بنت خالتى سرقت فستانى

أمي أدت فستان حفلة تخرجي لبنت خالتي عشان تحضر بيه فرح، وقصوا ديله وظبطوه بالدبابيس وهي بتضحك وبتقولي أنا طالع عليا أحلى. بس اللي مكنوش يعرفوه، إن الفستان ده جواه سر، وبكرة بالليل في وسط الفرح والمزيكا.. الفستان نفسه هو اللي هيفضحهم قدام مصر كلها
فستانك مابقاش في الدولاب يا فاليريا، أنا اديته ل دينا.. هي فعلاً محتاجاه عشان عندها فرح مهم جداً.
صوت أمي جالي عبر التليفون زي ما يكون حد بيفتح جرح قديم بمفتاح مصدي.
كنت واقفة قدام دولاب أوضتي في حي مصر الجديدة، وبالطو التمرين الأبيض متعلق على ذراعي، وإيديا كانت سقعانة ومتلجة. على الشماعة اللي كان متعلق عليها فستان تخرجي لحد ليلة امبارح، مكنش فيه غير كفر الفستان وهو فاضي.
لمدة 6 شهور كاملة كنت بدفع ثمن الفستان ده قسط ورا قسط من شقايا. مكنش مجرد رفاهية، ده كان مكافأتي لنفسي بعد شفتات ونبطشيات مابتخلصش، وقهاوي باردة، ودموع مدارية في حمامات المستشفى، وليالي ومذاكرة لحد الفجر. الفستان كان لونه أزرق ليلى كحلي غامق، قصة حورية البحر ميرميد، ومطرز بالإيد بكريستالات دقيقة وصغيرة كانت بتلمع زي النجوم. إيهاب رياض، مصمّم الأزياء، كان ظبطه ومقاسه على جسمي 4 مرات كاملة.
إنتي عملتي إيه يا ماما؟ سألتها.
ردت عليا متبدأيش بقى في الدراما بتاعتك.. دينا رايحة الفرح كإشبينة للعروسة أميرة العريس في فرح عيلة الجارحي. إنتي تخرجك لسه يوم الجمعة، قدامك وقت تشوفي أي حاجة تانية تلبسيها.
في اللحظة دي بالذات، ظهرلي إشعار من إنستغرام.
دينا كانت منزلة ستوري.
فتحت الستوري وصوابعي كانت بترتعش.
كانت واقفة هناك، في صالون تجميل مشهور في الزمالك، بتتصور قدام مراية ضخمة وهي لابسة فستاني. ديل الفستان مكنش

لسه لامس الأرض.. كانوا قصّوه! خياطتين كانوا ماسكين وسطها بالدبابيس، وهي كانت رافعة دقنها لفوق بكل ثقة وكأنها ملكة متوجة.
وبعدها على طول، جالي ريكورد فويس على الواتساب.
يا بنتي فكي كده ومتبقيش قفوشة دينا قالتها وهي بتضحك بضحكة واطية مستفزة مامتك هي اللي ادتهوني عشان ألحق بيه اللوك بتاعي والموقف. هما خلاص حطوا فيه المقص وظبطوه على مقاسي، لو رجعتهولك دلوقتي شكله هيبقى يعرّ ويلخبط. ارضي بالأمر الواقع.. أنا طالع عليا أحلى بكتير.
حسيت بطعم الدم في بوقي.. من كتر الصدمة كنت عضيت باطن خدي من جوه.
أحمد خطيبي صحي من النوم وبص في وشي بخضة.
فاليريا، في إيه؟ إيه اللي حصل؟
قلتله يلا بينا على بيت دينا.
المشوار لحد التجمع الخامس أخد حوالي 25 دقيقة، بس حسيت وإنا في الطريق كأني بمر ب 6 سنين كاملين من دراستي في كلية الطب. افتكرت كل مرة دينا كانت بتقول عليا فيها إني مغرورة وتنكة عشان بدرس طب. وافتكرت كل مرة أمي كانت بتقلل من أي نجاح صغير بحققه وتطلب مني أكون متواضعة بزيادة.
لما وصلت، أمي هي اللي طلعت تفتح الباب وفنجان القهوة في إيدها. مكنش باين عليها أي أثر للذنب، بالعكس، كان باين عليها الضيق والزهق منا.
قالت وهي واقفة سادة الباب ومنعانا ندخل كويس إنك جيتي.. لمّي نفسك واتصرفي بأدب. ده فرح ناس من الأكابر والطبقة العالية، مش سوق جمعة.
