بعد 4 سنين من هروبى حكايات نور محمد 3

العداد التنازلي على شاشة العربية كان بيتحرك بسرعة مرعبة.. (13:45).. (13:44).. الثواني بتجري، ومع كل ثانية بتعدي بحس إن الخناق بيضيق على رقبتي أكتر. أنا بقيت مجرمة وخاطفة بنتي في نظر القانون، والكل بيدور عليا، وعاصم بيتحكم في مصيري بزرار من بعيد.

تيا كانت ساندة راسها على الكرسي وجنبها زجاجة ميه شربت منها وبدأت تفوق، بصتلي بعيونها البريئة وقالت:

– “مامي.. إحنا رايحين فين؟ أنا خـ,ـايفة من الست اللي كانت مع بابا.. دي كانت بتجيلي الأوضة وتديني عصير طعمه وحش وتقولي متقوليش لمامي.”
كلام تيا أكدلي إن سلمى أختي كانت هي الأداة اللي بتنفذ الجريمة بدم بارد. دموعي نزلت بس مسحتها بسرعة وقسيت ملامحي. مفيش وقت للضعف.

بصيت لعداد الوقت: (11:20).. لازم أتخلص من العربية دي فوراً قبل ما تقف بيا في نص الصحراء والكمين يقفل عليا، وأكيد عاصم بيتبع مكاني بالـ GPS بتاع العربية.

لمحت يافطة على الطريق مكتوب عليها: “طريق السويس – مدخل بدر”. افتكرت إن المنطقة دي فيها صناعات ومخازن وحركة عربيات نقل تقيلة بتشتغل طول الليل. دخلت المنحنى بسرعة ووديت العربية ناحية منطقة غـ,ـارقة في تراب المصانع وكشافات اللوادر.

وقفت العربية ورا سور مصنع طوب مهجور. شيلت تيا بسرعة، وأخدت المسـ,ـدس التاني اللي كان في التابلوه وحطيته في شنطتي.. مبقاش فيه أمان، ولازم أحمي بنتي بأي تمن. سبت المفتاح في العربية والباب مفتوح عشان عاصم لما يتتبعها يفتكر إني لسه جواها أو قريبة منها.

جرينا في الشوارع الجانبية المكسرة وسط الكسارات لحد ما وصلنا للموقف العمومي بتاع عربيات الميكروباص اللي بتنقل العمال. الجو كان فجر، والموقف زحمة وفيه دوشة. استخبيت وسط الستات اللي بيبيعوا خضار، واشتريت من واحدة فيهم “طرحة” سودا كبيرة ولميت شعري وداريت وشي ووش تيا بالبطانية.
ركبنا ميكروباص رايح موقف المرج.. طول الطريق وأنا ببص ورايا، حاسة إن كل عين بتبصلي بتتـ,ـهمني، وكل سرينة إسعاف أو شرطة بتعدي بتخليني أقفل إيدي على تيا أكتر.

وصلنا المرج والشمس بدأت تطلع. طلعت تليفوني القديم اللي مفيش فيه خط بس بيلقط واي فاي، ووقفت جنب كشك، وفتحت شبكة مفتوحة. أول ما دخلت على الفيس بوك، لقيت الدنيا مقلوبة.. القنوات الإخبارية وصفحات الحوادث منزلة صورتي وصورة تيا: “القبض على هاربة من حكم قضائي خطفت ابنتها من المستشفى وحقنتها بمادة سامة”.

وعاصم عامل فيديو لايف وهو بيعيط بدموع التماسيح وبيقول: “أنا بسامحها.. بس ترجعلي بنتي اللي بتمـ,ـوت.. أمها مريضة نفسية ومبتتعالجش!”

الناس في التعليقات كانت بتطالب بإعدامي والقبض عليا. عاصم قفل اللعبة تماماً وشوه صورتي قدام الدنيا كلها، ومحدش هيصدقني لو روحت لأي قسم شرطة.. هيقبضوا عليا ويسلموا البنت لأبوها الشرعي، وساعتها تيا هتدخل العمليات وتتصفى!

دموعي نزلت بغزارة، وحسيت بالقلة والحيلة. روحت قعدت في زاوية جامع صغيرة على الرصيف، وتيا نامت من التعب على رجلي. قعدت أفكر.. مين اللي ممكن يصدقني؟ مين اللي يقدر يقف في وش عاصم الجبالي ونفوذه؟
فجأة، افتكرت شخص واحد.. “ماجد عوني”.. المحامي القديم بتاع بابا الله يرحمه. الراجل ده كان بيكره عاصم جداً وكان رافض جوازي منه، وكان دايماً يقولي: “عاصم ده تعبان.. لو احتجتيني في أي وقت هتلاقيني.” ماجد محامي حيتان، وبيفهم في الثغرات، ومبيخافش.

فتحت النوتة القديمة اللي كاتبها في آخر أجندة صغيرة في شنطتي، ولقيت رقمه الأرضي بتاع المكتب اللي في وسط البلد.

سبت الجامع وجريت على كشك سجاير، وطلبت من الراجل أتصل مكالمة سريعة وأديته حسابها. ضـ,ـربت الرقم والخط قعد يجمع.. وقلبي بيجمع معاه.
رد صوت سكرتيرة: “مكتب الأستاذ ماجد عوني للمحاماة، أفندم؟”

صوتي كان بيترعش ومكتوم: “أنا رانيا.. رانيا مصطفى.. أرجوكي وصليلي الأستاذ ماجد حالا، بنتي بتمـ,ـوت وأنا في مصيبة.”

ثواني والخط اتمول وصوت الأستاذ ماجد جه جهوري ومليان قلق:

– “رانيا؟! إنتي فين يا بنتي؟ الدنيا مقلوبة عليكي، وعاصم قالب الأجهزة كلها عشان يلاقيكي.. إنتي بجد عملتي كده في البنت؟”

عطت بوجع:

– “والله العظيم تيا سليمة يا عمي.. هما اللي سمموها وعايزين ياخدوا نخاعها عشان ابنه الجديد.. المدير قالي كل حاجة وعاصم قـ,ـتله أو حـ,ـبسه.. أنا ماليش غيرك يصدقني.”
ماجد سكت ثواني، وسمعت صوت أنفاسه الثقيلة، وقال بصوت حازم:

– “أنا مصدقك يا بنتي.. عاصم الجبالي يعمل أكتر من كده. اسمعيني كويس، متمشيش في شوارع عمومية، وتعاليلي على الشقة القديمة بتاعة باباكي اللي في مصر الجديدة، الشقة دي مقفولة ومحدش يعرف إن مفتاحها معايا.. أنا هسبقك على هناك وجايب معايا دكتور ثقة يفحص البنت ويثبت إنها اتسممت، وده هيكون أول مسمار في نعش عاصم.”

حسيت بنقطة أمل. شكرته وقفت السكة، وأخدت تيا وركبنا تاكسي قديم ومتهالك عشان نبعد عن الشبهات، وقولتله يطلع على العنوان في مصر الجديدة.

بعد نص ساعة، وصلنا العمارة القديمة. كانت عمارة راقية بس هادية ومفيش حركة كتير. طلعت الدور الثالث، ولقيت باب الشقة موارب. قلبي ارتاح، وقولت خلاص.. ربنا بعتلي طوق نجاة.

فتحت الباب ودخلت، وقولت بصوت واطي: “أستاذ ماجد؟ أنا جيت..”

الأنوار كانت مطفية والستائر مقفولة. فجأة، باب الشقة اتقفل ورايا بعنف وتم تربيسه!

الأنوار نورت كلها مرة واحدة.. والصدمة لجمـ,ـتني لدرجة إن ركبي لمست الأرض.

مكنش فيه أستاذ ماجد..

اللي كان قاعد على الكرسي في الصالون، وحاطط رجل على رجل، وبيشرب سيجار ببرود.. هو عاصم الجبالي، وعلى يمينك كانت واقفه سلمى أختي، وعلى شماله كان واقف الأستاذ ماجد عوني.. وهو ماسك شنطة سودا مليانة فلوس ودولارات!
عاصم نفخ دخان السيجار في وشي، وابتسم ابتسامة خبيثة وقام وقف:

– “نورتي بيتك القديم يا رانيا.. مكنتش فاكر إنك غبية قوي كده عشان تثقي في محامي باباكي.. الراجل ده أنا شاري ذمته من قبل ما تتجوزيني أصلاً، وهو اللي كان بيبعلي كل تحركاتك!”

ماجد بص في الأرض بكسوف ومردش، وسلمى قربت مني وهي بتضحك بشر:

– “هاتي البنت بقا.. الرحلة خلصت يا حلوة.”

عاصم طلع المسدس تاني وقرب من تيا، بس في اللحظة دي.. تيا صرخت وطلعت حاجة من جيب البطانية وحدفتها في وش سلمى، والمكان كله اتقلب في ثانية!

تيا كانت ماسكة “قزازة سبراي” صغيرة كانت موجودة في شنطة الإسعافات اللي سـ,ـرقتها من عربية عاصم، كانت عبارة عن “رذاذ فلفل” شديد التركيز. في لحظة اندفاع سلمى ناحيتنا، تيا ضغطت على الزناد ووجهت الرذاذ مباشرة في عيون سلمى.

صرخة سلمى دوت في الشقة، وقعت على الأرض بتخبط بإيديها على وشها من شدة الحرقان. ماجد المحامي اتجمد في مكانه، وعاصم للحظة انشغل بمراته اللي بتصرخ.

استغليت اللحظة دي.. هجمت على ماجد، خبطته بالشنطة في صدره، وفتحت باب الشقة وجريت في الممر. العمارة كانت قديمة والسلالم ضيقة. سمعت صوت عاصم وراه بيشتم وبيهدد: “أقسم بالله لو هربتي المرة دي ما أنا راحمك!”

نزلت السلالم قفز، وشلت تيا اللي كانت بتعيط وبتقولي: “مامي.. خايفة!”

خرجت من مدخل العمارة للشارع، بس الصدمة كانت إن الشارع كان محاصر! عربيتين سود “جيب” واقفين، ورجالة عاصم كانوا بيتمشوا في الشارع. عاصم كان عارف إني هقع في الفخ، وكان مأمن كل المخارج.

بصيت لورا، عاصم كان طالع من مدخل العمارة وهو بيغسل وشه من آثار الرذاذ اللي طار عليه، وكان شكله في قمة الجنون.

جريت ناحية “المنور” بتاع العمارة اللي بيطل على جراج جانبي. كان فيه ماسورة صرف صحي قديمة ومتهالكة. مفيش حل غير ده. تسلقت الماسورة، وإيدي كانت بتتجـ,ـرح، شيلت تيا وربطتها بـ “إيشاربي” في ضهري عشان أقدر أتحرك بحرية.

نطيت في الجراج.. الجراج كان مليان عربيات نقل قديمة ومخزن لقطع غيار. استخبيت ورا “كونتينر” حديد. سمعت صوت عاصم وهو بيزعق لرجاله: “مش عايز خربوش في البنت! البنت سليمة، الأم تتصفى عادي!”

قلبي كان بيطلع من مكانه. بصيت لتيا، كانت بتهمسلي بضعف: “مامي.. أنا عايزة بابا الدكتور اللي كان في المستشفى.. هو كان طيب.”

جملة تيا نورت في عقلي فكرة.. المدير! المدير اللي كان في المستشفى.. أنا فاكرة إنه قالي قبل ما يتهجم عليه عاصم إنه “أمين” وما يقدرش يخالف قسمه. هو أكيد مش مجرم، هو كان تحت ضغط!

طلعت موبايلي بسرعة.. رسايله القديمة لسه موجودة على الواتساب. بعتله رسالة واحدة: “أنا رانيا.. عاصم جابني في شقة مصر الجديدة والموضوع كبر.. لو لسه عندك ذرة ضمير، ساعدني، أنا في جراج عمارة [كذا] خلف [اسم الشارع].. تيا بتمـ,ـوت.”

مرت دقيقتين.. تلاتة.. مفيش رد.

فجأة، سمعت صوت حركة ورا الكونتينر. رفعت المسدس اللي أخدته من العربية.. لقيت ضل أسود بيقرب.

شددت على الزناد.. بس قبل ما أضـ,ـرب، ظهر صوت مألوف: “مدام رانيا.. أنا دكتور سامي.”

كان المدير! كان باين عليه إنه كان مضروب، ولبسه متبهدل، وبصلي بنظرة كلها ندم: “عاصم حبسني في غرفة بالمستشفى بعد اللي عملته، بس قدرت أهرب لما عرفت إنهم مخططين لكل ده.. أنا معايا دليل إدانة لعاصم وسلمى.. تسجيلات صوتية وصور للعمليات اللي بيعملوها للأطفال في العيادة السرية بتاعته.”
عطت وأنا بقوله: “ساعدنا نخرج من هنا.. عاصم بيقـ,ـتلني!”

دكتور سامي بص لرجالة عاصم اللي كانوا بيفتشوا الجراج، وقال بسرعة: “ورايا.. فيه ممر سري للجراج ده بيوصل لشارع تاني، بس لازم نتحرك دلوقتي.”

مشينا في الممر الضيق، والضلمة كانت مغطية كل حاجة. فجأة، لقيت نور كشافات بيضـ,ـرب في وشنا. عاصم كان واقف في أول الممر ومعاه رجاله، وكان بيضحك ببرود:

– “كنت عارف إن الدكتور الشريف هيظهر.. أصل هو ده اللي بيعمل ‘الترياق’ اللي أنقذ بنتك، صح يا سامي؟”

عاصم قرب من دكتور سامي، وضـ,ـربة بكعب المسدس على دماغه وقعته غرقان في دمه. بصلي ووجه المسدس ناحيتي:

– “ودلوقتي.. لا دكتور، ولا محامي، ولا حتى إنتي هتخرجي من هنا.”

وفجأة، قبل ما يضغط على الزناد، سمعت صوت “سرينة شرطة” قوية جداً وقريبة.. صوت طيارات هليكوبتر بدأت تظهر في السما فوق الجراج، وصوت مكبرات صوت بتزعق: “سلم نفسك يا عاصم الجبالي.. المنطقة محاصرة بالكامل!”

عاصم وقف مصدوم، وبص للسما.. مكنتش شرطة عادية، كانت قوات خاصة!

بصيت لدكتور سامي اللي بدأ يفوق، لقيته بيبتسم بصعوبة وهو بيطلع “فلاشة” من جيبه وبيقولي: “بعتّ كل التسجيلات للنيابة العامة.. والنيابة أمرت بالقبض عليه فوراً.”

عاصم حاول يهرب ناحية المخرج التاني، بس القوات الخاصة كانت سباقة. واحد من الضباط مسك عاصم من رقبته وكتفه، وعاصم كان بيصرخ: “دي بنتي! أنا أبوها!”

سلمى دخلت الجراج بتجري وهي بتعيط، ولما شافت القوات الخاصة، حاولت تستخبى، بس القائد بتاعهم شاور لرجاله وقال: “والهانم دي كمان.. اعتقلوها.”

أخدوا عاصم وسلمى، وأنا وتيا كنا بنبص للمشهد ده واحنا مش مصدقين إن الكابوس خلص.. بس وأنا بقرب من الضابط المسؤول، لقيت عاصم بيبصلي بابتسامة مرعبة من جوه عربية الترحيلات، وبيقولي بصوت واطي:

– “فاكرة إنك كسبتي؟ سلمى حامل في ابني، وأنا عندي ‘ودايع’ في بنوك بره، وفيه رجالة بره بيسمعوا أوامري.. اللعبة لسه مخلصتش يا رانيا.. الحرب الحقيقية بدأت.”

الضابط خدني عشان أدلي بأقوالي، بس عيني كانت متعلقة بـ “عربية تانية” سودة ركنت بعيد، راجل كان جواها بيراقب كل اللي بيحصل وبيرد على تليفونه وبيقول: “المهمة فشلت يا باشا.. ننتقل للخطة ب؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *