كتب كتابى 2 حكايات رومانى مكرم

في القسم، انقلبت الآية تمامًا. المحامي قدم مستندات أصلية وفواتير شراء الأجهزة والذهب، وطلب مطابقتها بالمنقولات المحملة على عربيات النقل. ولأن طليقي وأمه كانوا يحاولون تهريب العفش قبل صدور حكم المحكمة في قضية التبديد، وجه لهم وكيل النيابة تهمة واضحة بالتبديد الفعلي، وأمر بالتحفظ على السيارات بكل ما فيها، وتحويل القضية لجلسة مستعجلة.

في تلك اللحظة، اختفت نبرة التكبر من وجه أمه، وبدأت تتوسل لوالدي:

“يا حاج، إحنا أهل، ملوش لزوم الفضايح دي، خدوا حاجتكم كلها بس بلاش حبس وابني مستقبله يضيع!”
لكن والدي نظر إليها بصلابة وقال:

“يوم ما كسرتوا بنتي في المعرض ورميتوا جهازنا بالباطل، مكنتوش تعرفوا إن الله حق؟ القانون هياخد مجراه.”

### ليلة استرداد الحق.. والكسرة الثانية

بعد أيام قليلة، صدر حكم المحكمة لصالاحنا بتمكيننا من استرداد كافة المنقولات أو حبس المتهم. وجاء اليوم الموعود؛ نزلنا مع قوة من التنفيذ لاستلام العفش من الشقة ومن المخازن التي تحفظت عليها الشرطة.

كان الجيران كلهم واقفين في الشرفات يشاهدون نهاية الحكاية. دخلت الشقة التي دخلتها قبل أسابيع وأنا أزغرد وأفرشها بالورد، والآن أدخلها والعمال يفككون غرف النوم ويحملون الصالون

وأنا واقفة في الصالة، دخل طليقي بمفرده، كان يبدو شاحبًا، ضعيفًا، ومكسورًا تمامًا بدون حضور أمه التي كانت تدير المشهد دائمًا. اقترب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت منخفض يكاد يُسمع:

“أنا آسف يا رنا.. أنا ندمان، أمي هي اللي عمتني وعملت كل ده.. أنا لسه بحبك ونفسي نرجع ونبدأ من جديد بعيد عن كل الناس.”

نظرت إليه، ولم أشعر بأي حنين أو ضعف، بل شعرت بشفقة شديدة على شخص سلم عقله ورجولته لغيره. قلت له بكل ثبات:

“اللي يبيع مراته ويدوس على كرامتها وكرامة أهلها عشان سجادة وكلام أمه، ملوش رجوع. إنت مطلقتنيش في لحظة غضب، إنت طلقتني لأنك مش راجل قادر تحميني.”
تركته والتفت لأساعد والدتي في جمع ما تبقى من أشيائي.

### صدمة غير متوقعة في طريق العودة

حملنا العفش كله في عربات النقل الخاصة بنا، وتحركنا عائدين إلى بيت والدي. كنت أشعر بغصة في قلبي، نعم استرددنا حقنا المادي، ولكن ماذا عن حلمي الذي انكسر؟ ماذا عن نظرة المجتمع لـ “مطلقة بعد أسبوع من كتب الكتاب”؟

بينما كنا نمر في الشارع المؤدي لبيت العائلة، استوقف أخويا عربات النقل فجأة عندما رأى تجمعًا كبيرًا من الناس، وسيارات شرطة وإسعاف تقف أمام المعرض الكبير.. معرض السجاد نفسه الذي شهد مأساتي!
نزل أخويا من السيارة يستطلع الأمر، وبعد دقائق عاد إلينا ووجهه يحمل تعبيرًا مزيجًا من الصدمة والذهول، وقال لوالدي بصوت يرتجف:

“بابا.. إنت مش هتصدق إيه اللي بيحصل جوة المعرض حالا، ومين اللي واقف هناك بيصرخ ويرد حق أختي قدام الدنيا كلها!”

نزلت من العربية ورا أخويا وبابا، ورجلي بتترعش. مشينا خطوتين ناحية التجمهر الكبير اللي قدام معرض السجاد، والناس كانت واقفة صفوف بتتفرج والكل بيتكلم في نفس الوقت.

أول ما قربنا، لمحت الست اللي كانت السبب في كل اللي جرى لي.. أم طليقي! كانت واقفة في وسط الشارع، وشها غرقان دموع، وبتصرخ بأعلى صوتها وهي ماسكة في خناق راجل كبير، وبتقول: “يا حرامي.. يا نصاب! والله ما هسيبك، دي تحويشة عمر ابني!”

المشهد المقلوب.. سحر ينقلب على الساحر

الراجل اللي كانت ماسكة فيه طلع هو صاحب معرض السجاد نفسه! اللي من شهر واحد بس شهد خناقتنا وطردتني أمه من جواه. كان واقف ومعاه المحامي بتاعه وقوة من تنفيذ الأحكام، ورافعين قرار رسمي بالحجز على المعرض بالكامل وقفل الشمع الأحمر.

أخويا سأل واحد من الجيران واقف بيتفرج: “هو في إيه يا فنان؟ إيه اللي بيحصل هنا؟”

رد الراجل وهو بيضحك بسخرية:

> “يا باشا، المعرض ده طلع صاحبه مديون بطوب الأرض، وواخد قروض وفلوس من ناس كتير وفاتح بيها كذا فرع نصاب.. والنهاردة الحكومة جاية تحجز على كل السجاد والممتلكات اللي جوة المعرض عشان تسدد الديون.”

في اللحظة دي، استوعبت الصدمة! السجاد الـ35 ألف جنيه اللي أم طليقي أجبرتني أشتريه، واللي دفعنا فيه فرق فلوس وفاتورته كانت لسه باسم طليقي في حسابات المحل.. طلع المحل كله وهمي وبضاعته محجوز عليها، والفلوس اللي دفعوها كاش راحت عليهم ومبقاش ليها أي أثر قانوني لأن المعرض أعلن إفلاسه رسميًا والنيابة شمعته!

### المواجهة في قلب الشارع

أم طليقي وهي بتصرخ وتلطم، عينيها جت في عيني. شافتني واقفة ورايا عربيات النقل محملة بعفشي وجهازي كامل مكمل، والشرطة بتحميني وبتردلي حقي.

سابت صاحب المحل وجريت عليا زي المجنونة، والدموع مالية وشها، وقالت وهي بتنهج:

“الحقيني يا رنا.. شوفي ابن الحرام ده ضيع علينا شقا الواد وفلوس السجاد! قولي لأخوكي يتدخل، مش هو معاه ظباط هنا؟ يخليهم يجيبوا لنا فلوسنا!”

بصيت لها بكل برود، نفس البرود اللي بصتلي بيه يوم ما قالتلي “جهازك تعبان”. ونظرت لوالدي اللي كان واقف زي الجبل جنبي، وقلت لها بصوت قوي سمعه كل اللي واقفين:

“يا طنط.. إنتي مش قولتلي في المكان ده بالظبط (أوعوا تكونوا فاكرين إنكم عملتوا حاجة كبيرة)؟ سبحان الله، ربنا مبيسبش حق حد. الفلوس اللي كنتي بتتكبري بيها علينا، راحت في نفس المكان اللي كسرتي بخاطري فيه.”

أخويا شدني من إيدي وقالها بحدة: “ابعدي عن طريقنا يا ست إنتي، إحنا ملناش علاقة بيكم، ويلا يا رنا عشان ننزل العفش في بيتنا.”

### بداية جديدة.. ولكن!

رجعنا البيت، والمنطقة كلها كانت بتبص لنا بفخر واحترام. نزلنا العفش كله وشيلناه في شقة والدي، وحسيت إن جبل وانزاح من على صدري. الحق المادي رجع، والعدالة الإلهية شفتها بعيني في نفس اليوم ونفس اللحظة.

مرت الأيام، وبدأت أستعيد نفسي وصحتي، وأرجع لشغلي وحياتي، وكنت فاكرة إن الحكاية قفلت أبوابها لحد كده..

لحد ما عدا شهرين، وفي يوم وأنا راجعة من الشغل العصر، لقيت عربية غريبة واقفة قدام باب بيتنا، وأول ما دخلت الشقة، لقيت والدتي قاعدة في الصالون ووشها مقلوب، وبتبصلي بنظرة غريبة مريحة.. وفي الصالون كان قاعد شخص مكنتش أتوقع أبدًا إني أشوفه في بيتنا بعد كل اللي حصل! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الشخص اللي كان قاعد في الصالون مكنش طليقي، ولا كانت أمه.. الصدمة إنها كانت “مروة”، الأخت الكبيرة لطليقي، واللي كانت مسافرة مع جوزها في الخليج ومحضرتش من أول المشاكل ولا شافت اللي حصل.

أول ما شافتني داخلة، وقفت بسرعة والدموع في عينيها، وجريت عليا وهي بتقول: “سامحيني يا رنا.. أنا جاية ومكسوفة أحط عيني في عينك أو عين والدتك، بس أنا ملنيش ذنب في كل الجنان اللي حصل ده!”

### الحقيقة المُرّة.. والندم المتأخر

قعدت وأنا مستغربة ومستنية أسمع وراها إيه. مروة بدأت تتكلم وصوتها بيرعش من الحرج:

أنا نزلت مصر إجازة من يومين بس، ولما عرفت الكارثة اللي حصلت اتجننت. أمي ومحمد خبوا عليا كل حاجة، ولما جيت وسألت الجيران وعرفت المحاكم وفضيحة المعرض، لمتهم لحد ما البيت اتهد علينا. أنا جاية أقولكم إن محمد اتهد، وأمي جالها جلطة خفيفة من زعلها على الفلوس وحال ابنها، ومحمد قاعد في الأوضة قافل على نفسه ومبيكلمش حد.”

>

بصتلي مروة ورجعت تمسك إيدي وقالت:

“رنا.. محمد بيحبك، هو غلط وضعف قدام أمي ودلعها، بس والله هو مش وحش، هو اتعمى في لحظة غضب. أنا جاية أطلب منك فرصة أخيرة، محمد مستعد يكتبلك شقة جديدة باسمك، ويبعد عن أمي تمامًا، ويعتذر لوالدك وأخوكي قدام المنطقة كلها.. أرجوكي فكري.”

قرار لا رجعة فيه

التفتُّ لوالدتي اللي كانت سايبالي الكلام تمامًا، وبعدين بصيت لمروة وقلت لها بكل هدوء:

“يا مروة، إنتي على راسي، وإنتي طول عمرك مالكيش في المشاكل. بس محمد بالنسبة لي مات من يوم ما رماني بالثلاثة في وسط السوق عشان يرضي كبر أمه. الشقة والفلوس مش هيرجعوا كرامة أهلي اللي انداست، ولا دموعي اللي نزلت قهر.”

وفي اللحظة دي، دخل أخويا من باب الشقة. أول ما شاف مروة، وشه اتغير وعروقه برزت، وقال بصوت حازم:

“أهلاً يا مدام مروة، نورتي.. بس لو الكلام في رجوع، فالباب ده اتقفل بالضبة والمفتاح. إحنا كسرنا ورا ابنكم قلة، وبنتنا مش للبيع ولا للتجارب.”

مروة حست إن مفيش أمل، وقفت وهي بتعيط، واعتذرت لوالدتي وخرجت وهي مكسورة الخاطر على حال أخوها وبيته اللي اتخرب بإيد أمه.

### مفاجأة تقلب الموازين

عدا أسبوع على زيارة مروة، وبدأت أحس إن حياتي أخيرًا استقرت، ومبقاش في بالي غير شغلي ومستقبلي.

لكن في يوم، جالي اتصال على الموبايل من رقم غريب. رديت، ولقيت صوت راجل وقور بيتكلم بنبرة كلها احترام:

“السلام عليكم، الأستاذة رنا معايا؟ أنا المحامي (سامح عبد العزيز)، محامي صاحب معرض السجاد القديم.. كنت عايز أبلغك إن موكلي قبل ما يتم التحفظ عليه، سابلي أمانة وورقة رسمية تخصك إنتي بالذات، ولازم تقابليني في المكتب عشان تستلميها، لأن الموضوع ده هيغير مسار قضايا كتير!”
وقفت في مكاني ومش فاهمة حاجة.. أمانة إيه وورقة إيه اللي سابها صاحب المعرض ليا أنا؟ وليه في التوقيت ده بالذات؟

رحت للمحامي وأنا محتارة، وأخدت معايا أخويا عشان مكنتش قادرة أواجه أي حاجة تخص الموضوع ده لوحدي. أول ما دخلنا المكتب، المحامي رحب بينا بكل احترام، وطلع من الخزنة ملف وسجل صغير، وبصلي وقال:

“الأستاذة رنا.. موكلي صاحب المعرض قبل ما يتسجن ويتحجز على ممتلكاته، ضميره أَنَّبه جدًا من الموقف اللي حصل معاكي في المحل. هو شاف بعينه إزاي اتظلمتي وإزاي كرامة أهلك انداست بسبب السجادة، ويومها مكنش قادر يتكلم عشان كان خايف على بيعته وفلوسه.”

فتح الملف وطلع منه ورقة رسمية مختومة، وكمل كلامه:

> “أم طليقك وابنها لما رجعوا السجاد الأولاني اللي بـ18 ألف، ودفعوا الفرق عشان يسترخوا السجاد التاني اللي بـ35 ألف، هما مدفعوش الفلوس كلها كاش زي ما قالولك! هما دفعوا جزء كاش، ومحمد مضى على شيكات ووصولات أمانة بالباقي باسمه الشخصي لصاحب المعرض.. وموكلي قبل ما يتوقف، عمل تنازل رسمي عن الشيكات والوصولات دي ليكي إنتي كتعويض عن كسر خاطرك، يعني باختصار: طليقك دلوقتي مديون ليكي إنتي بفلوس السجاد، ومن حقك تحبسيه في أي وقت!”
المواجهة الحاسمة.. الدَين والندم

الورقة دي كانت بمثابة ضربة قاضية جديدة لأهل طليقي. أخويا أخد الورقة وهو مش مصدق، والضحكة رجعت لوشه من جديد، وقال: “سبحان المذل المعز.. بفلوس السجاد اللي خربوا بيها البيت، بقوا تحت ضرسنا!”

ممرش يومين، وطليقي عرف باللي حصل من خلال المحامين. لقيت تليفون أخويا بيرن، وكان محمد هو اللي بيتصل، وصوته كان مرعوب وبيعيط بجد:

“يا أحمد، أرجوك بلاش حبس، أنا مستقبلي هيضيع، والوصولات دي لو اترفت عليا هسقط من وظيفتي.. أنا وأمي غلطنا في حقكم، وإحنا مستعدين لأي شروط بس رنا تتنازل!”

أحمد رد عليه بكل برود:

“شروطنا هتوصلك مع المحامي.. وإحنا مش زيك بنرمي الناس في الشوارع، إحنا هناخد حقنا بالشرع والقانون والاصول اللي متعرفهاش.”

### خطوة نحو المستقبل.. وظهور غريب

اتنازلنا عن الوصولات بعد ما محمد مضى على إقرار بعدم التعرض ليا أو لأهلي تمامًا، ودفع تمنها كاش كتعويض مادي عن المؤخر والنفقة، والموضوع اتقفل قانونيًا تمامًا وبقيت حرة رسميًا.

بعد مرور ست شهور على الحادثة دي، كنت بدأت أتعافى بجد، ونزلت شغل جديد في شركة تسويق عقاري كبيرة، وبقيت مركزة في نفسي وبس. وفي يوم، وأنا نازلة من الشركة ومروحة، لقيت شخص واقف قدام عربيتي، لابس بدلة شيك جدًا، وباصصلي بابتسامة هادية..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *