمكن من الشغل.
لكن ريم ما اقتنعتش.
فضلت تبصله طول السهرة.
بعين مليانة شك.
ولأول مرة…
بدأ ياسين يحس إن الجوازة اللي كان داخل عليها، مبنية على انعدام الثقة من البداية.
وفي آخر السهرة…
وهو راجع بالعربية…
وصله إشعار من كاميرات القصر.
ظهرت كارما.
كانت رجعت تاني.
لكنها ما دخلتش.
وقفت عند البوابة…
وخلعت الكعب العالي.
ورجعت لبست النضارة.
ولمّت شعرها كحكة مشدودة.
ثم دخلت القصر…
وعادت مرة أخرى إلى الشبح الذي اعتادت أن تكونه.
ظل ياسين يشاهد التسجيل حتى نهايته.
ثم همس لنفسه
ليه…
كل ما تخرج من الباب…
ترجع تخبي نفسها تاني؟
ولم يكن يعرف أن إجابة هذا السؤال ستغيّر حياته… وتجعله يعيد التفكير في كل القرارات التي كان يظن أنها محسومة تاني يوم…
الساعة كانت 703 بالظبط.
زي كل يوم.
كارما دخلت المطبخ.
لابسة البنطلون الواسع، والقميص الرمادي، والنضارة، وشعرها مربوط بقوة.
كأن اللي حصل امبارح…
ماحصلش.
حطت فنجان القهوة على الرخامة.
وقفت مكانها.
نزل ياسين.
بص للفنجان.
ثم بص لها.
لأول مرة…
اتأخر قبل ما يقول كلمته المعتادة.
قال
صباح الخير يا كارما.
رفعت رأسها بسرعة.
اتلخبطت.
لأن من سنتين…
عمره ما قال غير
تسلمي.
ردت بخجل
صباح النور يا ياسين بيه.
أخذ القهوة، لكنه لم يمشِ.
سألها
المقابلة كانت عاملة إيه؟
ارتبكت.
الحمد لله… كويسة.
وأحمد؟
استغربت.
حضرتك فاكر اسمه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
قولتيه امبارح.
هزت رأسها.
إنسان محترم.
وهتشوفيه تاني؟
ابتسمت لأول مرة.
غالبًا.
قال بهدوء
أتمنى يكون يستحقك.
الكلمة وقعت عليها بشكل غريب.
لأنها كانت أول مرة حد يقول لها إنها تستحق حاجة جميلة.
ابتسمت وقالت
شكرًا.
طلع ياسين مكتبه…
لكن الشغل لأول مرة ما جمعش تركيزه.
فضل يفتكر الكدمة اللي كانت على دراعها.
افتكر خوفها وهي بتقول
آخر مرة راجل بصلي بجد…
وبدأ يسأل نفسه…
كام واحدة بتشتغل عنده شايلة وجع وهو مايعرفش؟
بعد الضهر…
طلب من سامح، مدير الأمن.
هاتلي ملفات كل الموظفين.
استغرب سامح.
كلها؟
كلها.
قعد ياسين يقلب الملفات.
اكتشف إن فيه موظفين بقالهم سنين ماخدوش علاوة.
وفيه عاملة ابنها محتاج عملية.
وسواق مراته مريضة بالسكر.
وفيه حارس بيشتغل شيفتين عشان يسدد ديونه.
أغلق الملفات وهو يشعر بالضيق.
همس
أنا كنت فاكر إني مدير كويس…
واضح إني كنت مدير بعيد.
في نفس اللحظة…
كان هاتف كارما بيرن.
ردت وهي بتنضف المكتبة.
جالها صوت أحمد.
مساء الخير.
ابتسمت.
مساء النور.
حبيت أسألك…
ينفع نتقابل تاني؟
وقبل ما ترد…
دخلت ريم، خطيبة ياسين، القصر لأول مرة من غير موعد.
وقفت في مدخل المكتبة.
وبصت لكارما من فوق لتحت.
ثم ابتسمت ابتسامة باردة وقالت
إنتِ الخدامة الجديدة؟
رفعت كارما رأسها وقالت بأدب
لا يا فندم… بقالي هنا سنتين.
ردت ريم وهي ما زالت تنظر إليها
غريبة…
أول مرة آخد بالي منك.
ونظرتها توقفت لثانية على وجه كارما…
وكأنها شعرت أن هذه الفتاة ليست غير مرئية كما تبدو.
ثم لمحت هاتفها المضاء، وظهر عليه اسم أحمد .
ابتسمت ريم ابتسامة غامضة…
ومن تلك اللحظة، بدأت تراقب كارما دون أن تشعر كارما بذلك ابتسمت ريم وهي أخفت نظرتها بسرعة.
قالت لكارما بنبرة هادئة
ياسين فين؟
في المكتب يا فندم.
شكرتها وصعدت.
لكن قبل ما تدخل المكتب، وقفت لحظة.
كانت أول مرة تنتبه إن الخادمة اللي كانت تعدي قدامها كل مرة… جميلة بالشكل ده.
همست لنفسها
إزاي ماخدتش بالي منها قبل كده؟
ثم هزت رأسها.
أكيد عشان هي نفسها كانت مخبية ده كله.
في المكتب…
رفع ياسين عينه أول ما دخلت ريم.
قال باستغراب
ماقلتيش إنك جاية.
ابتسمت وجلست.
حبيت أفاجئك.
سكتت لحظة.
ثم قالت وهي تراقب ملامحه
الخدامة اللي تحت…
اسمها كارما، صح؟
رفع رأسه.
أيوه.
شكلها شاطرة.
رد باختصار
جدًا.
ابتسمت ريم، لكنها لاحظت إن دي أول مرة ياسين يتكلم عن أي موظف باهتمام.
غيرت الموضوع بسرعة، وبدأت تتكلم عن الفرح.
ألوان القاعة.
المدعوين.
الفستان.
لكن ياسين كان شاردًا.
لاحظت ده.
فسألته
إنت معايا؟
اعتذر بهدوء.
معلش… ضغط شغل.
في آخر اليوم…
كانت كارما بتستعد تمشي.
وقبل ما تخرج، ناداها سامح.
يا آنسة كارما.
استغربت.
أيوه؟
ناولها ظرفًا.
ده من ياسين بيه.
فتحت الظرف بتردد.
كان فيه قرار رسمي.
زيادة في الراتب، وتأمين طبي شامل، ويومين إجازة إضافيين كل شهر لكل العاملين في القصر.
وفي آخر الورقة…
جملة قصيرة بخط ياسين
شكرًا لأنك جعلتِني ألاحظ ما كنت غافلًا عنه.
وقفت كارما تقرأ الجملة أكثر من مرة.
لم تكن زيادة الراتب هي التي أثرت فيها…
بل أنه أخيرًا…
رآها.
وفي الطابق العلوي…
كانت ريم تقف خلف النافذة، وشاهدت سامح وهو يسلم كارما الظرف.
لم تعرف ما بداخله.
لكنها رأت الابتسامة على وجه كارما.
ورأت ياسين واقفًا في مكتبه ينظر إلى الحديقة في الاتجاه نفسه.
ولم يعجبها ما رأته.
لأنها للمرة الأولى…
شعرت أن هناك شيئًا يتغير داخل الرجل الذي كانت تظن أنها تعرفه جيدًا في اليوم التالي…
وصلت كارما القصر قبل السادسة بعشر دقائق.
كان كل شيء هادئًا.
دخلت المطبخ، وبدأت تحضر القهوة كعادتها.
لكنها فوجئت بياسين واقفًا هناك.
لأول مرة…
كان هو الذي يسبقها.
رفعت رأسها بدهشة.
صباح الخير يا ياسين بيه.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
صباح النور.
ثم أشار إلى ماكينة القهوة.