ومن وراها ظهرت دينا وهي لابسة فستاني.. الخياطة كانت مشدودة ومتبهدلة، الديل مقصوص بشكل عشوائي وسيئ، والقماش نفسه كان متبهدل ومجروح. ابتسمتلي ببرود وقالت
شوفي يا بنتي.. هو أصلاً مابقاش ينفعلك دلوقتي خلاص. طنط هتبقى تشتريلك واحد تاني من عمر أفندي أو المولد بعدين.
بصيت لأمي.. كنت بتمنى ألمح في عيونها لحظة كسوف أو خجل، بس ملقتش غير نظرة فخر ب دينا.
ساعتها فهمت حاجة تانية خالص، فهمتها بوضوح شديد زي التشخيص الطبي الدقيق الموضوع مكنش غلطة غير مقصودة.. ده كان اختيار معتمد ومقصود.
أخدت نفس عميق.. مصوّتش، ومحاولتش أتهجم عليها وأقطع الفستان من عليها. أنا بس ابتسمت.
وقلت معاكم حق.. اللي حصل حصل خلاص. خليها تلبسه بكرة.. خلّي دينا تنور وتنبسط.
أمي بربشت بعينيها وهي حاسة بالراحة كأن همّ وانزاح، ودينا كانت مستغربة ومذهولة.
إنتي بتتكلمي جد؟
رديت عليها بتكلم جد جداً.. استمتعي بيومك يا برنسيسة.
مسكت إيد أحمد ورجعنا على العربية.
همسلي وهو سايق أنا عارف الوش ده والنظرة دي كويس.. ناوية تعملي إيه؟
بصيت على ستوري دينا مرة تانية وسجلت الفويس نوت عندي.
رديت عليه مش هعمل أي حاجة غير قانونية.. أنا بس هخلي مصر كلها تشوف مين اللي فصلت لنفسها تاج من قماش مسروق.
هما افتكروا إنهم كسبوا المعركة الليلة دي، بس مكنوش يعرفوا إن بكرة.. الفستان نفسه هو اللي هيتكلم بالنيابة عني..؟..
الجزء الثاني
الساعة 7 الصبح يوم السبت، كنت واقفة قدام الأتيليه بتاع إيهاب رياض في ممر هادي ومتداري في منطقة مصر الجديدة. المكان كانت ريحته مليانة بخار، قماش جديد، وريحة قهوة لسه مغلية. إيهاب استقبلني وهو عاقد حواجبه ومستغرب، لأن المفروض الأسبوع ده كان ميعاد بروفة الفستان الأخيرة. مكنتش محتاجة أشرح كتير؛ وريته كفر الفستان الفاضي، الصور الأصلية، الستوري بتاعة دينا، والريكورد اللي كانت بتتريق فيه عليا. إيهاب سمع كل حاجة في صمت تام، ولما الريكورد خلص، غمض عينيه زي الرسام اللي بيشوف لوحته بتتقطع قدام عينه.
قاللي الفستان ده مكنش ملكك لوحدك يا فاليريا.. ده كان جزء من مجموعتي الخاصة الحصرية. الفستان ده ليه شهادة موثقة، ورقم سيريال، والحروف الأولى من اسمك متطرزة جواه في الخياطة الشمال.
حسيت إن النفس رجع لصدري تاني وسألته الحروف الأولى من اسمي؟
رد حرفين ف. ه بخيط فضة. أنا بعمل كده في كل القطع الفريدة اللي ملهاش تكرار. ومش بس كده.
طلع دوسيه أسود من درج مكتبه، وكان جواه عقد الشراء والملكية الحصرية للفستان، واسمي كان مكتوب في كل صفحة منه.
وكمّل كلامه فرح عيلة الجارحي متغطي بالكامل من مجلة إيجيبت فاشون Egypt Fashion. والنهاردة بالليل هيصوروا فقرة خاصة عن فساتين وإطلالات المعازيم. لو دينا ظهرت وقالت إن الفستان ده بتاعها، مش بس هي اللي هتتفضح.. دي هتجر معاها أي صالون أو خياطة مدوا إيدهم في الفستان وعدلوه من غير إذن رسمي مني.
أحمد خطيبي أخد نفس طويل وقال يعني كده نقدر نعمل بلاغ ونقاضيهم.
إيهاب رد ببرود نقدر طبعاً.. بس القضايا والمحاكم حركتها بطيئة، أما الفضيحة العامة فسرعتها سرعة البرق.
صوته مكنش فيه غل أو رغبة في الانتقام، كان بيتكلم باحترافية مهنية بحتة.
على الساعة 10 الصبح، إيهاب كلم ال Wedding Planner منظمة الفرح. مزعقش وماتعصبش، هو بس بلّغها إن فيه قطعة مسجلة باسم الأتيليه بتاعه تم الاستيلاء عليها وتعديلها، وإن فيه واحدة من وصيفات العروسة هتلبسها بدون إذن. وبعتلها على الواتساب نسخة من العقد، الصور، وسكرين شوت من الريكورد. بعد كده، كلم رئيسة تحرير المجلة، جيرمين عبيد، الست اللي معروفة في الوسط إنها تقدر بكلمة واحدة أنيقة منها تهد تاريخ أي عيلة في المجتمع.
على الظهر، أمي اتصلت بيا 14 مرة. ميردتش. في المرة ال 15 سابتلي رسالة صوتية
فاليريا، أنا عرفت إنك عمالة تلفي وتعملي حوارات من ورا ظهرنا. إياكي، إياكي تفكري تبوظي فرح دينا. موضوع
لمحة نيوز

فستانك ده إنتي مأفورة فيه بزيادة. لو عملتي شوشرة وفضايح، إنتي لا بنتي ولا أعرفك وهتخسريني كأم ليوم الدين.
سمعت الرسالة مرتين، وبعدين سيفتها حفظتها عندي.
الساعة 5 العصر، دينا نزلت ستوري تانية. كانت خلاص خلصت المكياج، ولمّت شعرها بفورمة وويفز مظبوطة ع الشعرة، ولابسة مجوهرات متأجرة، وفستاني الكحلي الغامق مجسم على جسمها. كتبت تحت الصورة جاهزة عشان أكون الوصيفة الأكثر أناقة الليلة. أنا مبكيتش.
الساعة 740 بالليل، جيرمين بعتتلي رسالة احنا جوة القاعة دلوقتي. العروسة عرفت، وأمها عرفت كمان. قرروا يستنوا لحد وقت الرقصة الأولى ال عشان يتجنبوا أي خناقة أو نكد قبل كتب الكتاب والزفة. الرسالة دي صدمتني ووقفت الدم في عروقي. العروسة عارفة، وأم العروسة عارفة.. ودينا لسه بتتمشى وسط ناس من كبار البلد وهي مقتنعة تماماً إن مفيش حد يقدر يمسها.
الساعة 915 بالليل، بدأ البث المباشر اللايف بتاع المجلة من قاعة الفندق الكبير الفورسيزونز. شفت في الشاشة النجف الكريستال الضخم، ورد الأوركيد، والترابيزات المتغطية بالزجاج الفخم. وشفت دينا وهي بتدخل الكادر، وبتتجه للكاميرات وهي بتضحك بكل فخر وكأن الكون كله ملكها. جيرمين قربت منها بالميكروفون وقالت
دينا، كل الناس بتسأل عن فستانك التحفة ده.. ممكن تقولي لنا من تصميم مين؟
دينا هزت ديل الفستان بإيديها الاتنين بكل تفاخر وقالت ده تصميم خاص وحصري اتعمل عشاني أنا وبس.. في ستات كده اتولدوا عشان يلبسوا الهوت كوتور والأزياء الراقية.
في اللحظة دي، ظهرت على شاشة تليفوني من وراها أم العروسة وهي بتتمشى وجنبها إيهاب رياض بشحمه ولحمه.. وفي نفس اللحظة اللي دينا رجعت تبتسم فيها للكاميرا، فجأة.. حد قفل المزيكا والدي جي في القاعة كلها!
الجزء الثالث
السكوت نزل على القاعة زي كاس زجاج بيتدشدش بالتصوير البطيء.
دينا أخدت ثانيتين كاملين عشان تستوعب إن فيه حاجة غلط. ملامحها كانت لسه ثابتة على الابتسامة المزيفة وهي بتلف راسها، لتتفاجأ ب الحاجة ريجينيا الجارحي، أم العروسة، واقفة على بعد أقل من متر منها. وكان واقف جنبها إيهاب رياض بشحمه ولحمه، في كامل أناقته ببدلة سوداء، وماسك في إيده دوسيه جلد فخم.
