جميله ومحترمه حكايات رومانى مكرم 2

تسمّرت في مكاني، والدم تجمد في عروقي وأنا أنظر إلى فوهة الطبنجة الموجهة لرأس ليلى. كانت تتنفس بصعوبة، لكن عينيها كانت تطلق شرارات تحدٍّ غريبة رغم الموقف.

الرجل الضخم الذي تحدث إليّ تقدم خطوتين إضافيتين داخل الغرفة، وبدأ يقلب في الأوراق التي كانت على المكتب بخفة، ثم التفت إليّ وقال ببرود مرعب:

— سبع سنين وإحنا قالبين الدنيا على الشريط ده والورق اللي مع البنت دي.. مكانش العشم يا كيمو، تقف تحت الشمس ٣ ساعات وتجيبنا وراك لحد هنا على الجاهز؟

في تلك اللحظة، أدركت الفخ المرعب الذي وقعنا فيه. ليلى لم تكن تختبرني لمجرد التسلية، بل كانت تحاول حمايتي، لكن هؤلاء “الحيتان” كانوا يراقبون تحركاتها هي منذ البداية، وانتظروا اللحظة التي تقودهم فيها إلى وكر آدم القديم.

قلت بنبرة حاولت جعلها متماسكة رغم الرعب الذي ينهش داخلي:

— أنتوا عايزين إيه؟ آدم مش هنا.. والورق ده ملوش قيمة لو هو مش موجود.

ضحك الرجل الآخر الذي يمسك بليلى بصوت أجش وقال:

— الورق ده هو اللي هيقفل قضية قديمة بتمس أسماء كبيرة في البلد.. وبوجودك أنت والبنت دي، هنضمن إن محدش هيفتح بقه تاني واصل.

تحرك الرجل الذي أمامي ليأخذ جهاز التسجيل والشريط، وفي جزء من الثانية، ولمح لمح البصر، رأيت ليلى تغمز لي بعينها وتتحرك بحركة مباغتة؛ ضـ,ـربت الرجل الممسك بها بكعب حذائها بقوة في قصبة رجله. الرجل صرخ من الألم واختل توازنه، وفي نفس اللحظة صرخت فيّ ليلى بأعلى صوتها:

— اِجرِي يا كريم.. المخرج من وراك!

لم أفكر. اندفعت بكل قوتي نحو النافذة المكسورة التي كان يمر منها شعاع الشمس، ألقيت بجسدي من خلالها مضحياً بالقرص الزجاجي المتبقي الذي جـ,ـرح ذراعي. سقطت على الرمال بالخارج، وسرعان ما سمعت صوت إطلاق نار دَوى داخل الغرفة المظلمة، تبعه صراخ ليلى.

قلبي انخلع من الخوف عليها، لكن غريزة البقاء والمسؤولية جعلتني أقف على قدمي بسرعة جنونية. لم ألتفت ورائي، وركضت وسط أشجار المزرعة المهجورة الكثيفة وأنا أسمع خطوات الثقيلة للرجلين خلفي وصياحهما يملأ المكان.

كنت أركض وأنا أتحسس جيبي.. الحمد لله، هاتفي ما زال معي، والظرف الأبيض الذي يحتوي على صورتي القديمة وجملة ليلى الغامضة ما زال مطوياً في صدري.

استمررت في الركض حتى وصلت إلى نهاية أسوار المزرعة، والأنفاس تكاد تنقطع من صدري. ارتميت خلف كومة من جذوع الأشجار اليابسة لأختبئ، وأخرجت هاتفي بسرعة لأطلب النجدة، لكنني تجمدت تماماً عندما وجدت شاشة الهاتف تضيء برسالة نصية وصلتني الآن من رقم ليلى!

فتحت الرسالة بسرعة وأنا أرتجف، لتكون الصدمة أكبر من قدرتي على الاستيعاب:

“لو هربت منهم.. متكلمش الشرطة يا كريم. دور على العسكري القديم اللي كان واقف في صورتك من ٧ سنين.. هو الوحيد اللي معاه مفتاح مكان آدم الحقيقي. السر في الصورة!”

انكتمت أنفاسي وأنا أقرأ الرسالة، وصوت خطواتهما العنيفة يقترب من مخبئي. وضعت الهاتف في جيبي وأخرجت الصورة القديمة بيد ترتعش من الأدرينالين والخوف. نظرت إليها بتركيز تحت ضوء الشمس الحارق الذي بدأ يغيب.

سبع سنوات وأنا أظنها مجرد صورة تذكارية التقطها لي آدم في أرضهم القديمة بالبلد، لكن التدقيق فيها الآن كشف لي ما لم ألاحظه أبدًا. في خلفية الصورة، بعيدًا وراء ظهري، كان هناك كشك حراسة خشبي متهدم، ويقف بجواره عسكري مروري قديم يمسك بيده دفترًا صغيرًا ويوجه نظره نحو الكاميرا مباشرة.

“عم كامل!”.. نطق عقلي بالاسم فجأة كشرارة كهربائية. كان هذا الرجل هو العسكري المعين لحراسة تلك المنطقة لسنوات، وكان صديقًا لوالد آدم، واختفى هو الآخر عن الأنظار بعد الحـ,ـادثة بفترة قصيرة وعاد لبلدته في قريتنا بأسيوط.

— “هو غار في داهية فين؟ دور وراك في الشجر!”

صوت الرجل الضخم قطع حبل أفكاري وهو يقترب بشدة. حسمت أمري؛ انحنيت وزحفت بين الأحراش الكثيفة مستغلاً معرفتي بطبيعة الأراضي الزراعية، حتى وصلت إلى السور الخارجي البعيد للمزرعة. قفزت من فوقه وألقيت بنفسي في مجرى مائي جاف، وظللت أركض فيه حتى وصلت إلى الطريق العمومي، وأشرت لأول سيارة نصف نقل مرت بالطريق.

ارتميت في صندوق السيارة الخلفي وأنا ألهث، جروح ذراعي تنزف، وعقلي يدور حول ليلى.. هل قتلوها؟ أم احتجزوها؟ صوت الرصاصة ما زال يرن في أذني، لكن وصيتها كانت واضحة: *لا تتصل بالشرطة.. السر في الصورة.*

بعد ساعات طويلة ومتعبة، وصلت إلى حدود محافظة أسيوط. كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل عندما دخلت القرية القديمة التي يعيش فيها “عم كامل” بعد تقاعده. البيوت طينية وهادئة، والظلام يلف المكان.

سألت أحد الخفراء في أول القرية عن منزله، فأشار لي بريبة إلى بيت صغير معزول في نهاية الممر الضيق.

توجهت إلى هناك، وطرققت الباب الخشبي دقات متتالية ومهتزة. مرت دقيقة كاملة كأنها دهر، حتى فُتح الباب ببطء، ليظهر من خلفه رجل عجوز، غزت التجاعيد وجهه، وشعره أبيض بالكامل، لكن عينيه كانت حادة ومستيقظة. إنه هو.. عم كامل.

نظر إلى وجهي المجهد، وإلى دمائي، ثم هبطت عيناه إلى يدي التي كانت ما زالت تقبض على الصورة القديمة. انفرجت شفتاه عن ابتسامة مريرة وقال بصوت مبحوح:

— “تأخرت سبع سنين يا كريم.. ليلى قالت لي إنك هتيجي، بس مكانتش تعرف إنهم هيوصلوا لها قبلك.”

تراجعت خطوة للخلف وقلت بلهفة:

— “عم كامل.. ليلى في خطر، وآدم.. آدم عايش؟ فين مكان الورق وفين آدم؟”

تنحى الرجل العجوز جانبًا وأشار لي بالدخل وهو يقول بنبرة تحمل ثقل الأسرار:

— “ادخل يا ابني واقفل الباب وراك.. ليلى مضحية بنفسها عشان اللحظة دي. آدم مش في المزرعة، ولا في أسيوط كلها.. آدم تحت عينيهم في مكان عمر ما يخطر على بال الجن الأزرق، والنهاردة بالليل.. كل شيء هينتهي، يا هنعيش كلنا.. يا هنمـ,ـوت كلنا.”

أغلقت الباب خلفي بقوة، والتفتُّ إلى عم كامل وعقلي يكاد ينفجر من شدة التوتر. وضع الرجل العجوز يده على كتفي وقال بنبرة حاسمة:

— “آدم عايش يا كريم.. ومحبوس في مكان مفيش مخلوق يقدر يشك فيه. آدم محبوس في القبو السري تحت بيت ليلى نفسه! البيت اللي أنت روحت تتقدم لها فيه!”

صعقتني الكلمة، وتراجعت للخلف وأنا لا أصدق ما أسمع:

— “تحت بيت ليلى؟! إزاي؟!”

قال عم كامل وهو يخرج مفتاحًا حديديًا قديمًا من جيبه:

— “الحيتان دول لما قلبوا الدنيا عليه من 7 سنين، آدم مالقاش مكان يستخبى فيه غير بيت ليلى، لأنهم عارفين إن عمها مخلفش بنات وهي عايشة لوحدها ومحدش يعرفها. هما افتكروا إنه هرب بره مصر، لكن هو كان تحت أرضهم وبيراقب تحركاتهم من خلال شبكة كاميرات زرعتها ليلى في مكاتبهم. الـ 3 ساعات اللي وقفتهم في الشمس، كانت ليلى بتسلمني فيها النسخة الأخيرة من المستندات اللي تدينهم كلهم بعد ما اتأكدت إنك مش مراقب، والرسالة اللي جاتلك من تليفونها مكنتش هي اللي كاتباها.. ده هما اللي بعتوها من تليفونها بعد ما خطفوها عشان يشتتوك ويبعدوك عن البيت!”

شعرت بقشعريرة تجتاح جسدي. الخطة كانت عبقرية، لكن هؤلاء المجرمين استطاعوا كشف جزء منها.

لم نضيع ثانية واحدة. تحركت مع عم كامل بسيارته القديمة، وقبل الفجر بنصف ساعة كنا قد وصلنا إلى العمارة التي شهدت أول لقاء لي مع ليلى. كانت المنطقة هادئة تمامًا. تسللنا عبر الباب الخلفي للعمارة وصعدنا إلى الشقة.

كان الباب مفتوحًا على مصراعيه، والمنزل مقلوب رأسًا على عقب. وبإرشاد من عم كامل، توجهنا إلى غرفتها، ودفعنا خزانة الملابس الخشبية الكبيرة ليتضح خلفها باب حديدي صغير مؤدي للقبو.

نزلت السلالم المظلمة وقلبي يدق كطبول الحرب، وما إن وصلنا إلى نهاية القبو حتى رأينا مشهدًا يحبس الأنفاس؛ ليلى كانت مقيدة إلى كرسي والدماء تسيل من وجهها، وأمامها يقف الرجلان الضخمان، وأحدهما يضع جهاز فلاش ميموري في حاسوب آدم السري لينسخ الملفات ويمسحها للأبد!

— “أثبت مكانك منك ليه!”

صرخ عم كامل بصوت هز أركان القبو، وهو يشهر طبـ,ـنجته القديمة التي احتفظ بها منذ أيام خدمته.

التفت الرجلان بفزع، وفي جزء من الثانية، اندفعت أنا بكامل ثقلي وجسدي المنهك نحو الرجل الذي كان يحاول سـ,ـرقة الملفات، وأطحت به أرضًا. دارت بيننا معركة شرسة تداخلت فيها الدماء بالغيظ الساخر الذي كتمته طوال الأيام الماضية. وفي نفس الوقت، أطلق الرجل الآخر رصاصة طاشت في الهواء قبل أن يتمكن عم كامل من شل حركته برصاصة في قدمه أسقطته صارخًا.

ثبتُّ الرجل الذي تحتي بـ,ـضـ,ـربة حاسمة، ثم ركضت نحو ليلى وفككت قيدها. كانت تتنفس بصعوبة لكنها ابتسمت وسط دموعها وقالت:

— “كنت عارفة إنك غبي ومش هتفهم الإشارة، بس طلعت جدع وجيت في الوقت المناسب.”

وفجأة، تحرك جدار خشبي وهمي في نهاية القبو، ليخرج منه رجل ملتحٍ، شاحب الوجه، نحيل الجسد، لكن عينيه هما نفس العينين اللتين لم تفارقا خيالي لسبع سنوات… إنه “آدم”!

ارتميت في حضنه وامتزجت دموع الرجال بصرخات النصر. أخرج آدم الهاتف المتصل بالإنترنت وقال وعيناه تلمعان:

— “الملفات اتمسحت من الجهاز هنا فعلاً يا كريم.. بس النسخة الأصلية اتبعتت حالاً للنائب العام لايف من تليفوني. الحيتان خلاص شبكتهم اتقطعت.”

مع خيوط الفجر الأولى، كانت سيارات الشرطة تحاصر المنطقة بالكامل وتلقي القبض على أفراد العصابة، بينما كنا نقف أنا وآدم وليلى وعم كامل على رصيف الشارع ونسمع أصوات السرينات وهي تبتعد.

التفتُّ إلى ليلى، رغم التعب والجروح، وقررت أن أستعيد كبريائي الذي ضاع تحت الشمس، فنظرت إليها وقلت:

— “طب بذمتك.. بعد كل اللي حصل ده، مش أنا برضه أول واحد خلاكي تفكري في موضوع الجواز؟”

ضحك آدم بصوت عالٍ، بينما نظرت إليّ ليلى بابتسامتها الذكية التي سحرتني أول مرة، وقالت وهي تمسح الدماء عن وجهها:

— “بصراحة.. الشمس أثرت على دماغك يا كريم، روح بيتك بقى!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *