ياعمو انت متجوز بقلم مشيرة محمد

يا عمو… هو أنت متجوز؟
سؤال من طفلة عندها 6 سنين قلب كيان رجل أعمال مليونير، وخلاه ينهار وهو قاعد في وسط حديقة الأزهر..
الجو كان صبحية يوم حد جميل في حديقة الأزهر. المكان كان مليان عائلات، أطفال بيجروا ورا الكورة، وكابلز بيأكلوا آيس كريم تحت الشجر. كل حاجة كانت تبان مثالية ورايقة على الآخر..
إلا عند أحمد زكي.
أحمد عنده 39 سنة، وهو حرفياً واجهة النجاح في القاهرة. مليونير عصامي، ومؤسس شركة استشارات ناجحة جداً، وعايش في شقة فاخرة بتطل على النيل في الزمالك، وعنده شاليه في الساحل، وفلوس أكتر من اللي يقدر يصرفها.
لكن كل يوم بالليل، كان بيرجع لبيته على الهدوء والسكوت التام.
لا في زوجة مستنياه..
ولا أطفال بيجروا عليه..
ولا أي حد مستنيه أصلاً.
في يوم الحد ده، كان قاعد لوحده على دكة في الحديقة، باصص للنافورات، وبيسأل نفسه إزاي حياته اللي تبان كاملة ومثالية من بره، فاضية وناقصة أوي كده من جوه؟
في اللحظة دي، لفتت انتباهه..
بنت صغيرة يمكن عندها ست سنين بضفيرتين سمر، وجزمة سودا بتلمع، وفستان بسيط بس متظبط ومكوي بعناية. وقفت قدامه، ومسكت طرف فستانها بإيديها الصغيرين، وعينيها كان فيها نظرة جدية وطاقة أكبر بكتير من سنها.
قالت بصوت واطي ومؤدب يا عمو.. هو أنت متجوز؟
أحمد بربش بعينه ومبقاش عارف

يقول إيه.
من وسط كل الأسئلة اللي ممكن يتوقعها من عيل صغير.. السؤال ده بالذات مكنش على البال خالص!
رد عليها بهدوء ولطف لا يا حبيبتي، مش متجوز.
الملامح اتغيرت على وشها فجأة وظهرت عليها راحة رهيبة..
اتنهدت براحة وكأنها اتنقذت من مصيبة، وهمست الحمد لله.. طيب كويس!
أحمد قلبه دق بسرعة واستغرب جداً..
سألها هو أنتِ بتسألي ليه؟ تفرق معاكي في إيه؟..
هو أنتِ بتسألي ليه؟ تفرق معاكي في إيه؟
أحمد مال بجسمه لقدام، وحط إيده على ركبته وهو بيبص للبنت بفضول حقيقي لأول مرة من سنين. السؤال خطف انتباهه تماماً من دوامة أفكاره والكآبة اللي كانت محوطاه روايات_مشيره_محمد
البنت لفتت حوليها بتوجس، وكأنها بتتأكد إن مفيش حد مراقبها، وبعدين قربت خطوة كمان من الدكة الخشب اللي قاعد عليها، وقالت بصوت همس زي الفحيح
عشان لو كنت متجوز، مكنتش هتقدر تساعدني. ماما دايماً تقول إن الرجالة المتجوزين بيبقوا مشغولين ببيوتهم وعيالهم ومبيشوفوش حد تاني.. وأنا محتاجة راجل قوي ومفيش وراه حاجة.
أحمد ابتسم غصب عنه. الكلام طالع من بق طفلة بشكل منظم وفيه كمية براءة مخلوطة بجدية تخض.
راجل قوي ومفيش وراه حاجة؟ أحمد كرر كلامها بضحكة خفيفة، طب وأنتِ عرفتي منين إني قوي؟
البنت تململت في وقفتها، وبصت على ساعته الغالية، وبعدين على
جزمته، ورفعت عينيها لوشه وقالت بثقة
لبسك نظيف وغالي زي الناس اللي بيجوا في التلفزيون، وقاعد لوحدك وزعلان.. والناس الزعلانة اللي معاها فلوس بيبقوا طيبين وبيدوروا على حاجة يبسطوا بيها نفسهم.. أنا شفت ده في الكرتون.
