ثمن الخيانة 2 حكايات ندى الجمل
نادية بصت لياسر وهي مش مستوعبة.
“المدير المالي؟ هو عايزنا ليه؟”
ابتسم ياسر وقال:
“لأنه كان من أقرب الناس للحاج فؤاد… وفي حاجات كتير فضل ساكت عنها احترامًا لوصيته.”
بعد أقل من ساعة…
دخل رجل في منتصف الخمسينات، وقور الملامح.
مد يده لنادية وقال:
“أنا عماد… المدير المالي للمجموعة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.”
ردت السلام وهي مستغربة.
قال عماد وهو يقعد:
“أنا عارف إنك مستغربة، لكن جه الوقت تعرفي الحقيقة.”
فتح شنطة جلد قديمة، وطلع منها مجموعة ملفات.
أول ملف كان مكتوب عليه:
تقرير نقل الأسهم.
قال عماد:
“بعد وفاة والدك، حسام كان بيدير الشركة… لكن ملكش كان له لوحده.”
عقدت نادية حاجبيها.
“يعني إيه؟”
أخرج مستندًا آخر.
“والدك كان مالك 90% من أسهم المجموعة، و10% كانت موزعة على شركاء قدام.”
هزت رأسها وقالت:
“أنا عارفة.”
ابتسم عماد.
“اللي متعرفيهوش… إن والدك كتب وصية إن نص أسهمه تنتقل ليكي شخصيًا، أما النصف التاني فيفضل تحت إدارة حسام فقط، وليس ملكًا له، لحين ما كريم يتم ثلاثين سنة.”
شهقت نادية.
“يعني حسام مش مالك الشركة؟”
رد عماد:
“هو مدير… لكنه مش المالك الحقيقي.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“والأخطر من كده… إن حسام ما كانش عايزك تعرفي.”
مد ياسر يده وأخذ ملفًا آخر.
كان فيه كشوف حسابات وتحويلات مالية.
بدأ يقلب الصفحات بسرعة.
وفجأة وقف عند ورقة معينة.
“إيه ده؟”
رد عماد:
“دي تحويلات تمت خلال آخر سنة ونص.”
نادية قربت تبص.
كل التحويلات كانت رايحة لحساب باسم…
ريم صلاح.
مرة بمبلغ مائتي ألف جنيه…
ومرة بخمسمائة ألف…
ثم مليون جنيه…
ثم شقة فاخرة…
وسيارة جديدة…
كلها خرجت من حسابات الشركة.
نادية قالت بصدمة:
“يعني كان بيصرف عليها من فلوس الشركة؟”
هز عماد رأسه.
“للأسف… أيوه.”
تنهد ياسر وقال:
“وده يعتبر تجاوزًا خطيرًا لو ثبت إنه استخدم أموال الشركة لمصالحه الشخصية.”
نادية حطت إيدها على قلبها.
“أنا كنت فاكرة إنه خانني بس…”
رد ياسر:
“واضح إن الخيانة ما كانتش ليكي لوحدك… دي كانت للشركة كمان.”
في نفس الوقت…
كان حسام قاعد في مكتبه، وريم قدامه.
قالت بابتسامة:
“خلاص بقى… دلوقتي نقدر ننقل الفيلا باسمي.”
ابتسم حسام بثقة.
“اعتبريها تمت.”
وقبل ما يكمل كلامه…
دخلت السكرتيرة الجديدة بسرعة وهي متوترة.
“يا فندم… مجلس الإدارة كله موجود في قاعة الاجتماعات… وطلبين حضرتك حالًا.”
استغرب حسام.
“اجتماع؟ أنا محددش أي اجتماع.”
قالت وهي بتبلع ريقها:
“أستاذ ياسر موجود… ومعاه الأستاذ عماد… وكمان مدام نادية.”
اختفت الابتسامة من على وش حسام…
وشعر لأول مرة منذ سنوات…
أن اللعبة خرجت من إيده.
وقف حسام من على كرسيه بعصبية.
“نادية؟ في الشركة؟”
ردت السكرتيرة بتوتر:
“أيوه يا فندم… وكل أعضاء مجلس الإدارة مستنين حضرتك.”
بص لريم، فحاولت تطمنه.
“أكيد جاية تعمل مشكلة وخلاص… متقلقش.”
ابتسم بثقة وهو بيعدل جاكيته.
“حتى لو عملت مشكلة… محدش يقدر يهز مكاني.”
خرج بخطوات ثابتة، لكن أول ما فتح باب قاعة الاجتماعات، حس إن الجو مختلف.
كل أعضاء مجلس الإدارة قاعدين في أماكنهم.
وفي آخر الطاولة…
كانت نادية قاعدة بكل هدوء.
جنبها المحامي ياسر، والمدير المالي عماد.
لأول مرة من سنين، حسام حس إنه هو اللي بقى الغريب في المكان.
قال بضيق:
“إيه اللي بيحصل هنا؟”
رد رئيس مجلس الإدارة:
“اتفضل اقعد يا أستاذ حسام… الاجتماع مهم.”
قعد وهو بيبص لنادية بنظرات كلها تحدي.
قال بسخرية:
“واضح إنك جاية تنتقمي.”
ردت نادية بهدوء:
“أنا جاية آخد حقي… بس.”
فتح ياسر الملف اللي قدامه وقال:
“قبل أي كلام… أحب أوضح إن معانا مستندات خاصة بملكية الشركة.”
ضحك حسام.
“ملكية إيه؟ أنا المدير التنفيذي من أكتر من خمستاشر سنة.”
رد عماد:
“مدير… أيوه.”
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
“لكنك مش المالك.”
بدأ الهمس ينتشر بين أعضاء المجلس.
قال حسام بعصبية:
“إنت بتقول إيه؟”
طلع عماد أصل وصية الحاج فؤاد، وحطها قدام رئيس المجلس.
بدأ رئيس المجلس يقراها بصوت واضح.
ولما وصل للبند الخاص بالأسهم، رفع عينه ناحية حسام.
“يعني… مدام نادية هي المالكة القانونية لنصف أسهم المجموعة.”
نادية كانت ساكتة.
أما حسام، فوشه بدأ يفقد لونه.
قال بسرعة:
“أنا أول مرة أشوف الورقة دي.”
ابتسم ياسر وقال:
“لأن الحاج فؤاد سلمني نسخة منها، وطلب مني أظهرها في الوقت المناسب.”
ثم فتح ملفًا آخر.
“وده كشف بالتحويلات المالية اللي خرجت من حسابات الشركة.”
بدأ يعرض المستندات واحدًا واحدًا.
شراء شقة…
شراء سيارة…
تحويلات بملايين الجنيهات…
كلها باسم ريم.
رئيس المجلس ضرب بإيده على الطاولة.
“هل التحويلات دي تمت بموافقة المجلس؟”
رد عماد:
“لا.”
“هل دي كانت مكافآت معتمدة؟”
“لا.”
“هل فيه أي مستند قانوني يبررها؟”
“لا.”
التفت رئيس المجلس لحسام.
“عندك تفسير؟”
بدأ حسام يتلعثم لأول مرة.
“أنا… أنا كنت ناوي أرجع الفلوس.”
رد أحد أعضاء المجلس بغضب:
“ترجعها بعد ما اشتريت بيها شقق وعربيات؟”
ساد الصمت.
وفجأة…
فتح باب القاعة.
دخلت ريم وهي لابسة نظارة شمس وفاكرة إن حسام طلبها.
أول ما شافت كل الموجودين، وقفت مكانها.
قالت بابتسامة مرتبكة:
“حسام… كنت…”
لكنها سكتت عندما رأت الملفات المفتوحة قدام الجميع.
رفع ياسر ملفًا أخيرًا وقال:
“ممتاز… وجودك هيوفر علينا وقت.”
بصت له باستغراب.
قال:
“كل الممتلكات اللي باسمك واللي اشتراها حسام من أموال الشركة… بقت محل تحقيق.”
اختفت ابتسامتها.
وبدأت تبص لحسام في ذعر.
أما هو…
فأخفض رأسه لأول مرة.
كان يعتقد أن طرد نادية من البيت هو نهاية القصة…
لكنه اكتشف أن القصة الحقيقية بدأت الآن.
مر شهران…
وعادت الحياة تدور من جديد.
وقفت نادية قدام المبنى اللي خرجت منه يومًا مكسورة.
لكن المرة دي…
دخلته وهي رئيسة مجلس إدارة المجموعة.
كل الموظفين وقفوا احترامًا لها.
كانت نفس الممرات…
ونفس المكاتب…
لكن الفرق إن كرامتها رجعت قبل منصبها.
دخلت مكتب والدها القديم.
وقفت قدام صورته، وابتسمت وهي تقول:
“متقلقش يا بابا… وعدك اتنفذ. تعَبك فضل لولادك، ومحدش قدر يسرقه.”
في نفس اليوم…
صدر القرار النهائي من مجلس الإدارة.
عزل حسام من منصبه نهائيًا.
وإلزامه برد كل الأموال التي ثبت حصوله عليها أو التصرف فيها بالمخالفة للوائح الشركة، مع استمرار الإجراءات القانونية الخاصة بالشركة وفقًا لما أسفرت عنه المراجعات الداخلية.
خرج من الشركة وهو شايل كرتونة صغيرة فيها متعلقاته.
نفس البوابة اللي دخلها من عشرين سنة شابًا بسيطًا، خرج منها هذه المرة بلا منصب… ولا نفوذ.
وقف يبص للمبنى طويلًا.
وافتكر أول يوم دخل فيه مع الحاج فؤاد.
وافتكر نادية وهي بتشجعه وتقول:
“أنا مؤمنة إنك هتنجح.”
تنهد بحسرة وقال لنفسه:
“أنا اللي ضيعت كل ده.”
وفي الناحية التانية…
كانت ريم قاعدة في كافيه مع صاحبتها.
قالت لها:
“وحسام أخباره إيه؟”
ابتسمت ريم ببرود وهي ترتشف قهوتها.
“معرفش… ومش فارق معايا.”
قالت صاحبتها باستغراب:
“يعني بعد الجواز ده كله؟”
ردت وهي تهز كتفيها:
“أنا بدور على استقرار… مش على مشاكل.”
وفي بيت سعاد…
كانت العيلة كلها متجمعة.
ملك حضنت أمها وقالت:
“أنا فخورة بيكي يا ماما.”
أما كريم، فابتسم وقال:
“إنتِ علمتينا إن الكرامة أهم من أي بيت وأي فلوس.”
ابتسمت نادية وهي تمسك إيديهم.
وقالت:
“الإنسان ممكن يخسر مال… أو منصب… لكن لو حافظ على كرامته، عمره ما يبقى خسران.”
بعد أيام…
كان حسام ماشي في الشارع، وللمرة الأولى من سنين، من غير سواق ولا عربية فاخرة.
لمح نادية خارجة من الشركة.
تردد لحظة…
ثم قرب منها وقال بصوت منكسر:
“سامحيني.”
بصت له بهدوء.
ماكانش في قلبها كره…
لكن ماكانش فيه مكان للرجوع.
قالت:
“أنا سامحتك عشان أرتاح… لكن اللي اتكسر بينا عمره ما هيرجع.”
ركبت عربيتها.
وقبل ما الباب يتقفل، قالت آخر جملة:
“افتكر دايمًا… النجاح اللي مبني على الوفاء بيفضل، لكن النجاح اللي مبني على الخيانة… نهايته السقوط.”
تحركت العربية.
ووقف حسام يبص وراها…
لحد ما اختفت من قدامه.
وقتها أدرك إن أكبر غلطة في حياته لم تكن زواجه من ريم…
بل إنه فرّط في الزوجة التي وقفت بجانبه عشرين عامًا، وآمنت به قبل أن يؤمن بنفسه.
تمت.
بقلم ندى الجمل

