امي نسيت بنتي ع الشاطئ بقلم صافي هاني 1
أمي رجعت من البحر وهي بتضحك، بس بنتي اللي عندها ست سنين مكانتش معاها. قالتلي ببرود إنها “نسيت” مريم عند الفوط، بنفس البساطة اللي ممكن حد ينسى بيها إزازة صن بلوك أو كرسي بحر مطبق.
بس لما لقيت بنتي الصغيرة بتترعش لوحدها في الضلمة، والعلامات الزرقا اللي محوطة معاصم إيديها عرفتني الحقيقة.
دي مكانتش غلطة أو سهو.
الموضوع كان أكبر وأسوأ من كده بكثير.
”فين مريم؟” سألت وأنا إيدي على أكرة الباب من قبل ما حد ينطق.
أبويا ساب كولمان المية يقع منه في الطرقة.
أختي خديجة دارت وشها الناحية التانية.
أمي اكتفت بضحكة خفيفة باردة ورفعت إيديها لفوق كأني بكبر المواضيع.
”يووه يا هنا، اهدي شوية. تلاقيني سبتها عند الفوط.”
سابتها.
كأنها شنطة بحر.
كأنها شمسية.
كأن البنت مكانتش طيرة من الفرحة الصبح وهي لابسة المايوه البنفسجي وبتبوسني في خدي بوسة ملزقة قبل ما ينزلوا.
مسكت مفاتيح العربية جامد لدرجة إن الحديد علم في كف إيدي.
أمي اتنهدت وبصت لفوق بملل: “إنتي طول عمرك بتعملي من الحبة قبة.”
خديجة دندنت بكلام مش مفهوم: “تلاقيها مع المنقذ ولا حاجة.”
أبويا مانطقش خالص، فضل مبحلق في الأرض.
طريق الرجوع للبحر حسيت إنه مش راضي يخلص.
#حكايات_صافي_هاني
سحاب الخريف كان مغطي السما فوق المية، ولما وصلت لموقف العربيات، كان الشاطئ خلاص فضي من الناس. جريت على الرملة الساقعة حافية وأنا بصرخ باسم مريم مراراً وتكراراً لحد ما صوتي اتشرخ.
#حصري
أخيراً لقيتها ورا كشك السندوتشات المقفول.
كانت مكمشة نفسها بين صندوقين زبالة، وبتترعش لدرجة إن سنانها بتخبط في بعض. الرمل كان لازق على خدودها المبلولة، والدموع عاملة خطوط على وشها.
بس لما شافتني، مجريتش على حضني.
دي اتخضت ورجعت لورا.
”ماما،” همست بصوت يدوب مسموع. “تيتا قالتلي مأقولش.”
لفيت جاكتي حوالين كتافها الصغيرة.
وفي اللحظة دي شفت العلامات.
دوائر غامقة حوالين معصم إيديها الاتنين.
منتظمة ومتطابقة لدرجة تستحيل تكون من وقعة.
#حصري
واضحة لدرجة مفيش معاها مجال للشك أو لتكذيب عيني.
بطني وجعتني وحسيت ببرودة الموت.
مريم ضمت إيديها لصدرها كأنها بتحاول تخبيهم مني.
#حكايات_صافي_هاني
بعدين شاورت بإيد بتترعش ناحية طريق الخدمة اللي ورا الشاطئ.
”في راجل خدني هناك،” همست. “طنط خديجة شافت. وجدو قال إني ببوظ كل حاجة.”
#حصري
الـنَفَس اتكتم في صدري ومبقتش قادرة أتنفس.
“راجل مين يا قلب ماما؟” سألتها بالراحة وبكل حنية.
مريم بلعت ريقها، وعينيها المرعوبة متثبتة في عيني.
“الراجل اللي في الصورة اللي في درج تيتا،” قالت. “اللي إنتي قولتي لهم إنه ميعتبش باب بيتنا أبداً.”
عرفت علطول هي تقصد مين.
خالي منتصر.
أخو أمي.
الراجل اللي أهلي ادعوا إنه سافر الخليج من سنين بعد ما التحقيق مع الشرطة قفل من غير اتهام رسمي.
تليفوني كان في إيدي فعلاً لما نور كشافات عربية ضرب في أخر الموقف.
عربية أبويا الكبيرة دخلت براحة، كأنهم كانوا ماشيين ورايا وقاصدين.
أمي نزلت الأولى.
والمرة دي، مكانش فيه أي ضحكة على وشها.
قالتلي: “هاتي البنت يا هنا.”
#حكايات_صافي_هاني
وبما اني طول الوقت عندي حظر تعليقات لو مالقتوش اللينك ع الجروبات هاتلاقوو اللينك ع الصفحه الاساسيه الي منزله بيها القصه الي هي دي. عالم السطور اضغط عليها وهتلااقي القصه هناك هناك وبالمره اعملي متابعه عشان يوصلك كل جديد مني بما اني كل قصصي حصريا
@أبرز المعجبين
رجعت خطوة لورا وضميت مريم لصدري بكل قوتي، كأني بحميها بضلوعي. جسمها الصغير كان لسه بيترعش، ونفسها الخايف كان بيضرب في رقبتي. بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي مشوفش فيها الأم اللي ربتني، شفت وش غريب، ملامح قاسية خالية من أي رحمة أو أمومة.
أبويا نزل من العربية ووقف وراها، حاطط إيديه في جيوبه وموطي راسه في الأرض، نفس النظرة السلبية الجبانة اللي متعودة عليها منه طول عمري. وخديجة أختي فضلت قاعدة جوة العربية، مبحلقة في التابلوه وبتهز رجلها بتوتر، كأنها بتغسل إيدها من الجريمة اللي شاركت فيها بسكوتها.
”أجيبلك البنت؟” زعقت وصوتي شرخ صمت الشاطئ المهجور، “إنتي اتجننتي يا أمي؟ إنتي عارفة إنتي سبتيها مع مين؟ إنتي عارفة منتصر عمل فيها إيه؟! دي لحمك ودمك! دي حفيدتك!”
أمي قربت مني بخطوات ثابتة وباردة، ونبرة صوتها اتغيرت لبحّة مرعبة ومفهاش أي تراجع: “ادخلي العربية يا هنا ومن غير شوشرة.. إنتي مش فاهمة حاجة، ومفيش حاجة حصلت للبنت. خالي كان عايز يشوفها وبس، وإحنا مش هنخرب بيوتنا ونفضح عيلتنا بإيدينا عشان أوهام في دماغك. هاتي مريم ويلا بينا قبل ما حد يشوفنا.”
”أوهام؟!” صرخت وأنا برفع إيدين مريم لفوق، وبوجه كشاف تليفوني على العلامات الزرقا والبنفسجي اللي محوطة معاصمها الصغيرة، “دي أوهام؟ الكدمات دي أوهام؟ رعب بنتي وكسرتها دي أوهام؟ إنتوا إيه؟ معندكوش دين؟ معندكوش دم؟ ربنا هيحاسبكم على الكتمان والظلم ده! ده اتقال فيه ‘لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه’.. إنتوا بتداروا على مجرم؟ بتداروا على ذئب بشري عشان كلام الناس؟”
أمي متهزتش، ملامحها اتخشبت أكتر وقالت بصوت واطي ومسموم: “الستر يا هنا.. إحنا بنستر على عيلتنا. لو حد عرف برة، سيرتنا هتبقى على كل لسان، ومحدش هيرحم البنت دي لما تكبر، ولا أختك خديجة هتعرف تتجوز. اخلصي وادخلي العربية!”
”الستر ده للمذنب اللي تاب، مش للمجرم اللي بيكرر جريمته وإنتوا بتسوقوا له الضحية!” رجعت لورا أكتر، وظهري خبط في حيطة كشك السندوتشات الخشبية. كنت المحاصرة.. البحر ورايا، والظلام محاوط المكان، وعيلتي—اللي المفروض تكون سندي—واقفة قدامي كأنهم عصابة.
في اللحظة دي، تليفوني اللي كان في إيدي اتهز. بصيت في الشاشة بسرعة.. كان رقم غريب. فتحت الخط وجالي صوت هادي، بارد، ونبرته مألوفة لدرجة خلبت عقلي. صوت خالي منتصر.
”هنا يا حبيبتي..” الصوت جه من السماعة، وفي نفس الوقت سمعت صوت قفل عربية بيتفتح ورايا من العتمة، من ناحية طريق الخدمة. “متصعبيش الأمور على نفسك وعلينا. مريم بنتك أمانة معايا، وإنتِ عارفة إن عيلتك كلها موافقة.. مفيش داعي تعملي مشكلة من لا شيء. هاتي البنت وتعالي، الكبار رتبوا كل حاجة.”
الرعب شل حركتي، التليفون وقع من إيدي على الرمل. بصيت ناحية طريق الخدمة، وشفت خيال راجل طويل خارج من وسط الضلمة، لابس قميص أسود، وخطواته بتقرب ببطء وثقة. هو.. منتصر. كان بيبتسم ابتسامة صفرا مفيهاش أي ندم.
مريم أول ما شافت خياله، صرخت صرخة مكتومة ودفنت وشها في بطني وهي بتبكي بانهيار: “ماما.. متخليهوش ياخدني.. هو قالي إنه هييجي ياخدني بالليل.. متسبينيش يا ماما!”
أمي لمحت منتصر وهو بيقرب، وبدل ما تتخض أو تحميني أنا وبنتي، بصتلي وقالت بأمر قاطع: “شايفة؟ خدي البنت وادخلي العربية بالذوق، بدل ما الموضوع يتقلب غصب عنك، وإنتي عارفة محدش هيصدقك لو روحتي في حتة.”
أبويا فضل واقف مكانه، وبدأ يستغفر بصوت واطي وهو باصص في الأرض، كأنه بيغسل ذنبه بكلمتين وهو شايف عرض بنته وحفيدته بيتباع قدام عينيه. وخديجة قفلت أزاز العربية بالكامل عشان متسمعش الصراخ.
كنت لوحدي. مفيش حد معايا غير ربنا وجاكتي المحوط بنتي.
منتصر قرب وبقى على بعد خطوات مني، مد إيده الطويلة المغطية بالشعر وبص لمريم وقال: “تعالي يا مريم.. تيتا هتديكي حاجة حلوة.”
كل ذرة أمومة فيا، كل غضب مكبوت من سنين، كل آية قرآنية اتعلمتها عن الحق والعدل اتجمعت في دمي وبقت تغلي. حسيت بقوة غريبة عمري ما حسيت بيها قبل كده.
نزلت لمستوى مريم وهمست في ودنها: “امسكي في الجاكت جامد واجري ورا الكشك ومتutilش تقفي.. اجري على الطريق العمومي يا مريم ومتخافيش، ربنا معاكي.”
وبدون أي إنذار، وقبل ما حد فيهم يستوعب، دزيت مريم عشان تجري، وفي نفس اللحظة وطيت على الأرض، مسكت قطعة خشبية تقيلة ومكسورة من بقايا سور الكشك، ووقفت بكامل طولي قدام منتصر.
شلت الخشبة لفوق بكل عزمي، وصوتي طلع هادر زي الرعد زلزل الشاطئ كله: “والله العظيم اللي هيقرب خطوة كمان من بنتي لأكون دافناه هنا في الرمل! يا أنا يا إنتوا النهاردة، ومفيش سر هيدفن تاني!”
منتصر اتفاجأ ووقف مكانه، وعيون أمي اتسعت من الصدمة، والكل اتمسمر في مكانه والخشبة مرفوعة في إيدي، وجسمي كله بيترعش من الغضب المستميت، ومريم بتجري بكل قوتها في الضلمة ورايا..