البث المباشر بتاع مجلة إيجيبت فاشون مقطعش؛ جيرمين عبيد نزلت الميكروفون شوية صغيرين، بس سابت الكاميرا شغالة وبتسجل كل حاجة.
الحاجة ريجينيا مصوتتش ولا علّت صوتها؛ اتكلمت بالهدوء والثقة بتوع ست متعودة إن نص البلد تقف انتباه وتنفذ كلامها من قبل ما تكمل جملتها.
قالت آنسة دينا، قبل ما يبدأ وقت الرقصة الأولى، أنا محتاجة أسألك سؤال واحد.
دينا ضحكت بوهقة وتوتر طبعاً يا طنط ريجينيا، اتفضلي.
الفستان ده بتاعك؟
دينا بربشت بعينيها. السؤال كان بسيط جداً، بس في قاعة مليانة رجال أعمال، ودكاترة، وسيدات مجتمع يقدروا يفتكروا النميمة والفضائح لمدة 30 سنة قدام، سؤال بسيط زي ده كان كفيل يتحول لحكم إعدام.
دينا بصت حواليها برعب. أمي ظهرت من ورا عمود في القاعة، وشها كان مخطوف ومخطط زي الأموات، وكانت كابسة على شنطة إيدها ومقرباها من صدرها.
ردت دينا وقالت أيوة.. بتاعي.
هنا إيهاب رياض فتح الدوسيه الجلد وقال طب ممكن بعد إذنك تفسري لنا ليه القطعة دي مسجلة وموثقة في الأتيليه بتاعي باسم الدكتورة فاليريا أحمد؟ ومعايا عقد ممضي، وإيصالات الدفع كاملة، وتطريز داخلي بالحروف الأولى من اسمها؟
المصور بتاع اللايف عمل زووم تقريب تلقائي على الفستان. وفي ثواني، الكومنتات على البث المباشر بدأت تنفجر.
دينا دمها هرب ووشها بقى أبيض أكيد فيه ليدر أو لبط في الموضوع.. دي لخبطة.
إيهاب رد بكل حسم مفيش أي لخبطة.
الحاجة ريجينيا قربت إيدها من ديل الفستان من غير ما تلمسه وقالت بنتي مش هترقص الرقصة الأولى بتاعتها وجنبها وصيفة لابسة حاجة مسروقة. احنا في عيلتنا بنهتم بالمظاهر والبرستيج، أيوة، بس مش على حساب كرامة وشقى ست تانية.
أمي جريت عليهم وهي بتوشوش بصوت واطي، بس الكل في الهدوء ده سمعها عشان خاطري! بلاش تعملوا كده هنا.. ده سوء تفاهم عائلي بسيط وهيتحل.
الحاجة ريجينيا لفت وشها وبصت لأمي إنتي بقى السيدة ميرفت؟
أمي بلعت ريقها بصعوبة أنا خالتها.. وأم فاليريا.
ممتاز.. ممكن بقى تشرحي لنا ليه سلمتي ل بنت أختك قطعة بنتك فضلت تدفع في ثمنها شهور من شقاها؟
أمي رفعت إيديها تدافع عن نفسها فاليريا طول عمرها ناشفة ومكتفية، ودينا كان عندها مناسبة العمر ومحتاجة تظهر بمظهر كويس. أنا كنت بس حابة أساعد.
الحاجة ريجينيا بصت لها بقرف شديد كأنها باصة لحاجة وسخة على الأرض وقالت المساعدة مابتكونش بإنك تاخدي حاجة مش بتاعتك.
دينا حاولت ترجع لورا بخطوات سريعة عشان تداري نفسها، بس ديل الفستان المقصوص بغشامة اتعلق في رجل كرسي. القماش اتشد، وفيه خياطة جانبية اتمزعت وسمعوا صوت طقطقتها، فالبطانة الداخلية اتقلبت وبانت للحظة واضحة ف. أ.
حرفين متطرزين بخيط فضة.
حرفين كانوا كافيين يدفنوها مكانها.
الكاميرا لقطت المشهد بالملّي.
شات اللايف املى بآلاف الرسائل فستان مسروق، يا لفضيتهم، الوصيفة الحرامية، يا حبيبتي يا فاليريا.
دينا حطت إيديها على صدرها وصوتت اقفلوا البتاع ده! كفاية تصوير!
بس إنك تطلب من فرح فيه 300 عازم ينزلوا موبايلاتهم، كان زي اللي بيطلب من موج البحر يقف. كان فيه على الأقل 20 موبايل متوجهين عليها وبيصوروا.
العروسة نفسها، علياء، اللي كانت واقفة ساكتة طول الوقت جنب الكوشة، أخدت خطوة لقدام وقالت لا يا دينا.. ده فرحي أنا، وإنتي حولتيه لسيرك وفضيحة عشان تتمنظري بحاجة مش بتاعتك.
الكلمة دي كانت الرصاصة اللي قضت على دينا تماماً.
العريس عمل إشارة بسيطة لرجالة الأمن البودي جاردات بتوع الفندق. محدش لمسها بعنف، هما بس قربوا منها بشكل يحدد لها طريق الخروج من القاعة. دينا بصت على الترابيزات بتدور على أي حد يدافع عنها أو يواسيها، ملقتش ولا عين واحدة بتبص لها بشفقة.
أمي لفت للحاجة ريجينيا وقالت بقلة حيلة أنتوا مش فاهمين.. فاليريا معاها وعندها كتير، لكن دينا طول عمرها الدنيا جاية عليها وكل حاجة بتطلع من عينها.
ردت الحاجة ريجينيا من غير ما ترمش يبقى كان الأولي تعلموها تشتغل وتشقى عشان تشتري، مش تعلموها تسرق.
قفلّت اللايف.
مش عشان حسيت بذنب، قفلته لأن الشفاء اللي كنت محتاجاه حصل، وشفت اللي فيه الكفاية. الدنيا أخدت سنين عشان تستوعب اللي أنا عشت فيه من صغري إن عيلتي بتخلط بين الحب والتضحية الإجبارية اللي بتيجي على حسابي.
الليلة دي منمتش كتير، مش من الهم، بس من كتر زن التليفون اللي مفصلش. رسائل من زمايلي في الكلية، من دكاترة، ومن قرايب من بعيد مكنتش أعرفهم. الكل شاف الفيديو. ناس بتقول عليا شجاعة، وناس تانية بتقول المشاكل العائلية بتتحل في البيوت وداري على شمعتك. دول ميردتش عليهم خالص.
تاني يوم الصبح، أمي جت عندي الشقة من غير ميعاد. فتحت الباب لقيتها متبهدلة، عينيها ورمة من العياط، وفي إيدها كيس بلاستيك أسود كبير.
رمت الكيس تحت رجلي وقالت أهو.. الفستان بتاعك أهو، أو اللي باقي منه.
قماش الفستان الكحلي كان مكرمش، ومقطوع من الجنب، ومليان بقع مكياج وريحة برفان رخيص.
وقالت بزعيق وعياط شوفي! هو ده اللي كنتي عايزاه؟ تشوفي بنت خالتك وسيرتها

على كل لسان وبيتها يتخرب؟
رديت بكل برود لا.. أنا كنت عايزة فستاني يفضل في دولابي.
صرخت دينا مابتشيلش دموعها من امبارح، خطيبها سابها وقرا الفاتحة اتفسخت، وخالك قالب الدنيا وعايز يطلق خالتك وبيقول إني أنا اللي جريت رجل بنته في المصيبة دي!
قلت لها وإنتي فعلاً اللي جريتي رجلها ودخلتيها في ده.
أمي جزت على سنانها وقالت إنتي قاسية وجاحدة.
رديت عليها القسوة هي إنك تدخلي أوضتي وتفتحي دولابي. القسوة هي إنك تهادي بحاجة أنا دافعة ثمنها بشفتات ونبطشيات 36 ساعة واقفه على رجلي. القسوة هي إنك تسمعي دينا وهي بتتريق عليا وتدافعي عنها كمان. اللي أنا عملته إني سبت الحقيقة تاخد مجراها وبس.
قربت مني وقالت بصوت مكسور أنا أمك يا فاليريا.
رجعت خطوة لورا وقلت كنتي تبقي أمي لما كان المفروض تحميني وتدوري على حقي.
يوم الإثنين، بابا كلمني. هو طول عمره راجل هادي، من نوعية الناس اللي بتتجنب المشاكل لحد ما السكوت نفسه بيتحول لذنوب. طلب يشوفني في كافيه في الكوربة بمصر الجديدة.
جه ومبين عليه التعب والهم أنا شفت الفيديو.. وسمعت ريكورد دينا، ورسالة أمك المبعوتة ليكي.
حط على الترابيزة مغلف ظرف جواه صور من التحويلات البنكية، وإيصالات الدفع للأتيليه، وورقة ممضية منه.
وقال أنا مش هقدر أصلح اللي فات.. بس أمك كانت مفهماني إنك إنتي اللي سلفيتلها الفستان برضاكي.
بصيت في عينه وإنت صدقتها يا بابا؟
نزل عينه في الأرض وقال حبيت أصدقها عشان أشتري دماغي والموضوع يعدي.
دي كانت أصرح وأصدق اعتذار ممكن أسمعه منه في حياتي.
يوم الجمعة جه ميعاد حفل التخرج.
المدرج الكبير في جامعة عين شمس كان زحمة ع الآخر، أكتر من 2000 شخص مستنيين بدء الحفلة. كنت واقفة ورا الكواليس بالروب الأسود بتاع التخرج، باخد نفسي ببطء، وبقول لنفسي إن مفيش فستان في الدنيا يقدر يحدد قيمتي أو شهادتي.
وفجأة، لقيت إيهاب رياض داخل عليا قبل خطابي ب 20 دقيقة، وفي إيده كفر فستان لونه أحمر دم الغزال.
قاللي وهو بيبتسم مش هسمحلك تطلعي على المسرح وبواقي الوجع ده جواكي.
فتح الكفر.. كان جواه فستان جديد تماماً. أحمر غامق، من الحرير الثقيل الساتان الفخم، قمة في الأناقة والقوة. فستان شيك وهادي زي الإجابة القاطعة اللي مش محتاجة زعاق.
همست بس أنا مش هقدر أدفع ثمن ده يا أستاذ إيهاب.
رد عليا إنتي دافعة ثمنه وزيادة.. بأكبر وأنجح حملة دعاية وأمانة الأتيليه بتاعي شافها من سنين.
لما أعلنوا اسمي كأولى الدفعة وامتياز مع مرتبة الشرف، مشيت للمسرح وأنا قافلة روب التخرج. وقبل ما أقف قدام المايك، قلعت الروب.. المدرج كله سكت لثواني من جمال الفستان الأحمر وثقتي، وبعدها الصالة اتقلبت بالتسقيف. بدأ خفيف وبعدين بقى زي الرعد.
بصيت في وسط الناس بدافع العادة على أمي.. مكنتش موجودة.
بس بابا كان واقف.. واقف بيصقف وعينيه مليانة دموع وفخر.
مسكت المايك وقلت مساء الخير. لسنين طويلة كنت فاكرة إن الوصول للمكان ده بيعتمد بس على الاستحمال والتحمل. إنك تستحمل التعب، النبطشيات، الامتحانات، وخوفك من إنك متكونش كفاية. بس الأسبوع ده علمني حاجة تانية خالص.. ساعات، النجاح الحقيقي مش إنك تستحمل كل حاجة، النجاح هو إنك ترفض تسمح للناس اللي بيقولوا إنهم بيحبوك، إنهم يسرقوك ويسرقوا حلمك باسم صلة القرابة والعيلة.
المدرج كله بقى سسسسسسسسسكت تماماً.
كملت كلامي في الطب بنتعلم إن الجرح عمره ما هيخف لو غطيناه بقماشة شكلها حلو وخلاص. الجرح لازم يتنظف الأول حتى لو التنظيف ده بيوجع، وبعدين يتخيط. وساعات، عشان تنقذ حياة المريض، لازم تبتر الجزء المصاب واللي فيه الغرغرينا.
النهاردة أنا مش بتتخرج كدكتورة وبس، أنا بتتخرج كست عرفت وفهمت إن الكرامة كمان لازم تتصان ويتحارب عشانها. شكراً لكل حد وقف جنبي ومن غير ما يطلب مني أصغر نفسي عشان غيري يلمع.
التسقيف رجع تاني وزلزل القاعة زي الموجة.
الليلة دي، صورتي بالفستان الأحمر انتشرت أكتر بكتير من فيديو فضيحة دينا. الناس بتموت في إنها تشوف الظالم وهو بيقع، بس بتموت أكتر وهي بتشوف المظلوم وهو بيقوم ويقف على رجله بقوة.
بعدها بيومين، نزلت البوست بتاعي وحكيت حكايتي كاملة. نزلت صورة الشماعة الفاضية، وصل الأتيليه، سكرين شوت من كلام دينا وصورة الحروف المتطرزة ف. أ، وكتبت جملة واحدة
العيلة مش رخصة لسرقة الأحلام. الغل والحقد ممكن يقرطس ويقص قماش، بس عمره ما يقدر يقص نصيبك ومستقبلك.
البوست بقى تريند ومصر كلها اتكلمت عنه.
دينا قفلت كل حساباتها على السوشيال ميديا، خطيبها سابها نهائي، وأبوها أجبرها تحت الضغط إنها تدفع لي ثمن الفستان القديم بالمليم. وفرح عيلة الجارحي فضل مسمّع في وسطهم ب الوصيفة الحرامية اللي حبت تدخل مجتمع الأكابر بفستان مش بتاعها.
أمي مكلمتنيش لمدة 3 شهور كاملة.
لحد ما ظهرت في يوم العصر قدام باب شقتي الجديدة، القريبة من المستشفى اللي بدأت فيها فترة الامتياز والنيابة. كانت شالة شنطة سفر متوسطة، ووشها كان فيه ملامح أول مرة أشوفها في حياتي الخوف والانكسار.
قالت وهي واقفة في الممر بره الباب أبوكي طلب مني نبعد عن بعض لفترة.. وخالك مش راضي يستقبلني في بيته وبيقول إني أنا اللي دمرت مستقبل بنته. ماليش مكان أروح فيه يا بنتي.
كنت واقفة وماسكة فنجان القهوة في إيدي وقلت لها وإنتي عايزة تقعدي هنا؟
عيطت وقالت أنا أمك يا فاليريا.. هتعملي فيا إيه؟
بصيت لشقتي صغيرة، مرتبة، مدفوع ثمنها من شقايا وتجاري، وبالطو الطب الجديد متعلق جنب الباب ومكتوب على صدره د. فاليريا أحمد.
قلت لها كنتي أمي برضه لما دولابي فضي وبقى على الحديدة.. وإنتي اللي اخترتي تقفي الناحية التانية من الباب وتدعميهم.
قالت أنا غلطت.
رديت لا يا ماما.. الغلط هو إنك تتلخبطي في تاريخ أو ميعاد. لكن إنك تدخلي أوضتي، وتسرقي فستاني، وتكدبي عليا، وتدافعي عن اللي اتريقت عليا.. ده اسمه خيانة مع سبق الإصرار والترصد.
حاولت تلمس دراعي، فاتحركت خطوة لورا.
دمعت وقالت يعني هتسيبيني في الشارع؟
قلت لها لا.. أنا هسيبك لنتيجة أفعالك وعواقبها، وده يفرق كتير عن إني أرميكي.
قفلّت الباب براحة وبشويش.
محستش بفرحة، ولا حسيت بزعل.. أنا حسيت براحة بال ونقاء داخلي.
مع الوقت، أنا وبابا بدأنا نصلح علاقتنا ونبني حاجة أنظف وأصح. أمي أجرت أوضة في منطقة في جنوب القاهرة، ودينا نقلت وعاشت في المحافظة المنصورة بعيد عن الطوب الأرض والناس اللي سيرتها بقت نكتة في وسطهم. ومبقاش من حق ولا اهتمامي أدور على أخبارهم.
فستاني الكحلي القديم عمره ما رجع فستان تاني. إيهاب رياض أخد حتة سليمة من القماش المطرز ونظفها، وبروزها لي في برواز فخم مع لوحة نحاس صغيرة مكتوب عليها الجزء اللي حاولوا يهدوه.. هو برضه بيحكي قصة نجاحك.
كل ما تجيلي مريضة في العيادة وتقولي إن أهلها بيضغطوا عليها عشان تسامح في حاجة مابتتسامحش، ببص لقطعة القماش الكحلي دي وبفتكر الليلة اللي عرفت فيها الفرق بين الانتقام والعدل.
الانتقام بيطلع عشان يهد ويحرق الطرف التاني.
أما العدل، لما بيجي بجد، بيرجعلك نفسك وروحك اللي ضاعت منك.
وأنا، بعد سنين طويلة كنت فاكرة فيها إني لازم أستأذن عشان أنور وأظهر، أخيرًا اتعلمت إن
مفيش دينا، ولا أم ظالمة، ولا فستان مسروق يقدروا ياخدوا مني الحاجة الوحيدة اللي كانت ملكي من البداية حقي في إني أمشي وسط الناس.. وراسي مرفوعة لفوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *