رجل صعيدى حكايات رومانى مكرم 2
أنا راجل صعيدي ومتجوز في القاهرة بقاله عشـ . ـر سنين، وعندي أخت متجوزة. في رمضان اللي فات جبت أمي تقعد معانا الشهر، وكانت ست كبيرة في أخلاقها وتعـ . ـبها، تقوم من بدري تحضر الفطار والسحور، وتنضف المطبخ، وترتب البيت، وعيالي متعلقين بيها جدًا. طول الفترة دي ما حصلش أي خلاف ولا كلمة زعل.
لكن فجأة في يوم، مراتي قالتلي: “هي والدتك ناوية تفضل عندنا طول الشهر؟ ما تروح تقعد يومين عند بنتها.”
استغربت من الكلام وقلت لها: “أمي حرة، ده بيت ابنها، ولما تحب تسافر أنا أوصلها بنفسي.”
قالت: “لا، احجزلها قطر وخلاص.”
وقتها حسيت إن الموضوع مش سفر ولا راحة، الموضوع إن وجود أمي بقى تقيل عليها، فقلت لها: “أمي مش همشيها من بيتي، ولو حد هيمشي يبقى مش هي.”
ما ردتش بكلمة، خدت العيال ومشيت على بيت أهلها.
لما أمي عرفت اللي حصل، زعلت جدًا وقالت: “أنا مش جاية أخرب بيتك يا ابني، رجعني بلدي.”
وصلتها الصعيد ورجعت القاهرة، وقلت أروح أصلح الموضوع قبل ما يكبر، خصوصًا إننا في رمضان.
دخلت على حمايا بكل احترام وقلت: “اللي حصل سوء تفاهم، وعايز أرجع مراتي وولادي.”
لكن الراجل كان غضـ . ـبان جدًا، وقال: “إنت فضلت أمك على بنتي.”
قلت له: “دي أمي يا حاج، ودي مراتي، ومفيش مقارنة بينهم.”
رد بعصبـ . ـية: “طالما أمك أهم، خليك معاها.”
هنا بدأت أعصابي تفلت، وقلت: “إنت بتتكلم عن أمي، والست دي ليها فضل عليا بعد ربنا.”
قال: “بيت بنتي محدش يدخله تاني.”
بصيت له وقلت: “بيت بنتك إيه؟ ده بيتي أنا، واللي بناه تعـ . ـبي وشقايا، وأمي تشـ . ـرفه في أي وقت.”
قال: “تشـ . ـرفه بعيد عن بنتي.”
وقتها حسيت إن المشـ . ـكلة ما بقتش بيني وبين مراتي، المشـ . ـكلة بقت شـ . ـرط وإهانـ . ـة لأمي.
ناديت على مراتي وسألتها قدام أبوها: “هترجعي معايا؟”
قالت بكل هدوء: “هرجع، بس بشـ . ـرط… والدتك ما تدخلش بيتنا تاني.”
في اللحظة دي حسيت إن كل أبواب الصلح اتقفلت، وقلت: “اللي يطلب مني أختار بين أمي وبيتي، يبقى ما عرفش معنى العشـ . ـرة.”
نزلت من بيت حماي والدم بيغلي في عروقي، الصدمة كانت أكبر من إني أستوعبها في لحظة. عشـ . ـر سنين عشـ . ـرة، وبنت أصول، تطلب مني طلب زي ده؟ والجميل اللي عملته أمي معاها ومع العيال يترد بـ “ما تدخلش بيتنا تاني”؟
أنا راجل صعيدي، والمبادئ عندنا ما بتمـ . ـوتش ولا بتتجزأ، والأم في بلادنا خط أحمر، العمار كله يتهد ولا يمسها زعل.
رجعت شقتي الفاضية، البيت اللي كان من كام ساعة مليان بحس عيالي وببركة أمي، بقيت سامع فيه صدى صوت مراتي وهي بتقول الشـ . ـرط ده بكل برود. قعدت على الكنبة وأنا براجع شـ . ـريط العشـ . ـر سنين؛ عمري ما قصرت معاها، شايلها في عنيا، وأهلي شايلينها على الراس، إيه اللي غيرها للدرجة دي؟ هل كان فيه غل مستخبي وأنا مش واخد بالي، ولا كلام أبوها وشحن أهلها هو اللي قسا قلبها؟
تاني يوم الصبح، لقيت تليفوني بيرن، كان حمايا. افتكرت إنه هدي وهيصلح الكلام، لكن لقيته بيتكلم بنبرة ناشفة ويقول: “أنا بكلمك عشان نخلص الموضوع ده ودّي، بنتي مش هترجع إلا بضمانات، والشقة اللي بتقول شقاك، بنتي ليها النص فيها بحكم العشـ . ـرة وتربية العيال، فلو مش عاجبك الشـ . ـروط، شوف هتعمل إيه في المؤخر وقائمة المنقولات.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. الموضوع مكنش مجرد زعلة ولا كبرياء، الموضوع قلب تحدي ومساومة على قرشي وشقايا، وكأنهم كانوا مستنيين غلـ . ـطة. رديت عليه بكلمة واحدة: “يا حاج، اللي يبيعني ويبيع أمي، أنا ما بشتريش خاطره بمليم. حاجتكم تجيبوا لوري وتاخدوها، لكن أمي تمنها برقبتي.” وقفلت السكة في وشه.
#الكاتب_رومانى_مكرم
بعدها بيومين، وأنا بحاول أجمع شتات نفسي في الشغل، لقيت أختي بتكلمني من الصعيد وهي بتبكي. قالت لي: “الحقني يا خويا، أمي من ساعة ما رجعت وهي حابسة نفسها في أوضتها، مبتدوقش اللقمة، وبتقول أنا السبب في خراب بيت ابني، وصحتها نازلة في الأرض.”
كلام أختي نزل على ودني زي الخنجر، الدنيا لفت بيا ومبقتش شايف قدامي. الشغل، المشـ . ـاكل، القائمة، كلام حمايا.. كل ده اتمسح من عقلي، ومبقاش فيه غير صورة أمي الست الطيبة اللي قضت عمرها تشقى عشاني، ودلوقتي حاسة إنها ذنـ . ـب أو سبب في خراب بيتي.
سبت مكتب القيود اللي في إيدي، وخرجت من الشغل مكنتش واعي لأي حاجة غير إني لازم أكون تحت رجلين أمي في أسرع وقت. ركبت أول قطر رايح الصعيد، وطول السكة وأنا باصص من الشباك على الأراضي والخضرة، وشـ . ـريط حياتي كله بيعدي قدام عيني. عشـ . ـر سنين في القاهرة غيروني في حاجات كتير، لكن وقت الجد، لقيت عرق الصعيد اللي في دمى بيفور، والبرنس اللي ربتني عليه أمي هو اللي سايقني.
وصلت البيت في بلدنا على المغرب. دخلت الشارع وأنا حاسس بتقل في خطوتي، البيت اللي طول عمره منور بحس أمي، حاسس إنه حـ . ـزين. أول ما فتحت أختي الباب، وشفت دمـ . ـوعها، عرفت إن الوضع أصعب من ما كنت متخيل.
دخلت أوضة أمي.. كانت قاعدة على السريـ . ـر، مأفية وضامة طرحتها السـ . ـمرا حوالين كتافها، ملامحها اللي كانت دايماً مليانة رضا، باين عليها الكسـ . ـر. الكسـ . ـر وحـ . ـش، وخصوصاً لما ييجي من الغاليين.
قربت منها، اتسندت على ركبي قدامها ومسكت إيدها الناشفة من الشقى بوستها ودمـ . ـوعي غلبتني:
* “كده يا أمي؟ تقطـ . ـعي قلبي عليكي؟ أنا ابنك رومانى اللي كبرتيه وبقى راجل، تصغري بيا وتهـ . ـملي صحتك عشان كلام ناس ما يعرفوش الأصول؟”
رفعت عينيها ليا، وكان فيهم عتاب وألـ . ـم يهد جبال، وقالت بصوت مرتعش يادوب مسـ . ـموع:
* “يا بني أنا رجلي والقبلة، مكنتش عايزة غير إني أشوفك متهني في بيتك ومع عيالك. لو جيتي عندك كانت سبب إن مرتك تطـ . ـرد من بيتها والعيال يتشـ . ـردوا، يبقى المـ . ـوتأكرم لي يا رومانى. أنا اللي خربت بيتك بيدى.”
* “قطع لسان اللي يقول كده!”.. صـ . ـرخت والنـ . ـار بتاكل في صدري: “بيتي يتخرب ولا يمسك زعل، وإذا كان على مراتي وأهلها، فـ دول ناس بياعين، واللي يبيع الأصل ملوش مكان في حياتنا. قومي يا أمي واشـ . ـربي لقمة مية عشان خاطر ولدك.”
قعدت جـ . ـنبها ليلتها، ومشتش من حدانا واصل إلا لما خليتها تاكل لقمة وتطمن إن ولدها واقف على رجله وصامد وزي الجبل ما ينهزش.
تاني يوم الصبح، وأنا قاعد مع أختي وجوزها في المندرة بنشـ . ـرب الشاي، تليفوني رن. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم غريب، لكن الكود من القاهرة. فتحت الخط وجالي صوت راجل وقور، مش غريب عليا، ده كان “الحاج فوزي”، كبير المنطقة اللي ساكن فيها في القاهرة، وراجل صاحب كلمة ومسـ . ـموع من الكل.
* “السلام عليكم يا أستاذ رومانى. عاش من سـ . ـمع صوتك يا بني.”
* “وعليكم السلام يا حاج فوزي، الله يكرم أصلك، خير يا راجل يا طيب؟”
* “خير يا بني إن شاء الله. أنا عرفت باللي حصل بينك وبين حماك، والبيوت أسرار صحيح، بس حماك جاني ومجمع كام راجل من كبار الحتة وعايزين يقعدوا قعدة حق. الراجل جاي وسوقه واصل، وبيقول إنك طـ . ـردت بنته ورفضت تديهم حاجتهـ . ـم. إحنا ولاد حتة واحدة وعشـ . ـرة سنين، وأنا مرتضاش ليك الغلـ . ـط ولا الـمَلَامة. إنت فين والمنطقة مستنياك.”
ضحكت بوجـ . ـع وسـ . ـخرية، وقلت له:
* “يا حاج فوزي، إنت راجل بتفهم في الأصول، وأنا صعيدي والكل عارف طبعي. أنا مطـ . ـردتش حد، هما اللي اشترطوا إن أمي متدخلش بيتي اللي بناه شقايا. وأنا تليفوني اتسجل فيه كلام حمايا وهو بيساومني على الشقة والقائمة. لو هما رجالة وجايين لقعدة حق، أنا مسافة السكة وأكون في القاهرة، بس قعدة الحق دي هتبقى على مية بيضا، والكل يعرف مين اللي باع ومين اللي صان.”
قفت السكة، وبصيت لأختي وقلت لها: “جهزيلي شنطتي يا خيتي، أنا راجع مصر. القصة دي لازم تنتهي، والظلـ . ـم ليله قصير.”
نزلت القاهرة وعقلي شغال نـ . ـار. وصلت الحتة على العشا، ومشيت خطوتي ثابتة لحد ما وصلت لمجلس الحق اللي رتبه الحاج فوزي في محله الكبير. كان حمايا قاعد وفي عينه نظرة تحدي، وجـ . ـنبه اتنين من إخوات مراتي الصبيان، وشايلين في إيديهم ورق.. عرفت بعدين إنه كشف بحاجات الشقة وقائمة المنقولات.
أول ما دخلت، الكل وقف وسلم، قعدت وحطيت رجلي فوق التانية بكل ثقة، وبصيت لحمايا وقلت بصوت جهوري سـ . ـمعه كل اللي قاعدين:
* “سلام عليكم يا جماعة. أنا جيت إكراماً للحاج فوزي وللرجالة اللي قاعدة. ويلا بينا نسـ . ـمع، مين اللي ليه حق ومين اللي عليه، بس اللي يتكلم، يتكلم بكلمة شـ . ـرف وأصول، عشان الصعيد مبيعرفش اللف والدوران.”
حمايا وقف وضـ . ـرب بإيده على الترابيزة وقال بعصبـ . ـية:
* “أهو جه الباشا اللي ساب مراته وعياله ورايح يتدارى ورا أمه! إحنا شـ . ـروطنا واضحة، بنتي ترجع بيتها معززة مكرمة، والشقة يتكتب نصها باسـ . ـمها، والست والدتك ليها الزيارة في المناسبات ومن برة برة، غير كده.. المحاكم بينا والقائمة والمؤخر جاهزين!”
الصالون كله سكت، والعيون كلها اتوجهت عليا مستنيين ردي وفورة دمي.. يتبع..