النهارده أنا اللي هعملها.
ضحكت من غير قصد.
ثم وضعت يدها على فمها بسرعة.
آسفة.
رفع حاجبه.
بتضحكي ليه؟
قالت بخجل
أول مرة أشوف حضرتك داخل المطبخ قبل القهوة.
ابتسم.
واضح إن عندك حق.
سادت لحظة صمت مريحة.
ثم قال
أحمد اتصل؟
ارتبكت.
أيوه.
وهتخرجي معاه تاني؟
هزت رأسها.
يوم الجمعة.
ظل ساكتًا ثواني.
ثم قال
أتمنى يكون بيعرف يقدّر الإنسانة اللي قدامه.
ابتسمت، لكن قبل أن ترد…
دخلت ريم.
وقفت عند باب المطبخ، ونظرت للمشهد.
ياسين واقف بيعمل القهوة.
وكارما واقفة قدامه تبتسم.
لم يكن بينهما أي شيء خارج حدود الاحترام.
لكن المشهد نفسه…
أزعجها.
قالت وهي تحاول تخفي انفعالها
واضح إني قاطعت حاجة.
ابتعدت كارما خطوة فورًا.
وقالت بأدب
عن إذنك يا فندم.
وخرجت.
بقيت ريم تنظر إلى الباب الذي خرجت منه، ثم التفتت إلى ياسين.
من إمتى بتعمل قهوتك بنفسك؟
أجاب بهدوء
من النهارده.
وليه؟
أخذ رشفة من الفنجان.
ثم قال
لأني اكتشفت إن فيه ناس كانت شايلة عني حمل أكبر بكتير من مجرد فنجان قهوة.
لم تفهم قصده.
لكنها شعرت أن شيئًا تغيّر داخله…
شيئًا لا علاقة له بالقهوة أبدًا.
وفي الخارج…
كانت كارما تمشي في الممر وهي تحاول تهدئة دقات قلبها.
لم تكن خائفة من ياسين.
بل كانت خائفة من نفسها.
لأنها لأول مرة منذ سنوات…
بدأت تشعر بالأمان مع رجل.
وده كان بالضبط الإحساس الذي أقسمت يومًا ألا تسمح لنفسها أن تشعر به مرة أخرى مرّ أسبوع.
كارما كانت تحاول ترجع لكل حاجة زي الأول.
تخلص شغلها في هدوء.
ترد بكلمتين.
ومتبقاش موجودة أكتر من اللازم.
لكن ياسين…
كان
لمحة نيوز

هو اللي اتغير.
بقى يسأل كل يوم
صباح الخير يا كارما.
محتاجة حاجة؟
خدتي استراحة؟
أسئلة بسيطة…
لكن بالنسبة لها كانت جديدة.
وفي المقابل، كان حريص إن أي كلام بينهم يفضل في حدود الاحترام.
عمره ما وقفها من شغلها.
ولا طلب منها تدخل مكتبه لوحدها.
ولا خلاها تحس للحظة إنها مديونة له بأي حاجة.
وده بالذات…
كان السبب اللي خلاها ترتاح.
أما ريم…
فكانت بتراقب من بعيد.
وفي يوم، استدعت سامح.
وقالت
عايزة ملف الموظفة كارما.
استغرب سامح.
ليه يا هانم؟
ابتسمت.
مجرد فضول.
رفض سامح بأدب.
ملفات الموظفين سرية، ولا تخرج إلا بأمر من ياسين بيه.
أول مرة حد يرفض لها طلبًا داخل القصر.
خرجت وهي متضايقة.
في مساء الجمعة…
كان موعد كارما مع أحمد.
وقفت قدام المراية في أوضة العاملات.
فتحت الشنطة.
أخرجت الفستان الأحمر.
لكنها وقفت فجأة.
فضلت تبص له ثواني.
ثم رجعته مكانه.
وأخرجت فستانًا أزرق بسيطًا.
وقالت لنفسها
مش لازم أستخبى…
ومش لازم ألفت النظر.
أقدر أبقى أنا.
فردت شعرها، لكن سابته مربوط نصف ربطة، من غير الكحكة المشدودة اللي كانت بتوجعها.
ولما خرجت…
صادفت ياسين عند الباب الرئيسي.
ابتسم لما شافها.
وقال
الفستان ده لايق عليكِ.
احمرّ وشها.
شكرًا.
ثم أضاف بهدوء
أتمنى تقضي وقت لطيف.
ابتسمت.
إن شاء الله.
ركبت التاكسي ومشيت.
فضل ياسين واقف يبص للعربية لحد ما اختفت.
سأله سامح، اللي كان واقف بعيد
حضرتك مبسوط؟
سكت ياسين شوية.
ثم قال
أيوه.
طالما هي مبسوطة.
بصله سامح باستغراب.
لكن قبل ما يسأله…
رن موبايل ياسين.
كان رقم غريب.
رد.
وجاله صوت راجل متوتر
حضرتك تعرف الآنسة كارما؟
وقف قلبه لحظة.
أيوه.
أنا من مستشفى السلام…
الآنسة كارما وصلت عندنا من عشر دقايق بعد حادث سيارة.
وساد الصمت اتجمد ياسين مكانه.
حالتها إيه؟
رد الموظف
هي واعية، لكن الدكتور طالب حضور حد من أهلها أو شخص مسؤول عنها.
من غير ما يفكر، خطف مفاتيح عربيته.
سامح ناداله
يا باشا… في إيه؟
رد وهو خارج يجري
كارما عملت حادث.
بعد أقل من عشر دقائق…
كان داخل قسم الطوارئ.
لمح كارما قاعدة على السرير، جبينها عليه جرح صغير، وإيدها الشمال متجبسة مؤقتًا.
أول ما شافته…
اتسعت عينيها.
ياسين بيه؟
اقترب منها بسرعة.
إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
الحمد لله… مجرد خبطات.
دخل الدكتور في اللحظة دي.
قال
حضرتك قريبها؟
سكت ياسين لحظة.
ثم قال
أنا… صاحب شغلها.
ابتسم الدكتور.
أطمن، الأشعة سليمة. كسر بسيط في الرسغ وكام كدمة. المشكلة إن الشاب اللي كان معاها هو اللي أخد الإصابة الأكبر، لكنه خرج من غرفة العمليات وحالته مستقرة.
تنفست كارما الصعداء.
همست
الحمد لله… أحمد بخير.
نظر إليها ياسين.
هو اللي كان سايق؟
هزت رأسها.
عربية نقل قطعت عليهم الإشارة. حاول يبعد العربية عن ناحيتي… وكل الخبطة جات فيه.
سكت ياسين.
ثم قال بهدوء
واضح إنه راجل محترم.
ابتسمت كارما رغم الألم.
أيوه… محترم.
في اللحظة دي، دخل أحمد وهو على كرسي متحرك، وكتفه ملفوف بالضمادات.
أول ما شاف كارما، قال بقلق
إنتِ كويسة؟
ردت بسرعة
أنا كويسة… إنت اللي وجعتني عليك.
ابتسم أحمد.
ثم التفت لياسين.
حضرتك أكيد أستاذ ياسين.
مد يده السليمة.
كارما بتحكي عن احترامك في الشغل.
صافحه ياسين.
وقال
وأنا مدين لك… لأنك حميت حياتها.
ابتسم أحمد.
أي واحد مكانّي كان هيعمل كده.
نظر ياسين إلى الاثنين.
ورأى في عيون كارما راحة لم يرها من قبل.
راحة فتاة بدأت تستعيد ثقتها في الناس.
ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
خدي إجازة لحد ما تخفي.
الشغل آخر حاجة تفكري فيها.
اعترضت كارما تلقائيًا
بس…
قاطعها بابتسامة
دي أوامر المدير.
ضحكت لأول مرة منذ الحادث.
ولما خرج ياسين من المستشفى، كان سامح مستنيه عند العربية.
سأله
هترجع القصر؟
نظر ياسين إلى باب المستشفى لحظة، ثم قال بهدوء
أيوه.
وسامح لاحظ لأول مرة إن ملامح ياسين كانت هادئة.
مش لأنه كسب قلب كارما…
لكن لأنه اطمأن إنها بخير، وإن الشخص اللي اختارته يبدو شخصًا يستحقها.
وفي تلك الليلة، رجع ياسين إلى القصر، ونظر إلى بطاقة دعوة زفافه الموضوعة على مكتبه.
ظل يتأملها طويلًا…
وكأنه بدأ يسأل نفسه لأول مرة
هل أنا ماشي في الطريق اللي اخترته… ولا الطريق اللي اختاره غيري ليا؟مرّ أسبوعان.
رجعت كارما للشغل بعد ما الدكتور سمح لها تتحرك، لكن رسغها كان لسه عليه دعامة.
أول ما دخلت المطبخ، لقت ياسين واقف هناك.
بص لإيدها وقال
الدكتور قال إيه؟
ابتسمت.
أسبوعين كمان وهشيل الدعامة.
هز رأسه.
كويس.
حاولت تمد إيدها تشيل صينية القهوة.
سبقها هو.
سيبيها.
استغربت.
دي شغلتي.
رد بهدوء
وشغلي إني أتأكد إن اللي بيشتغلوا معايا مش بيأذوا نفسهم.
ابتسمت من غير ما ترد.
في نفس اليوم…
وصلت ريم القصر.
كانت متوترة.
دخلت مكتب ياسين وقفلت الباب.
وقالت مباشرة
لازم نتكلم.
رفع عينه من الملف اللي قدامه.
اتفضلي.
أخذت نفسًا عميقًا.
إنت اتغيرت.
سكت.
بقيت بعيد… ومش زي الأول.
قال بهدوء
يمكن.
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت
أنا مش بسألك عن الشغل.
أنا بسألك…
لسه عايز تتجوزني؟
ساد الصمت.
طويلًا.
ولأول مرة…
ماعرفش يجاوب بسرعة.
مش لأنه وقع في حب كارما.
لكن لأنه اكتشف إنه كان داخل على الجواز لأنه المفروض يتجوز.
مش لأنه اختار ده فعلًا.
لاحظت ريم التردد.
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقالت
السكوت أوقات بيكون أوضح من أي إجابة.
قامت من مكانها.
خلعت دبلة الخطوبة، وحطتها على المكتب.
أنا عايزة حد يبقى متأكد إنه اختارني.
مش حد بيكمل طريق لأنه متعود يمشي فيه.
خرجت بهدوء.
وسابت ياسين قاعد لوحده.
باصص للدبلة.
ولأول مرة من سنين…
سأل نفسه السؤال اللي كان بيهرب منه
أنا عايز إيه فعلًا؟
في آخر اليوم…
كانت كارما بتلم شنطتها عشان تمشي.
سمعت خبر فسخ الخطوبة من العاملات.
واحدة منهم همست
شكل الفرح اتلغى.
ردت التانية
ربنا يعوضهم.
كارما سكتت.
ما فرحتش.
وما علقتش.
كل اللي فكرت فيه…
إنها تتمنى ألا يكون حد اتوجع.
وفي نفس اللحظة…
كان ياسين واقف في مكتبه، ينظر من الشباك إلى الحديقة.
رأى كارما وهي تخرج من البوابة، وأحمد مستنيها بعربيته.
ابتسم أحمد لما شافها، وفتح لها الباب.
ابتسمت هي أيضًا، وركبت.
تابع العربية وهي بتتحرك.
ثم قال لنفسه بصوت منخفض
يمكن… السعادة مش إن الإنسان ياخد اللي هو عايزه.
يمكن السعادة…
إنه يتمنى الخير للي يستحقه.
وبهذا بدأت حياة جديدة لكل واحد منهم، من غير خيانة، ومن غير أن تتحول القصة إلى صراع على الحب، بل إلى رحلة لاكتشاف الذات واتخاذ القرارات الصادقة بعد ثلاثة أشهر…
كان القصر أكثر هدوءًا من أي وقت مضى.
انتهت الخطوبة باحترام.
ريم أرسلت رسالة قصيرة لياسين
أتمنى تلاقي الحياة اللي تناسبك… وأتمنى ألا نكون أضعنا عمر بعض.
رد عليها
وأنا أتمنى لكِ السعادة.
وكان ذلك آخر تواصل بينهما.
أما كارما…
فكانت تلاحظ أن ياسين أصبح مختلفًا مع جميع الموظفين، وليس معها وحدها.
أصبح يجتمع بهم مرة كل شهر.
يسأل عن احتياجاتهم.
خصص صندوقًا للطوارئ لأي موظف يمر بأزمة.
وأصدر قرارًا بمنع أي مدير من مقابلة موظفة بمفردها في مكتب مغلق، وأن تكون جميع المقابلات الإدارية في مكاتب زجاجية أو بحضور شخص ثالث إذا طلب الموظف ذلك.
في أول اجتماع، قال
الاحترام مش ميزة…
الاحترام حق.
وكانت كارما تعرف أن هذا القرار لم يأتِ من فراغ.
في مساء أحد الأيام…
كانت ترتب الكتب في المكتبة.
دخل ياسين بهدوء.
قال
عندك دقيقة؟
ابتسمت.
أكيد.
ناولها ظرفًا.
فتحته.
كان عقدًا لدورة تدريبية في إدارة الفنادق، مدفوعة بالكامل.
نظرت إليه باستغراب.
ده إيه؟
قال
فاكر لما قلتي إنك كنتِ بتحلمي تكملي تعليمك؟
هزت رأسها.
الحلم لسه ينفع.
سكتت لحظة.
ثم قالت
ليه بتعمل كل ده؟
ابتسم.
لأن المدير الحقيقي المفروض يسيب الناس أحسن مما لقاهم.
أغلقت الملف.
وقالت بامتنان
شكرًا.
ثم أضافت بابتسامة صغيرة
وأوعدك… اليوم اللي أسيب فيه الشغل هنا، هيكون عشان أبدأ خطوة أكبر… مش عشان أهرب.
ابتسم ياسين.
وده بالضبط اللي كنت أتمنى أسمعه.
بعد عام…
كانت كارما تقف على منصة صغيرة في حفل تخرجها من البرنامج التدريبي.
في الصف الأول…
كان أبوها.
ودنيا.
وأحمد.
وياسين.
بعد انتهاء الحفل، اقترب أحمد وابتسم.
ثم أخرج خاتمًا بسيطًا.
وقال
كارما…
تحبي تكملي بقية الطريق معايا؟
نظرت إليه، ثم إلى والدها الذي كانت عيناه مليئتين بالدموع.
ابتسمت وقالت
أيوه.
صفق الجميع.
وكان أول من صفق…
ياسين.
لأنه أدرك أن أحيانًا أعظم أثر تتركه في حياة شخص، ليس أن يصبح جزءًا من حياته…
بل أن تساعده ليصل إلى الحياة التي كان يستحقها منذ البداية بعد ستة أشهر…
امتلأت الحديقة الصغيرة أمام بيت والد كارما بالأنوار.
لم يكن الفرح فخمًا.
ولا فيه مئات المدعوين.
لكن كان فيه شيء أهم…
الراحة.
كانت كارما ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، وتبتسم من قلبها.
وأحمد لم يرفع عينيه عنها طوال الحفل.
في آخر الصفوف…
وصل ياسين.
بدلة كحلية، من غير حراسة ظاهرة، ومن غير مظاهر استعراض.
