يوم صباحيتى بقلم ندى الجمل

يوم صباحيتي… جوزي كتب كتابه على بنت خالته واتجوزها.
اسمي هناء، عندي 24 سنة، وجوزي ابن عمي. من وأنا صغيرة وأنا بحبه، وكنت فاكرة إن اليوم اللي هلبس فيه الفستان الأبيض هيبقى أسعد يوم في حياتي.
بس الحقيقة إن جوازة دي مكانتش حلمه… كانت حلمي أنا.
في عيلتنا، بنات العيلة مبيتجوزوش بره، ولما كبرنا أهلنا قرروا إن ابن عمي لازم يتجوزني مهما حصل. هو حاول يرفض أكتر من مرة، لكن محدش كان بيسمعه، وأنا كنت فاكرة إنه وافق لأنه بيحبني.
اللي مكنتش أعرفه إن قلبه كان متعلق ببنت خالته من سنين، وإنهم كانوا بيحبوا بعض في السر. وقبل فرحنا بشهور حصلت بينهم غلطة قلبت حياتهم… وبنت خالته اكتشفت إنها حامل.
خبت الحمل خوفًا من الفضيحة، وهو كان عايش بين نارين: لو اعترف قبل الفرح هيفضحها ويضيع سمعته وسمعتها، ولو سكت يبقى ظلم بنت ملهاش ذنب… وأنا.
وفي صباح اليوم اللي بعد فرحنا، أهل بنت خالته عرفوا بالحمل. راحوا له في بيته، وهددوه إن لو مكتبش كتابه عليها في نفس اليوم هيبلغوا عنه ويكشفوا كل حاجة قدام العيلة والبلد كلها.
وساعتها… وأنا لسه عروسة بفك هدايا الفرح، كان جوزي بيكتب كتابه على حب عمره… من غير ما أعرف إن حياتي كلها كانت هتنهار في يوم صباحيتي.

كنت قاعدة في أوضة النوم بفتح النيش وأرتب الشبكة والهدايا، وكل شوية أبص لدبلتي وأبتسم وأقول: “الحمد لله… أخيرًا بقيت مراته.”
لقيته دخل الأوضة، وشه متغير، وعينيه مليانة خوف. سألته:
مالك يا حبيبي؟ في حاجة حصلت؟
قال وهو بيتجنب يبصلي:
لازم أنزل مشوار مهم… وهتأخر شوية.
استغربت جدًا، لكن قلت يمكن حد من زمايله أو ظرف طارئ. ابتسمت وقولتله:
روح يا حبيبي، وأنا هستناك.
خرج… ومكانش عندي أي فكرة إن المشوار ده هو اللي هيهدم حياتي.
عدى النهار كله وهو لا بيرد على تليفونه ولا حتى بعت رسالة يطمني. قلبي كان مقبوض، لكن كل ما أكلم نفسي أقول: “أكيد شغله.”
بالليل سمعت زغاريد جاية من آخر الشارع. في الأول مديتش الموضوع اهتمام، لحد ما خالتي دخلت عليا وهي وشها أصفر، ومش عارفة تبص في عيني.
قالت بصوت مهزوز:
هناء… اهدي واسمعيني.
قلتلها وأنا قلبي وقع:
في إيه؟ هو جراله حاجة؟
فضلت ساكتة ثواني، وبعدها قالت الجملة اللي حسيت بعدها إن الأرض اتشقت وبلعتني:
جوزك… كتب كتابه النهارده على بنت خالته.
افتكرتها بتهزر، ضحكت ضحكة كلها وجع وقلت:
إيه الكلام الفارغ ده؟! أنا لسه عروسته من أقل من 24 ساعة!
لكنها طلعت موبايلها، وورّتني صورته… واقف جنب بنت خالته، والمأذون بينهم، وأهلها بيباركوا.
وقعت مني الموبايل، وحسيت إن نفسي بيتسحب بالعافية.
لما رجع آخر الليل، مكنتش بعيط… كنت مستنياه.
أول ما دخل، بصلي وسكت.
قولتله:
قول إن الصور دي مفبركة… قول إنهم بيكدبوا.
قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيديه، وقال بصوت مكسور:
الصور حقيقية.
في اللحظة دي حسيت إن قلبي مات.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية…
رفع راسه وبصلي وقال:
بنت خالتي حامل مني… وأنا أبو الطفل.

الكلمة نزلت على ودني كأنها طلقة.
بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب، ولساني تقيل.
قولت بالعافية:
يعني إيه… حامل منك؟
قالي وهو مكسوف حتى يبص في عيني:
كنا بنحب بعض من وإحنا صغيرين… ووعدتها بالجواز. لكن لما أهلنا أصروا إني أتجوزك، مقدرتش أقف قدامهم. فكرت إن كل حاجة هتنتهي بعد الجواز… لكن قبل الفرح بشهر عرفنا إنها حامل.
صرخت فيه:
وإنت كنت عارف؟! واتجوزتني؟!
هز راسه وقال:
كنت فاكر هلاقي حل… كنت هقولك بعد الفرح.
ضحكت ضحكة كلها قهر.
بعد الفرح؟! بعد ما كسرتني وضيعت عمري؟!
قال بسرعة:
والله ما كنت عايز أظلمك… لكن لو مكنتش كتبت كتابي عليها كانت هتضيع. أهلها هددوني إنهم هيفضحوا البنت ويعملوا محضر ويقولوا إني السبب. وأنا مقدرتش أسيبها تواجه ده لوحدها.
قولتله:
وأما أنا؟! أنا ذنبي إيه؟
سكت… لأنه مكنش عنده إجابة.
قومت قلعت الدبلة من إيدي وحطيتها قدامه.
من النهارده، إنت بالنسبالي راجل غريب.
خرجت من الأوضة وأنا بعيط، وأهلي لما عرفوا الحقيقة الدنيا اتقلبت.
أبويا كان عايز يطلقني في نفس الليلة، لكن عمه وأعمامي قعدوا يترجوه.
قالوا:
البنت التانية حامل، ومفيش ذنب ليها… وهناء مراتك وليها حقها، وكل واحدة هتعيش في بيت.
وقتها حسيت إني بقيت مجرد رقم في حياة راجل، مش زوجة.
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إن بنت خالته نفسها مكانتش مرتاحة للجوازة دي.
كانت كل ما تشوفني تطأطّي راسها، وكأنها عايشة في عذاب.
وبعد أسبوع من جوازهم… حصلت مفاجأة قلبت حياتنا كلنا، وخليتني أعرف إن الحقيقة اللي اتقالتلي كانت ناقصة، وإن فيه سر أكبر بكتير مستخبي من سنين… سر لو كان اتكشف من البداية، ما كانش كل الخراب ده حصل.

فضلت أفكر في كلامه ليل ونهار.
كنت كل ما أفتكر إنه خانني، أرجع أقول لنفسي: “لا… هو خدعني من البداية.”
لكن كان فيه حاجة جوايا مش راكبة.
لو هو كان بيحب بنت خالته للدرجة دي… ليه وافق أصلًا يتجوزني؟ وليه سابها توصل للحمل من غير ما يتجوزها؟
بعد أسبوع، صحيت على خناقة وصوت صريخ جاي من بيت أهل بنت خالته.
الجيران كلهم خرجوا، وأنا وقفت أسمع.
وفجأة… سمعت اسم جوزي بيتقال وسط الصريخ.
بعد شوية لقيت عمتي جاية تجري، وشها كله خوف.
قالتلي:
تعالي بسرعة… لازم تسمعي بنفسك.
روحت معاها، ولما دخلت البيت لقيت بنت خالته، “سارة”، قاعدة على الأرض بتعيط بطريقة هستيرية.
وأول ما شافتني جريت عليا ومسكت إيدي.
قالت وهي بتنهج:
سامحيني… والله ظلمتك.
بصيتلها باستغراب.
قالت:
الطفل… مش ابن طارق.
حسيت الدنيا لفت بيا.
بصيت لجوزي، لقيته هو كمان واقف مصدوم.
صرخت فيها:
إيه اللي بتقوليه؟!
قالت وهي بتعيط:
كذبت… كذبت عليه لما عرفت إنه هيتجوزك. قولتله إني حامل منه عشان ميبعدش عني… وهو صدقني واتورط.
كل اللي في الأوضة اتجمد.
أما طارق فكان باصص لها كأنه أول مرة يشوفها.
قالها:
يعني… أنا دمرت حياة هناء… واتجوزتك… والطفل مش ابني؟
هزت راسها وهي منهارة.
أنا كنت خايفة أخسرك… معرفتش أعمل إيه.
في اللحظة دي أبوها رفع إيده وضربها بالقلم قدام الكل، وقال:
انتي خربتي بيتين… وكذبتي كذبة هتفضل تلاحقنا العمر كله.
أما أنا…
مكنتش فرحانة.
لأن الضرر كان وقع بالفعل.
كرامتي اتكسرت، وجوازي انتهى، وثقتي في كل الناس ضاعت.
بصلي طارق والدموع في عينه وقال:
هناء… اديني فرصة أصلح كل اللي عملته.
لكن المرة دي…
أنا اللي بصيتله، وقلت بمنتهى الهدوء:
في حاجات لما بتتكسر… مبتتصلحش أبدًا.
سكتت الأوضة كلها بعد كلامي.
طارق فضل يبصلي وكأنه مستني مني أصرخ أو أعيط… لكن دموعي كانت خلصت.
قولتله بهدوء:
ورقة طلاقي هتوصلني إمتى؟
قال بسرعة:
طلاق إيه يا هناء؟! أنا غلطت… بس كنت فاكر إني بنقذها.
ضحكت بمرارة.
لا… إنت كنت بتنقذ نفسك. لو كنت راجل من الأول، كنت واجهت الكل بالحقيقة، مش تتجوزني وأنا ماليش ذنب.
نزل راسه، ومقدرش ينطق.
رجعت بيت أبويا، ومن يومها رفضت أرد على أي اتصال منه.
كل يوم كان يبعت حد من العيلة يكلمني، وأنا كنت برفض.
بعد شهر، وصلتني ورقة الطلاق.
استغربت.
لأن اللي بعتها مش طارق…
اللي بعتها كانت سارة.
كانت باعت مع الورق جواب بخط إيدها.
فتحته وأنا مترددة، وكان مكتوب فيه:
“أنا استاهل كل اللي جرالي… لكن إنتِ لأ. أنا السبب في خراب حياتك، وعشان كده طلبت من طارق يطلقك. وهو رفض الأول، لكن أنا أصريت. وبعدها طلبت أنا كمان الطلاق منه. لأن الراجل اللي خان ثقة واحدة، عمره ما هيعرف يبني بيت مع واحدة تانية.”
قفلت الجواب وأنا لأول مرة أحس إن البنت دي بدأت تدفع تمن غلطها.
عدت سنة كاملة…
رجعت اشتغلت، وبدأت أقف على رجلي من جديد.
وفي يوم، وأنا خارجة من الشغل، لقيت عربية وقفت قدامي.
نزل منها طارق.
كان شكله مختلف… خسران، وتعبان، وكأنه كبر عشر سنين.
قالي:
أنا مستنيكي من ساعتين… ممكن خمس دقايق بس؟
قولتله:
اتفضل.
قال وهو بيبص في الأرض:
سارة سابتني وسافرت تعيش مع خالتها بعد الطلاق… وأنا خسرتك وخسرتها، وخسرت احترام نفسي. كل يوم بصحى ألوم نفسي على اللي عملته.
سكت لحظة، وبعدين قال:
هناء… تتجوزيني من جديد؟
بصيتله شوية…
وافتكرت يوم فرحي، ويوم صباحيتي، ويوم وقفت مكسورة قدام الناس.
ابتسمت ابتسامة هادئة، وقلت:
أنا سامحتك… عشان أرتاح أنا.
لكن عمري ما هرجع لحد كسرني بإيده.
وسبته واقف مكانه…
ومشيت.
لأول مرة من وقت طويل…
كنت بمشي من غير ما أبص ورايا.
“يوم صباحيتي كنت عروسة… ويوم طلاقي بقيت ست. ومن يومها اتعلمت إن اللي يكسر ثقتك مرة، عمره ما يستحق فرصة تانية.”
“النهارده لما حد يسألني إيه أصعب يوم عدى عليكي؟ مبقولش يوم صباحيتي… بقول اليوم اللي اتعلمت فيه إن الحب من غير كرامة، خسارة.”
بقلم ندى الجمل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *