الجزء الخامسالكلام نزل على دماغي زي الرصاص، حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، والتراب اللي في حوش بيت خالتي بهية اتحول لدوامة بتسحبني لتحت. نور كانت شادة في جلبابي المقفل بزفارة السمك، بتعيط بصوت مكتوم وتدفن وشها في فخذي، دراعاتها الصغيرة كانت بتترعش كأن تيار كهربا ماشي في جسمها، وصوت المحامي لسه بيرن في ودني ببرود: «عصام جند نص قرايبكم... وطارق مستني في المديرية».صرخت بأعلى صوتي ودموعي بتطير من عيني:— «حرام عليكم! اتقوا ربنا! البنت دي هـ،،ـمـ،،ـو،،ـت لو بعدت عني، انتوا معندكوش رحمة؟ دي عيلة لسه خارجة من غيبوبة سكر، هتاخدوها تدمروا نفسيتها وتـ،،ـقـ،،ـتـ،،ـلـ،،ـوهـ،،ـا عشان تصفية حسابات ورجالة وسخة بتتسلى بقهر الستات؟!».خالتي بهية خرجت تجري من جوة البيت على الصوت، شايلة مقشة قش في إيدها، ووشها انخطف أول ما شافت البوكس والنجوم اللي على كتاف الظابط، لطمت على صدرها وزعقت:— «يا لهوي يا مفرتك! جرى إيه يا باشا؟ البيت ده حرمة وعزبة الصيادين طول عمرها في حالها، البت دي غلبانة وشقيانة على ضناها، هتاخدوها على فين بالحديد والنار ده؟!». الظابط قرب خطوتين، ملامحه كانت جامدة وخالية من أي تعاطف، بص في الورق اللي في إيد أمين الشرطة وقال بنبرة رسمية صارمة مفيهاش تفاهم:— «يا ست انتي بطلي شوشرة ومتقاوميش تنفيذ حكم قضائي. فيه حكم صادر من محكمة الأسرة بتسليم الصغير لوالده بالقوة الجبرية، وبلاغ رسمي بـ،،ـخـ،،ـطـ،،ـف طفلة وهروب من تنفيذ أحكام، ومعانا أمر ضبط وإحضار ليكي من النيابة. هاتي البنت بهدوء واركبي البوكس من غير فضايح قدام أهل البلد، بدل ما نضطر نكلبشك قدامها ويبقى منظرها أسوأ». المحامي بتاع طارق ابتسم بخبث وهو بيعدل نضارته الطبية، ومد إيده عشان يشد نور من ورا ضهري:— «يلا يا شاطرة، بابا مستنيكي في القاهرة في شقة نضيفة، مش المرمطة وقرف السمك ده!».أول ما إيده لمست كتف نور، البنت صرخت صرخة قطعت نياط قلبي:— «مامااااااا! متخليهمش ياخدوني يا مامااااا! بـ،،ـمـ،،ـو،،ـت يا ماما، والنبي متسيبينيش!».في اللحظة دي، طارت من عقلي آخر ذرة خوف أو تفكير في العواقب؛ وطيت بسرعة على الأرض، خطفت كزلك تنظيف السمك اللي كان واقع جنب الجردل المقلوب، ووقفت بضهري ساندة على حيطة الطين ورافعة السكينة في وش المحامي، عيني كانت بتطق شرار وصوتي طلع مجروح ومبحوح زي الذئبة اللي هـ،،ـيـ،،ـدبـ،،ـحـ،،ـوا جروها:— «قسماً بعزة جلال الله، اللي هيمد إيده على بنتي لأكون شاقة بطنه قبل ما يلمس شعرة منها! أنا معنديش حاجة أبكي عليها خلاص.. سـ،،ـجـ،،ـنـ،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، طـ،،ـلـ،،ـقـ،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، شـ،،ـر،،ـد،،ـتـ،،ـونـ،،ـي، بس بنتي مش هتدخل حضن غيري إلا وأنا جثة هامدة في الكفن!وروني مين فيكم هيدخل ياخدها مني!».المحامي رجع لورا مفزوع وشه مصفر زي الليمونة، وصرخ في الظابط:— «شايف يا فندم؟ ! دي شاهرة سلاح أبيض وبتقاوم السلطات وشروع في قـ،،ـتـ،،ـل! اثبت الحالة دي فوراً في المحضر، دي جناية توديها ورا الشمس بعشرين سنة!».الظابط وشه احمر وغضب، وطلع إيده على جراب سلاحه:— «نزلي السكينة دي يا ولية انتي واتعقلي بدل ما تتصرف معاكي تصرف مش هيعجبك! متفتكريش إنك هتلوي دراع الحكومة بحتة كزلك مصدي!».في اللحظة دي، دخل «حسن» ابن خالتي بهية يجري من على الترعة، لابس هدوم الصيد المبلولة ومعه شبكة صيد على كتفه، ومعه أربعة من شباب العزبة اللي سمعوا الصريخ ولمّة البوكس. حسن راجل أسمر وقوي زي الحجر، رمى الشبكة ووقف في النص بيني وبين القوة، وبص للظابط باحترام بس بعين مكسورة الغضب:— «اهدا يا باشا، اهدا وصلي على النبي في قلبك..الست دي بتخرف من خوفها على ضناها ومش دريانة باللي بتعمله، معلش يا حضرة الظابط، إحنا ناس غلابة والحكومة فوق راسنا من فوق، بس الست دي مكسورة، والبنت دي مريضة سكر لو اتفزعت أكتر من كدة هتروح فيها بين إيديكم والمصيبة هتكبر على الكل».حسن لف وشه ليا، ومد إيده بهدوء وقال بصوت واطي حنين:— «ارمي السكينة دي من إيدك يا نجوى. . ارميها يا بت خالتي عشان خاطر نور، لو ضربتي حد ولا اتمسكتي بجناية، بنتك هتروح لطارق وعصام رسمي ومش هتعرفي حتى تبصي في وشها من ورا قفص المحكمة.. ارميها وخلينا نحل الحكاية بالعقل، ربنا مبيسبش المظلوم».بصيت للكزلك في إيدي، وبصيت لنور اللي كانت بتنهج وشفايفها بدأت تزرق وعينها تلف لفوق من كتر الرعب. . حسيت بصوابعي بترتخي، السكينة وقعت على التراب وعملت صوت خفيف. في ثانية واحدة، كان أمين الشرطة هاجم عليا، لف دراعي لورا بعنف ووجع عظم كتفي، والتكتكة بتاعة الكلبشات الحديد وهي بتتقفل على معصمي حسستني بـ،،ـلـ،،ـعـ،،ـار والمو. ت، صرخت مش من وجع إيدي، لكن من منظر المحامي وهو بينقض على نور، شالها من وسطه وهي بتضرب برجلها في الهوا وبتصرخ وبتنادي عليا:— «مامااااااا!مامااااا الحقيييني!».— «نور! متلمسهاش يا كلب! يا ظالمين يا خـ،،ـو،،ـنـ،،ـة، ربنا يـ،،ـنـ،،ـتـ،،ـقـ،،ـم منكم، حسبي الله ونعم الوكيل فيكم!».حسن حاول يقرب من المحامي عشان يهديه، بس العساكر زقوه لورا، والظابط شاورلهم يركبوني البوكس. اترمت في قاع البوكس الصاج، الحديد بارد وبيسلخ ركبي، ونور اتحطت في العربية الملاكي ورا، شفتها من فتحة البوكس الحديد وهي بتخبط على إزاز العربية ودموعها مغرقة وشها، لحد ما العربية دارت وطارت في السكة وطيرت وراها سحابة تراب عمّت عيني. مرت الساعات كأنها دهر في جحيم..وصلنا مديرية الأمن في كفر الشيخ، ودخلوني مكتب المباحث وأنا مكلبشة زي تجار المـ،،ـخـ،،ـد،،ـر،،ـات، هدومي مقطعة، عيني وارمة من العياط، وروحي مش في جسمي. رموني على كرسي حديد قدام مكتب كبير، وبعد نص ساعة اتفتح الباب ودخل طارق! كان لابس قميص مكوي ومسرح شعره وريحته برفان رخيص، وشه كان مليان شماتة وغطرسة كأنه كسب معركة حربية، قعد على الكرسي اللي قصادي وحط رجل على رجل، ومسك فنجان قهوة كان على المكتب ورشف منه رشفة ببطء، وقال وهو بيبص للكلبشات اللي في إيدي:— «إيه رأيك بقى في المرمطة دي يا ست نجوى؟ مكنش العشم..هربانة زي الحرامية في عزبة سمك ومطلعة سكا. كين على الحكومة؟ أنا قولتلك من الأول: بنتي هترجعلي، وإنتي هترجعي لمطرح ما جيتي، تحت الجزم». بصيتله باحتقار وبصقت على الأرض تحت جزمته:— «إنت مش راجل.. ولا عمرك هتكون راجل. اللي يرمي بنته أربع سنين وميسألش فيها برغيف عيش، وييجي يسرقها عشان يرضي غل عصام وضلاله، ميسواش تلاتة مليم في سوق الكلاب.. بنتي فين يا طارق؟ وديت نور فين يا فاجر؟».طارق عينه برقت بغل، وقام وقف وقرب وشه مني وهمس بفحيح سام:— «نور في العربية مع المحامي ومراتي التانية مستنياها في شقة القاهرة. . خلاص، اتعلمت، وهتنسى ريحتك.. من هنا ورايح هتناديلها هي "ماما"، وهتربيها على مزاجي، وانتي هتتحبسي هنا عشان قضية خـ،،ـطـ،،ـف القاصر والتعدي على القوة، ومش هتخرجي غير لما تكون بنتك كبرت ونسيت حتى اسمك وملامح وشك! وعصام بنفسه دافع أتعاب المحامي دي كلها، عشان بس يشوفك وإنتي في البدلة البيضا مذلولة ومكسورة الجناح!».الدنيا اسودت في عيني، والدم غلى في راسي لدرجة حسيت إن شرايين مخي هتنفجر. وفجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل ظابط النبطشية ومعاه شاويش، وشه كان مخطوف وعينيه رايحة جاية بقلق:— «يا طارق بيه! الحق.. البنت الصغيرة اللي في العربية تحت.. البنت اتشنجت تاني وقطعت النفس وفقدت الوعي، وجسمها بيسقع زي التلج!».الجزء السادس (قبل الأخير)الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة، حسيت إن الحديد اللي في إيدي انصهر من حرارة الدم اللي فار في عروقي. طارق وشه اتقلب، الكوباية