سلّم على والد كارما أولًا.
ثم وقف بعيدًا حتى لا يلفت الأنظار.
اقتربت منه دنيا، صديقة كارما، وقالت ضاحكة
أول مرة أشوف صاحب شغل يحضر فرح موظفة.
ابتسم.
النهارده مش جاي بصفتي صاحب شغل.
أمال؟
نظر إلى كارما وهي تضحك مع أهلها.
وقال
جاي أشوف إن نهاية الحكاية طلعت أحسن من بدايتها.
بعد انتهاء الحفل…
اقتربت كارما منه.
وقالت بابتسامة
كنت فاكرة إن حضرتك مش هتعرف تيجي.
أخرج علبة صغيرة.
دي هدية بسيطة.
فتحتها.
وجدت مفتاحًا، ومعه ورقة.
نظرت إليه باستغراب.
قال
دي مقدمة شقة.
الباقي هتقسطوه براحتكم.
وقبل أن تعترض، رفع يده بلطف.
دي مكافأة نهاية خدمة.
ضحكت.
أنا لسه ما استقلتش.
ابتسم.
استقالتك وصلتني من أسبوع.
رفعت حاجبها.
وزعلت؟
هز رأسه.
لا.
افتخرت.
لأنك خرجت من هنا وإنتِ رايحة لحاجة أكبر.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان.
ثم قالت
عارف أكتر حاجة اتغيرت في حياتي؟
إيه؟
ابتسمت.
بقيت ما بخافش أبص في المراية.
سكت ياسين.
كان يعرف معنى الجملة.
أكتر من أي حد.
بعد عامين…
مرت سيارة ياسين أمام فندق جديد في القاهرة.
على اللافتة كان مكتوب
مديرة التشغيل كارما عادل.
ابتسم.
دخل الفندق.
استقبلته موظفة الاستقبال.
وبعد دقائق خرجت كارما.
لكنها لم تكن ترتدي ملابس العمل القديمة.
كانت ترتدي بدلة رسمية أنيقة، وشارة باسمها.
تمشي بثقة.
وتبتسم بثقة.
قالت وهي تمد يدها
أهلاً يا ياسين بيه.
صافحها.
وقال مبتسمًا
واضح إنك بقيتي مديرة شاطرة.
ضحكت.
لسه بتعلم.
ثم أشارت إلى أحمد، الذي كان يحمل طفلة صغيرة بين ذراعيه.
أحب أعرفك…
دي ليلى.
بنتنا.
اقترب ياسين، ولاعب الطفلة الصغيرة التي أمسكت إصبعه وضحكت.
ضحك هو الآخر.
وفي تلك اللحظة…
تذكر أول يوم رأى فيه كارما بفستانها الأحمر.
ويومها ظن أن قصته بدأت.
لكنه فهم الآن…
أن دوره الحقيقي لم يكن أن يكون بطل قصة حبها.
بل أن يكون الشخص الذي ساعدها تستعيد حياتها، حتى تكتب قصتها بنفسها.
ابتسم وهو يغادر الفندق.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة…
شعر أنه هو أيضًا وجد السلام الذي كان يبحث عنه.
تمت بعد خمس سنوات…
كان اسم مجموعة المنشاوي يتردد في كل مؤتمر اقتصادي كبير.
لكن الناس لم تعد تتحدث فقط عن نجاحها.
بل عن سياسة جديدة جعلتها مختلفة.
لا يوجد موظف يعمل ساعات إضافية دون مقابل.
لا يوجد مدير يلتقي موظفة خلف باب مغلق.
ويوجد صندوق تعليمي لأبناء العاملين، يمول منحًا دراسية كاملة.
في أحد المؤتمرات، وقف أحد الصحفيين وسأل ياسين
إيه سبب التغيير الكبير في طريقة إدارتك خلال السنين الأخيرة؟
ابتسم ياسين قليلًا.
ثم قال
لأن المؤسسة اللي تنجح على حساب كرامة الناس… فشلها مجرد مسألة وقت.
صفق الحضور.
لكن أحدًا لم يعرف أن الجملة بدأت قبل سنوات…
بسبب فتاة كانت تخفي نفسها خلف نظارة بلا عدسات.
في مساء اليوم نفسه…
عاد إلى مكتبه.
وجد ظرفًا أبيض على المكتب.
فتح الظرف.
كانت بطاقة دعوة.
يسرنا دعوتكم لحضور افتتاح مؤسسة كارما وأحمد للتدريب المهني.
وفي آخر البطاقة بخط يد كارما
لولا إنك شجعتني أصدق إن أحلامي لسه ينفع تتحقق… ما كانش اليوم ده جه.
ابتسم.
وأغلق البطاقة بهدوء.
يوم الافتتاح…
دخل ياسين المبنى.
كان مليئًا بالشباب والبنات الذين يتعلمون الحرف والإدارة واللغات.
استقبلته كارما وأحمد.
قالت وهي تشير إلى القاعات
هنا بندرب أي بنت اضطرت تسيب تعليمها.
وهنا الشباب اللي محتاجين فرصة شغل.
وهنا ورش عن بيئة العمل الآمنة.
ابتسم ياسين.
واضح إنكم عملتوا حاجة أكبر بكتير من اللي كنتوا بتحلموا بيه.
ضحك أحمد.
الحلم بيكبر لما حد يصدقك.
وقبل أن يغادر…
اقتربت منه فتاة صغيرة لا تتجاوز التاسعة.
قالت بخجل
حضرتك أستاذ ياسين؟
ابتسم.
أيوه.
ناولته ورقة مرسومًا عليها رجل يرتدي بدلة، وبجانبه فتاة تبتسم.
وقالت
ميس كارما قالت لنا إن في ناس مش بيغيروا العالم بالفلوس…
بيغيروه لأنهم عاملوا حد باحترام في وقت كان محتاجه.
نظر ياسين إلى الرسمة طويلًا.
ثم طواها بعناية ووضعها في جيب بدلته.
ولما خرج من المؤسسة، رفع عينيه إلى السماء، وابتسم.
لم يكن يفكر في الإمبراطورية التي بناها.
ولا في الصفقات التي ربحها.
بل في حقيقة بسيطة اكتشفها متأخرًا
أن أعظم أثر يتركه الإنسان… هو أن يمنح شخصًا آخر فرصة ليعيش حياته بلا خوف.
النهاية. بعد عشر سنوات…
كان ياسين قد ابتعد تدريجيًا عن إدارة أعماله اليومية.
سلّم أغلب المسؤوليات إلى فريق محترف، واحتفظ فقط بالقرارات الكبرى.
وفي صباح هادئ…
جلس في مكتبه القديم.
فتح درجًا لم يفتحه منذ سنوات.
وجد داخله…
نظارة بإطار أسود.
ابتسم.
كانت نفس النظارة التي تركتها كارما يوم ظهرت أمامه لأول مرة بفستانها الأحمر.
لم يرمها.
ولم يحتفظ بها لأنها تخص كارما…
بل لأنها كانت تذكره بالرجل الذي كانه.
رجل كان يمر بجوار الناس كل يوم…
ولا يراهم.
في ذلك اليوم…
زار مؤسسة كارما وأحمد دون موعد.
دخل بهدوء.
فوجد عشرات الشباب يتدربون.
ورأى صورة كبيرة على الحائط.
مكتوب تحتها
الكرامة أول خطوة نحو النجاح.
اقترب أكثر.
ولاحظ لوحة صغيرة بجانبها.
إهداء إلى كل إنسان منح فرصة دون أن ينتظر مقابلًا.
في اللحظة نفسها…
خرجت كارما من إحدى القاعات.
لما رأته، ابتسمت بنفس الهدوء الذي عرفه فيها منذ سنوات.
وقالت
كنت حاسة إنك هتيجي.
ضحك.
بقيتي تعرفي تتوقعي.
قالت وهي تنظر إلى القاعات
فاكر أول مرة سألتني ليه كنت مخبية نفسي؟
هز رأسه.
أيوه.
ابتسمت.
النهارده عندنا أكتر من مية بنت اتعلموا هنا إنهم مش محتاجين يستخبوا.
سكت ياسين.
وشعر أن الجملة وحدها تكفي عمرًا كاملًا.
قبل أن يغادر…
ركضت نحوه فتاة صغيرة، عمرها حوالي سبع سنوات.
كانت بنت أحمد وكارما.
قالت وهي تمسك يده
بابا بيقول إنك صاحب فضل علينا.
ضحك.
بابا بيبالغ.
هزت رأسها بقوة.
لا.
ماما قالت إنك أول واحد عاملها كأنها إنسانة… مش مجرد موظفة.
نظر إلى كارما.
فابتسمت له من بعيد.
لم يكن في نظرتها حب قديم.
ولا ندم.
ولا ماذا لو؟
كان فيها امتنان فقط.
وامتلأ قلبه بالراحة.
لأنه أدرك أن بعض العلاقات لا تتحول إلى قصة حب…
ومع ذلك، تظل من أجمل العلاقات التي يمر بها الإنسان.
غادر المؤسسة بخطوات هادئة.
وفي جيبه…
كانت ما تزال تلك النظارة القديمة.
تذكارًا من اليوم الذي تعلم فيه أن يرى الناس كما هم…
لا كما تبدو أدوارهم.
تمت الحكاية. بعد عشرين سنة…
كان القصر هادئًا على غير عادته.
لم تعد السيارات الفارهة تدخل كل ساعة.
ولا الاجتماعات تمتد حتى الفجر.
اختار ياسين أن يعيش حياة

أبسط.
وفي صباح شتوي…
كان يجلس في الحديقة يقرأ كتابًا، حين سمع ضحكات أطفال.
رفع رأسه.
وجد حافلة صغيرة تقف أمام البوابة.
نزل منها مجموعة من الأطفال، تتقدمهم كارما وأحمد.
كانت المؤسسة تنظم زيارة للأطفال الأيتام.
ركضت طفلة صغيرة نحو ياسين.
سألته ببراءة
هو حضرتك صاحب البيت؟
ضحك.
كنت.
استغربت.
أمال دلوقتي؟
ابتسم وقال
دلوقتي أنا مجرد راجل عنده جنينة كبيرة… وعايز الأطفال يجروا فيها.
ضحك الأطفال، وانتشروا في الحديقة.
وقف ياسين يتأملهم.
ثم لمح كارما من بعيد.
قالت وهي تبتسم
البيت بقى مليان حياة.
رد وهو ينظر إلى الأطفال
زمان كنت فاكر إن قيمة البيت في حجمه.
دلوقتي عرفت إن قيمته في الناس اللي يضحكوا جواه.
اقترب أحمد، وهو يحمل صندوقًا صغيرًا.
قال
لقينا ده وإحنا بنرتب المؤسسة.
فتح الصندوق.
كان بداخله…
الفستان الأحمر.
نظرت كارما إليه وضحكت.
معقول لسه موجود؟
قال أحمد مبتسمًا
دنيا كانت محتفظة بيه، وقالت لازم يرجع لصاحبته.
أخذت كارما الفستان بين يديها.
وقالت
الفستان ده غيّر حياتي.
ابتسم ياسين.
لا…
القرار اللي خدتيه يومها هو اللي غيّرها.
سكتوا جميعًا.
ثم قالت كارما
يمكن.
لكن الفستان خلاني أفتكر إني كنت لسه عايشة.
وقبل أن تغادر الحافلة…
اقتربت ليلى، ابنة كارما، من ياسين.
ناولته ورقة مطوية.
فتحها.
كانت رسمة جديدة.
رجل كبير يجلس تحت شجرة.
وحوله أطفال كثيرون يضحكون.
وفي أعلى الرسمة كتبت بخط طفولي
الناس الحلوة بتسيب مكانها أحسن مما لقيته.
ابتسم ياسين، واحتفظ بالرسمة داخل الكتاب الذي كان يقرأه.
ثم شاهد الحافلة وهي تبتعد ببطء.
وأدرك أن أعظم ما كسبه في حياته…
لم يكن القصر.
ولا النفوذ.
ولا المال.
بل أن قصة بدأت بخادمة أرادت أن تكون غير مرئية…
انتهت بمئات الأشخاص الذين أصبحوا يرون قيمتهم الحقيقية.
وهنا أُسدل الستار على الحكاية. بعد عدة أشهر…
كان المطر ينهمر بغزارة.
رن جرس القصر.
فتح الحارس البوابة، فوجد شابة في أوائل العشرينات، ملابسها مبللة، وعيناها ممتلئتان بالخوف.
قالت بصوت متردد
أنا… كنت جاية لمعاد مع الأستاذ ياسين.
دخلت إلى المكتب.
كان ياسين يراجع بعض الأوراق.
ابتسم لها بلطف.
اتفضلي… اقعدي.
جلست وهي تضم حقيبتها إلى صدرها.
قالت بعد لحظة صمت
أنا اسمي هناء… وبشتغل في شركة من سنة.
بلعت ريقها بصعوبة.
ومديري… بدأ يضايقني.
خفضت عينيها.
وكل ما أرفض… يهددني بالشغل.
ساد الصمت.
لم يقاطعها ياسين.
تركها تحكي حتى انتهت.
ثم فتح أحد الأدراج.
وأخرج النظارة السوداء القديمة.
نظر إليها لحظة، ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
سألته هناء باستغراب
حضرتك بتبص للنظارة ليه؟
قال
لأنها بتفكرني بحد علمني إن الخوف ممكن يخلي الإنسان يستخبى سنين.
أعادها إلى الدرج برفق.
ثم أمسك الهاتف.
قال
أول حاجة… مش هترجعي الشغل ده تاني لحد ما تبقي في أمان.
ارتبكت.
بس أنا محتاجة المرتب.
ابتسم.
ومحدش قال إنك هتفضلي من غير شغل.
بعد أسبوع…
بدأت هناء العمل في إحدى الشركات التابعة للمجموعة.
وكان أول يوم لها…
دخلت المكتب وهي متوترة.
لكنها فوجئت بأن باب مكتب المدير كله من الزجاج.
وأن كل الموظفين يعرفون بوضوح سياسات الاحترام والشكاوى.
ابتسمت لأول مرة منذ شهور.
وفي نهاية اليوم…
وقفت أمام ياسين وقالت
شكرًا.
رد بابتسامة
متشكرنيش.
اشكري واحدة اسمها كارما.
استغربت.
مين كارما؟
نظر من النافذة إلى الحديقة.
وقال بهدوء
إنسانة اشتغلت هنا زمان…
من غير ما تقصد، غيرت حياة ناس كتير.
ابتسمت هناء وهي تغادر.
أما ياسين…
فأغلق الدرج مرة أخرى.
ولم يخرج النظارة بعد ذلك أبدًا.
لأنه لم يعد يحتاجها ليتذكر.
فقد أصبح يرى الناس…
من أول نظرة. بعد عام…
كان ياسين مدعوًا لإلقاء كلمة في حفل تخريج دفعة جديدة من الشباب.
وقف على المنصة، وأمام مئات الوجوه المتحمسة قال
الناس بتفتكر إن النجاح هو الفلوس أو المنصب.
ثم سكت لحظة.
وأضاف
لكن في رأيي… النجاح الحقيقي إن حد يشتغل معاك وهو حاسس بالأمان.
ساد هدوء في القاعة.
ثم بدأ التصفيق.
بعد انتهاء الحفل…
اقتربت منه فتاة تحمل شهادة التخرج.
قالت بخجل
ممكن أسأل حضرتك سؤال؟
ابتسم.
اتفضلي.
قالت
لو حد فقد ثقته في نفسه… يرجعها إزاي؟
ظل صامتًا ثواني.
ثم قال
الثقة مبتترجعش مرة واحدة.
بترجع كل مرة حد يعاملك باحترام.
وكل مرة تنجح في خطوة صغيرة.
وكل مرة تصدق إن غلط غيرك في حقك… مش معناه إن فيك عيب.
اغرورقت عينا الفتاة بالدموع.
شكرته وانصرفت.
في المساء…
عاد ياسين إلى القصر.
وجد رسالة على مكتبه.
لم يكن عليها اسم المرسل.
فتحها.
كانت ورقة واحدة.
مكتوب فيها
أنا كارما.
عدّى سنين كتير، لكن في حاجة عمري ما عرفتش أقولهالك.
شكرًا… لأنك لما شفت خوفي، ما استغلتوش.
شكراً لأنك أثبتّ لي إن مش كل الرجال نسخة من الماضي.
يمكن إنت نسيت مواقف كتير، لكن أنا ما نسيتهاش.
وربنا يجعل الخير اللي عملته في ميزان حسناتك.
قرأ الرسالة مرة…
ثم طواها بعناية.
ووضعها داخل كتابه المفضل.
ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال لنفسه
الحمد لله.
ثم أطفأ نور المكتب.
وأغلق الباب.
هذه المرة…
من الخارج.
ولم يعد هناك أحد يخاف من باب يُغلق خلفه.
النهاية. بعد سنوات طويلة…
في أحد أيام الشتاء الهادئة، تلقى ياسين دعوة لم يكن يتوقعها.
حفل مرور عشرين عامًا على تأسيس مؤسسة كارما وأحمد.
ابتسم وهو يقرأها.
قال لنفسه
عشرين سنة… كأنها امبارح.
وصل إلى المؤسسة، فوجد المكان أكبر مما تخيل.
ورش تدريب.
فصول تعليم.
مكتبة.
وحضانة مجانية لأطفال الأمهات العاملات.
وعلى المدخل لوحة كبيرة كُتب عليها
لا أحد يضطر أن يختفي حتى يشعر بالأمان.
وقف ياسين يقرأها طويلًا.
ثم سمع صوتًا خلفه.
عجبتك؟
التفت.
كانت كارما.
ظهر في شعرها بعض الخصلات البيضاء، لكنها ما زالت تبتسم بنفس الهدوء.
قال
دي أحسن جملة شوفتها من سنين.
ابتسمت.
دي مش جملتي.
أمال بتاعة مين؟
قالت
بتاعة البنت اللي كنتها زمان.
بدأ الاحتفال.
وبعد كلمات الضيوف، صعدت كارما إلى المنصة.
قالت
الناس فاكرة إن المؤسسة دي بدأت بفكرة.
لكن الحقيقة…
بدأت بسؤال.
سكت الجميع.
أكملت
في يوم، حد سألني ليه كنتِ مخبية نفسك؟
وأول مرة حسيت إن حد بيسأل عشان يفهم… مش عشان يحكم.
لو السؤال ده ما اتسألش…
يمكن ما كنتش واقفة هنا النهارده.
نظرت إلى ياسين بين الحضور.
ورفعت رأسها بابتسامة امتنان.
فبادلها الابتسامة.
بعد انتهاء الحفل…
اقترب شاب صغير من ياسين.
كان في أوائل العشرينات.
قال
حضرتك تعرفني؟
ابتسم ياسين.
لأ.
قال الشاب
أمي كانت أول دفعة اتدربت هنا.
كانت مطلقة، وماكانش معاها شغل.
المؤسسة علمتها مهنة.
وربتنا أنا وأختي.
أنا النهارده مهندس.
وأختي دكتورة.
مد يده وصافحه.
يمكن حضرتك متعرفش عملت إيه…
بس أنا واحد من الناس اللي حياتهم اتغيرت بسبب قرار خدته من سنين.
نظر ياسين إلى الشاب، ثم إلى كارما التي كانت تتحدث مع المتدربين.
وأدرك أن الخير لا يقف عند الشخص الذي يصنعه…
بل يمتد إلى أشخاص قد لا يقابلهم أبدًا.
خرج من المؤسسة قبل انتهاء الاحتفال.
كان الغروب قد بدأ.
رفع عينيه إلى السماء، وابتسم.
هذه المرة…
لم يشعر أنه أنهى قصة.
بل شعر أنه ترك أثرًا…
وسيظل هذا الأثر يكبر، حتى بعد أن يغيب أصحابه. بعد عامين…
كان ياسين قد تجاوز الستين.
أصبح حضوره في الشركة قليلًا، لكنه لم ينقطع عن زيارة المؤسسة كلما سمح له وقته.
وفي صباح أحد الأيام…
وصلته رسالة من كارما.
لم تكن طويلة.
لو فاضي النهارده… تعالى. في حد نفسه يشوفك.
ابتسم.
وأخذ سيارته بنفسه.
دخل المؤسسة.
فوجد الأطفال مجتمعين في قاعة صغيرة.
وفي المنتصف…
كانت سيدة مسنة تجلس على كرسي متحرك.
اقترب ياسين.
استغرب.
همست كارما
تعرف مين دي؟
هز رأسه.
قالت بابتسامة
دي أمي.
نظر إليها بدهشة.
كانت هذه أول مرة يراها.
ابتسمت السيدة بصعوبة.
وقالت
أخيرًا شوفت الراجل اللي بنتي كانت تدعي له كل ليلة.
جلس ياسين أمامها.
وقال بخجل
أنا ما عملتش حاجة تستاهل.
ابتسمت الأم.
بنتي كانت ترجع من الشغل كل يوم تقول…
فيه مكان بحس فيه إني آمنة.
ثم نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان.
الأم ما بتنساش مين طمّن قلب بنتها.
ساد صمت طويل.
لم يجد ياسين كلمات يرد بها.
اكتفى بأن انحنى قليلًا احترامًا لها.
بعد انتهاء الزيارة…
خرج يتمشى في حديقة المؤسسة.
ركضت نحوه ليلى، التي أصبحت شابة في الجامعة.
قالت ضاحكة
ماما لسه محتفظة بالفستان الأحمر.
ضحك ياسين.
بجد؟
أيوه.
سألتها مرة ليه.
قالت
مش عشان الفستان…
عشان اليوم اللي افتكرت فيه إني أستحق أعيش.
ابتسم ياسين.
وقال
يبقى تحتفظ بيه.
لأنه بقى ذكرى لبداية جديدة.
وقبل أن يغادر…
وقفت كارما بجانبه.
قالت
تعرف؟
زمان كنت فاكرة إن أقوى حاجة عملتها في حياتي…
إني استخبيت.
ضحك بخفة.
ودلوقتي؟
نظرت إلى عشرات البنات داخل القاعات.
ثم قالت
دلوقتي أقوى حاجة عملتها…
إني بطلت أستخبى.
نظر إليها ياسين، ثم إلى المؤسسة، ثم قال
ويمكن… ده كان الدرس اللي كلنا احتجناه.
ابتسم الاثنان.
ولم يكن بينهما سوى الاحترام…
وامتنان صادق لرحلة بدأت بالخوف…
وانتهت بأن صار الأمان هديةً يتقاسمها الجميع. ابتسمت كارما، ثم أكملت كلامها أمام مجلس الإدارة
أول فرع اتبنى علشان الناس تحس بالأمان… مش علشان يحمل اسم حد. والفرع الجديد هيكون بنفس الفكرة.
سألها أحد الأعضاء
يعني هنسميه إيه؟
نظرت إلى اللوحة التي أمامها، ثم قالت
بيت البداية.
ساد الصمت.
ثم وافق الجميع.
في يوم الافتتاح…
كان ياسين يجلس في الصف الأول، وقد أصبح شعره أبيض بالكامل.
صعدت كارما إلى المنصة.
وقالت
من سنين طويلة، كنت فاكرة إن القوة هي إني أبقى غير مرئية.
ابتسمت وهي تنظر إلى الحضور.
لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية… إن الإنسان يلاقي مكان يقدر يكون فيه نفسه من غير خوف.
ثم أشارت إلى إحدى الفتيات الجالسات في الصفوف الأولى.
دي مريم.
أول ما جت المؤسسة، كانت بتتكلم وهي باصة في الأرض.
كانت خايفة من أي صوت عالي.
النهارده…
هي مدربة هنا، وبتعلم غيرها.
صفق الجميع بحرارة.
بعد انتهاء الحفل…
اقتربت مريم من ياسين.
وقالت
حضرتك متعرفنيش.
لكن أنا أعرف حضرتك من الحكايات اللي كانت بتحكيهالنا أستاذة كارما.
ابتسم.
كانت بتحكي إيه؟
ضحكت.
كانت تقول إن فيه مدير علّمها إن الاحترام مش ضعف.
وإن أول مكان حسّت فيه بالأمان… غيّر حياتها كلها.
سكت ياسين لحظة.
ثم قال
الفضل لله… ثم لإصرارها هي.
قبل أن يغادر…
أوقفتْه كارما.
ناولته صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال باستغراب
إيه ده؟
ابتسمت.
افتحه في البيت.
عاد إلى القصر.
فتح الصندوق ببطء.
وجد بداخله ثلاثة أشياء
النظارة السوداء القديمة.
بطاقة العمل الأولى الخاصة بكارما، عندما بدأت خادمة في القصر.
وصورة جماعية لكل العاملين في المؤسسة.
وتحتهم رسالة قصيرة بخط يدها
كنت محتفظ بالنظارة عشان تفتكر اليوم اللي بدأت تشوف فيه الناس. دلوقتي مش محتاجها. لأنك بقيت تشوفهم بقلبك.
ظل ياسين يقرأ الرسالة أكثر من مرة.
ثم أغلق الصندوق.
ووضعه على مكتبه، في مكان كانت توضع فيه قديمًا ملفات الصفقات.
ابتسم وقال بهدوء
سبحان الله…
أكبر استثمار عملته في حياتي…
مكنش صفقة.
كان إنسان.
وأغلق المكتب، وخرج يتمشى في الحديقة، بينما كان صوت ضحكات الأطفال القادمين من المؤسسة الجديدة يصل إليه مع نسيم المساء، ليعرف أن الحكاية لم تنتهِ حقًا…
بل أصبحت حياةً يعيشها آخرون كل يوم. مرّت سنوات أخرى…
وفي صباح ربيعي هادئ، كانت كارما ترتب بعض الملفات في مكتبها داخل مؤسسة بيت البداية.
دخلت السكرتيرة وقالت
أستاذة كارما… في بنت بره، بتقول إنها لازم تقابلك.
قالت
دخليها.
دخلت فتاة لا يتجاوز عمرها عشرين سنة.
كانت ترتدي ملابس واسعة جدًا، وشعرها مربوط بقوة، ونظارة كبيرة تخفي نصف وجهها.
وقفت كارما للحظة…
وشعرت كأنها تنظر إلى نفسها قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
ابتسمت بلطف.
اتفضلي، اقعدي.
جلست الفتاة وهي تنظر إلى الأرض.
قالت بصوت خافت
أنا اسمي نور.
وبعدين… سكتت.
لم تستعجلها كارما.
انتظرت.
بعد دقائق، رفعت نور رأسها وقالت
أنا تعبت من إني أستخبى.
اغرورقت عينا كارما بالدموع.
لأنها سمعت نفس الجملة التي كانت تريد أن تقولها يومًا، لكنها لم تجد من يسمعها.
قالت بهدوء
وأنا كمان…
تعبت منها زمان.
ثم قامت من مكانها، وفتحت أحد الأدراج.
أخرجت الفستان الأحمر القديم.
كانت تحتفظ به بعناية طوال تلك السنين.
ابتسمت نور باستغراب.
سألت
الفستان ده ليه؟
ضحكت كارما.
ده مش مجرد فستان.
ده بيفكرني باليوم اللي قررت أعيش فيه.
ثم أمسكت يد نور.
وقالت
لكن إنتِ مش محتاجة فستان عشان تبدئي.
إنتِ محتاجة تصدقي إنك تستحقي تعيشي من غير خوف.
في نفس الوقت…
كان ياسين يجلس في شرفة بيته، يقرأ كتابًا.
رن هاتفه.
كانت كارما.
رد مبتسمًا
صباح الخير.
قالت وهي تضحك
فاكر زمان لما قلتلي إن المدير الحقيقي يسيب الناس أحسن مما لقاهم؟
ابتسم.
فاكر.
قالت
النهارده فهمت إن الكلام ده ماكانش عن الشركات.
كان عن البشر.
نظر ياسين إلى السماء.
ثم قال بهدوء
وأنا كمان… اتعلمته منك.
انتهت المكالمة.
وأغلق الكتاب.
كانت آخر صفحة فيه تحمل عبارة وضعها بنفسه منذ سنوات
قد لا تستطيع تغيير ماضي إنسان… لكنك تستطيع أن تكون سببًا في ألا يخاف من مستقبله.
أغلق الكتاب.
وابتسم.
وفي مكان آخر…
كانت نور تخرج من المؤسسة لأول مرة، وهي لا تشد شعرها بقوة، ولا تخفض رأسها وهي تمشي.
وكان ذلك…
بداية حكاية جديدة. بعد عام…
عادت نور إلى المؤسسة.
لكنها لم تكن الفتاة نفسها.
دخلت بثقة، تحمل ملفات في يدها، وتبتسم لكل من يقابلها.
استقبلتها كارما عند الباب.
وقالت وهي تضحك
شكلك اتغير.
ضحكت نور.
لا…
أنا اللي اتغيرت.
في ذلك اليوم…
كان ياسين حاضرًا لافتتاح برنامج جديد لتدريب الشباب.
وبعد انتهاء الحفل، طلبت نور أن تتحدث.
وقفت أمام الجميع.
وقالت
أول مرة دخلت المكان ده…
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
كنت بلبس هدوم واسعة عشان محدش يبصلي.
وبربط شعري بقوة.
وبخاف من أي باب يتقفل.
ثم نظرت إلى كارما.
لقيت واحدة فهمت خوفي… من غير ما أشرحه.
ونظرت إلى ياسين.
ولقيت راجل علّم المكان كله إن الاحترام مش كلمة في لائحة… الاحترام أسلوب حياة.
صفق الجميع.
أما ياسين…
فاكتفى بالابتسام.
لم يعد يشعر بالحاجة إلى الكلام.
كان يرى أمامه أثرًا حيًا.
الأثر الذي بدأ بإنسانة واحدة.
ثم صار اثنتين.
ثم عشرات.
ثم مئات.
بعد انتهاء الاحتفال…
خرج الثلاثة يتمشون في حديقة المؤسسة.
قالت نور وهي تنظر إلى كارما
هو صحيح إنك كنتِ خدامة في يوم من الأيام؟
ابتسمت كارما.
أيوه.
ومكسوفة من ده؟
هزت رأسها.
أبدًا.
أنا مكسوفة بس من حاجة واحدة…
إني زمان كنت فاكرة إن قيمتي بتتحدد بالشغل اللي بشتغله.
ابتسم ياسين وقال
وقيمة الإنسان عمرها ما كانت في وظيفته.
ردت كارما
ولا في فلوسه.
وأضافت نور
ولا في شكله.
ضحك الثلاثة.
وقبل أن يركب ياسين سيارته…
أوقفته نور.
ناولته وردة بيضاء.
وقالت
دي من كل البنات اللي اتعلموا هنا.
ابتسم وهو يأخذها.
ثم سأل
ليه وردة بيضا؟
قالت
لأن الأبيض بيبدأ صفحة جديدة.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال
حافظوا على المكان ده.
يمكن بعد سنين محدش يفتكر اسمي…
لكن أتمنى يفضلوا فاكرين الفكرة.
ابتسمت كارما.
وقالت
متقلقش…
الأفكار الحلوة عمرها ما بتموت.
تحركت السيارة ببطء.
وظلت كارما ونور واقفتين تلوحان له.
ولأول مرة…
لم تكن الحكاية عن ياسين.
ولا عن كارما.
بل عن كل شخص خرج من هذا المكان…
وهو يعرف أن كرامته لا تحتاج أن يثبتها لأحد.
وهنا انتهت الحكاية فعلًا. بعد خمسة عشر عامًا…
لم يعد أحد يناديه في الجرائد
زعيم العيلة.
صاروا يكتبون
رجل الأعمال ياسين المنشاوي.
أما هو…
فلم يكن يهتم بالألقاب كما كان يفعل يومًا.
كان يهتم بشيء واحد فقط…
أن يمر أسبوع،

ولا تصله شكوى من موظف شعر بالظلم.
في صباح هادئ…
وصلت إلى المؤسسة رسالة قديمة.
كان الظرف أصفر من أثر الزمن.
وجدته كارما أثناء ترتيب أرشيف القصر الذي تبرع به ياسين للمؤسسة.
على الظرف كان مكتوب
لا يُفتح إلا بعد عشرين سنة.
اتصلت بياسين.
لازم تيجي.
بعد ساعة…
جلس الاثنان في المكتب.
فتحت كارما الظرف بحذر.
كان بداخله خطاب بخط يد والد ياسين.
بدأت تقرأ
يا ياسين…
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا مش موجود.
أنا علمتك تبقى قوي…
لكن للأسف ما علمتكش تبقى رحيم.
ولو ربنا رزقك الفرصة تتعلم الرحمة من حد أقل منك في المنصب…
أوعى تضيعها.
لأن القوة بتحمي الإنسان…
لكن الرحمة هي اللي بتخليه إنسان.
سكتت كارما.
لم تستطع أن تكمل.
أما ياسين…
فأخذ الرسالة بيد مرتجفة.
وظل يقرأ آخر سطر أكثر من مرة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
وقال
سبحان الله…
كنت فاكر إني اتعلمت الرحمة متأخر.
طلع أبويا كان بيتمنى أتعلمها أصلًا.
خرج الاثنان إلى الحديقة.
كان الأطفال يركضون بين الأشجار.
وفجأة…
ركض طفل صغير، وتعثر، وسقط على الأرض.
بكى.
وقبل أن يتحرك أحد…
انحنى ياسين بنفسه.
حمله برفق.
ونفض التراب عن ملابسه.
وقال مبتسمًا
البطل بيقوم تاني.
ضحك الطفل، ومسح دموعه.
ثم ركض يكمل لعب.
وقفت كارما تراقب المشهد.
وقالت
تعرف؟
لو شافك حد من زمان…
ما كانش هيصدق إنك نفس الشخص.
ضحك ياسين.
وأنا كمان.
نظر إلى يديه.
ثم قال
زمان كانوا بيخافوا من إيدي…
النهارده بتطمن طفل وقع.
وأنا راضي بده جدًا.
وقبل غروب الشمس…
جلسا على المقعد الخشبي في الحديقة.
قالت كارما
لو رجع بيك الزمن…
كنت هتغير حاجة؟
فكر طويلًا.
ثم قال
أيوه.
إيه؟
ابتسم.
كنت هسأل عن اسم الخدامة…
من أول يوم دخلت فيه بيتي.
ابتسمت كارما، والدموع تلمع في عينيها.
وقالت
وأنا…
كنت هصدق من بدري…
إني أستحق أكون مرئية.
ساد الصمت.
لكن هذه المرة…
لم يكن صمت خوف.
بل صمت راحة.
وكأن الحياة، بعد رحلة طويلة، أعادت لكل واحد منهما الشيء الذي فقده يومًا
لياسين… إنسانيته.
ولكارما… نفسها. بعد ذلك بعام…
اتخذ ياسين قرارًا لم يفهمه أحد في البداية.
جمع أفراد العائلة، والمحامين، ومديري الشركات.
وقال بهدوء
القصر هيتحول إلى متحف صغير ومركز تدريب.
ساد الصمت.
اعترض أحد أقاربه
معقول؟! ده بيت العيلة من خمسين سنة.
ابتسم ياسين.
عشان كده لازم يعيش بعدنا… مش يقفل بابه.
استغرقت أعمال التجهيز عامًا كاملًا.
وفي يوم الافتتاح…
دخل الزوار يتجولون في القاعات.
في إحدى الغرف كانت صور قديمة للعائلة.
وفي غرفة أخرى، وثائق عن تاريخ الشركة.
أما في آخر الممر…
فكانت غرفة صغيرة جدًا.
لم تكن أفخم غرفة.
لكنها كانت أكثر غرفة يقف الناس أمامها.
على بابها لافتة مكتوب عليها
غرفة البداية.
دخل الزوار.
وجدوا بداخلها كرسيًا خشبيًا قديمًا.
وفنجان قهوة أبيض.
ونظارة سوداء.
وفستانًا أحمر داخل صندوق زجاجي.
ولم تكن هناك أسماء.
فقط لوحة صغيرة كتب عليها
في هذا المكان، تعلّم شخص أن يرى… وتعلّم شخص آخر ألا يختبئ.
وقفت كارما أمام الصندوق الزجاجي.
تأملت الفستان.
ثم ابتسمت.
اقتربت منها فتاة صغيرة وسألتها
هو الفستان ده غالي؟
نظرت كارما إليه.
ثم إلى الطفلة.
وقالت
لا.
قيمته عمرها ما كانت في تمنه.
قيمته في الشجاعة اللي احتاجها صاحبه عشان يلبسه.
ابتسمت الطفلة، وكأنها فهمت أكثر مما يُتوقع من عمرها.
في المساء…
بعد أن غادر الجميع…
وقف ياسين في الحديقة للمرة الأخيرة.
قال لكارما
فاكرة أول كلمة قولتهالك؟
ضحكت.
لأ… أول كلمة كانت تسلمي.
ضحك هو أيضًا.
وأول كلمة قولتيهالي؟
ابتسمت.
العفو يا ياسين بيه.
هز رأسه.
غريبة…
قصة كاملة بدأت بكلمتين عاديين.
ردت بهدوء
لأن اللي بيغير الحياة…
مش دايمًا الكلام الكبير.
أوقات بيكون…
طريقة الكلام.
نظر الاثنان إلى القصر.
كانت الأنوار مضاءة.
والناس تدخل وتخرج.
ولم يعد البيت مكانًا للسلطة فقط…
بل أصبح مكانًا يحكي للناس أن الاحترام قد يغيّر مصير إنسان.
ومع آخر ضوء للشمس…
ابتسم ياسين وقال
دلوقتي أقدر أقول إن البيت ده…
بقى فعلًا بيت.
وانتهت الحكاية كما بدأت…
بباب فُتح.
لكن هذه المرة…
لم يخرج منه أحد خائفًا.
بل دخل منه كثيرون… وهم يشعرون بالأمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *