أخـو جـوزي ج 3 حكـايات مني السيد
**الفصل الرابع**
الكلمات وقعت على ودني زي القنبلة الموقوتة، حسيت إن البيت كله بيدور بيا. “خيانة؟ مع أخوه؟ في أوضة النوم؟” محمود مش بس كداب، ده شيطان بيسعى في الأرض فساد، قرر يغطي على خيبته بجري..مة في حقي، ويحرق سمعتي في البلد كلها عشان يداري على اللي عمله.
أحمد كان واقف مذهول، التليفون لسه في إيده، وأبويا قام وقف زي الأسد، صوته جه جهوري ومسيطر على المكان:
ـ يا ابن الـ… دا الحكاية طلعت أكبر بكتير مما كنا متخيلين! محمود مش بس عايز يطردك من بيتك، ده عايز يكسرك في أهلك، ويخلي “عيرتك” على كل لسان في البلد!
أنا مقدرتش أتمالك نفسي، قعدت على الكرسي وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، ومكة في حضني بدأت تعيط كأنها حاسة بنار أُمها. أحمد ساب التليفون على التربيزة، وجه ناحيتي وخدني في حضنه، كان بيحاول يهديني بس أنا كنت حاسة بإحساس المرارة في حلقي.
ـ يا منى، صدقيني، والله لأجيب حقك، ولو كلفني حياتي. والله ما حد يقدر يمس شعرة من كرامتك وأنا موجود.
بصيت له بدموع، وقلت بصوت بيترعش:
ـ أنت مش فاهم يا أحمد.. الناس في البلد هناك مش هيسمعوا لي، ولا هيسمعوا لك.. الخبر لو انتشر، هيتصدق فوراً.. لأن “الخبر الوحش بيطير”، وأنا بنت المدينة، غريبة عليهم، ومحمود ابنهم اللي بيحبوه.. هيصدقوه هما وهيكذبوني أنا!
أبويا قاطعنا وصوته حازم:
ـ لا، مش هيحصل. إحنا هنروح البلد. دلوقتي حالا! مش هسيب بنتي سمعتها تتداس في الوحل عشان شوية كدب. أحمد، جهز عربيتك، وخدنا وراك، هنواجه العيلة كلها، ومحمود ده لو ظهر قدامي، أنا اللي هحاسبه بنفسي.
اتحركنا في نفس الساعة، الطريق كان طويل وموحش، كأن الطريق نفسه بيحاول يحذرنا من اللي مستنينا. طول السكة، كنت بسأل نفسي، هل معقولة يجي يوم ألاقي نفسي في وسط معركة زي دي؟ هل معقولة بيتي اللي كنت فاكره مملكتي يتحول لساحة حرب؟
وصلنا البلد قبل المغرب، جو البلد كان مشحون، دخلنا بيت العيلة الكبير، لقيت “عيلة أحمد” كلها متجمعة في الصالة، الوجوه كانت متجهمة، ونظراتهم لينا كانت كلها ريبة وشك. محمود كان واقف في نصهم، لابس جلبابه، وشعره منكوش، وعامل نفسه “المظلوم المكسور”، ودموعه تماسيح على خده.
أول ما دخلنا، عم أحمد الكبير، راجل طاعن في السن بس كلمته مسموعة، قام وقف وقال بصوت أجش:
ـ يا أحمد.. إيه اللي جابك؟ وايه اللي سمعناه ده؟ مراتك.. دي؟
أحمد مكنش خايف، وقف في وشهم بكل شموخ، وبص لمحمود اللي كان بيبص للأرض بتمثيلية متقنة. أحمد اتكلم بصوت عالي:
ـ اللي سمعتوه ده كدب! محمود طردته من بيتي لأنه كان بيتحرش بمراتي، ولما طردته، قرر ينتقم منها بشرفها!
محمود قام وقف وهو بيصرخ وبيمثل الانهيار:
ـ بتكدب يا أخويا عشان تداري على فضيحتك؟ أنا اللي كنت بنصحك، أنا اللي كنت بقولك خلي بالك، بس أنت كنت مغيب.. والله العظيم يا عمي، والله يا رجالة، أنا دخلت أوضة النوم ولقيت…
قبل ما يكمل، أبويا هجم عليه زي القطر، مسكه من رقبته ووقعه في الأرض، الصالة اتقلبت لميدان معركة. الرجالة اتدخلت عشان تفكهم، والستات صرخوا، والجو بقى لا يطاق. أنا كنت واقفة في جنب، مكة في حضني بتعيط، وأنا ببص للمشهد ده بنظرة كلها قرف. ده جوزي؟ ده أهله؟ هي دي الأصول اللي كانوا بيحكوا عنها؟
بعد ما هدوا الأمور بالعافية، وقعدوا أبويا وأحمد قدام “مجلس العيلة”، محمود كان قاعد في ركن بيمسح دموعه، وبصلي بنظرة فيها شماتة وخزي.
العم الكبير قال:
ـ مفيش كلام يتقال غير بالبينة. يا محمود، عندك دليل على اللي بتقوله؟ يا أحمد، عندك إثبات إن الكلام ده كدب؟
محمود اتكلم بسرعة:
ـ الدليل؟ الدليل إنها هي اللي كانت بتتحايل عليا، وهي اللي كانت بتلبس لبس…
أنا هنا مقدرتش أسكت، طلعت لقدام، وقفت قدامهم كلهم، نظرتي كانت ثابتة زي الجبل، صوتي مكنش فيه خوف، بالعكس، كان فيه قوة:
ـ الدليل عندي أنا. يا عم، يا رجالة العيلة، أنا معايا تسجيلات.
الكل سكت، محمود وشه اتغير لونه وبقى أصفر، سأل بتلعثم:
ـ تسجيلات؟ تسجيلات إيه دي؟
طلعت موبايلي، وفتحت الملفات. أنا من يوم ما بدأت أشك في حركاته، وأنا مشغلة “تطبيق تسجيل مكالمات” و”تطبيق تسجيل صوتي” بيشتغل تلقائي في البيت، كنت بعمل كده عشان أثبت لنفسي إني مش متهيألة، ومكنتش أعرف إن ده هيبقى طوق نجاتي.
شغلت التسجيل.. صوت محمود وهو بيكلم صاحبه في التليفون: “مرات أخويا دي حتة قشطة.. أنا وراها لحد ما أطوعها.. وأخويا مغفل”.
الصوت ملى الصالة، الصمت كان مطبق لدرجة إننا كنا سامعين صوت النفس. محمود وشه اتخطف، وعينيه بدأت تترعش. العم الكبير قام وقف، وقرب من محمود، وبص للتليفون، وبعدين بص لمحمود بنظرة كلها قرف:
ـ ده صوتك يا واد؟ ده صوتك وأنت بتهتك عرض أخوك؟
محمود حاول يبرر، صوته كان بيترعش:
ـ ده.. ده تركيب! تكنولوجيا.. هما مركبين الصوت!
أحمد ضحك بسخرية، وقرب منه:
ـ تكنولوجيا؟ طب وده؟
شغل أحمد تسجيل تاني، صوت محمود وهو بيحاول يكلمني في الضلمة، وهو بيقولي “مش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟”. الصوت كان واضح جداً.
الرجالة كلهم قاموا وقفوا، العم الكبير جيه ناحية محمود واداله قلم على وشه خلى وشه يلف الناحية التانية.
ـ يا خسارة تربيتك! يا خسارة اللي صرفناه عليك! بتهتك عرض أخوك وبتتبلى على مراته؟ اطلع برا.. برا بيتي، وبرا البلد دي كلها، ولو شفت وشك تاني، لا أنا عمك، ولا أعرفك!
محمود مكنش عارف يعمل إيه، حاول يبص لعيلته، بس الكل كان بيطرده بنظراتهم. خرج محمود مطرود، ذليل، مهزوم، زي الكلب المذعور.
الصالة هديت، بس أنا كنت لسه حاسة بجرح كبير. أحمد جه ناحيتي، مسك إيدي وباسها قدام الكل:
ـ أنا أسف يا منى.. أسف على كل لحظة خفتِ فيها، وأسف إني مكنتش درعك الحقيقي من الأول. أنا هعوضك، وهنبدأ صفحة جديدة، بعيد عن أي حد.
أبويا بص لأحمد وقاله:
ـ يا ابني، البنت دي جوهرة، لو فرطت فيها تاني، لا أنا أبوك، ولا أنت تعرفني. البيت اللي يدخله الشيطان بسبب “الحمو”، لازم يتطهر، مش بس بكلمة، بس بتغيير البيت والعيشة.
أحمد هز راسه بأسف:
ـ أنا بعت شقتي يا عمي، وهننقل في مدينة تانية، بعيد عن كل ذكريات الوجع دي.
خدت نفسي بعمق، لأول مرة من شهرين، حسيت إن “الخمار” اللي كنت لابساه جوه بيتي عشان أخوه، خلاص ملوش لزمة، إني أخيراً هقدر ألبس اللي يريحني في بيتي، إني هقدر أمشي من غير ما أبص يمين وشمال، إني هقدر أعيش..
بس وأنا خارجة من البيت مع أحمد، والبلد كلها بتبصلي بنظرة اعتذار واحترام، لمحت في ركن بعيد، عربية محمود وهي بتتحرك، وشفت نظرة في عينيه من ورا الإزاز.. نظرة وعيد، نظرة شيطان لسه ماخلصش انتقامه.
ركبنا العربية، أحمد سايق وساكت، وأنا ببص للشجر اللي بيجري ورا الإزاز، ومكة نايمة في حضني. سألت أحمد:
ـ أنت فاكر إن الموضوع خلص؟
أحمد بصلي وبص للطريق، وسكت شوية وبعدين قال:
ـ اللي يخلص من شيطان، بيطلعله ألف غيره يا منى. بس المهم إننا بقينا سوا، وإننا كشفنا المستور.
ـ وأنا خايفة يا أحمد.. خايفة من نظرة عينه الأخيرة.
أحمد مسك إيدي وضغط عليها:
ـ طول ما إحنا مع بعض، مفيش حاجة هتقدر تفرقنا.
سكتنا، الطريق كان لسه طويل، والسواد اللي ورا الجبال كان بيخبي أسرار تانية. محمود مكنش النوع اللي يستسلم، وأنا كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون مجرد مواجهة في بيت، اللي جاي هيكون معركة حقيقية على حياتنا..
وصلنا المدينة اللي هنعيش فيها، بيت جديد، حياة جديدة، بس إحساس القلق لسه موجود.. لسه بسمع صوت التخبيط على الباب في نص الليل، لسه بشوف خيال محمود في الضلمة..
وفي ليلة، وأنا نايمة في بيتنا الجديد، سمعت صوت حاجة بتقع في المطبخ.. قمت مرعوبة، مسكت تليفوني، وبصيت على الكاميرا اللي أحمد ركبها في كل ركن من أركان البيت..
اللي شفته على شاشة التليفون خلاني أتجمد في مكاني، مكنش محمود، كان حد تاني.. حد عرف مكاننا.. حد بعته محمود عشان يكمل المهمة اللي بدأها.. والمهمة المرة دي مكنتش “طوعني”، المهمة كانت الانتقام النهائي.. ووو…!!!
