حين سقط القناع بقلم ندى الجمل
اكتشفت إن جوزي بيخوني… فقومت حاطاله مُليّن في القهوة قبل ما ينزل يقابلها 🤣☕️
وكنت فاكرة إن دي أسوأ صدمة ممكن أعيشها…
بس قبل الفجر، ست خبطت على باب شقتي وهي بتعيّط وشايلة طفل رضيع، وبصوت كله خوف قالتلي:
— لو ما اتكلمتش الليلة… جوزك هيدمّرك يا مريم.
الساعة كانت داخلة على 11 بالليل، وأنا واقفة في المطبخ ببص لـ كريم من بعيد.
كان واقف قدام المراية بيظبط شماغه ويرش برفانه للمرة التالتة في أقل من عشر دقايق.
راجل بيقول إنه نازل اجتماع شغل…
بس مهتم بريحة البرفان أكتر ما اهتم بيا طول الشهور اللي فاتت.
سبعتاشر سنة جواز… كفاية إن الست تحفظ جوزها أكتر ما تحفظ نفسها.
كنت بعرف إمتى بيكدب.
وإمتى بيتصنع الهدوء.
وإمتى عينه بتهرب مني لما يكون مخبي حاجة.
وكريم اتغير جدًا الفترة الأخيرة.
تليفونه مبقاش يفارقه.
يبتسم لوحده وهو بيقرا الرسايل.
ويقفل الشاشة بسرعة أول ما أقرب.
وبقى يرجع البيت متأخر بحجج محفوظة ومكررة.
بس اللي كسرني بجد الليلة دي…
ماكانتش الصور.
كانت الكلام.
دخل الحمام وساب تليفونه على الترابيزة.
وأول مرة من شهور…
يسيبه مفتوح.
فجأة التليفون رن.
والرسالة ظهرت قدامي على طول:
“هستناك الليلة… وما تنساش البرفان اللي بحبه 🤍”
حسيت بتلج بيجري في جسمي.
مسكت التليفون بإيديا المرتعشة.
وفتحت الشات.
وفي ثواني…
سبعتاشر سنة من عمري وقعوا قدام عيني.
ماكانوش شوية رسايل عابرة.
كان بيكلمها بطريقة بقاله سنين ماكلمنيش بيها.
“وحشتيني.”
“الكلام معاكي بيروقني.”
“وجودك في حياتي فرق معايا.”
“إنتِ أحلى حاجة حصلتلي من زمان.”
نفسي اتقطع للحظة.
لأني افتكرت آخر مرة قالي كلام شبه ده.
آخر مرة مسك إيدي من غير سبب.
آخر مرة بصلي فيها كأني ست… مش مجرد زوجة متعود عليها.
خرج كريم من الحمام بعدها بثواني، ووقف مكانه أول ما شاف التليفون في إيدي.
السكوت ملي المكان.
بصيتله بعينين مليانين وجع وقلت بصوت مخنوق:
— مين دي؟
الغريب إنه ما اتخضش.
وما اعتذرش.
تنهد بضيق كأني أنا اللي مزعجاه وقال:
— إنتِ بتفتشي موبايلي ليه يا مريم؟
ضحكت بصدمة:
— عشان إنت بتخوني!
عدّى إيده على وشه وقال ببرود:
— إنتِ مكبرة الموضوع.
وقرب مني وقال بصوت أوطى:
— ومن بعد ما خسرنا البيبي الأخير… وإنتِ بتهيألك حاجات كتير.
الكلام وجعني أكتر من الخيانة نفسها.
ما أنكرش.
ما اعتذرش.
بس خلاني أحس إن المشكلة فيا أنا… وكأني المفروض أسكت وأتفهم عادي.
دخلت المطبخ وأنا جسمي كله بيرتعش.
ماكنتش بفكر في طلاق.
كنت بس موجوعة.
وجع يخلي البني آدم نفسه يبوظ راحة اللي كسر قلبه… حتى لو بحاجة صغيرة وتافهة.
فتحت درج الأدوية.
وطلعت علبة مُليّن خفيف كانت أمي بتستعمله زمان.
بصيتلها شوية…
وبعدين حطيت منه شوية في فنجان القهوة بتاعه.
حركة طفولية وساذجة…
بس كانت كل اللي قدرت أعمله وقتها.
خدتله القهوة.
ابتسم أول ما شافها وقال:
— رجع مزاجك الحلو بقى؟
ناولته الفنجان ببرود:
— ماتقلقش… دي قهوة وبس.
ضحك وشرب.
رشفة…
وراها التانية…
لحد ما خلص الفنجان كله.
بعد كام دقيقة، وشه اتغير فجأة.
حط إيده على بطنه وبصلي بشك:
— إنتِ حطيتي إيه في القهوة؟
رفعت حواجبي ببراءة:
— ولا حاجة يا حبيبي.
سكت ثانية…
وعرفت إنه فهم إني كشفت كل حاجة.
بس الغريب إنه ما اتعصبش.
بالعكس… توتر بطريقة خوفتني.
خد مفاتيحه وموبايله وخرج من الشقة بسرعة غريبة.
وقفت أبص للباب بعد ما قفله وراه.
كنت فاكرة إنه هيرجع بعد شوية…
بس كان فيه حاجة في شكله مرعبة.
حاجة حسستني إنه مش بيهرب مني أنا…
كأنه بيهرب من مصيبة أكبر.
الوقت عدى ببطء.
والمطر هدي شوية.
والصمت في البيت بقى تقيل على قلبي.
قعدت على الكنبة أحاول أستوعب اللي حصل.
أوقات الست ما بتعيطش أول ما تتكسر.
أوقات بتحتاج بس تقعد ساكتة…
عشان تفهم إزاي الراجل اللي حبته يوم بقى غريب بيشاركها نفس السفرة.
وفجأة…
جرس الباب رن بعنف.
مرة.
واتنين.
وتلاتة ورا بعض.
بصيت في الساعة.
كانت بعد نص الليل بشوية.
قلبي اتقبض بطريقة خوفتني.
قمت ناحية الباب ببطء.
ولما فتحته…
اتجمدت مكاني.
ست واقفة تحت المطر، وشها شاحب ومرعوبة، شايلة طفل رضيع ملفوف في بطانية صفرا.
عرفتها فورًا.
هي نفس البنت اللي شفت صورها في موبايل كريم.
كانت بتعيط… وبتترعش من الخوف.
حضنت الطفل أكتر لصدرها وقالت بصوت مكسور:
— والله لو ما جيتش الليلة… كريم هيدمّرك إنتِ وابنك للأبد.
اتسمرت مكاني وأنا ببصلها.
المطر كان مغرق شعرها وهدومها، والبيبي بيعيط بصوت واطي، وهي كل شوية تبص وراها كأن حد بيجري وراها.
قلت بصدمة:
— تقصدي إيه؟
دخلت بسرعة وقفلت الباب بنفسها، وبعدها سندت ضهرها عليه وهي بتنهج.
— بالله عليكي… ما تخليهوش يعرف إني جيت هنا.
القشعريرة سرت في جسمي كله.
دي مش واحدة جاية تتباهى إنها خطفت راجل متجوز…
دي واحدة مرعوبة بجد.
حطت البيبي على الكنبة بحذر، ومسكت إيدي فجأة وقالت:
— كريم كدب عليكي في كل حاجة… وأنا كمان كنت غبية وصدقته.
شديت إيدي منها بعنف:
— إنتِ آخر واحدة تتكلم عن الكدب.
وطّت راسها وكأنها مستنية الإهانة، وبعدها قالت بصوت متقطع:
— معاكي حق… بس لو سمعتي الحقيقة كاملة هتفهمي أنا ليه خايفة بالشكل ده.
فضلت واقفة ساكتة ببصلها.
كانت أصغر مني بكم سنة… وجميلة فعلًا.
بس ملامحها كانت منهارة.
وشها شاحب، شفايفها مزرقة من البرد، وعينيها وارمين من العياط.
قالت وهي بتحاول تاخد نفسها:
— اسمي سارة… وكريم ماقاليش إنه متجوز غير بعد شهور.
ضحكت بوجع:
— طبعًا.
هزت راسها بسرعة:
— لا… اسمعيني للأخر أرجوكي.
وبعدين بصت ناحية الطفل.
— ده ابني.
حسيت الأرض بتتهز تحت رجلي.
بصيت للبيبي…
وبعدين ليها.
— إنتِ بتقولي إيه؟
انفجرت في العياط:
— ابني من كريم.
الصمت نزل علينا تقيل.
حتى صوت الساعة بقى مسموع بشكل مرعب.
سبعتاشر سنة جواز…
وخيانة…
وطفل كمان؟
مسكت طرف الترابيزة بإيدي عشان ما أقعش.
بس الصدمة الحقيقية…
ماكنتش الطفل.
كانت اللي قالته بعد كده.
رفعت عينيها ليا وقالت بخوف:
— كريم عليه ديون لناس خطر جدًا… واستخدم اسمك في كل حاجة.
قطبت حواجبي بعدم فهم:
— يعني إيه استخدم اسمي؟
بلعت ريقها، وطلعت ملف بلاستيك مبلول من شنطتها.
ناولتهولي بإيد بتترعش.
فتحته بسرعة…
وأول ما عيني وقعت على الورق…
نفسي وقف.
عقود.
شيكات.
قروض.
وإمضتي أنا.
أو على الأقل… نسخة متقلدة منها.
قلبي دق بعنف.
قلبت الورق بسرعة هستيرية وأنا مش مصدقة.
فيه قروض بملايين.
وفيه أوراق بيع.
وفيه توكيلات.
كلها باسمي.
همست وأنا حاسة إني هختنق:
— ده مستحيل…
سارة قربت مني وقالت بسرعة:
— أنا ماكنتش أعرف حاجة… أقسم بالله. كنت فاكرة إنه رجل أعمال طبيعي، لحد من أسبوع.
رفعت عيني عليها ببطء.
— أسبوع إيه؟
مسحت دموعها وقالت:
— سمعت مكالمة بينه وبين واحد… كانوا بيتكلموا عنك. وقال بالحرف: “مريم عمرها ما هتعرف غير لما يكون كل حاجة خلصت.”
الدم جمد في عروقي.
— يقصد إيه؟
بصتلي بخوف حقيقي:
— كان ناوي يهرب… ويسيب كل القضايا والديون عليكي إنتِ.
وقبل ما أستوعب كلامها…
سمعنا صوت عربية وقفت تحت العمارة.
اتجمد وش سارة فجأة.
وجريت ناحية الشباك تبص بخوف.
وبعدين لفّتلي ووشها كله رعب:
— يا نهار أبيض… ده كريم. هو رجع.
قلبي وقع.
بصّيت لسارة، لقيتها بتحضن البيبي بقوة لدرجة إنه بدأ يعيّط أكتر.
صوت باب العربية اتقفل تحت.
وبعدين…
صوت خطوات سريعة داخلة العمارة.
همست سارة وهي بترتعش:
— لو لقاني هنا… إحنا الاتنين هنضيع.
كنت لسه مصدومة، موجوعة، ومش فاهمة نص اللي بيحصل…
بس الخوف في عينيها كان حقيقي بشكل مرعب.
طفّيت نور الصالة بسرعة، وقلت لها:
— ادخلي الأوضة دي بسرعة.
جريت سارة ناحية غرفة المكتب الصغيرة وأنا قلبي بيدق بعنف.
وفي نفس اللحظة…
صوت المفتاح لفّ في الباب.
دخل كريم وهو بيتنفس بسرعة، وهدومه متبهدلة من المطر.
أول ما شافني واقفة في الضلمة، وقف مكانه.
— ليه النور مطفي؟
حاولت أتكلم طبيعي:
— كنت نايمة.
بصلي كام ثانية بنظرات شك، وبعدها دخل وقفل الباب وراه.
كان متوتر بشكل عمره ما ظهر عليه قبل كده.
عينه فضلت تلف في الشقة كلها… كأنه بيدور على حاجة.
أو على حد.
قال فجأة:
— محدش جه هنا؟
حسيت حلقي نشف.
— مين يعني اللي هيجي بعد نص الليل؟
ما ردش.
بس قلع ساعته بعصبية، ورمى المفاتيح على الترابيزة بقوة خضّتني.
ولأول مرة من سنين…
شفت الخوف في عيني كريم.
مش خوف من انكشاف خيانته.
خوف حقيقي.
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي:
— لو أي حد سألك عني… تقولي إنك ما تعرفيش حاجة.
اتجمدت مكاني.
— إيه اللي حاصل يا كريم؟
سكت ثواني… وبعدين قال:
— أنا متورط في شغل كبير شوية، وهيتحل.
ضحكت بصدمة:
— شغل؟! دي قروض وتزوير بإسمي!
أول ما قلت الجملة…
وشه اتبدل فورًا.
بصلي بحدة مرعبة:
— مين قالك الكلام ده؟
عرفت إني غلطت.
غلطت لما بينت إني عرفت أكتر من المفروض.
قرب مني بسرعة، ومسكني من دراعي بعنف لأول مرة في حياتنا.
— مين كان هنا يا مريم؟!
اتوجعت وحاولت أفلت منه:
— سيب إيدي!
لكن قبضته زادت قوة.
— سارة جات هنا؟!
وفي اللحظة دي…
صوت البيبي خرج من الأوضة.
ثانية واحدة بس.
لكنها كانت كفاية.
كريم ساب دراعي فجأة، ولف ناحية الصوت ببطء.
وشه بقى شاحب بطريقة مخيفة.
وبدأ يمشي ناحية الأوضة.
وسارة من جوه شهقت بخوف.
جريت وقفت قدامه بسرعة:
— ماتدخلش!
بصلي بنظرة عمري ما شوفتها منه.
نظرة شخص محشور في زاوية ومستعد يعمل أي حاجة عشان يهرب.
وقال بصوت منخفض ومرعب:
— ابعدي يا مريم… أحسنلك.
وقفت قدامه وأنا جسمي كله بيرتعش…
بس لأول مرة من سنين، ما خفتش منه.
قلت بصوت مهزوز:
— مش هسيبك تأذيها.
ضحك ضحكة قصيرة عصبية، وبعدين قرّب مني لدرجة إني حسيت نفسه على وشي.
— إنتِ مش فاهمة إحنا في إيه.
— يبقى فهمني!
بص حواليه بتوتر، وبعدها شد شعره بعصبية وقال:
— الناس اللي ورا الفلوس دي مش بيسيبوا حد. ولو سارة فتحت بقها… كلنا هنروح فيها.
ومن جوه الأوضة، سمعنا سارة بتعيط وهي بتحاول تسكّت البيبي.
كريم غمض عينه للحظة، وكأنه بيحاول يسيطر على نفسه، وبعدها قال بصوت أوطى:
— أنا كنت هحل كل حاجة.
ضحكت بمرارة:
— بهروبك؟ وبالقضايا اللي بإسمي؟!
بصلي للحظة طويلة… وسكوته كان اعتراف.
قلبي اتكسر أكتر من أي وقت فات.
سبعتاشر سنة…
وفي الآخر كان مستعد يبيعني عشان ينجو بنفسه.
فجأة…
رن موبايله.
الصوت خلانا كلنا نتجمد.
كريم طلع الموبايل من جيبه، وأول ما شاف الاسم… وشه فقد لونه.
رد بسرعة وهو بيحاول يبان طبيعي:
— أيوه…
لكن الصوت اللي طلع من السماعة كان عالي لدرجة إني سمعته:
— لقينا البنت اختفت يا كريم… ولو تكون راحت لمراتك، تبقى نهايتك الليلة.
الدم اتجمد في عروقي.
كريم بص ناحيتي ببطء.
ولأول مرة…
شفت الرعب الحقيقي في عينه.
الشخص اللي في التليفون كمل ببرود مرعب:
— إحنا تحت البيت دلوقتي.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت عربية تانية وقفت برا.
وراها باب عربية اتقفل.
ثم صوت خطوات متعددة داخلة العمارة.
سارة خرجت من الأوضة وهي شايلة البيبي ووشها أبيض كالموت.
همست وهي بتبكي:
— دول جم…
كريم شتم بصوت واطي، وبعدين جري ناحية الشباك يبص.
رجع بخطوات سريعة وقال:
— اسمعوني كويس… مفيش وقت.
بصلي مباشرة:
— فيه فلاشة في الخزنة… عليها كل حاجة. الحسابات، الأسماء، والتسجيلات. لو حصلي حاجة، خديها وروحي للشرطة.
بصيتله بذهول.
— وإنت؟
ضحك ضحكة مكسورة عمري ما سمعتها منه قبل كده.
— واضح إنهم مش جايين يشربوا قهوة.
وفجأة…
صوت خبط عنيف هز باب الشقة كله.
مرة.
واتنين.
وبعدين صوت راجل صرخ من برا:
— افتح يا كريم… وإلا هنكسر الباب!
البيبي انفجر في العياط.
وسارة حضنته أكتر وهي بترتعش لدرجة إن رجليها نفسها ما بقتش شايلّاها.
أما أنا…
فكنت واقفة في نص الصالة حاسة إن الكابوس أكبر من عقلي يستوعبه.
الخبط على الباب زاد بعنف.
— افتح يا كريممم!
الباب نفسه اهتز.
كريم جري ناحية غرفتنا، وفتح الخزنة اللي جوه الدولاب بسرعة عصبية.
إيده كانت بتترعش وهو بيدوّر بين الورق.
طلّع فلاشة صغيرة سوداء، ولفّ ناحيتي ومدهالي.
— خدي دي.
بصيت للفلاشة وكأني ببص لقنبلة.
— دي عليها كل حاجة؟
هز راسه بسرعة.
— كل حاجة تدينهم… وتدينّي أنا كمان.
الكلمة الأخيرة وجعتني.
على الأقل أخيرًا بقى صادق.
مديت إيدي أخدتها، لكنه فجأة مسك إيدي بقوة.
— اسمعيني يا مريم… لو الباب اتفتح، ماتقوليش إنك تعرفي أي حاجة.
بصيتله بذهول وغضب:
— بعد كل اللي عملته… لسه بتحاول تحميني ولا بتحمي نفسك؟
فتح بقه يرد…
لكن صوت تكسير عالي قطع كلامه.
الرجالة برا بدأوا يكسّروا الباب فعلًا.
سارة شهقت بخوف، وأنا حسيت قلبي هيقف.
كريم لف بسرعة وقال:
— فيه باب خدمة في المطبخ. خدي سارة وامشوا حالًا.
صرخت فيه:
— وأسيبك؟!
بصلي نظرة غريبة… أول مرة أشوفها منه من سنين.
نظرة واحد عارف إنه غالبًا مش هيخرج من اللي جاي.
وقال بهدوء مكسور:
— يمكن دي أول مرة أعمل حاجة صح.
الخبط بقى أعنف.
خشب الباب بدأ يتشقق.
كريم جري ناحية المدخل، وزق الكنبة الثقيلة قدامه يحاول يعطلهم.
وبصلي وهو بيصرخ:
— امشي يا مريم!
اللحظة دي…
كل الذكريات عدّت قدامي.
فرحنا.
ضحكتنا زمان.
أول شقة.
أول مرة قالي فيها إنه بيحبني.
وكل الكدب اللي جه بعدهم.
دموعي نزلت غصب عني.
لكن صوت الباب وهو بيتكسر خلاني أفوق.
مسكت إيد سارة بسرعة، وجرينا ناحية المطبخ.
فتحنا باب الخدمة الحديد بصعوبة، والمطر البارد ضرب وشنا فورًا.
نزلنا السلم الخلفي بسرعة، والبيبي بيعيط بشكل هستيري.
وفجأة…
سمعنا صوت صريخ طالع من فوق.
صوت خناق.
وبعدين…
طلقة نار.
اتجمدت مكاني.
سارة صرخت.
أما أنا…
فحسيت الدنيا كلها سكتت للحظة.
طلقة واحدة بس…
كانت كفاية تغيّر كل حاجة.
وقفت في نص السلم وقلبي بيخبط بعنف لدرجة حسّيته هيطلع من صدري.
المطر كان بينزل بغزارة، وصوت البيبي المختنق بالعياط مخلوط بصدى الطلقة اللي لسه بيرن في وداني.
سارة مسكت دراعي وهي بتصرخ:
— يلا يا مريم! لازم نهرب!
لكن رجلي كانت متجمدة.
فوق…
في شقتي…
في راجل كنت بحبه يوم من الأيام.
حتى بعد الخيانة والكدب والقرف كله…
ماقدرتش أتمنى له الموت.
وفجأة…
صوت خطوات نازلة بسرعة من فوق.
اتخضينا إحنا الاتنين.
لكن اللي ظهر على السلم ماكانش واحد من الرجالة.
كان كريم.
وشه شاحب جدًا، وبيكتم أنينه بصعوبة، وإيده ضاغطة على جنبه والدم مغرق قميصه.
شهقت:
— يا نهار أبيض…!
سارة جريت ناحيته بسرعة: — كريم!
لكنه زقها بعنف وهو بيبصلي أنا.
— امشوا… حالًا.
كان بيتنفس بالعافية.
ومن فوق، سمعنا صوت الرجالة بيزعقوا:
— دوروا عليهم تحت!
كريم سند نفسه على الحيطة، وبصلي بنظرة عمري ما هنساها.
نظرة ندم متأخر.
وقال بصوت متقطع:
— آسف يا مريم…
الكلمة نزلت على قلبي أتقل من الرصاصة نفسها.
سبعتاشر سنة…
وأول اعتذار حقيقي جالي منه كان وهو بينزف.
دموعي نزلت غصب عني.
قلت بصوت مكسور:
— ليه عملت فينا كده يا كريم؟
غمض عينه لحظة، وبعدها قال:
— كنت فاكر إني أقدر أسيطر على كل حاجة… لحد ما غرقت.
وفجأة، رفع عينه لسارة والبيبي.
— خدي ابنك واهربي.
سارة كانت بتعيط بانهيار.
لكن صوت الرجالة قرب أكتر.
كريم بصلي بسرعة، ومد إيده المرتعشة ناحيتي.
— الفلاشة يا مريم… ماتضيعيش حقك.
هزيت راسي وسط دموعي.
وفي اللحظة دي…
طلع صوت رجالة من آخر السلم.
شافونا.
— أهم هناك!
كريم لف فورًا، وبكل قوته المتبقية زق باب الحديد بينا وبينهم، وبعدها بصلي للمرة الأخيرة.
وصرخ:
— اجرييي!
مسكت إيد سارة، ونزلنا نجري وسط المطر والظلمة.
ورايا كنت بسمع صوت خناق…
وصريخ…
وبعدين صوت ضرب نار تاني.
لكن المرة دي…
ما التفتّش.
فضلينا نجري لحد ما خرجنا للشارع الرئيسي، وأنا حاضنة الفلاشة جوا إيدي كأنها آخر حاجة فاضلة من حياتي القديمة.
وبعد ساعات…
كنا قاعدين في قسم الشرطة.
أنا، وسارة، والبيبي النائم بينا.
والظابط قدامه الفلاشة شغالة.
أسماء.
حسابات.
تسجيلات.
وكل حاجة.
الإمبراطورية اللي كريم اشترك فيها كانت بتقع في ليلة واحدة.
وبعد يومين…
عرفت إنه مات.
الرصاصة التانية كانت قاتلة.
ساعتها بس…
قعدت أعيط.
مش على الخيانة.
ولا على الكدب.
عيطت على الراجل اللي حبّيته زمان…
واللي ضاع مننا قبل ما يموت بسنين.
وبعد شهور طويلة…
وقفت في بلكونة شقتي الجديدة وقت الشروق، ماسكة فنجان قهوتي.
وسارة كانت جوا بتحضّر الفطار لابنها.
بقينا عيلة غريبة بشكل ما.
مش لأن كريم جمعنا…
لكن لأن وجعه كسرنا إحنا الاتنين بنفس الطريقة.
بصيت للسما وابتسمت لأول مرة من شهور.
وأدركت إن بعض النهايات المؤلمة…
بتكون بداية النجاة الحقيقية.
