خط احمر 3 بقلم ندى الجمل
أحمد فضل باصص للظرف، وبعدها رفع عينه ليا.
وشه كان كله دهشة.
أم ريم؟! هي قابلتك ليه؟
قعدت قدامه بهدوء، وزقيت الظرف ناحيته.
افتح… واقرأ بنفسك.
إيده كانت بتترعش وهو بيفتحه.
أول ما شاف الصور، عقد حواجبه.
ولما بدأ يقرا الرسائل…
وشه اتغير.
مرة بعد مرة.
لحد ما وصل للرسالة اللي كانت مكتوب فيها:
“أنا مش فارق معايا بيحب مين… المهم أعيش مرتاحة.”
رمى الورق على الترابيزة، وسند راسه بإيده.
وقال بصوت مخنوق:
معقول… معقول أنا كنت عايش مع واحدة بتفكر كده؟
قلت بهدوء:
أنا مش هحكم على حد من كام رسالة.
بصلي باستغراب.
كملت:
لأن اللي يهمني دلوقتي حاجة واحدة… تتأكد بنفسك قبل ما تاخد أي قرار.
هز راسه.
عندك حق.
سكت شوية، وبعدها قال:
بس ليه أمها تعمل كده؟
قلت:
واضح إنها شايفة إن بنتها ماشية في طريق غلط، وخافت تسكت.
أخد نفس طويل، وقال:
أنا لازم أواجه ريم.
وقبل ما يمد إيده ياخد مفاتيحه، وقفته.
لأ.
بصلي باستغراب.
ليه؟
قلت:
لأنك لو روحت دلوقتي وقلت لها إن معاك الرسائل، أول حاجة هتعملها إنها تمسح أي دليل، وهتقلب الترابيزة عليك.
سكت يفكر.
ولأول مرة من وقت طويل…
لقيته بيسألني:
أعمل إيه؟
كان السؤال ده غريب.
أحمد عمره ما طلب رأيي بالشكل ده.
قلت بهدوء:
اتصرف طبيعي.
ولا كأنك عرفت حاجة.
سيبها هي اللي تكشف نفسها بنفسها.
بصلي ثواني، وبعدها قال:
يمكن عشان كده عمرك ما كنتي بتغلطي في حكمك على الناس.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش دايمًا… بس الصبر بيكشف اللي الاستخفاف بيخبيه.
في اليوم التاني، أحمد راح شغله كأنه مفيش حاجة حصلت.
وقبل الظهر، بعتلي رسالة.
“ريم كلمتني… وبتقولي إنها اشترت شبكة جديدة بـ180 ألف، وعايزاني أروح أدفع باقي الفلوس.”
بعتله:
“روح… واسمع أكتر ما تتكلم.”
رد عليا بكلمة واحدة:
“حاضر.”
ولأول مرة…
حسيت إن أحمد بدأ يشوف الحقيقة بعينيه، مش بعيون حد تاني.
لكن كان جوايا إحساس غريب…
إن ريم مش هتفضل ساكتة كتير.
وإنها أول ما تحس إن أحمد اتغير…
هتبدأ أخطر خطوة في اللعبة كلها.
تاني يوم بالليل، رجع أحمد متأخر.
أول ما دخل، عرفت من وشه إن في حاجة حصلت.
قلع الجاكيت، ورماه على الكرسي، وقعد من غير ما ينطق.
حطيت قدامه كباية مية، وقلت بهدوء:
خير؟
بصلي وقال:
كنت عند ريم.
سكت، مستنية يكمل.
أول ما وصلت، لقيتها واخدةني على محل مجوهرات.
استغربت.
محل مجوهرات؟
هز راسه.
وقالتلي إنها اختارت شبكة جديدة، وإن الشبكة اللي جبتها لها “بقت قديمة”، وإن دي تليق بزوجة راجل في مستوايا.
قلت:
وإنت عملت إيه؟
ابتسم ابتسامة كلها مرارة.
لأول مرة في حياتي قولتلها: “لأ.”
بصيتله باستغراب.
كمل:
وشها اتقلب في ثانية.
قلت لها: “الشبكة اللي عندك لسه جديدة، ومفيش داعي نصرف فلوس في حاجة ملهاش لازمة.”
قالتلي: “يعني سارة كانت تستاهل، وأنا لأ؟”
تنهد، وكأنه بيرجع يعيش الموقف.
قولتلها: “متجيبيش سيرة سارة في أي مقارنة.”
أول ما قلت كده…
قامت من مكانها.
وقالت بصوت عالي وسط الناس:
واضح إنك عمرك ما حبيت غيرها!
قلتله:
وبعدها؟
قال:
سابت المحل ومشيت، وأنا طلعت وراها.
لكن بدل ما تهدى…
فضلت تقول إن حياتها اتدمرت، وإنها اتغشت فيا، وإنها كانت فاكرة إنها هتعيش مع راجل ينفذ كل طلباتها.
سكت شوية، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
عارفة قالتلي إيه؟
قلت:
إيه؟
قالتلي: “أنا عمري ما هرضى أعيش أقل من سارة.”
بصيتله، وسألته:
وإنت رديت؟
قال:
قلتلها: “الغلط إنك من أول يوم كنتي شايفة إن الجواز منافسة.”
سكتنا لحظة.
وفجأة رن موبايله.
بص للشاشة.
كانت ريم.
بصلي وقال:
أرد؟
قلت بهدوء:
دي حياتك.
رد عليها، وحط الموبايل على السماعة.
أول ما رد، سمعنا صوتها وهي بتعيط.
أحمد… تعالى بسرعة… أنا تعبانة أوي.
اتعدل في قعدته وقال بقلق:
مالك؟ حصل إيه؟
قالت وهي بتشهق:
وقعت… ومش قادرة أقف… تعالى.
قام أحمد بسرعة.
لبس مفاتيحه، وهو بيقول:
مهما كان… دي مراتي، ولازم أطمن عليها.
هزيت راسي وقلت:
روح… وربنا يطمنك.
خرج بسرعة.
وقعدت أنا لوحدي.
لكن جوايا إحساس غريب.
إحساس إن اللي حصل مش طبيعي.
بعد حوالي ساعة…
رن تليفوني.
كان أحمد.
رديت بسرعة.
أيوه يا أحمد… هي عاملة إيه؟
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال بصوت كله صدمة:
سارة…
خير؟
طلعت كويسة… ومكنش فيها حاجة.
قلبي انقبض.
أمال؟
قال:
أول ما دخلت الشقة… لقيتها قاعدة بتضحك مع صاحبتها، وبتقول: “كنت عارفة إنه أول ما أقوله إني تعبانة، هيجري.”
سكت لحظة.
ثم كمل بصوت مكسور:
أول ما شافتني واقف على الباب… اتصدمت.
وأنا…
أول مرة أحس إني كنت مجرد شخص بيتجرب… مش زوج بيتحب.
قفلت مع أحمد، وفضلت ماسكة الموبايل في إيدي.
ما كنتش فرحانة…
بالعكس.
كنت زعلانة عليه.
لأن أصعب إحساس ممكن يعيشه أي إنسان، إنه يكتشف إن مشاعره كانت وسيلة، مش غاية.
بعد حوالي ساعة، رجع البيت.
أول ما دخل، حسيت إنه أكبر عشر سنين.
وشه شاحب، وعينه كلها خيبة.
حط مفاتيحه على الترابيزة، وقعد من غير ما يتكلم.
أنا كمان ما سألتوش.
سيبته هو اللي يبدأ.
بعد دقايق، قال:
عارفة أكتر حاجة كسرتني؟
قلت:
إيه؟
قال:
إنها أول ما شافتني واقف على الباب… ما ارتبكتش عشان كدبت.
ارتبكت عشان اتكشفت.
سكت شوية، وكمل:
قالتلي: “أنا كنت بهزر مع صحبتي.”
قلتله:
وصدقتها؟
ابتسم بسخرية.
لا.
لأول مرة… حسيت إن كل كلمة كانت بتقولهالي أمها صح.
سألته:
عملت إيه؟
قال:
قولتلها إن الثقة لو راحت مرة، صعب ترجع.
وخرجت.
فضلنا ساكتين.
وبعدين قال فجأة:
سارة…
نعم؟
إنتي لسه بتحبيني؟
السؤال نزل عليا تقيل.
بصيت في عينه، ولقيت فيها خوف.
مش خوف إنه يخسر جوازة.
خوف إنه يخسر الإنسان الوحيد اللي كان بيحبه من غير شروط.
قلت بعد صمت:
الحب مش زرار بيتقفل يا أحمد.
اتنهد.
لكن كملت كلامي.
بس الحب لوحده مش كفاية.
لازم يكون معاه احترام… وثقة… وأمان.
وأنت للأسف كسرت التلاتة.
نزل رأسه.
وقال:
عارف.
في اللحظة دي…
رن جرس الباب.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
قام هو يفتح.
فتح الباب…
واتصدم.
سمعته بيقول:
حضرتك؟!
قمت من مكاني، وروحت أشوف مين.
لقيت قدام الباب راجل في الخمسينات، هدومه بسيطة، ووشه باين عليه الإرهاق.
أول ما شاف أحمد، قال:
أنا حسن… والد ريم.
استغرب أحمد.
خير يا عم حسن؟
بص الراجل في الأرض، وقال بصوت مكسور:
ممكن أدخل؟… أنا جاي أصلح الغلط اللي حصل.
أنا وأحمد بصينا لبعض في صمت.
ودخل عم حسن، وقعد على طرف الكنبة.
فضل ساكت شوية، وكأنه بيجمع شجاعته.
وبعدين قال:
أنا طول عمري راجل غلبان… لكن عمري ما ربيت بنتي على الطمع.
أحمد سكت.
كمل عم حسن:
اللي حصل الأيام دي… أنا عرفت تفاصيله متأخر.
ولما حاولت أوقفها… هي وأخوها قالولي: “إنت مالكش دعوة.”
تنهد، ومسح دمعة من عينه.
أنا جيت أحذرك يا ابني.
اتعدل أحمد في قعدته.
أحذرني من إيه؟
قال عم حسن:
أخو ريم… بيضغط عليها ترفع عليك قضايا، وتقول إنك وعدتها بحاجات وما نفذتهاش، وإنك قصرت في حقها… هو فاكر إن كده هيقدر ياخد منك فلوس.
أنا اتجمدت.
وأحمد قال بسرعة:
حضرتك متأكد؟
هز عم حسن راسه.
متأكد… وعشان كده جيت بنفسي قبل ما المصيبة تكبر.
سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
ولو عايز تعرف الحقيقة كاملة…
اسأل ريم عن الراجل اللي كانت مرتبطة بيه قبل الجواز بأسبوعين… لأنها خبت عنك حاجة، ولو عرفتها… هتفهم ليه كل اللي حصل ده كان مخطط من الأول.
بعد ما عم حسن قال كلامه، أحمد فضل باصصله وهو مش مستوعب.
قال بهدوء:
حضرتك تقصد إيه؟
اتنهد عم حسن وقال:
أقصد إن بنتي كانت مخطوبة قبل ما تتجوزك، والخطوبة اتفسخت قبل الفرح بأسبوعين.
أحمد استغرب وقال:
وليه متقاليش؟
قال عم حسن:
لأنها هي اللي رفضت تقول… وقالت إنه موضوع انتهى.
سكت شوية وكمل:
بعد ما اتجوزتك، أخوها فضل يملالها دماغها. يقولها: “إنتي اتجوزتي راجل مقتدر، متضيعيش الفرصة. خليكي ضاغطة عليه عشان يكتبلك ده ويجيبلك ده.”
أنا بصيت لعم حسن وقلت:
وإنت سكت؟
قال وهو بيبكي:
حاولت… والله حاولت. لكن للأسف كلمة أخوها كانت بتمشي أكتر من كلمتي.
أحمد سأل:
طيب هي فين دلوقتي؟
قال:
عند أمها… ورافضة ترجع غير لما تحقق كل طلباتها.
في اللحظة دي، رن موبايل أحمد.
كانت ريم.
بصلي وقال:
أرد؟
قلت:
دي آخر مرة تهرب من الحقيقة… رد.
رد عليها.
ريم أول ما سمعت صوته قالت بعصبية:
إنت عند مراتك؟
قال بهدوء:
أيوه.
قالت:
يبقى اختار… يا أنا يا هي.
أحمد سكت ثواني.
وبعدين قال لأول مرة بمنتهى الحسم:
مفيش حد هيجبرني أختار بين زوجتين. لكن في حد لازم يعرف إن الجواز مش ابتزاز ولا منافسة.
قالت وهي بتصرخ:
يعني بتقف في صفها؟
قال:
أنا بوقف في صف الحق… والحق إنك غلطتي في حق سارة، وغلطتي في حقي.
وسمعناها قفلت السكة في وشه.
بص أحمد ليا وقال:
أنا لازم أصلح كل الغلط اللي عملته… حتى لو دفعت تمنه سنين.
مرت ستة شهور…
وخلال الشهور دي، حصلت حاجات كتير.
ريم أصرت على طلباتها، لكن أحمد وقف عند أول مرة وقال فيها “لأ”.
ومن يومها، المشاكل بينهم زادت يوم بعد يوم.
وفي النهاية، كل واحد فيهم اكتشف إن الجواز اللي اتبنى على المقارنات والطمع، عمره ما هيعرف يعيش.
أما أنا…
فمكنتش مستنية أحمد يرجعلي ولا يثبتلي إنه بيحبني.
كنت مستنية حاجة واحدة…
الاحترام.
وفي يوم، أحمد قالي:
سارة… أنا عارف إن اللي انكسر بينا مش سهل يتصلح، لكن لو هتديني فرصة، هقضي عمري كله أحاول أصلح اللي عملته.
بصيتله، وقلت:
الفرصة دي مش هتكون عشان النسيان… هتكون عشان أشوف إنك فعلًا اتغيرت.
ابتسم لأول مرة من شهور.
ومرت الأيام…
ورجعنا نتكلم، ونضحك، ونقعد سوا زي زمان.
يمكن الجرح فضل موجود…
لكن بقينا بنتعامل معاه بصدق، مش بكدب.
أما ريم…
فعرفت بعد فترة إن الفلوس لوحدها ما بتعملش بيت، وإن الراجل اللي يعيش تحت ضغط كل يوم، في النهاية هيبعد.
ووقتها فهمت متأخر إن أكبر غلطة عملتها، إنها دخلت حياتها وهي بتحاول تمحي حياة واحدة تانية.
أما أنا…
فاتعلمت درس عمري ما هنساه.
إن الست القوية مش هي اللي تعلي صوتها أو تدخل في حرب مع غيرها…
الست القوية هي اللي تحافظ على كرامتها، وتسيب الأيام تكشف الحقيقة.
ولحد النهارده…
كل ما أبص في المراية، أفتكر جملة واحدة غيرت حياتي كلها:
“أنا مش زعلانة إنه اتجوز… أنا زعلانة إنه سمح لحد يحاول يمحي وجودي.”
لكن الحمد لله…
السنين الحقيقية عمرها ما بتتمسح… حتى لو حد حاول يمسح تاريخها بضغطة زر.