الصدمة لجمت أحمد. الطفلة دي مش بس نبيطة، دي قرأت ملامحه وحالته النفسية في ثوانٍ. اتنهد وارتخي بضهره على الدكة وقالها
طب قعدي يا… اسمك إيه الأول؟
نور. قالتها وهي بتنط وتقعد على طرف الدكة، رجلها الصغيرين مكنوش واصلين للأرض، وفضلوا يتمرجحوا في الهواء.
عاش الأسامي يا نور. أنا عمو أحمد. قوليلي بقى، إيه المشكلة الكبيرة اللي مخلياكي بتدوري على راجل مش متجوز وقوي عشان يحلها؟ فين بابا وماما؟
ملامح نور انكمشت فجأة، والبهجة البسيطة اللي كانت في عينيها اختفت، وحل مكانها خوف حقيقي. فركت إيديها الصغيرين في الفستان وقالت
بابا مسافر بقاله كتير أوي.. عند ربنا. وماما هي اللي معايا. بس ماما دلوقتي بتموت يا عمو أحمد.. والراجل صاحب البيت عايز يرمينا في الشارع عشان الإيجار.
الكلمة نزلت على أحمد زي المية الساقعة. بتموت؟!
نور هزت راسها ودمعة اتزحلقت على خدها
هي بقالها شهر مبتتحركش من السرير، وبتكح دم.. والدكتور قال لازم مستشفى وعملية كبيرة عشان صدرها تعبان أوي. وماما معهاش فلوس. والنهارده
الصبح، عمو حسنين صاحب البيت جه وزعق، وقال لو مدفعناش الفلوس اللي علينا لحد بكرة بالليل، هيقفل الشقة بالقفل ويرمي حاجتنا في الشارع. ماما فضلت تعيط وتدعي.. وأنا ملقتش حاجة أعملها غير إني أنزل الشارع وأدور على حد يساعدنا.
أحمد حس بوجع في قلبه مكلش حس بيه من زمان. المليونير اللي كان من خمس دقائق شايف إن حياته ملهاش لازمة وفاضية، لقى نفسه فجأة قدام مأساة حقيقية بتمس طفلة بريئة. الفلوس اللي كان شايفها أرقام ميتة في البنك، فجأة ظهرت قدامه قيمتها الحقيقية إنها ممكن تنقذ حياة روايات_مشيره_محمد
وأنتِ عايشة فين يا نور؟ أحمد سألها وصوته بدأ يتغير ويبقى فيه حزم وجدية.
في الدرب الأحمر.. مش بعيد من هنا، ورا الجامع. مسحت دموعها بظهر إيدها وبصتله برجاء يقطع القلب أنت هتيجي معايا يا عمو؟ مش هتمشيني؟
أحمد وقف على رجليه، وعدل جاكيت بدلته الكاجوال الأنيقة، وبصلها بابتسامة حنونة
أنا مش بس هاجي معاكي يا نور.. أنا هوريكي إن الراجل اللي مش متجوز ده يقدر يعمل إيه. يلا بينا.
مشي أحمد مع نور بره جنينة الأزهر، وركبوا عربيته المرسيدس السودا الفخمة. نور كانت بتبص لكل حاجة جوه العربية بذهول، كأنها دخلت سفينة فضاء. وطول الطريق، أحمد كان ساكت، جواه صراع غريب. هو طول عمره عايش لنفسه، لشركته، لصفقاته. عمره
ما حط نفسه في موقف إنساني مباشر بالعمق
لمحة نيوز

ده.
وصلوا الدرب الأحمر. البيوت القديمة المتلاصقة، الحواري الضيقة، ريحة الأصالة والتعب المخلوطين ببعض. ركن العربية على أول الشارع، ومشي ورا البنت الصغيرة وهي بتجري بهمة وسط الحواري لحد ما وقفت قدام بيت قديم متهالك، السلم بتاعه ضيق وضلمة.
طلعت نور وأحمد وراها لحد الدور الثالث. الباب كان موارب، وجوه كان فيه صوت كحة مكتومة وناشفة تقطع الصدر.
ماما! أنا جيت وجبتلك معايا عمو أحمد! نور دخلت الشقة وهي بتصرخ بفرحة.
أحمد دخل وراها. الشقة كانت عبارة عن أوضتين وصالة صغيرة جداً، الأثاث قديم ومتهالك بس المكان نظيف وزي الفل. على سرير في ركن الأوضة، كانت قاعدة ست في أواخر العشرينات، وشها شاحب جداً، وتحت عينيها سواد من التعب والقلة. أول ما شفت أحمد، اتخضت وحاولت ترفع غطا السرير عليها تستر نفسها وهي بتكح وتنهج.
نور! مين ده يا بنتي؟ وعيب كده إزاي تدخلي حد غريب! صباها كان ضعيف ومرتعش.
أحمد اتقدم خطوتين وحط إيده على صدره باحترام
ألف سلامة عليكي يا مدام. أنا أسف على الإزعاج والدخول المفاجئ ده. أنا اسمي أحمد زكي. قابلت نور في الجنينة، وهي حكتلي على… على الظرف اللي بتمروا بيه.
الأم بصت لنور بعتاب، والدموع اتجمعت في عينيها
يا بنتي فضحتيني وشحتي عليا في الشوارع؟
وبصت لأحمد بكسرة نفس تذوب الحجر يا بيه، إحنا ناس مستورين والله، وباباها الله يرحمه كان موظف محترم. بس المرض هدني، ومصاريف العلاج خلصت كل اللي ورايا وقدامي، وصاحب البيت مبرحمشي..
قبل ما تكمل كلامها، ظهر ورا أحمد في طرقة الشقة راجل ضخم، وشه غليظ، ولابس جلباب. كان بيبص لأحمد بنظرة كلها شك وطمع.
جرى إيه يا ست أم نور؟ مين الأستاذ؟ الراجل ده كان حسنين، صاحب البيت.
أحمد لف ببطء، وبص لحسنين من فوق لتحت ببرود يخوف. النظرة دي هي اللي أحمد بيستخدمها في اجتماعات مجلس الإدارة لما بيكون هيفرم منافسينه.
أنا قرايبهم يا معلم حسنين. أحمد قالها بصوت هادي ومخيف في نفس الوقت. وسمعت إن ليك باقي إيجار هنا؟
حسنين حس بهيبة أحمد وعربيته اللي شافها مركونة تحت، فنبرة صوته اتغيرت وبقت أهدى بس لسه فيها جشع
آه يا باشا.. عليهم إيجار خمس شهور، يعني حسابهم كله 10 آلاف جنيه بالخدمات. وأنا راجل على باب الله وبأكل عيالي من البيت ده روايات_مشيره_محمد
أحمد طلع محفظته، وسحب منها رزمة فلوس، وعدّ 20 ألف جنيه وحطهم في إيد حسنين
دول 20 ألف.. حساب الخمس شهور اللي فاتوا، وخمس شهور قدام. وعايز وصل مستلم بكل جنيه دلوقتي حالا.
حسنين عينه لمعت والفلوس دخلت جيبه في ثوانٍ
حاضر يا
باشا! من عيوني! الست أم نور دي في حسبة اختي أصلاً وأنا كنت بصبر عليها!
أحمد بصه بنظرة خلت الكلمة تقف في زوره امشي هات الإيصال واقفل الباب وراك.. ومش عايز أشوف وشك هنا تاني.
حسنين جرى بره الشقة وهو بيدعي لأحمد بالنصر والبركة.
جوه الأوضة، أم نور كانت بتعيط بحرقة، بس المرة دي دموع ارتياح. ونور كانت بتنط من الفرحة وتصقف قولتلك يا ماما! قولتلك عمو أحمد قوي ومش متجوز وهيساعدنا!
أحمد رجع بصل للأم وقالها بنبرة حنونة جداً
يا مدام، موضوع الإيجار ده تافه وانتهى. المهم دلوقتي صحتك. أنا كلمت دكتور صاحبي، أكبر استشاري صدر في مستشفى دار الفؤاد. الإسعاف هتيجي تاخدك كمان نص ساعة، وهتتشخصي وتعملي العملية وكل المصاريف مدفوعة.. متقلقيش من أي حاجة.
الأم مكنتش مصدقة، رفعت إيديها للسما وبقت تدعي ربنا يباركلك في صحتك ومالك يا ابني.. ربنا يرزقك ببنت الحلال اللي تسعد قلبك زي ما جبرت بخاطر غلابة..
الدعوة دي بالذات لمست حتة جوه أحمد كانت ميتة.
بعد مرور ست شهور..
الوضع اتغير تماماً. أم نور خفت وبقت زي الفل بعد ما عملت العملية وقضت فترة نقاهة، وأحمد نقلهم من الشقة القديمة لشقة تانية تابعة لشركته في مكان أرقى، وتكفل بمصاريف مدرسة نور.
في يوم جمعة، أحمد كان قاعد في
الصالون في شقته بالزمالك. بس المرة دي الشقة مكنتش هادية ولا ضلمة.
كان فيه صوت ضحك عالي مالي المكان. نور كانت بتجري في الصالة ولابسة فستان جديد، ووراها كانت بتتحرك بخطوات هادية وابتسامة صافية.. مريم، خالة نور.
أحمد اتعرف على مريم خلال فترة تعب أختها؛ مريم كانت دكتورة أطفال شابة، رقيقة، وكرست حياتها لخدمة أختها وبنت أختها بعد وفاة والدهم. أحمد شاف فيها النقاء والجمال اللي كان بيدور عليه طول عمره في وسط مجتمع المزيفين اللي كان عايش فيه.
مريم قربت من أحمد وهي شايلة كوبايتين شاي، وقعدت جنبه، وبصتله بحب
سرحان في إيه يا أحمد؟
أحمد بصلها، وبعدين بص لنور اللي جت جري وقال وهو حاسس بقمة السعادة والرضا
سرحان في يوم الحد اللي فات عليه ست شهور.. في حديقة الأزهر. لما البنت الشقية دي سألتني هو أنت متجوز؟
نور رفعت راسها وضحكت بذكاء وعملتلك إيه بقى الدعوة دي يا عمو أحمد؟
أحمد باس راسها وقال الدعوة دي خلتني أعرف إن الفلوس ملهاش قيمة لو مكنتش بتسعد قلوب الناس.. وخلتني ألاقي العيلة اللي كنت هموت وأقضي عمري كله معاها.
مريم ابتسمت ودموع الفرحة في عينيها، وأحمد حس لأول مرة إن بيته مابقاش فاضي، وإن الروح رجعت لحياته من تاني.. والسبب كله، سؤال من طفلة عندها 6
سنين.
مرت سنتين على اليوم اللي غير حياة

أحمد زكي بالكامل. الشاب المليونير اللي كان بيعاني من الوحدة القاتلة في شقته الواسعة في الزمالك، بقى دلوقتي عايش وسط عيلة حقيقية، عيلة هو اللي اختارها بقلبه، وبقت هي كل دنيته.
أحمد ومريم اتجوزوا في حفلة هادية وجميلة على النيل، حضرها كل الناس اللي بيحبوهم، وطبعاً نور كانت هي نجمة الحفلة، لابسة فستان أبيض ومنطلقة زي الفراشة بين المعازيم، وفرحتها ب عمو أحمد اللي بقى رسمياً جوز خالتها وفي مقام والدها، كانت متتوصفش. أم نور كمان صحتها بقت بوم، ورجعت لضحكتها القديمة وبقت بتدير مشغل صغير للخياطة أحمد ساعدها تفتحه عشان تحس بكيانها واستقلاليتها.
في صباح يوم جمعة مشمس من أيام شهر طوبة، أحمد صحي على ريحة قهوة ومخبوزات مالية البيت. فتح عينه لقى مريم قاعدة جنبه على السرير، بتبتسم وبتبص له بحنان روايات_مشيره_محمد
صباح الخير يا حبيبي.. كل ده نوم؟ مريم قالتها وهي بتمسح على شعره.
أحمد ابتسم صباح النور والورد.. الواحد من كتر الراحة اللي عايش فيها بقى بينام نوم عميق مكنش بيعرف يدوقه زمان. الساعة كام؟
الساعة عشرة.. ونور صاحية من بدري ولبست ومستنياك بره في الصالة، وعمالة تخبط على الباب كل خمس دقائق وتقولي هو عمو أحمد مش هيصحى بقى؟ إحنا متفقين!
أحمد ضحك وافتكر الاتفاق. النهاردة ذكرى مرور سنتين على المقابلة الأولى في حديقة الأزهر، ونور كانت مأكدة عليه من أسبوع إن اليوم ده لازم يقضوه كله مع بعض في نفس المكان.
قام أحمد بسرعة، غسل وشه ولبس ترينج كاجوال مريح، وخرج الصالة. لقى نور واقفة وحاطة إيدها في وسطها، وبتبص له بنظرة لوم طفولية مضحكة جداً. نور كبرت شوية، بقت في تانية ابتدائي، وضفايرها بقت أطول، وعينيها لسه شايلة نفس الذكاء واللماضة اللي خطفت قلبه من أول يوم.
تأخير كبير جداً يا بشمهندس أحمد! إحنا كدة هنتأخر على الجنينة، والناس هتاخد مكاننا على الدكة! نور قالتها بنبرة جدية أوي.
أحمد نزل على ركبته وباس إيدها أنا أسف جداً يا سيادة المستشارة نور.. حقك عليا. ثواني وأكون جاهز وننزل عل طول.
بعد ساعة، كانت العربية المرسيدس السودا بتقف تاني قدام حديقة الأزهر. الجو كان فيه نسمة برد خفيفة بس الشمس كانت دافية ومخلية المكان مبهج. نزل أحمد ومريم ونور، ومشيوا جوه الممرات الخضراء. المكان كان زحمة كالعادة، عائلات وأطفال وجو مصري أصيل مليان دفا.
نور سحبت إيد أحمد وجريت بيه لحد ما وصلت لنفس الدكة الخشبية اللي تقابلوا عليها أول مرة. لحسن الحظ، الدكة كانت فاضية.
هي دي! نور قعدت ونطت فوقيها، ورجليها الم المرة دي بقت أطول شوية وقربت تلمس الأرض. فاكر يا عمو أحمد لما قعدت هنا وأنا سألتك السؤال الخطير؟
أحمد قعد جنبها ومريم قعدت الناحية التانية وسندت راسها على كتفه. أحمد قال بنبرة حنينة فاكر طبعاً يا نور.. ده يوم عمري ما هنساه. كنت قاعد هنا وبقول لنفسي إن مفيش فايدة من كل حاجة عملتها في حياتي، وكنت حاسس إن مفيش حد بيحبني.. لحد ما ظهرتِ أنتِ بفستانك المكوي وسؤالك الغريب.
مريم ضحكت وقالت أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن نور كان عندها الشجاعة دي! طفلة عندها ست سنين تروح لراجل غريب تسأله أنت متجوز ولا لأ عشان تحل مشكلة الإيجار!
نور رفعت مناخيرها لفوق بثقة أنا كنت عارفة إني بعمل إيه.. النية كانت صافية، وربنا بعت لنا عمو أحمد عشان هو طيب.
وأما هم بيتكلموا ويضحكوا، أحمد لفت انتباهه راجل مسن، لابس بالطو قديم وشكله تعبان، قاعد على دكة قريبة ومنكس راسه بين إيديه، وباين عليه هموم الدنيا كلها. المنظر فكر أحمد بنفسه من سنتين.. فكره بكسرة النفس والوحدة، حتى لو كانت الأسباب مختلفة.
أحمد بص لنور ومريم، وبعدين طلع من جيبه ظرف مقفول. الظرف ده أحمد كان مجهزه من الصبح، جواه مبلغ مالي محترم، وكان ناوي يديه لأي حد محتاج يقابله في طريقهم النهاردة كنوع من الشكر لله على النعمة اللي هو فيها.
أحمد وطي على نور وهمس في ودنها نور.. شايفة الراجل الطيب اللي قاعد هناك ده وزعلان؟
نور بصت للراجل وهزت راسها بحزن آه يا عمو.. شكله زعلان أوي وزي ما يكون عيان.
أحمد اداها الظرف في إيدها وقالها طب إيه رأيك تروحي تتبعي نفس خطتك القديمة؟ روحي ادي له الظرف ده، وقولي له كلمة حلوة تفرح قلبه.. قولي له إن ربنا بيبعت الرزق في وقته.
عيني نور لمعت بفرحة وشغف، أخدت الظرف وقامت تجري بخطوات خفيفة لحد ما وصلت للراجل المسن. أحمد ومريم كانوا بيراقبوها من بعيد وبسمة مليانة حب على وشوشهم.
نور وقفت قدام الراجل، وكلمته بصوت واطي مسمعوش أحمد، بس شافوا الراجل وهو بيرفع راسه بذهول، ويبص للظرف وبعدين يبص لنور. دموع الراجل نزلت، وأخد نور ودعا لها بحرارة وهو بيبص للسما. نور سابته وجريت رجعت لأحمد ومريم وهي بتضحك.
قولتِ له إيه يا نور؟ مريم سألتها وهي بتمسح على شعرها.
نور قالت ببراءة قولت له عمو أحمد بيقولك متزعلش، ربنا دايماً بيبعت الناس لبعضها في الوقت الصح.. والظرف ده هدية من ربنا ليك روايات_مشيره_محمد
أحمد حس بقشعريرة في جسمه كله. لقى نفسه بيشد مريم ونور. الفلوس والنجاح والشركات والملايين.. كل ده مكنش يسوى لحظة واحدة من اللحظات
دي. النجاح الحقيقي مكنش في رصيد البنك، النجاح كان في القدرة على مسح دمعة من على وش إنسان، وفي الحب الصافي اللي مالي حياته دلوقتي.
بعد ما قضوا اليوم في الجنينة وأكلوا وغنوا، رجعوا البيت بالليل. نور كانت هبطت من كتر اللعب، ودخلت أوضتها نامت عل طول وهي حاضنة دبدوبها الجديد.
أحمد ومريم كانوا واقفين في البلكونة اللي بتبص على النيل، الهوا كان بارد وأضواء القاهرة منورة وبتعكس على المية في منظر ساحر. مريم كانت ماسكة كوباية سحلب دافية، ولفة شال حولين كتافها.
أحمد حط إيده حولين وسط مريم وسألها مريم.. أنتِ مبسوطة معايا؟
مريم لفت وبصت في عينه، وعينيها كانت بتلمع بأدق مشاعر الحب أنا عمري ما عرفت طعم الأمان والسعادة الحقيقية إلا معاك يا أحمد. أنت مش بس أنقذت أختي وبنتها، أنت غيرت مفهوم الحياة بالنسبة لنا كلنا. أنت رزقنا اللي ربنا بعته.
أحمد سكت شوية، وبعدين حط إيده على بطن مريم اللي بدأت تظهر عليها ملامح الحمل الخفيف في الشهر الثالث، وقال بصوت مليان شجن وفرحة والبيبي الجديد اللي جاي في السكة ده.. هيكون أحلى حاجة حصلت لنا. أنا مش مصدق إن كمان كام شهر هكون أب بجد.. هسمع كلمة بابا من طفل حتة مني ومنك.
مريم ابتسمت وحطت إيدها فوق إيده وهيكون عنده أحلى أخت كبيرة في الدنيا.. نور هتعلمه اللماضة والذكاء من صغره.
أحمد ضحك من قلبه، وبص للنيل وهو حاسس بامتنان عظيم لكل ثانية مرت في حياته، حتى للحظات الوجع والوحدة القديمة، لأنها هي اللي قادته للدكة دي في حديقة الأزهر.. وهي اللي خلته يقابل الطفلة اللي غيرت قدره بسؤال واحد.
قفل أحمد باب البلكونة، ودخل هو ومريم للبيت الدافي، البيت اللي مابقاش فيه مكان للسكوت أو الفراغ، وبقى مليان بضحكات الأطفال، ودعوات الأمهات، وحب السنين اللي جاي.
تمت. مشيره محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *