وجد الخادمه ع كرسيه حكايات صافي هاني

قفش عاملة النظافة نايمة على كرسيه اللي ممنوع حد يلمسه.. وفجأة قالتله ست كلمات خلت المليونير وشه يتخطف ويقلب ألوان!
باب الدور ال 38 اتقفل هبد.
بس مش ده كان أعلى صوت في المكان.
أعلى صوت كان منظر الست اللي نايمة في أغلى كرسي جلد في المبنى كله، كأن جسمها خلاص انهار ومبقاش فيه حيل.
طارق الشناوي وقف مكان مبيتحركش.
الكرسي ده كان خط أحمر، حاجة كدة مقدسة. قاعدة من غير كلام كل اللي شغالين في شركته الشناوي جروب عارفينها كويس ومستحيل حد يتجرأ يكسرها. محدش بيقعد عليه، ولا حتى بيقربوا منه إلا لو عايزين يترحموا على لقمة عيشهم.
طارق كان ممشي شركته في جاردن سيتي زي الساعة. من نوعية الرجالة اللي يظبط برواز مايل بالمسطرة. راجل عايش بالورقة والقلم، بيحب الهدوء، والناس بتبلع ريقها من الخوف أول ما يلمحوه ماشي في الممر.
الوقت كان متأخر يوم الجمعة بالليل. رجع المكتب عشان يقفل شغل الأسبوع زي عادته.. كل حاجة تحت السيطرة وتحت عينه.
إلا إن أنوار المكتب كانت لسه قايدة.
وفي حد كسر القاعدة الوحيدة اللي عمرها ما اتكسرت.
الست كانت لابسة اليونيفورم الأزرق بتاع النظافة. الكارنيه بتاعها كان مايل، وتوكة شعرها كانت فكت وسابت من ساعات. إيديها كانت مفرودة على مساند الكرسي وكأن العالم لأول مرة في اليوم ده داس على زرار الإيقاف.
طارق حس بدمه بيغلي والدموية ضربت في عروقه.
خد تلات خطوات لقدام.
وبإيد ناشفة، حطها على كتفها.
من غير أي حنية.
فتحت عينيها مخضوضة.
بس متزتتش ولا خافت.
اتعدلت في قعدتها، وخدت نفس طويل، وبصت في عينه كأنها مش مستنية إذن من حد عشان تعيش.
مبنش على وشها أي قلة أدب أو تناحة.
كل اللي كان باين هو الهلاك.. وعزة نفس غريبة

خلت طارق مش عارف يتصرف إزاي.
قالتله بصوت ثابت وثقة أنا شغالى بقالي تمنتاشر ساعة.. لو عايز تكلشني كلشني، بس رجلي مكنتش شايلاني ولازم أقعد.
طارق بربش بعينه كأنه خد قلم على وشه.
تمنتاشر ساعة!
فضل يبص في وشها بيدور على أي سهوكة أو فيلم هندي.. يدور على الحجج اللي الناس بتقولها أول ما تتقفش.
ملقاش أي حاجة من دي.
كل اللي شافه وش باهت ومجهد لبني آدم واقف على رجله طول اليوم. هدوء حد مسلم أمره لله ومستعد يخسر أي حاجة.
سألها بنبرة مفيهاش بقى لغة السيطرة والتحكم اسمك إيه؟
رضوى السيد.
بقالي يومين هنا.. ونايمة على الكرسي بتاعي؟
رضوى رفعت راسها فوق، مش تناحة برضه، بس حقانية.
النهارده المشرف شغلني تلات أدوار ورا بعض عشان وردية بالليل مجتش. أنا صاحية وشغالة من ستة الصبح. رجلي مكنتش حاسة بيها. مكتب حضرتك خلصته ومبقاش فيه الهوا.. وأنا خلاص، جسمي هنج.
طارق بص حواليه.
المكتب كان بيبرق. مفيش ورقة مش في مكانها. الزجاج مفيش عليه الهوا. مكتبه كأنه متصور في مجلة.
ال لخبطة الوحيدة اللي كانت موجودة، إن جسم الست دي ملقاش طاقة تخليه يكمل.
ومطلبتيش بريك ليه؟
ضحكت ضحكة مكسورة ومريرة ظهرت واختفت في ثانية كأنها وجع.
عشان المشرف قالي كلمتين تخلصي، يا إما متجيش يوم الأحد.
طارق سكت ومبقاش ينطق.
ده مش نظام شغل.
ده تهديد وقطع عيش.
وطارق بيفهم في التهديد كويس.
ياما عملها قبل كدة بالقرارات والمواعيد والضغط الصامت اللي مش محتاج زعيق. بس دي كانت أول مرة يشوف فيها الوجع الحقيقي للضغط ده.. لما يقع على حد غلبان مفيش في إيده أي حيلة ولا يقدر يقول لأ.
سألها بياخدوا كام في اليوم؟
قالت مية وخمسين جنيه.. ده لما بيرضوا يدفعوا أصلاً.
ريق طارق نشف وحس بغصة في حلقه.
افتكر القلم اللي في درجه اللي تمنه يعدي آلاف ومبيكتبش بيه. افتكر التلاجة اللي في شقته الفاضية المليانة أكل مبيلمسهوش. افتكر إزاي كان دايماً فاكر إن الدنيا لازم تفضل واقفة على رجلها علشانه، حتى لو الناس الغلابة لازم تتفرم عشان تشيلها.
قالها اقفي.
رضوى وقفت في ثانية، ومستنية بقى تتهزأ أو يطردوها برة المبنى زي الزبالة.
طارق فضل باصص لرضوى وهي واقفة مستنية حكم الإعدام. ملامح وشها كانت بتقول إنها متوقعة ينده الأمن يرميها برة، أو على الأقل يسمعها كلمتين يسمّوا البدن.
بس طارق عمل حاجة عمره ما تخيل إنه يعملها.
مشي لغاية مكتبه، فتح الدرج، وطلع المحفظة الجلد بتاعته. سحب منها رزمة فلوس، ومشي ناحيتها ومسك إيدها المجهدة الشقيانة، وحط الفلوس في كفها وقفل صوابعها عليها.
رضوى بصت للفلوس وبصتله وهي مش فاهمة، وعينيها لمعت بالدموع أنا مش بشحت يا بيه.. أنا قولت لحضرتك أنا اشتغلت وتعبت.
طارق هز راسه بسرعة وقالها ونبرته اتغيرت تماماً وبقت هادية عارف.. ودي مش شحاتة. دي مكافأة من صاحب الشركة شخصياً عشان مكتبه مكنش بالنظافة دي قبل كدة. وال 150 جنيه اللي بتخديها دي مأساة مش هسمح بيها تاني في شركتي.
رضوى بلعت ريقها وبصت في الأرض.
طارق كمل كلامه تقدري تروحي دلوقتي، ويوم الأحد الصبح تجيلي على مكتب المدير الإداري.. المشرف بتاعك ده حسابه معايا أنا، ومن أول الأسبوع إنتي هتمسكي الإشراف على أدوار الإدارة هنا، بمرتب آدمي يخليكي تشتغلي وإنتي مرتاحة.
رضوى عيطت من الفرحة، ورفعت إيديها للسما وقالت ربنا يجبر بخاطرك يا بيه.. ويرزقك من وسع ويسدد خطاك.
الدعوة دي خبطت في قلب طارق زي السحر. لأول مرة يحس إن الفلوس والنفوذ ليهم لازمة بجد، مش بس عشان يشتري بيهم قلم غالي أو يفرض بيهم سيطرته، لا.. عشان يكونوا سبب في إنه ينقذ بني آدم من القهر.
شاور لها بابتسامة خفيفة وقالها اتفضلي روحي ارتاحي.. وتاني مرة لو تعبتي، اقعدي على الكرسي وإنتي مطمنة، محدش هيقدر يكلمك.
خرجت رضوى من المكتب وهي حاسة إن ربنا طبطب عليها في أكتر وقت كانت فيه مكسورة. وطارق قعد على مكتبه، بص للكرسي الفاضي، ولأول مرة يحس إن مكتبه منور بجد.. مش باللمبات، ببركة دعوة ست غلبانة.
بعد ما رضوى مشيت، طارق فضل قاعد في مكتبه والسكوت مالي المكان، بس السكوت المرة دي مكنش يصحّي الخوف في القلوب زي عادته، كان سكوت رايق وفيه راحة بال ملقهاش من سنين.
بص للساعة لقاها دخلت على واحدة بعد نص الليل. مسك تليفونه وطلب رقم حازم، مدير الموارد البشرية في الشركة.
تاني رنة وحازم رد وصوته كله نوم ومخضوض أهلاً يا طارق بيه! خير يا فندم في حاجة حصلت في الشركة؟
طارق قال بصوت حازم ومن غير مقدمات يوم الأحد الساعة تسعة الصبح، المشرف بتاع شركة النظافة اللي ماسك أدوار الإدارة يكون عندي في المكتب. وتجيبلي معاك العقد بتاع شركة النظافة دي عشان هنفسخه، ومن الأحد الصبح عمال النظافة كلهم هيتعينوا تبعنا تثبيت مباشر بمرتبات آدمية وتأمين طبي.. إنت سامعني يا حازم؟
حازم اتعدل في سريره وبربش من الصدمة سامعك يا فندم.. بس ده هيكلف الميزانية…
طارق قاطعه بنبرة قاطعة الميزانية تستحمل، والشركة مش هتقع لو عطينا الناس حقوقها بما يرضي الله. كمان تعملي قرار تعيين للست رضوى السيد ك مشرف عام على أدوار الإدارة بمرتب محترم.. تنفذ الكلام ده أول ما تدوس رجلك الشركة.
قفل طارق الخط وقام وقف ومشى ناحية الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف القاهرة كلها من فوق. أنوار البيوت والشوارع

كانت منورة في الضلمة زي الذهب.
افتكر زمان أول ما بدأ حياته، لما كان بيطحن نفسه ومبينامش عشان يعمل قرش، وافتكر إزاي لما الدنيا أعطته وفتحت في وشها، نسى شكل التعب ونسى طعم الحوجة، لدرجة إنه بقى يشوف الناس مجرد تروس في مكنة بتجيبله فلوس.
حط إيده في جيبه وطلع السبحة الخشب القديمة اللي كان واخدها من والده الله يرحمه، ومبقاش يمسكها من زمان. بدأ يسبّح ويستغفر ربنا وهو باصص للسما، وحس بإن صدره انشرح والدنيا صغرت في عينه.
لم عزلته وقفل النور، وقبل ما يقفل باب المكتب، بص للكرسي الجلد الكبير.. ابتسم لأول مرة من قلبه وخرج، وهو عارف إن الليلة دي مكنتش مجرد ليلة عادية، دي كانت الليلة اللي ربنا أنقذه فيها من الغرور ببركة دعوة ست غلبانة سجدت وشكرت ربنا في جوف الليل.
يوم الأحد الصبح، الساعة كانت تمنية ونص.
الشركة بدأت تملى بالموظفين، والحركة رجعت تدب في الممرات. بس الأجواء في الدور ال 38 كانت مشحونة بقلق غريب. حازم مدير الموارد البشرية كان واقف قدام باب مكتب طارق بيه والورق في إيده بيرتعش، وجنبه ممدوح مشرف شركة النظافة، راجل منفوخ على الفاضي، واقِف يعدل في جاكتته ومفتكر إن طارق بيه طالبه عشان يرقيه أو يشتكيله من حد.
في نفس اللحظة، الأسانسير فتح وخرجت منه رضوى. كانت لابسة عباية نظيفة ومحتشمة، ووشها غسلان ومرتاح، بس عينيها كانت بتلف في المكان بخوف وقلق من المجهول. أول ما ممدوح شافها، برّق لها ووشه قلب ألوان، وراح عليها يوشوشها بغل إنتي إيه اللي جابك هنا يا بت؟ مش قولتلك لو ورّيتيني وشك تاني هقطع عيشك؟
رضوى رجعت خطوة لورا وسكتت، بس قبل ما ممدوح يكمل كلامه، باب مكتب طارق اتفتح.
طارق خرج، بكامل هيبته وبدلته الشيك. بصلهم بنظرة واحدة خلت ممدوح يبلع لسانه في ثانية. طارق شاور لرضوى وقال بصوت مسموع للدور كله اتفضلي يا أستاذة رضوى، نورتي شركتك.
دخلوا المكتب. طارق قعد ورا مكتبه، وحازم وممدوح واقفين، ورضوى واقِفة وراهم بكسوف.
طارق بص لممدوح وقال ببرود يرعب إنت ممدوح؟ المشرف اللي بيشغّل الناس تمنتاشر ساعة وبيهددهم بقطع العيش لو تعبوا؟
ممدوح اتهزهز وبدأ يتلعثم يا طارق بيه.. الشغل شغل، والناس دي لو رخيت معاهم ومستكتهمش بإيدك مش هيشتغلوا، وأنا بعمل كدة لمصلحة الشغل ول…
طارق خبط بإيده على المكتب خبطة واحدة هزت الأوضة مصلحة الشغل مبتتبنيش على قهر الناس وظلمهم! اللقَمة اللي بتيجي من عرق ودموع الغلابة دي مفيهاش بركة.. وإحنا هنا بنخاف ربنا في أكل عيشنا.
بص لحازم وكمل كلامه بلهجة قاطعة حازم.. العقد بتاع شركة النظافة يتلغي فوراً من النهارده ويتحملوا الشروط الجزائية. وكل العمال اللي تبعهم في مبنى الإدارة ينقلوا على قوتنا بعقود تثبيت، ومرتباتهم تترفع للضعف عشان يعيشوا عيشة كريمة.
ممدوح وشه جاب مية حمرة ومية بيضة، وعرف إن سبوبته وطغيانه انتهوا. طارق شاورله اتفضل برة.. ومبني الشناوي جروب كله متتبتش فيه رجلك تاني.
خرج ممدوح يجر أذيال الخيبة، والتفت طارق لرضوى اللي كانت واقفة وعينيها مليانة دموع مش مصدقة اللي بيحصل. طارق ابتسم وقالها ألف مبروك يا أستاذة رضوى.. من النهارده إنتي المشرفة المسؤولة عن دور الإدارة هنا، وتعيينك مباشر من الشركة. والمكتب ده مكتبك، والكرسي ده لو تعبتي في أي وقت.. اقعدي عليه وإنتي راسك في السما.
رضوى ملقيتش كلام تقوله من كتر الفرحة والجبر، نزلت على ركبها وسجدت لله سجدة شكر طويلة على أرض المكتب، دموعها نزلت على السجاد وهي بتقول الحمد لله.. الحمد لله يا رب يا جابر الخواطر.
طارق وهو باصص ليها وهي ساجدة لربنا، حس برعشة في قلبه وبراحة نفسية وعمق حقيقي لعمره ما عاشه قبل كدة. عرف إن الثروة الحقيقية مش في حسابات البنوك، الثروة الحقيقية هي إن ربنا يستعملك عشان تقيم العدل وتكون سبب في فرحة بني آدم غلبان.
ومن اليوم ده، اتغيرت شركة الشناوي.. واتغير طارق، وبقى الكرسي الكبير اللي كان رمز للسطوة والغرور، شاهد على أعظم درس في الرحمة والإنسانية.
عدت الأيام والشهور، وبقت شركة الشناوي جروب مكان تاني خالص. البركة اللي حلت في المكان بسبب دعوات الغلابة والعدل اللي اتطبق بقت واضحة للكل. الأرباح زادت، والموظفين بقوا بيشتغلوا بضمير وحب، لأنهم حسوا إن ليهم ضهر بيحميهم ويخاف عليهم.
وفي يوم من الأيام، كان في اجتماع مجلس إدارة كبير جداً في الدور ال 38. المكتب كان مليان رجال أعمال ومستثمرين من برة مصر، والكل قاعد على أعصابه بيناقشوا صفقة هتنقل الشركة لنقلة تانية خالص. طارق كان قاعد على رأس التربيزة، بيدير الاجتماع بكل هدوء وثقة.
وفجأة، الباب خبط ودخلت رضوى. كانت شايلة صينية عليها القهوة والشاي للضيوف. طبعاً مكنش ده شغلها الأساسي لأنها بقت مشرفة، بس هي كانت بتحب دايماً تخدم طارق بيه بنفسها كنوع من رد الجميل.
وهي بتلف بالصينية، رجلها اتعبلت في طرف السجادة، وفقدت توازنها. الصينية اتقلبت، والقهوة اتدلقت كلها على الكرسي الجلد الفخم بتاع طارق.. الكرسي المقدس اللي بدأت عنده الحكاية كلها.
المكان كله سكت سكوت رهيب. رجال الأعمال بَصوا لبعض وبصوا لطارق، ومستنيين يشوفوا رد فعل المليونير اللي معروف عنه إنه مبيستحملش الغلطة. رضوى وشها اتخطف، والدم هرب من عروقها، ووقفت ترتعش وهي بتبص للكرسي اللي غرق قهوة.
افتكرت في ثانية ممدوح، وافتكرت أيام القهر، وخافت ليكون طارق بيه يغير رأيه أو يزعل من منظر الكرسي قدام الضيوف الأجانب. وبدأت تعتذر بصوت مخنوق بالدموع أنا آسفة يا طارق بيه.. والله العظيم ما كان قصدي.. أنا هجيب حاجة وأنظفه حالا.. أنا..
طارق بصلها، وبص للكرسي، والضيوف كلهم مستنيين الانفجار.
لكن طارق ابتسم ابتسامة هادية جداً ووقف من مكانه. سحب منديل من على المكتب، ومسكه بنفسه وبدأ يمسح القهوة من على الكرسي، وبص لرضوى وقالها بنبرة كلها حنية وأخوة فداكي يا أم أحمد.. ولا يهمك خالص، حصل خير. أهم حاجة إنك إنتي كويسة ومفيش حاجة سخنة جت على إيدك؟
رضوى هزت راسها وهي مش مصدقة، ودموع الفرحة والراحة نزلت من عينيها. طارق التفت لرجال الأعمال اللي قاعدين مبهورين من رد فعله، وقالهم باللغة الإنجليزية بكل فخر الست دي هي البركة بتاعة المكان هنا.. والكرسي ده مجرد حتة جلد، يروح وييجي، لكن كرامة وسلامة الناس اللي شغالين معايا هي اللي متتعوضش بمال الدنيا.
واحد من أكبر المستثمرين الأجانب وقف وسقف لطارق، وقالوا أنا دلوقتي بس عرفت ليه شركتكم بتنجح بالسرعة دي.. إنت مش بتدير بيزنس، إنت بتدير قلوب.
رضوى خرجت من الأوضة وهي رافعة راسها، ولسانها مبيبطش دعاء لطارق إن ربنا يكرمه ويفتحها عليه. وطارق رجع قعد على كرسيه، وهو حاسس إن طعم القهوة اللي اتدلقت عليه دي بقت أجمل حاجة في المكتب، لأنها فكرته تاني وتالت.. إن الرحمة فوق الشغل، وإن جبر الخواطر هو التجارة الحقيقية اللي عمرها ما تخسر مع ربنا.
ومرت السنين، وبقت الحكاية دي زي الأسطورة اللي بتتناقلها الأجيال في الشركة. كل موظف جديد كان بيتعين، كانوا أول حاجة

بيحكوهاله هي قصة الكرسي ورضوى وطارق بيه، عشان يفهموا إن المكان ده مبني على الأصول والرحمة قبل أي بيزنس.
وفي يوم، طارق كان واصل مكتبه الصبح بدري، والشمس لسه بتفرش نورها على برج الشناوي. دخل مكتبه، وبص على الكرسي اللي بقى قديم شوية بمرور الزمن، بس طارق رفض تماماً إنه يغيره أو يجدده، كان شايفه أهم أثر في حياته كلها.
الباب خبط، ودخلت رضوى، بس المرة دي مكنتش لوحدها. كان معاها شاب زي الورد، لابس بدلة شيك ومحندقة، وعينيه كلها ذكاء وطموح.
رضوى دخلت ووشها منور بابتسامة فخر وسعادة، وقالت صباح الخير يا طارق بيه. تسمحلي أقدم لحضرتك أحمد ابني.. لسه متخرج السنه دي من كلية الهندسة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف.
طارق وقف من ورا مكتبه ووشه تهلل بالفرحة، وراح سلم على الشاب وضغط على إيده بحرارة ما شاء الله! الله أكبر يا أحمد. ألف مبروك يا ابني، وألف مبروك ليكي يا أم أحمد، حصاد شقاكي وتعبك طول السنين دي ربنا جازاكي عليه خير وجبر بخاطرك فيه.
أحمد بص لطارق بكل احترام وقال الله يبارك فيك يا فندم. أمي من صغري وهي ملهاش سيرة في البيت غير طارق بيه الشناوي، وإزاي حضرتك كنت سبب بعد ربنا إننا نعيش عيشة كريمة وأقدر أكمل تعليمي في أحسن جامعة. أنا من يومها وأنا نفسي أكبر وأتخرج عشان أجي أشتغل في المكان اللي صان كرامة أمي.
دموع الفرحة لمعت في عين رضوى وهي باصة لابنها وهو واقف قدام المليونير اللي أنقذهم من القهر.
طارق طبطب على كتف أحمد وقال وصوته مليان تأثر المكان مكانك يا بشمهندس. وإنت من النهارده هتبدأ فترة تدريبك في قطاع المشروعات الهندسية للشركة، وعايزك ترفع راس والدتك أكتر وأكتر.
التفت طارق لرضوى، ومشى ناحية الكرسي الجلد الكبير، وشاور لأحمد وقال بابتسامة واسعة وعشان تبدأ صح يا أحمد.. تعالى اقعد هنا.
أحمد اتهيب الخطوة ورجع لورا لأ يا فندم.. مستحيل، ده كرسي حضرتك!
طارق ضحك من قلبه وقال بنبرة كلها عزة وإيمان اقعد يا ابني وماتخافش. الكرسي ده من سنين طويلة كان هيعمي عيني بالغرور والافتراء، ولولا أمك نامت عليه في ليلة من الأيام وفوقيتني، كان زماني راجل تاني خالص معرفش ربنا ولا الرحمة. الكرسي ده اتخلق عشان يقعد عليه ولاد الأصول والشقيانين اللي زيكم.
أحمد قعد على الكرسي وهو مش سايعاه الفرحة، ورضوى رفعت إيديها للسما وبدأت تدعي وعينيها بتفيض بالدموع ربنا يبارك في عمرك وصحتك يا طارق بيه، ويرزقك من نعيم الدنيا والآخرة، ويكفيك شر المرض، ويجعل كل قرش بتكسبه بركة ونور في طريقك وطريق أولادك.
الدعوة دي لفّت في أركان المكتب وملت قلب طارق بسلام وأمان ميتثمنش بمليارات. في اللحظة دي، طارق بص من الشباك للسما، وحس إن أعظم استثمار عمله في حياته، مكنش في العقارات ولا الأسهم، الاستثمار الحقيقي كان في الإنسان، وفي كلمة الحمد لله اللي بتطلع من قلب صافي جَبَر بخاطره، فربنا جبر بخاطره وبارك له في ماله وعمره.
وبعد كذا سنة، جه اليوم اللي طارق قرر فيه يسلم الراية. السن جري بيه، وصحته مبقتش زي الأول، فقرر إنه يعمل حفل تكريم كبير في الشركة بمناسبة خروجه على المعاش وتسليم إدارة مجموعة الشناوي جروب للجيل الجديد.
القاعة الكبيرة في الشركة كانت مليانة على آخرها؛ موظفين، مدراء، عمال، ورجال أعمال من كل مكان. الكل واقفين بيسقفوا لطارق بيه وهو داخل القاعة بهيبته ووقاره، بس المرة دي كان ساند على إيد المهندس أحمد، ابن رضوى، اللي بقى من أشطر وأكبر مهندسين الشركة بفضل كفاءته وأمانته.
طارق طلع على المنصة، ومسك المايك وبص للوجوه الكثيرة اللي حواليه. ابتسم ابتسامة هادية وقال
أنا عشت عمري كله فاكر إن النجاح هو إني أكبر شركتي وأزود أرباحي.. كنت فاكر إن القوة هي إني أتحكم في كل حاجة بالمسطرة. بس في ليلة من الأيام، من سنين طويلة، ربنا بعتلي درس غير حياتي كلها في مكتب الدور ال 38. ليلة خلفتني أشوف إن القيمة الحقيقية للراجل مش في حجم ثروته، بل في كام بيت فتحوا، وكام بني آدم غلبان صان كرامته وحمى لقمة عيشه.
طارق شاور بإيده لورا، والستائر اتفتحت، وظهر الكرسي الجلد القديم بتاعه محطوط في نص المنصة! الناس كلها استغربت وبصت لبعضها، فكمل طارق كلامه وصوته فيه غصة تأثر
الكرسي ده هو أهم حاجة بملكها في الدنيا، مش لأنه غالي، لأ.. لأنه بيفكرني دايماً بإننا كلنا عبيد لله، وإن الكرسي والمناصب بتروح، ومبيفضلش غير الأثر الطيب. وعشان كدة، في يوم اعتزالي، أنا مش هورث الكرسي ده لحد من رجال الأعمال.. أنا ههديه للست اللي فوقيتني من غفلي، الست اللي علمتني معنى عزة النفس والتوكل على الله.
ونده في المايك بصوت عالي ومليان فخر اتفضلي يا أم أحمد.. اتفضلي يا حاجّة رضوى.
رضوى، اللي كانت قاعدة في أول صف ولابسة عباية بيضاء ووشها منور بنور الطاعة والحج، وقفت والدموع في عينيها. القاعة كلها انفجرت بالصقفة والهتاف. طلعت على المنصة وهي مش مصدقة، وطارق بنفسه سحب الكرسي وقعدها عليه قدام الكل، وبص لأحمد ابنها وقال
من النهارده يا أحمد، إنت المدير التنفيذي الجديد لمجموعة الشناوي. والكرسي ده هيفضل في مكتبك، مش عشان تقعد عليه، عشان كل ما تبص له تفتكر شقا والدتك، وتفتكر إن الشركة دي قامت على أكتاف الغلابة ودعواتهم.. إياك يا ابني تظلم حد، وإياك تمنع خير عن حد قاصدك.
أحمد وطى على إيد والدته باسها، ودموعه نزلت، وقال في رقبتي يا طارق بيه.. عهد الله عليا هفضل ماشي على طريقك وطريق الأصول اللي ربنا كرمنا بسببه.
رضوى وهي قاعدة على الكرسي، رفعت إيديها للسما وسط القاعة كلها اللي سكتت عشان تسمعها، ودعت بدعوتها المشهورة اللي كانت سبب البركة كلها ربنا يجبر بخاطرك في الدارين يا طارق بيه.. ربنا يجعلك من أهل الجنة، ويكتبلك بكل خطوة مشيتها في الخير ثواب وجبر، ويجعل ذريتك صالحة ومباركة ليوم الدين.
المكان كله ضج بكلمة آمين. طارق وقف وبص للسما ونفسه مرتاحة، وحس إن رحلته في الدنيا تمت على خير. ساب الشركة وهو مش سايب وراه مجرد مباني وملايين، ده ساب وراه مدرسة في الرحمة، وجيل بحاله اتعلم إن التجارة مع ربنا ب جبر الخواطر هي التجارة الوحيدة اللي مستحيل تخسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *