من تسع سنين

advertisement
من تسع سنين، خطيبي المتكبر سابني عشان بنت قائده في الجيش، وقال عليّ إني موظفة تافهة مالهاش قيمة.

الليلة… لبست أحلى فستان أحمر عندي، وروحت حفل عسكري فاخر.

ولما حاول يحرجني قدام الناس من تاني… ماكانش يعرف إن اللواء اللي واقف وراه مباشرة… هو جوزي… وحبه الحقيقي… ورئيسه الجديد.

—

غرزت صوابعه بعنف في دراعي المكشوف، ولفّني ناحيته بسرعة خلت كاس الشمبانيا يقع من إيدي ويتكب على فستاني الحرير.

— “إنتِ بتعملي إيه؟!”

اتخضيت، والكأس التقيل وقع من إيدي واتكسر على أرضية الرخام في نادي الضباط.

— “ما تلعبيش عليّ يا ندى… أنا عارف كويس إنتِ بتتسللي ليه في جناح الشخصيات المهمة.”

الصوت ده… رجّع في جسمي رعشة تقيلة.

كريم العشماوي.

عدّى تسع سنين من آخر ليلة قبل فرحنا… اللي بعتلي فيها رسالة جبانة قال فيها إنه هيتجوز بنت القائد عشان يسرّع ترقيته.

سابني ساعتها منهارة… بعيط على أرض أوضة رخيصة… ومش فاهمة أنا قيمتي إيه في الدنيا.

دلوقتي… وشه قريب مني جدًا، وريحة الكحول طالعة منه، وعينه مليانة غرور وغ*ضب.

أنا ندى سالم… رائد أول ندى سالم.

بس هو طبعًا ما يعرفش ده.

بالنسباله… أنا لسه البنت الساذجة اللي كان بيشغلها في الورق ورماها عشان يطلع السلم.

— “سيب إيدي يا رائد.”

قلت بصوت واطي وخطير، وأنا بحاول أفك صوابعه اللي بدأت تسيب كدمات في جلدي.

— “إنتِ مثيرة للشفقة.”

قالها بسخرية وهو بيشدني أكتر، وخبط ضهري في الحيطة الخشب.

— “فاكرة نفسك تيجي الحفلة وتلعبي بدلعك عشان حد يرقّيك؟ أنا عملت فيكي معروف لما سبتك. كان أحسن قرار في حياتي. بصيلي أنا وصلت لفين… وبصي لنفسك… لسه ولا حاجة.”

قلبي كان بيدق بعنف… خليط من الغض**ب والوجع القديم اللي رجع فجأة يخنقني.

قرب أكتر، ونفسه السخن ضر*ب وشي، وإيده التانية خبطت في الحيطة جنب راسي… محاصرني.

— “أنا داخل لجنة ترقية بكرة عشان أبقى عقيد.”

قالها بصوت متوتر ومجنون شوية.

— “ومش هسيب واحدة زيك تبوظ مستقبلي. تمشي من هنا حالًا… وإلا أقسم بالله يا ندى—”

قبل ما يكمل…

إيد ضخمة مسكت كتفه بقوة رهيبة خلت صوته يختنق فجأة.

— “ارفع إيدك… عن مراتي.”

الصوت كان هادي… لكن مخيف… وتقيل زي الرصاص.

كريم اتجمد مكانه.

وببطء… بدأ يلف وشه.

الشخص اللي كان واقف وراه… خرج من الظل.

لواء برتبتين…

هيبة… قوة… ونظرة ما فيهاش رحمة.

وجوه شاحب فجأة… وعينه اتوسعت بصدمة.

لأنه أخيرًا فهم…

إنه من تسع سنين… ما خسرش بس خطيبته…

ده خسر أقوى ض*ربة ممكن تضر*ب مستقبله.

والغلط اللي عمله دلوقتي…

ممكن ينهيه للأبد.

اتجمد كريم في مكانه…

وعينه بتتنقل بيني وبين الرجل اللي وراه… كأنه مش قادر يصدق اللي شايفه.

— “فندم… أنا… أنا مكنتش أعرف—”

صوته اتغير تمامًا.

الغرور اختفى… واتبدل بخوف واضح.

اللواء ما ردش عليه فورًا…

بس عينه كانت ثابتة عليه… نظرة باردة كفيلة تكسر أي حد.

— “واضح إنك مش عارف حاجات كتير يا مقدم كريم.”

صوته كان هادي… لكن فيه قوة مرعبة.

إيده لسه على كتف كريم… ضغطه بسيط، لكنه كفاية يخليه مش قادر يتحرك.

أنا وقفت أظبط نفسي… وعدلت الفستان اللي اتبهدل من الشمبانيا، ورفعت راسي بثقة.

اللواء بص لي لحظة… ونظرته اتغيرت فورًا.

بقت أهدى… أدفى… وكأنه بيطمني بدون كلام.

— “إنتِ كويسة يا ندى؟”

هزيت راسي بهدوء:

— “أنا تمام يا فندم.”

الكلمة خرجت رسمية قدام الناس… لكن عيني قالتله كل حاجة.

كريم بلع ريقه بصعوبة، وبصلي بصدمة:

— “ندى… فندم؟! إنتِ… إنتِ تبع—”

اللواء قاطعه فورًا:

— “هي مش تبع حد.

هي زوجتي.”

الصمت نزل على المكان زي صاعقة.

كريم رجع خطوة لورا… كأنه الأرض اتحركت من تحته.

— “زوجتك…؟!”

— “وبرضه…”

اللواء كمل بهدوء،

— “رائد أول ندى سالم. من أكفأ الضباط في الإدارة.”

وش كريم بقى أبيض تمامًا.

كل كلمة كانت بتكسر فيه أكتر.

— “بس واضح إنك لسه فاكرها زي ما كانت من تسع سنين… وده أكبر دليل إنك مش بتشوف غير مصلحتك.”

كريم حاول يتكلم…

— “فندم أنا… كان في سوء تفاهم… وهي—”

— “هي إيه؟”

الصوت المرة دي كان أقسى.

الصمت خنقه.

اللواء شال إيده من على كتفه…

لكن الإحساس بالضغط كان لسه موجود.

— “واضح إن عندك مشكلة في التعامل مع زملائك… خصوصًا لما يكونوا أقوى منك.”

بص له نظرة أخيرة وقال:

— “بالمناسبة… لجنة الترقيات اللي داخلها بكرة…”

كريم وقف أنفاسه.

— “أنا رئيسها.”

اللحظة دي…

كانت كفيلة تكسر أي أمل جواه.

كريم بصلي تاني… بس المرة دي مش بغرور…

بخوف.

ندم.

وصدمة.

لكن بعد إيه؟

أنا ابتسمت ابتسامة هادية… فيها قوة سنين من الوجع اللي اتحول لنجاح.

— “واضح إن الدنيا بتلف يا مقدم كريم.”

لفيت ضهري له… ومشيت جنب جوزي بكل هدوء.

وسيبناه واقف لوحده…

بيواجه نتيجة كل اختيار غلط عمله.

لكن الحقيقة؟

ده كان لسه البداية…

الصمت فضل مسيطر على المكان بعد ما مشينا…

لكن جوا كريم… كان في عاصفة بتدمر كل حاجة.

وقف مكانه ثواني… مش قادر يتحرك…

كلام اللواء بيدور في دماغه زي كابوس:

“أنا رئيس لجنة الترقيات.”

في اللحظة دي… كل حاجة بناها سنين بدأت تقع.
تاني يوم…

قاعة الاجتماعات كانت مليانة ضباط كبار، وكل واحد مستني دوره.

كريم كان قاعد… إيده متشابكة بقوة، وعرق خفيف ظاهر على جبينه.

ولأول مرة في حياته… كان حاسس إنه مش مسيطر.

الباب اتفتح.

دخل اللواء بثقة وهيبة…

وكل الموجودين وقفوا فورًا.

بعده بثواني… دخلت أنا.

الهمسات بدأت تنتشر بسرعة بين الضباط.

— “دي مش…؟”

— “أيوه… رائد أول ندى سالم…”

— “مراته؟!”

كريم رفع عينه ببطء…

ولما شافني… بلع ريقه بصعوبة.

بس المرة دي… أنا ما بصتش له.

مكانش يستاهل حتى نظرة.

—

بدأت اللجنة.

كل ملف بيتعرض بدقة… وكل قرار بيتاخد بصرامة.

لحد ما جه دوره.

— “المقدم كريم العشماوي.”

اسمه اتقال… لكن صوته ما طلعش.

قام بالعافية… ووقف قدام اللجنة.

اللواء بص في الملف شوية… وبعدين رفع عينه عليه.

— “سجل كويس… لكن فيه ملاحظات.”

قلب كريم وقع.

— “شكاوى سلوك… تجاوزات في التعامل… واستغلال نفوذ.”

القاعة سكتت تمامًا.

— “وده شيء ما ينفعش مع رتبة أعلى.”

كريم حاول يتكلم:

— “فندم… أنا أقدر أوضح—”

— “اتفضل.”

اللواء قالها بهدوء.

بس كريم… ما عرفش يقول حاجة.

لأنه عارف… كل كلمة هتتقال… ممكن تتراجع عليه.

—

اللواء قفل الملف بهدوء.

— “قرار اللجنة… تأجيل الترقية.”

الكلمة وقعت عليه زي ض*ربة قاضية.

— “وإعادة تقييم شامل بعد ست شهور.”

كرسيه رجع وراه بصوت خافت وهو بيقعد…

وعينه نازلة في الأرض.

خسر.

مش بس الترقية…

خسر صورته… كبرياؤه… ومستقبله اللي كان فاكره مضمون.

—

بعد الاجتماع…

خرجت من القاعة، وهو كان واقف برا… مستني.

— “ندى…”

صوته كان مكسور.

وقفت… بس ما بصتش له.

— “أنا غلطت…”

قالها بصعوبة.

— “زمان… ودلوقتي… وأنا—”

رفعت إيدي بهدوء… أوقفه.

— “متتعبش نفسك.”

بصلي… وعينه مليانة ندم.

وأنا أخيرًا… بصيت له.

بس مش نفس النظرة القديمة.

دي كانت نظرة واحدة اتعلمت… وقامت… ونجحت.

— “إنت خسرتني من تسع سنين… مش امبارح.”

سكت لحظة… وكملت:

— “والفرق إنك فاكر إنك كنت بتكسب…

بس الحقيقة؟

كنت بتخسر… كل يوم.”

لفيت وسبته.

المرة دي… للأبد.

—

مشيت في الممر… وجوزي مستنيني في آخره.

بصلي بابتسامة هادية:

— “خلصتي؟”

ابتسمت… براحة حقيقية:

— “خلصت.”

مسك إيدي… ومشينا سوا.

وورايا…

اتقفل باب قديم…

كان لازم يتقفل من زمان.

وأمامي…

كان في بداية جديدة…

أنا اللي اخترتها…

وأنا اللي استحقها.

تمت حكايات محمد عبده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *