حكاية دياب وفاتن 2

 

​الكلمات طلعت من فاتن قوية، ثابتة، ومفيهاش ذرة رعشة. دياب حس إن الكلمة ضربته زي القلم على وشه. بص للبنت الأجنبية اللي كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها ومستنية إجابته، وبعدين بص لفاتن.. الفستان، الكحل، الوقفة الشامخة اللي ماكسرهاش الغربة ولا قسوته.

​في اللحظة دي، الغرور اللي كان مالي دياب اتبخر، والدم الصعيدي الأصيل اللي بيجري في عروقه غلى. فجأة، حس بالخجل من نفسه ومن تفاهته.

​التفت للبنت الأجنبية، وملامحه اتبدلت لصرامة قاطعة، وقالها بالإنجليزية بلهجة حادة:

“She is not a maid. She is my Wife… and my Queen.”

(هي ليست خادمة. هي زوجتي… وملكتي).

​البنت الأجنبية فتحت عينيها بصدمة: “زوجتك؟! أنت لم تخبرني قط أنك متزوج! أنت كاذب يا دياب!”

دياب شاورلها على الباب ببرود: “انتهينا. اتفضلي بره، ومعدتيش تلزميني.”

​طلعت البنت وهي بتشتم، ورزعت الباب وراها. الشقة رجعت لهدوءها، بس كان هدوء ما قبل العاصفة.

​كرامة بنت الأصول

​دياب لف وشه لفاتن، كان متوقع تبتسم أو تفرح إنه دافع عنها، لكنه لقاها بتحط صينية البسبوسة على الترابيزة بهدوء عجيب، وبتبصله بنظرة خالية من أي مشاعر.

​”فاتن… أنا…” حاول دياب يتكلم، بس هي قاطعته بإيدها:

“وفر كلامك يا ابن عمي. أنا ماكنتش مستنية منك شهادة قدامها. أنا عارفة أنا مين، وبنت مين. بس أنت اللي كنت ناسي أنت مين.”

​قربت منه خطوة، وصوتها كان هادي بس بيقطع زي السيف:

“أنا رضيت بحكم جدي مش قلة حيلة، ولا عشان ماليش مكان. أنا رضيت عشان أحافظ على اسم عيلتنا اللي أنت كنت مستعد تدوس عليه عشان حريتك الكدابة. من النهارده، أنا مش خدامتك يا دكتور. أنا هنا شريكتك في المكان ده، غصب عنك أو برضاك. هدومك تتغسل بإيدك، وأكلك تعمله لنفسك. أنا هنا عشان أبني نفسي، مش عشان أمسح سلم طموحك.”

​سابت دياب واقف مذهول، دخلت أوضتها، وقفلت الباب. الليلة دي، دياب ماعرفش ينام. كلماتها كانت بترن في ودانه، وأخيراً شافها… شاف “فاتن” الحقيقية.

​رحلة التغيير

​من اليوم ده، فاتن اتغيرت تماماً. ما بقتش الظل اللي بيتحرك في الشقة من غير صوت. طلبت من دياب فلوس مصروفها اللي كان جده بيبعتهولها، واشترت كتب إنجليزية، وبدأت تتعلم اللغة من الإنترنت والبرامج.

بدأت تنزل تتمشى في شوارع لندن، تتعرف على الثقافة، تشتري لبس يليق بيها وبحجابها بس بأناقة لفتت أنظار دياب نفسه.

​دياب كان بيراقبها من بعيد. كل يوم انبهاره بيها بيزيد. البنت اللي كان شايفها جاهلة وعبء، طلعت أذكى منه. اتعلمت اللغة في شهور، بقت تقرأ كتب في الأدب والتاريخ، وبقت تناقشه في أمور سياسية وعلمية وهو فاتح بقه من الصدمة.

​في نفس الوقت، دياب كان بيعاني. المذاكرة، الشغل في المستشفى، وشغل البيت اللي فاتن سابتهوله خلوه يعرف قيمتها. عرف إنها كانت شايلة عنه جبل عشان هو ينجح، وهو قابل ده بالجحود.

​نقطة التحول

​في السنة التالتة لدراسته، دياب كان بيمر بأصعب فترات حياته. امتحانات الزمالة قربت، وضغط الشغل في المستشفى هده. في يوم رجع الشقة، ووقع من طوله في الصالة من الإرهاق وحمى شديدة مسكت في جسمه.

​فتح عينه بعد ساعات، لقى فاتن قاعدة جنبه. كمادات باردة على راسه، ريحة شوربة دافية في الأوضة، وعينيها فيها قلق حقيقي، مش قلق خوف، بس قلق “بنت الأصول” اللي ماتسيبش حد في محنته.

​فضل تعبان أسبوع، وفاتن ما سابتهوش لحظة. سهر، رعاية، ودعم نفسي. وفي ليلة، وهو بيفوق من الحرارة، مسك إيديها قبل ما تقوم.

“ليه يا فاتن؟… ليه بتعملي كده بعد كل اللي عملته فيكي؟”

​ابتسمت بهدوء وسحبت إيديها برفق:

“عشان دي أخلاقي يا دياب، مش أخلاقك. أنا بعمل بأصلي، والزرعة الطيبة بتطرح خير حتى لو الأرض اللي تحتها كانت قاسية.”

​الكلمة دي كانت السهم الأخير اللي اخترق قلب دياب. بكى… لأول مرة دكتور دياب المغرور يبكي. عرف إن الشهادات والتعليم والسفر ماعملوش منه إنسان، بس البنت البسيطة دي هي اللي علمته يعني إيه “إنسانية ورجولة”.

​الاعتراف

​بعد ما خف ونجح في امتحاناته بتفوق، دياب حجز عشا في أرقى مطعم في لندن. طلب من فاتن تيجي معاه.

قعدوا قدام بعض، دياب طلع علبة قطيفة صغيرة، وفتحها كان فيها خاتم ألماس رقيق جداً.

​بصلها في عينيها وقال بصوت مليان ندم وعشق:

“جدي كان أذكى مني بكتير. هو شاف فيكي الجوهرة اللي هتنور حياتي، وأنا كنت أعمى بغروري. أنا آسف على كل لحظة قسيت فيها عليكي. أنا مش بطلب منك ترجعيلي كزوجة مفروضة عليا… أنا بطلب إيدك من أول وجديد، كحبيبة، وشريكة، وتاج على راسي. تقبلي تتجوزيني يا فاتن؟”

​فاتن بصت للخاتم، وبعدين بصت في عينيه.. شافت فيهم الصدق اللي كانت بتتمناه. ابتسمت ابتسامة نورت وشها، ومدت إيديها عشان يلبسها الخاتم.

​العودة والدرس الأكبر

​بعد 4 سنين.

مطار القاهرة كان زحمة زي يوم ما سافروا. الحاج هلالي واقف بعكازه، عينيه بتدور في الوجوه.

فجأة، ظهر دياب… بس ماكانش ماشي لوحده. كان ماسك إيد فاتن، اللي بقت شابة في قمة الأناقة، الثقة، والجمال، وفي الإيد التانية دياب شايل طفل صغير شبه جده بالظبط.

​الحاج هلالي دمع وهو بياخدهم بالحضن. دياب باس إيد جده وقال بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين:

“أنا سافرت عشان أتعلم الطب يا جدي… بس فاتن هي اللي علمتني إزاي أبقى إنسان. شكراً إنك اخترتهالي.”

​النهاية

العلم والشهادات والمظاهر عمرها ما كانت مقياس لقيمة الإنسان. القيمة الحقيقية في الكرامة، عزة النفس، والأصل الطيب. وفاتن أثبتت إن المرأة القوية المعتزة بنفسها تقدر تغير أصعب القلوب، وإن الاحترام هو الأساس اللي بيتبني عليه أي حب حقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *