ف المترو انجي الخطيب 3
الظابط وقف من طوله، والكرسي اتهبد وراه بقوة: “اطلبوا الإسعاف فوراً! وهاتوا دكتور الوحدة بسرعة!”
الدنيا اتقلبت في الممر، والعساكر والضباط كانوا بيجروا في كل اتجاه. أنا وقفت مكاني مشلولة، مش عارفة أحس بإيه.. هل أفرح إن ربنا جاب لي حقي؟ ولا أخاف من السر اللي الظابط كان لسه هيقوله؟ ولا أت صدم في نهاية الراجل اللي كان في يوم من الأيام كل دنيتي؟
دقايق مرت وكأنها سنين، لحد ما دكتور الوحدة طلع من الحجز وهو بينهج ووشه أصفر، وبص للظابط وهز رأسه بأسف: “مفيش فايدة يا فندم.. المتهم قطع النفس تماماً. المؤشرات الحيوية وقفت، واضح إنه أخد جرعة سم سريعة المفعول ومكثفة جداً.. غالباً كانت معاه في فص خاتم أو كبسولة مخبيها.”
الظابط خبط مكتبه بقبــ,,ـــــضة إيده بغضب: “انتــ,,ـــــحر! هرب من العقاب بالسهولة دي؟!” وبعدين التفت ليا، ونظرته كانت مليانة غموض وشفقة. مسك التقرير اللي كان في إيده، وبدأ يقرأ الكلام اللي هشام كتبه للمهندس قبل ما يتم القبــ,,ـــــض عليه بكام ساعة.
الظابط بصلي وقال بصوت واطي: “ليلى.. هشام مكنش عاوز ي.ك عشان فلوس التأمين بس.. فلوس التأمين دي كانت مجرد غطاء عشان يقفل ديونه. السبب الحقيقي مكتوب هنا.. هشام كان كاتب للمهندس: (ليلى بدأت تشك وتفتش ورايا، لو عرفت موضوع جوازي التاني من أختها (ريهام) والفلوس اللي سرقتها من ورثهم، كل حاجة هتضيع.. لازم الجرعة تخلص عليها الأسبوع ده).”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. أختي؟ ريهام؟! أختي الوحيدة اللي كانت عايشة معايا في البيت بعد وفــ,,ـــــاه أهلنا، واللي سافرت فجأة من كام شهر وقالت إنها لقت شغل برا مصر! طلعت مسافرتش؟ طلعت متجوزة جوزي؟ وكمان سرقوا ورثنا اللي سابوه أهلنا؟!
مبقتش حاسة برجليا، الأرض لفت بيا ووقعت على الكرسي وأنا مش قادرة أستوعب كمية الغدر والطعنات اللي جاتلي من أقرب الناس ليا. جوزي بي.ني بالإشعاع، وأختي شريكته في الجريمة وفي سرقة حياتي!
الظابط قرب مني وهداني، وقال بحزم: “متضعفيش يا ليلى، إنتي كتب ليكي عمر جديد. هشام انتــ,,ـــــحر وأخد عقابه في الدنيا، لكن أختك ريهام والمهندس مدحت لسه حسابهم مجاش. إحنا استدر,,ــــصنا أمر ضبط وإحضار للمهندس، وقوة تانية رايحة دلوقتي على شقة مشبوهة في منطقة (…) بناءً على التتبع الجغرافي لتليفون هشام.. الشقة دي ريهام مستخبية فيها.”
مسحت دموعي، والغضب اللي جوايا فجأة تحول لطاقة رهيبة. وقفت على رجلي وبصيت للظابط وقُلت بنبرة قوية وعينيا فيها نظرة انتقام: “أنا هروح معاكم يا فندم.. لازم أشوفها في عيني وهي بتتحاسب، لازم أعرف إزاي هان عليها دمي!”
الظابط تردد لحظة، بس لما شاف الإصرار في عيني وافق. ركبنا بوكس الشرطة، والسرينات كانت بتصرخ في شوارع القاهرة الضلمة. وصلنا قدام عمارة قديمة، والقوة بدأت تتسحب للممر ويطلعوا السلالم بهدوء وأنا ماشية وراهم ونبضات قلبي بتسابق الزمن.
وقفنا قدام باب الشقة في الدور الثالث. الظابط شاور للعساكر، وفي ثانية واحدة.. الباب اتهد واتكسر بصوت قوي، والعساكر دــ,,ـــــخلوا وهما رافعين سلاحهم: “اثبت مكانك منك ليها! الشرطة!”
دــ,,ـــــخلت وراهم الصالة، وعيني جت فوراً على الكنبة.. كانت ريهام قاعدة، وجنبها المهندس مدحت، وقدامهم شنطة سفر كبيرة مفتوحة ومليانة رزم فلوس ودلايات دهب شبه اللي كانت في رقبتي! ريهام أول ما شافتني واقفة على رجلي وبكامل صحتي، وشها بقى زي الأموات، صرخت برعب واستغثت وهي بترجع لورا: “مستحيل!! إنتي لسه عايشة إزاي؟! ليلى.. إنتي شبح ولا إيه؟!”
قربت منها بخطوات بطيئة، والظابط شاور للعساكر يكلبشوهم. وقفت قدامها بالظبط، ورفعت إيدي ونزلت بقلم قوي على وشها، وقلت بصوت زلزل المكان: “أنا حية يا ريهام.. حية عشان أدفــ,,ـــــنكم بإيدي!”
وفي اللحظة دي، المهندس مدحت وهو بيتسحب والكلبشات في إيده، ضحك ضحكة هستيرية وبصلي وقال: “مبسوطة قوي إنك عشتي يا مدام ليلى؟ طب متفرحيش قوي كده.. السلسلة قعدت في رقبتك شهور، والجرعة اللي جسمك امتصها كفيلة تخلي أيامك اللي جاية في الدنيا معدودة.. إنتي ميتة ميتة يا ليلى، ومفيش علاج!”
يُتبع…
وقعت الكلمات عليا زي المَية الساقعة. “إنتي ميتة ميتة يا ليلى!”.. الجملة بدأت تصفر في وداني، وصوت ضحكات مدحت الهستيرية كان بيملى الأوضة وهو العساكر بيشدوه لبرا مع ريهام اللي كانت بتعيط وتصرخ وتطلب مني الأمان والمغفرة وهي بتتجرجر على الأرض.
بصيت لإيدي اللي كانت بترتعش، واكتشفت إن الغثيان رجع يهاجمني تاني، بس المرة دي مش من الإشعاع.. من القرف والصدمة. الظابط قرب مني وبصلي بقلق: “يا مدام ليلى، متسمعيش لكلام المجرم ده، هو بيقول كده عشان يكسرك. إحنا هنطلب ليكي عربية إسعاف فوراً تنقلك لمعهد الأورام والطاقة الذرية، هناك في دكاترة متخصصين وهيطلعوا المادة دي من جسمك.”
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق. ركبت عربية الإسعاف، وجوايا صراع مرعب.. هل فعلاً هشام وريهام نجحوا في خطتهم؟ هل هلحق أعيش وأفرح بنجاتي، ولا أنا مجرد جــ,,ـــــثه بتاخد وقتها عشان تمــ,,ـــــوت؟
وصلت المستشفى، والدنيا هناك كانت جاهزة ومستنياني بناءً على إخطار النيابة. دــ,,ـــــخلت أوضة عزل معقمة، وبدأت فحوصات وتحاليل من نوع تاني خالص.. أجهزة غريبة بتمر على جسمي، ودكاترة لابسين لبس واقي كأنهم في حرب كيمياوية. كل ده وأنا بفتكر الراجل العجوز في المترو.. الجواهرجي اللي ربنا بعتهولي في آخر لحظة عشان ينقذ حياتي. لو مكنتش قابلته، كنت زماني دلوقتي بدفــ,,ـــــن من غير ما حد يعرف السر.
بعد ساعات طويلة من القلق والانتظار، الباب انفتح ودــ,,ـــــخل الدكتور المسؤول عن حالتي. كان ماسك في إيده ملف، وملامح وشه مكنتش مفهومة.. ميكس بين الجدية والارتياح الخفيف. قعد على الكرسي قدامي وقالي بصوت هادي:
“مدام ليلى.. أنا مش هخبي عليكي، نسبة الإشعاع اللي دــ,,ـــــخلت جسمك كانت هتبقى قاتلة فعلاً لو استمرت لشهر كمان. المادة اللي كانت في الدلاية هي (سيزيوم 137)، وهي مادة خطيرة جداً وتأثيرها تراكمي.”
حبست نفسي وسألته بصوت متحشرج: “يعني.. يعني المهندس ده بيتكلم صح؟ أنا خلاص بمــ,,ـــــوت؟”
الدكتور ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “الحمد لله، ربنا كتبلك عمر جديد لسببين. الأول: إن الكبسولة الرصاص اللي اتصنعت فيها الدلاية كانت بدائية شوية وفيها تسريب بسيط مش كامل، وده قلل حجم الجرعة اليومية. والسبب التاني: إننا اكتشفنا الموضوع في الوقت المناسب قبل ما يحصل فشل كامل في النخاع الشوكي. إحنا هنبدأ معاكي فوراً كورس علاجي بمادة اسمها (أزرق بروسيا)، ودي مادة بتمسك في السيزيوم وتطرده بره الجسم تماماً من غير ما يمتصه.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع ارتياح.. دموع بني آدم رجع من القبــ,,ـــــر بعد ما كان رجله جواه.
مرت أسابيع في المستشفى، وجسمي بدأ يسترد عافيته بالتدريج. الصداع قل، وطعم المعدن الغريب اختفى تماماً من بوقي، ورجعت ملامحي تنور تاني بعد ما كانت باهتة زي الأموات. وفي نفس الوقت، كانت التحقيقات شغالة بنــ,,ـــــار. ريهام ومدحت اعترفوا بكل حاجة؛ اعترفوا إزاي خططوا لسرقة نصيبي في ورث بابا وماما، وإزاي هشام كان بيمضي لي على أوراق وسط التعب من غير ما أدرى، وإزاي اتفقوا يخلصوا مني عشان يعيشوا بالفلوس.
في يوم خروجي من المستشفى، وقفت قدام المراية وأنا بلبس هدومي. رقبتي كانت فاضية تماماً، مفيش فيها أي سلاسل.. وكنت حالفة إن مفيش حاجة هتحوط رقبتي تاني غير حريتي وقوتي.
نزلت الشارع، الشمس كانت طالعة والجو فيه روح جديدة. قررت قبل ما أروح أي حته، إني لازم أروح الصاغة.. لازم أشكر الراجل اللي كان سبب في حياتي بعد ربنا.
وصلت المحل الصغير، ودــ,,ـــــخلت وأنا ببتسم وبدور عليه بعيني.. بس لاقيت مكانه شاب صغير وشه حزين. قربت منه وسألته: “لو سمحت.. فين الحاج الجواهرجي الكبير اللي كان قاعد هنا من أسابيع؟”
الشاب بصلي بحزن وقال: “البقاء لله يا فندم.. جدي اتوفى من أسبوعين.”
قلبي انقبــ,,ـــــض وسألته بدموع: “مات؟ إزاي؟!”
الشاب اتنهد وقالي كلام خلاني أقف مكاني مذهولة، والسر الأخير والأخطر في الحكاية كلها بدأ ينكشف قدام عيني..
الشاب اتمهد ومسح دموعه وقال بصوت مرعوب وواطي:
“جدي مات مقتول يا فندم! البوليس جه وسألنا كتير، بس الموضوع غريب جداً.. جدي مكنش بيمــ,,ـــــوت، جدي كان سليم وزي الفل، بس من كام أسبوع رجع المحل وكان لابس كيس رصاص في إيده، وقالنا إنه فحص حتة ذهب ملعونة فيها سم مشع. بعديها بيومين بس، المحل اتقلب، ودــ,,ـــــخل عليه شخص مجهول وضــ,,ـــــربه بحقنة غريبة في رقبته وهرب.. المستشفى قالت إنه اتسمم بمادة مجهولة وقفت قلبه فوراً!”
وقعت الكلمات عليا زي الصاعقة.. مدحت وهشام مكنوش لوحدهم! كان في طرف رابع في اللعبة، طرف خفي هو اللي وفر ليهم المادة المشعة، وهو اللي تخلص من الجواهرجي عشان يدفــ,,ـــــن السر، وهو نفسه اللي . هشام في الحجز بالسم عشان ميعترفش عليه!
طلعت من المحل وأنا ببكي بحــ,,ـــــرقة على الراجل العجوز اللي دفع حياته تمن لإنقاذي. وفي اللحظة دي، رن تليفوني برقم الظابط المسؤول عن القضية. فتحت الخط وإيدي بتترعش، وجالي صوته حاسم وسريع:
“مدام ليلى، إنتي فين؟ المحكمة أدر,,ــــصت حكمها اليوم بالإعدام شنقاً على ريهام أختك والمهندس مدحت.. بس في مفاجأة تانية لازم تعرفيها، إحنا فحصنا الحسابات السرية لمدحت، ولقينا تحويلات بملايين الجنيهات جاية من بره مصر، من شبكة دولية لتهريب المواد المشعة! هشام ومدحت كانوا مجرد عرايس في إيد حوت كبير.. والحوت ده هو اللي صفى كل خيوط القضية.”
سكتش ثانية وقلت له والدموع جفت في عيني وحل مكانها برود رهيب: “أنا عرفت يا فندم.. الجواهرجي كمان مات.”
الظابط اتنهد وقال: “متخافيش يا ليلى، القضية اتقفلت جنائياً بنجاحك ونجاتك وإعدام الشياطين اللي أذوكي، والإنتربول دلوقتي بيطارد الراس الكبيرة.. إنتي في أمان.”
قفلت السكة وبصيت للسما.. حسيت ببرودة الهوا ونظافة النَفَس اللي بيدــ,,ـــــخل در,,ــــصي. ريهام وهشام ومدحت، كلهم أخدوا جزاءهم.. اللي انتــ,,ـــــحر، واللي مستني حبل المشنقة. خسرت أختي وجوزي، وخسرت ثقتي في الناس، بس كسبت نفسي وعمري اللي كان هيضيع في كبسولة دهب مصممة للمــ,,ـــــوت.
ركبت المترو تاني في نفس اليوم، وقفت في نفس المكان اللي قابلت فيه الجواهرجي العجوز. حطيت إيدي على رقبتي الفاضية، وبصيت لصورتي في قزاز المترو.. مكنتش ليلى الضعيفة المريضة اللي بتمــ,,ـــــوت بالبطيء، كنت ليلى الجديدة، اللي نجت من المــ,,ـــــوت بالإشعاع، والي اتعلمت إن الغدر ممكن ييجي في علبة هدايا، بس ربنا دايماً بيبعت طوق النجاة في أغرب الأوقات.. وعلى هيئة راجل عجوز في زحمة مترو الأنفاق.
تـمـت.