جحـيم عنبـر ج 4 حكـايات منـي الـسـيد
## الفصل السابع
صوت قفل أبواب العربية الملاكي الشيك بتاعة دكتور شريف وهي بتترزع مع بعضها، كان عامل زي إعلان بداية فصل جديد.. فصل بره الأسوار، بس الحبس اللي فيه ألعن بكتير. ريحة الجلد الطبيعي والتكييف التلج اللي شغال في العربية كانوا غريبين عليا.. بقالي كام يوم عيني مشا فتش غير الخرسانة المقشرة، ومناديل الزبالة المرمية، ووجوه الستات اللي الخوف والغل كسر ملامحهم.
الدكتور كان حاطط إيديه الاتنين على الطارة، صوابعه البيضا الناعمة كانت بـ تترعش لدرجة إن مفاتيح العربية كانت بتشخلل في التابلوه. بص لي من تحت النظارة الطبية بتاعته بـ نظرة مكسورة، عين واحد كان من شوية باشا بيمضي ويموت بـ جرة قلم، ودلوقتي بقا مجرد رهينة مع ست لابسة بدلة ممرض كحلي، ومخبية مطواة مسنونة في جيبها.
ـ إحنا.. إحنا كدة داخلين على شارع ٩.. — قالها وصوته طالع واطي ومكتوم من ورا الكمامة اللي كان لسه لابسها.. “الفيلا قريبة من هنا.. بس يا نادية، أبوس إيدك، سليمان بيه مش زي فايزة ولا زي الظابط عادل.. سليمان بيه ده حوت.. الفيلا بتاعته متأمنة بـ كاميرات وحراسة بره وجوه.. لو حركتك غشيمة، هنتمسك قبل ما رجلينا تخطي العتبة.”
بصيت له من ورا الكمامة الكحلي بتاعتي، وقولت له بـ نبرة هادية بس ناشفة زي الخشب:
ـ سـوق وإنت ساكت يا دكتور، ومتشغلش بالك بـ حركتي.. أنا الحركة الغشيمة نسيتها من يوم ما بنتي اتخطفت.. سـوق، وأول ما نوصل، إنت اللي هتنزل وتتكلم مع الحرس بـ قلب جامد.. زي ما كنت بتتكلم مع السجينات في المستوصف.. لو حسيت بـ نبرة خوف واحدة في صوتك، السكينة دي مش هتستنى لحد ما ندخل الفيلا.. مفهوم؟
الراجل هز راسه وبدأ يتحرك بالعربية.. شوارع المعادي بالليل كانت هادية، الشجر العالي والقديم على الجناب كان رامي ضله على الأرض، والفلل الكبيرة بـ أسوارها العالية كانت تحسها مقابر فخمة.. مفيش صريخ، مفيش زحمة، مفيش ريحة فنيك.. بس الخبايا اللي ورا الحيطان دي أوسخ بـ كتير من اللي جوه عنابر السجن.
العربية بدأت تهدى لحد ما دخلنا طرقة واسعة متفرعة من شارع ٩.. وفي آخر الطرقة، ظهرت الفيلا.
كانت فيلا قديمة على الطراز الإيطالي، ضخمة بزيادة، وسورها مبني من الحجر الهاشمي العالي، وفوقيه شجر كثيف مغطي كل حاجة جوه.. البوابة الكبيرة كانت من الحديد الأسود المشغول، وعليها كشافات إضاءة قوية منورة الشارع كله.. وواقف على البوابة اتنين رجالة بـ لبس أسود، ملامحهم قاسية وجسامهم عريضة.. الحراسة الشخصية بتاعة سليمان بيه.
دكتور شريف ركن العربية على جنب، قصاد البوابة بالظبط. بص لي وعيونه مليانة رجاء:
ـ أنا هقولهم إننا جايين نسلم تقرير طبي خاص بـ المستشفى.. سليمان بيه مبيحبش حد يجيله بالليل كدة من غير ميعاد، بس أنا ليا دالة عنده بـ سبب الشغل.. إنتِ خليكي ورايا، ومنزلة راسك الأرض كأنك ممرض شايل الشنطة.. ومتتكلميش خالص.
ـ ماشي.. إخلص. — قولت له وأنا بفتح باب العربية وبنزل بـ خفة.
أخدت الشنطة الطبية السودا من الكنبة الورانية، وشيلتها على كتفي.. حطيت إيدي اليمين في جيب البدلة الكحلي، متبتة على يد المطواة.. النفس بتاعي كان منتظم.. كنت بـ قـول لنفسي: “مريم جوه.. مريم على بعد كام متر منك يا نادية.. الـ ١٥ سنة اللي فاتوا كوم، والدقايق الجاية دي كوم تاني خالص.”
مشينا لحد البوابة.. أول ما قربنا، واحد من الحراس خط خطوة لقدام، وحط إيده على حزامه، وبص لنا بـ نظرة فاحصة:
ـ أهلاً يا دكتور شريف.. خير؟.. سليمان بيه نايم جوه ومطلبش حد.. وإيه اللي جايبك في وقت زي ده؟
دكتور شريف بلع ريقه، وعدل نظارته، وطلع من جيبه دفتر أوراق صغير وقاله بـ نبرة حاول يخليها حازمة:
ـ أهلاً يا منصور.. أنا عارف إن الوقت متأخر، بس في ورق مهم جداً بـ خصوص الشحنة اللي خرجت من السجن النهاردة.. سليمان بيه لازم يمضي عليه قبل الصبح عشان الإجراءات.. والممرض ده معايا عشان معاه بقية الأوراق والتقارير الطبية.. افتح الباب بسرعة مش هنقضي الليلة على البوابة.
الحارس “منصور” بص لـ دكتور شريف، وبعدين نقل عينه عليا أنا.. عيونه الضيقة بدأت تقراني بـ شك.. لمحت نظراته وهي بتنزل لـ رجلي، وبعدين لـ إيدي اللي في جيب البدلة.. قلبي دق دقة سريعة، بس جسمي متنفضش.. فضلت منزلة راسي كأني ممرض تعبان وغلبان من شغل المستشفى.
منصور طلع جهاز لاسلكي من جيبه، واتكلم فيه بصوت واطي:
ـ يا غريب.. دكتور شريف بره ومعاه ممرض.. بيقول معاه ورق مهم للبيه بـ خصوص شغل النهاردة.. ندخلهم؟
سكت اللاسلكي ثواني، وبعدين طلع منه صوت خروشـة:
ـ دخلهم الصالون الجواني.. وسليمان بيه نازل لهم.. بس فتشهم الأول.
الكلمة نزلت على دكتور شريف زي الصاعقة.. بص لي بـ رعب حقيقي.. لو فتشوني، المطواة هتطلع، والحكاية كلها هتبوظ على العتبة.. منصور قرب مني، ورفع إيديه الاتنين عشان يبدأ يفتش كتافي وجيوبي..
في الجزء من الثانية ده، عقلي اشتغل بـ غريزة البقاء.. قبل ما إيد منصور تلمس جيب البدلة الكحلي، دكتور شريف عمل حركة ذكية مكنتش متوقعاها منه.. طلع علبة سجاير غالية من جيبه، وخبط منصور على كتفه وقال بـ نبرة فيها ضحكة مكتومة:
ـ جرى إيه يا منصور؟.. إنت هتفتش رجالتنا كمان؟.. ده الممرض بتاعي وشغال معايا بقاله خمس سنين في القسم.. خد قفل دماغك بـ السيجارتين دول على ما ندخل ونخرج.. إحنا مش هنقعد هنا كتير.
منصور بص للعلبة، وبص لـ دكتور شريف.. الجبروت اللي في وشه هدي سنة.. أخد العلبة وحطها في جيبه، ورجع خطوة لورا:
ـ ماشي يا دكتور.. اتفضلوا.. بس البيه مبيحبش الانتظار.
البوابة الحديد الصغيرة فتحت بـ تزييق خفيف.. دخلنا الجنينة.. الأرض كانت مفروشة نجيل خضرا ونظيفة، والمشايات الخرسانية بتلمع.. ريحة الورد والياسمين كانت مالية المكان، ريحة متلقش أبداً بـ القرف اللي بيحصل جوه الفيلا دي.
مشينا ورا منصور لحد ما وصلنا للباب الزجاجي الكبير بتاع الفيلا.. فتح الباب ودخلنا الصالون الجواني.. المكان كان فخم بزيادة.. نجف كريستال كبـير نازل من السقف، وسجاجيد عجمي تقيلة، وكنابات مذهبة.. قعد دكتور شريف على طرف واحدة من الكنابات وهو شبه ميت من الخوف.. وأنا فضلت واقفة وراه بـ الشنطة السودا، وعيني بـ تلف في المكان كأنها كاميرا مراقبة.
كنت بـ دور على أي أثر.. صوت حركـة.. خيال بنت معدية في المطبخ.. أي حاجة تقولي إن مريم هنا.
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات جاية من على السلم الرخام الكبير اللي في نص الصالون.. الخطوات كانت بطيئة، وثقيلة.. خطوات حد متعود إن الكل يقف له انتباه أول ما يظهر.
لفيت راسي بـ الراحة.. وظهر “سليمان بيه”.
راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض بالكامل ومسرح لورا، جسمه متناسق ولابس ترينج شيك كحلي.. ملامح وشة كانت هادية، بس عيونه كانت حادة وضيقة زي عيون الصقر.. عيون مفيش حاجة بـ تفوت منها.. نزل السلم وبص لـ دكتور شريف بـ عتاب بارد:
ـ شريف؟.. إيه اللي جابك في وقت زي ده يا دكتور؟.. إنت عارف إني مابحبش الشغل يدخل بيتي بالليل.. والشحنة المفروض تروح المستشفى علطول.. إيه الورق المهم اللي يخليك تيجي لحد هنا؟
دكتور شريف قام وقف بسرعة، وصوته كان بيتهز:
ـ سليمان بيه.. أسف جداً على الإزعاج.. بس.. بس الموضوع مش بـ خصوص الورق.
سليمان بيه حواجبة اترفت بـ استغراب، ونظرة عينه نقلت عليا أنا الواقفة ورا الدكتور.. عيونه ضيقت أكتر لما لمح إن الممرض مبيتحركش وواقف بـ طوله ومنزلش عينه الأرض.
قال بـ نبرة حادة ظهر فيها الجبروت الفعلي:
ـ ومين الممرض ده؟.. وإزاي يدخل هنا بـ الكمامة دي؟.. قلع الـبتاع ده من على وشك يا جدع إنت!
خطيت خطوة لقدام.. وبـ إيدي الشمال، رفعت الكمامة الكحلي من على وشي بـ الراحة.. ونزلتها لـ تحت رقبتي..
أول ما ملامح وشي ظهرت تحت نور النجف الكريستال.. عيون سليمان بيه وسعت لـ لحظة.. الراجل مكنش غبي، الملامح السمرا، والعيون الحامية اللي مليانة غل سنين، ونفس الهدوء المرعب.. كانت مألوفة ليه.. لفت عينه بسرعة لـ دكتور شريف واكتشف اللعبة.
قبل ما سليمان بيه يفتح بؤه عشان يصرخ وينادي على الحرس بره.. كنت رميت الشنطة السودا من إيدي على الأرض.. وبـ حركة أسرع من البرق، طلعت المطواة المسنونة من جيب البدلة.. عديت من جنب دكتور شريف بـ زقة خفيفة، وبقيت واقفة قدام سليمان بيه علطول..
مسكته من ياقة الترينج الكحلي بـ إيدي الشمال، ولزقته في الحيطة الرخام اللي جنب السلم.. وحطيت سن المطواة الحامي على تفاحة آدم في رقبتة.. الضغط كان كافي إنه يخليه يكتم صرخته في بؤه.. عينيه كانت مبرقة بـ صدمة ورعب مكنش يتخيل إنه يعيشهم جوه بيته وفي وسط حراسته.
قولت له بصوت واطي جداً، مسموع له هو بس والدكتور اللي كان واقف ورايا هيموت من الخوف:
ـ حسك عينك تطلع صوت يا سليمان بيه.. كلمة واحدة بره رقبتك دي هتتفتح من الوريد للوريد.. أنا مش ممرض.. وأنا مش نادية عبد الحميد.. أنا الأم اللي إنت سرقت بنتها مريم من ١٥ سنة.. والنهاردة أنا جاية أخدها.. بنتي جوه الفيلا دي.. انده عليها بـ لسانك دلوقتي وخليها تطلع.. وإلا وحياة دموعي السنين دي كلها، لهغرق الصالون الفخم ده بـ دمك!
سليمان بيه بلع ريقه بـ صعوبة، وسن السكينة علم علامة حمرا صغيرة على رقبتة.. لقى نفسه فجأة في مواجهة جحيم مكنش عامل حسابه.. الحكاية مكنتش شغل، الحكاية كانت تار أم.. والتار لما بيصحي، مبيخليش وراه أي حاجة واقـفة!
**#حكايات_مني_السيـد**
## الفصل الثامن والأخير
صالون الفيلا الفخم اتقلب في ثانية لساحة إعدام مكتومة.. النجف الكريستال اللي نازل من السقف كان بيعكس اللمعة الحامية بتاعت المطواة على رقبة سليمان بيه.. الراجل اللي كان بيمشي في الشارع بـ موكب حراسة، ويهز بجرة قلم شركات وحيتان، كان لزقان في الحيطة الرخام زي الفار المزنوق.. نفسه كان بيطلع بـ حشرجة، وعينه الصقرية اتقلبت لـ عيون فرائس مستنية الطعنة.
دكتور شريف كان ورايا، نزل على ركبه على السجادة العجمي وبدأ يصوت من غير صوت، حاطط إيده على بؤه وجسمه كله بيتنفض.. كان عارف إن أي حركة غدر من الحراس بره، أو أي صرخة من سليمان بيه، السكينة دي هتخلص الحكاية في رقبة البيه.. وهو أول واحد هيتفرم في السكة.
“إنتِ.. إنتِ مجنونة.. الحرس بره بـ الإشارة.. مش هتلحقي تخرجي حية من هنا..” — سليمان بيه قالها بـ صوت مخنوق وطالع بالعافية من تحت سن الحديد.. بس النبرة الجبارة بتاعته كانت خلاص اتمسحت.. بقا بيتكلم بـ لغة المفاوضة بتاعة الخوف.
ضغطت بـ كعب رجلي اليمين على السلم الرخام عشان أثبت جسمي أكتر، وقربت وشي منه لدرجة إن عيني بقت جوه عينه علطول.. وقولت له بـ فحيح حامي:
ـ أموت؟.. ومين قالك إني عايزة أعيش يا سليمان؟.. أنا عشت ١٥ سنة ميتة بـ كفن حي.. بـ أدور في جحور التعابين على فرفوتة أمل توصلني لـ بنتي.. دخلت السجن بـ مزاجي، وضربت حريمك، وكسرت هيبتك، وواقفة في وسط فيلتك.. لو موتُّ هنا، هبقى متُّ وأنا بـ أعمل الحاجة الوحيدة الصح في حياتي.. إنما إنت؟.. إنت عندك كتير تخسره.. عندك الفلوس، والاسم، والشركات، وعمرك الغالي.. إخلص.. مريم فين؟.. انده عليها دلوقتي بدل ما أفرتك رقبتك دي والدم يغرق الترينج الشيك ده!
الراجل حس بـ سن السكينة وهو بـ يعلّم أكتر وجلد رقبتة بدأ يجيب نقط دم رفيعة.. الرعب حسم الاختيار في عقله.. سليمان بيه عرف إن كلام الست دي مش تهديد، دي ست بايعة الدنيا ومستعدة تدبح وتتـدبح في مكانها.. بلع ريقه بـ عذاب، وبص ناحية الطرقة الجوانية اللي بتودي على المطبخ وغرف الخدم..
رفع صوته بـ لجلجة ورعشة مسمعتش الفيلا دي زيها قبل كدة:
ـ يا منصور!.. يا أم مريم!.. أومال فين البت اللي جوه؟.. خليها تيجي هنا بسرعة.. اندهي على البت هدير!
الصوت طلع مرعوب لدرجة إن منصور الحارس بره مسمعوش.. بس اللي سمعته كانت الست الشغالة الكبيرة اللي جوه المطبخ.. ثواني.. وسمعت صوت خطوات خفيفة، خطوات حافية على الأرض الرخام.. الخطوات دي أنا عارفاها.. مسمعتهاش من ١٥ سنة، بس دقات قلبي كانت بـ تعدها في السكون..
ظهرت من الطرقة.. بنت في أول العشرينات.. سمرا، ملامحها نسخة طبق الأصل مني.. نفس العيون الواسعة الكحيلة، ونفس الطول، وفي الحتة اللي تحت عينها الشمال.. كانت الحسنة الصغيرة اللي كنت بـ بوسها فيها وهي عيلة عندها سنتين..
كانت لابسة عباية بيتي بسيطة، وشعرها ملموم لورا، وفي إيدها فوطة مطبخ.. وقفت على أول الصالون، وعيونها وسعت بـ ذهول وصدمة وهي شايفا الباشا الكبير لزقان في الحيطة، ودكتور شريف راكع على الأرض، وممرض بـ بدلة كحلي ماسك في إيده مطواة..
ـ سليمان بيه؟.. في إيه؟.. مين دول؟ — البت سألت بـ صوت مرعوب.. الصوت ده رن في ودني وفي قلبي زي الأذان.. صوت مريم.. بنتي.
عيني دمعت لأول مرة من سنين.. الغل اللي في قلبي داب في ثانية وحل مكانه وجع وأمل ولهفة متبكيش غير أم.. بصيت لها من غير ما أشيل السكينة من على رقبة سليمان:
ـ مريم؟.. إنتِ مريم عبد الرحمن؟
البنت اتخضت لما سمعت اسمها الحقيقي اللي مفيش حد في الفيلا دي يعرفه.. رجعت خطوة لورا وحطت إيدها على صدرها:
ـ إنت.. إنت مين؟.. وعرفت اسمي منين؟.. أنا اسمي هدير!
ـ إنتِ مش هدير يا قلب أمك.. — قولت لها بـ صوت مخنوق بالدموع بس حازم.. “إنتِ مريم.. مريم اللي اتخطفت من حضني في المطر وهي عندها ١٥ سنة.. مريم اللي عشت عمري كله بـ ألف الدنيا عشان أرجعها.. بصي في وشي يا مريم.. بصي لـ عيوني.. أنا أمك يا بنتي.. أنا نادية.”
مريم اتسمرت في مكانها.. الفوطة وقعت من إيدها على الأرض.. بدأت تبص لـ ملامح وشي بـ تركيز، وعيونها بدأت تملى دموع.. الذكريات القديمة، الوش اللي كانت بتشوفه في أحلامها كل ليلة وهي بتعيط في الضلمة، الملامح اللي الحيتان دول حاولوا يمسحوها من ذاكرتها بـ الأسامي المضروبة والقضايا المتلفقة.. كل حاجة رجعت في ثانية..
ـ أمي؟.. ماما نادية؟ — قالتها بـ صوت مكسور وزي العيل الصغير اللي لقى لُعبته الضايعة.. خطت خطوة لقدام وهي مش مصدقة.
ـ خليكي مكانك يا مريم م تقربيش! — قولت لها بسرعة وأنا بـ ثبت سليمان بيه اللي حاول يستغل اللحظة ويتحرك.. “خليكي واقفة عندك يا بنتي.. حكايتنا لسه مخلصتش مع الراجل ده.. الباشا لازم يدفع ثمن السنين دي كلها.. بس بـ العدل.”
سليمان بيه بدأ يتكلم بـ سرعة وهو شايف إن البت ظهرت:
ـ أهو.. البت عندك أهي حية مفيهاش خدش.. خديها وامشي ب برة الفيلا.. وأنا بوعدك مش هبلغ عنك.. ولا هخلي حد يتبعك.. خديها وغوري من هنا!
ضحكت بـ مرارة:
ـ أمشي؟.. وأخرج من البوابة عشان رجالتك يضربونا بـ النار؟.. أو أخرج بره وتلفق لي ق*ضية هروب من السجن وأقضي بقية عمري ورا القضبان وبنتي تضيع تاني؟.. لأ يا سليمان بيه.. أنا قولت لك.. أنا قارية كتابك.. والنهاية هنا مش هتبقى بـ شروطك.. النهاية هتبقى بـ شروط العدل اللي إنت نسيتها.”
بصيت لـ دكتور شريف اللي كان لسه راكع وقولت له بـ أمر:
ـ اخلص يا دكتور.. شيل إيدك من على بؤك وقوم اقف.. طلع تليفونك المحمول من جيبك دلوقتي.
الدكتور قام وهو بـ يترعش وطلع التليفون:
ـ حاضر.. حاضر.. عايزاني أطلب مين؟
ـ اطلب النجدة.. واطلب المستشار “رأفت الجبالي”.. المحامي العام.. الرقم بتاعه مسجل عندك أكيد بـ سبب خدماتك وشغلك مع الحيتان.. اطلبه وخليه ييجي هنا بـ نفسه.. وقوله إن في مصيبة في فيلا سليمان بيه تخص شبكة التجارة بالبشر وقضايا السجن المتلفقة.. وإنت بـ نفسك اللي هتعترف بـ كل حاجة قدامه دلوقتي.. لو رفضت، السكينة دي هتخلص على البيه، وهتكون إنت الشريك الأول في الق*تل.
سليمان بيه صرخ بـ غضب مرعوب:
ـ إنتِ هتدمريني يا نادية!.. هتدمري السجن والمستشفى والكل!
ـ هدم السجن باللي فيه يا سليمان.. — قولت له وأنا بـ ضغط بـ سن المطواة أكتر لدرجة إن خيط دم رفيع نزل على رقبتة.. “السجن اللي بيدخله الأبرياء عشان الحيتان تعيش، لازم يتهد.. إخلص يا شريف.. اطلب!”
الدكتور طلب الرقم بـ إيد بتترعش، وفتح الاسبيكر.. ثواني وجاء الصوت من الناحية التانية.. الدكتور اتكلم بـ لجلجة بس بـ كشف كل حاجة:
ـ سعادة المستشار.. أنا دكتور شريف الهواري.. أنا واقف دلوقتي في فيلا سليمان بيه في المعادي.. في مصيبة هنا يا فندم.. شبكة السجن والمستشفى اتكشفت.. وفي ست هنا معاها كل المستندات والاعترافات وهتموتنا لو الشرطة والنيابة مجتش فوراً بـ قـوات كبـيرة.. الحقنا يا فندم!
المستشار من الناحية التانية صوته اتغير وعـرف إن الموضوع أكبر من مجرد بلاغ عادي:
ـ خمس دقائق والقوات هتكون عندك يا دكتور.. محدش يتحرك من مكانه!
الخط قفل.. الصالون رجع فيه السكون من تاني.. مريم كانت واقفة بتبص لي بـ دموع وذهول، وأنا كنت واقفة بـ طولي، ماسكة سليمان بيه بـ إيد، والمطواة بـ الإيد التانية.. والدكتور راكع جمبنا.. الخمس دقائق دول كانوا بـ النسبة لـ سليمان بيه كأنهم سنة.. كان شايف إمبراطوريته وفلوسه واسمه وجبروته بـ يتهدوا قدام عينيه بـ سبب أم مبيخوفهاش الموت.
بعد عشر دقائق بالظبط.. صوت سارينات عربيات الشرطة ضرب في شارع ٩ بـ قوة.. الشارع كله اتقلب بـ الضوء الأحمر والأزرق.. سمعنا صوت كسر البوابة الحديد الخارجية، ودخول قوات الأمن المركزي والعمليات الخاصة للفيلا.. الباب الزجاجي الكبير اتكسر، ودخل الضباط والعساكر بـ أسلحتهم ومصوبينها علينا..
المستشار رأفت الجبالي دخل وراهم بـ جلبة كبـيرة، وبص للمشهد بـ صدمة..
نادى عليا بـ صوت عالي:
ـ نزلي الس*لاح يا ست إنتِ!.. المكان كله محاصر.. البيه هيموت في إيدك!
بصيت للمستشار بـ عيون ثابتة وهادية وقولت بـ صوت عامي عالي سمعه الصالون كله والقوات بره وجوه:
ـ الس*لاح ده مش هينزل يا سيادة المستشار.. غير لما دكتور شريف يعترف بـ كُل حاجة قدامك.. قدام الضباط دول.. ويعترف بـ الق*ضية المضروبة اللي عملها لي الظابط عادل في السجن.. ويعترف بـ اسم بنتي مريم اللي مسمينها هدير.. لو الاعتراف متمش رسمي دلوقتي والمحضر اتكتب هنا.. البيه ده مش هيعيش ثانية واحدة.. وأنا جاهزة للموت!
المستشار رأفت بص لـ دكتور شريف وأمره بـ حسم:
ـ اتكلم يا شريف!.. قول كل حاجة فوراً!
الدكتور انهار تماماً، وبدأ يتكلم بـ صريخ ودموع:
ـ هقول.. هقول كل حاجة!.. سليمان بيه هو الراس الكبيرة.. هو اللي بيدير شبكة تهريب البنات من سجن النساء بالاتفاق مع المعلمة فايزة والظابط عادل.. البنات بتخرج بـ تقارير وفاة وهمية وبتروح مستشفى دار الشفاء، ومن هناك بـ نوزعهم على الفلل والبيوت لحساب ناس كبار.. البت دي اسمها مريم، وهي بنت الست نادية.. وإحنا اللي زورنا ورقها وعملنا لها قض*ية سرقة.. والست نادية ملهاش دعوة بـ المخدرات، الظابط عادل هو اللي قفل الق*ضية عليها عشان يدفن الحقيقة.. كل حاجة مسجلة في دفاتر المستشفى السرية في مكتبي.. وحياة أولادي أنا مجرد عبد المأمور!
الضباط والكتبة كانوا بـ يسجلوا كل كلمة بـ صدمة وذهول.. المستشار رأفت هز راسه بـ أسى وغضب، وبص لي:
ـ الاعتراف تم يا نادية.. والنيابة العامة استلمت الق*ضية.. سليمان بيه ودكتور شريف والظابط عادل وكل الشبكة دي هيتحبسوا الليلة دي.. وحقك وحق بنتك هيرجع بـ القانون والعدل.. نزلي السل*اح بقا يا بنتي.. خلاص.. الحكاية خلصت.
بصيت لـ سليمان بيه بـ نظرة سخرية أخيرة.. وزقيته بـ إيدي الشمال لـ قدام.. الراجل وقع على السجادة وسط العساكر اللي هجموا عليه وكلبشوا إيديه بـ غل.. ودكتور شريف اتمسك هو كمان والكلبشات حزمت إيديه النعمة..
المطواة المسنونة وقعت من إيدي على الأرض.. وعملت رنة عالية.. الرنة دي كانت بـ النسبة لي هي صوت انتهاء السنين الضلمة.. صوت كسر القيود اللي كانت حازمة قلبي وروحي لـ ١٥ سنة.
لفيت وشي بـ الراحة.. مريم كانت واقفة ودموعها مغرقة وشها السمرا الجميل.. خطيت خطوة.. وهي خطت خطوة.. وفي نص الصالون الفخم اللي شهد على قهر السنين.. ارتمينا في حضن بعض.
الحضن ده مكنش حضن عادي.. ده كان الإفراج الفعلي لـ روحي.. ريحة مريم.. نفس مريم.. دقات قلبها وهي بتعيط في كتفي وبتقول: “ماما.. وحشتيني يا ماما.. كنت عارفة إنك هتيجي”.. كانت بـ النسبة لي بـ الدنيا باللي فيها.
نظرت من فوق كتفها لـ برا الفيلا.. الشمس كانت لسه مطلعتش، بس الفجر بدأ يشق الضلمة بـ نور أبيض ونظيف.. نور العدل اللي أخد وقت طويل عشان يظهر.. بس في الآخر.. ظهر ونسف الجحيم كله.
أنا مش نادية عبد الحميد.. وأنا مش سجينة.. أنا الأم اللي حاربت الوحوش في جحورهم.. وخرجت بـ ضناها.. حرة.. وراسها في السما!
تمت بحمد الله
**#حكايات_مني_السيـد**
