حكايه عبير 2
ملك إبراهيم
بعد ما خرجت عبير من عند المحامي، وعقلها رتب خطة جديدة تمامًا، خطة مبنية على القوة مش على الضعف. الفلوس اللي كانت معاها، اللي كانت فاكرة إنها هتكمل بيها فرش شقتها وتأمن مستقبل بناتها، قررت تستغلها بطريقة تانية خالص.
الفلوس اللي كانت حصيلة تعب سنين الغربة، قررت إنها مش هتخلي مختار يتهنى بيها، ولا يتهنى بـ”الست نرمين” اللي استغلت ضعفه.
أول حاجة عملتها عبير، استأجرت شقة في منطقة راقية جدًا. شقة واسعة، مفروشة على أعلى مستوى. كانت عايزة تثبت لنفسها قبل أي حد إنها قوية، وإنها مش ضعيفة ولا مكسورة. بعد كده، نزلت استأجرت عربية فخمة، شكلها غالي جدًا، ولونها أسود فاحم يفتح النفس. كانت عارفة مختار كويس، وعارفة نقطة ضعفه قدام المظاهر.
بعد كام يوم، وبالتحديد وقت خروج البنات من المدرسة، عبير وقفت العربية الفخمة دي قدام بوابة المدرسة. قلبت الشمس اللي كانت لابساها على عينيها، وبصت ناحية البوابة. قلبها كان بيدق بسرعة، حاسة بالخوف والقوة في نفس الوقت.
كان مختار واقف قدام المدرسة، مستني البنات زي كل يوم. أول ما العربية السودا الفخمة وقفت، عينه وقعت عليها. عربية زي دي مش من السهل تشوفها في الشارع. مين يا ترى صاحبها؟ فضل يتفرج عليها بانبهار. وبصمختال، لقى ست نازلة منها. ست جميلة، لابسة طقم شيك وغالي، وشعرها معمول بطريقة حلوة، ونضارة شمس سودا على عينيها مغطية جزء كبير من وشها. الجمال ده كله والبرستيج ده كله مين ممكن يكون؟ يا بخت اللي يتجوزها!
قربت الست من المدرسة، مختار كان متابعها بعينه، وفي دماغه مليون سؤال. الست دي راحت ناحية بوابة المدرسة، وقبل ما تخلع النضارة، شافها بتبص عليه.
رفعت الست النضارة السودا من على عينيها، وبصت لمختار بابتسامة باهتة بس جادة. مختار اتصدم. قلبه وقع في رجليه. دي… دي عبير! عبير طليقته؟ إيه اللي جابها كده؟ إيه العربية دي؟ إيه اللبس ده؟
عبير قربت منه بخطوات واثقة، عكس المرة اللي فاتت تمامًا. مختار كان واقف مصدوم، مش قادر ينطق ولا كلمة.
“إزيك يا مختار.” قالتها عبير بصوت هادي، بس جواه قوة غريبة. “متتخضش كده. أنا مش جاية أعمل مشاكل.”
مختار بلع ريقه بصعوبة. “عبير… إيه اللي جابك؟ إيه العربية دي؟”
عبير تجاهلت سؤاله، وكأنها سامعتهوش. “أنا جاية عشان بناتي يا مختار. الفلوس اللي خدتها مني، والشقة اللي إنت عايش فيها مع الست اللي اتجوزتها، كل ده ولا حاجة بالنسبة لي. أنا رجعت ومعايا فلوس كتير أوي يا مختار. اشتريت شقة أكبر وأفخم من شقتك دي بكتير في منطقة راقية جدًا. والعربية دي… زي ما أنت شايف.” بصت العربية بإيماءة خفيفة.
مختار كان بيسمع وهو مش مصدق ولا كلمة. عبير دي؟ عبير اللي كانت بتمشي بالجنيه على الجنيه؟ عبير الممرضة اللي كانت شغالة ليل ونهار عشان توفر قرشين؟
“أنا عايزة بناتي يباتوا عندي النهاردة. وكل أسبوع هيجوا يقضوا معايا يوم.” قالتها عبير بصوت أمر، مش سؤال.
مختار كان لسه في حالة صدمة، عقله مش قادر يستوعب التحول ده. “إزاي… إزاي يعني؟”
“إزاي دي مش مشكلتك. المهم إن بناتي هيجوا معايا الليلة دي. والليلة دي بس، عشان أقدر أعوضهم عن غيابي. وبعد كده، كل أسبوع يوم. ولو رفضت… أنا ممكن أوريك وش تاني خالص يا مختار، وش عمرك ما شفته قبل كده.” قالتها عبير وعينيها بتطق شرار، بس وشها كان ثابت وهادي.
في اللحظة دي، البنات خرجوا من المدرسة. أول ما شافوا عبير، عيونهم وسعت بس المرة دي كانت فيه فرحة، مش خوف. “ماما!” الاتنين جريوا ناحيتها.
عبير حضنتهم بحب الدنيا كله، رفعتهم عن الأرض وهي بتضحك من قلبها. مختار كان واقف بيتفرج على المشهد، حاسس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. عبير القديمة اللي يعرفها اختفت، وحلت محلها ست تانية خالص. ست قوية، غنية، وماحدش يقدر يكسرها.
تخيل مختار للحظة إن كل ده كابوس وهيصحى منه. لكن صوت البنات وهما بينادوا “ماما!”، وحضن عبير ليهم، أكدله إنها حقيقة. عبير دي، اللي كانت من شوية ممرضة على باب الله، رجعت بلمعة في عينيها وقوة في صوتها، وواضح إن معاها فلوس كتيييير أوي. الفلوس دي اللي مقوية قلبها كده.
مختار، اللي عقله كله بقى مشغول بالفلوس اللي عند عبير، ماقدرش يرفض طلبها. “خلاص يا عبير، خدي البنات. بس يبقوا يرجعوا بكرة بدري.” قالها بصوت هادي، بيحاول يداري الصدمة اللي جواه.
عبير ابتسمت ابتسامة انتصار خفيفة. “متخافش، هيرجعوا بكرة في ميعادهم. سلام يا مختار.” خدت عبير البنات، وركبت عربيتها الفخمة، وسابت مختار واقف لوحده، عقله بيودي ويجيب. ندم، ندم مرير، بدأ ياكل في قلبه. ياريتني ما طلقتك يا عبير. ياريتني ما سمعت كلام نرمين. ياريتني ما فرطت في كنزي.
رجع مختار البيت وهو بيبص لنرمين بغيظ مكتوم. كل حركة بتعملها، كل كلمة بتقولها، كان شايف إنها السبب في اللي حصل. هي اللي ضيعت منه الدجاجة اللي كانت بتبيض دهب. زمانه كان قاعد في شقة أكبر ، معزز مكرم، والفلوس بتجيله لغاية عنده. لكن دلوقتي؟ لا. عبير قطعت الحنفية. الفلوس اللي كان بيستقبلها كل شهر خلاص وقفت. بقى مضطر هو اللي ينزل ويشتغل عشان يكفي البيت، بعد ما اتعود إن الفلوس بتيجي بسهولة ومن غير تعب. بص لـ”آسر” ابنه وهو بيبكي، حس إن المسؤولية طوق حوالين رقبته.
في نفس الوقت، عبير كانت في قمة سعادتها وهي بتفرج بناتها على شقتها الجديدة. الشقة كانت فعلًا تحفة، واسعة، وفيها كل حاجة ممكن يحلموا بيها. غرفة خاصة لكل بنت، ألعاب كتير، وشاشات تلفزيون كبيرة. عبير كانت قاصدة إن البنات ينبهروا، عشان يروحوا يحكوا لأبوهم على كل التفاصيل.
“ودي أوضتك يا ملك، ودي أوضتك يا ملاك! اختاروا اللي تعجبكوا.” قالت عبير وهي بتفتح أوضتين كبار، كل واحدة أحلى من التانية.
البنات عيونهم كانت بتبرق من الفرحة. كانوا بيجروا في الشقة، يكتشفوا كل زاوية، ويضحكوا بصوت عالي. “الله يا ماما! الشقة دي تحفة! أحلى بكتير من شقتنا!” قالت ملك وهي بتنط على السرير الجديد.
“آه يا ماما! أنا عايزة أعيش معاكي هنا على طول!” كملت ملاك.
عبير حضنتهم بحنية. “كل حاجة في وقتها يا حبايبي. المهم دلوقتي تستمتعوا بوقتكوا معايا.”
تاني يوم، البنات رجعوا بيت أبوهم وهما طايرين من الفرحة. أول ما دخلوا، مختار كان مستنيهم بلهفة، مش عشان شوقه ليهم، قد ما كان عايز يعرف تفاصيل الزيارة.
“ها يا حبايبي، اتبسطوا عند ماما؟”
“أوي أوي يا بابا! ماما عندها شقة كبيييرة كبيييرة! وفيها أوضتين لينا إحنا بس! وألعاب كتيير، وتلفزيون كبير أوي!” ملك كانت بتحكي وهي بتلوح بإيديها الصغيرين.
“آه يا بابا! أحلى من شقتنا بكتير! وفيها بلكونة كبيرة وفيها زرع! وماما عندها عربية كبيرة أوي لونها أسود، حلوة خالص!” ملاك كملت بحماس.
مختار كان بيسمع وكل كلمة بتتقال كانت بتوجعه أكتر وتأكدله حجم الخسارة. نرمين كانت قاعدة سامعة ومبتغاظة، بس مش قادرة تتكلم.
“نفسنا نعيش معاها على طول يا بابا. ينفع يا بابا؟” ملك سألت ببراءة.
مختار ما عرفش يرد. بص لبناته، وبعدين بص لنرمين اللي وشها كان قالب ألوان. فكرة إن بناته عايزين يعيشوا مع عبير، وإن عبير عندها حياة أفضل من حياته، كانت بتطحنه. الشقة الفخمة، العربية الغالية، الفلوس الكتيرة… كل ده كان بيزود الطمع في قلبه، والندم بيزيد كل لحظة. عبير بتلعبها صح.
جه معاد الزيارة التانية للبنات عند عبير. مختار، اللي كان الفضول والطمع بياكلوا في قلبه، قرر إنه لازم يروح معاهم. “أنا هوصل البنات يا عبير، عشان متتعبيش.” قالها وهو بيحاول يبان مهتم، لكن عبير كانت عارفة كويس اللي بيدور في دماغه.
بالنسبة لعبير، كل تفصيلة في الخطة كانت محسوبة بدقة. أول لما مختار وقف قدام العمارة الفخمة، كانت مستنياه. فتحت الباب وهي لابسة فستان شيك جدًا، كان بيبرز جمالها اللي رجع نضارته بعد ما ارتاحت من الشغل الشاق في الغربة. وفي إيديها، لمعت أساور وخواتم دهب كتير، لدرجة إنها كانت بتلفت أي عين. مختار ماكانش يعرف إن كل الدهب ده، ما هو إلا إكسسوارات قلدت الدهب الأصلي بإتقان.
“أهلاً يا مختار، اتفضل. .” قالتها عبير بابتسامة هادية، وهي بتفسح له المجال يدخل.
مختار دخل وهو عينيه بتلف في كل ركن في الشقة. كانت فعلاً فخمة، الديكورات راقية، الأثاث أنيق وغالي، المساحة واسعة، والإضاءة كانت مبهرة. الدهب اللي في إيد عبير، الفستان اللي لابساها، الشقة اللي هو بداخلها دلوقتي… كل ده كان بيخليه يشك في كل كلمة نرمين قالتها له.
البنات جريوا على أبوهم، وحكوا له عن الألعاب الجديدة، وعن الأوضة بتاعتهم، وعن التلفزيون اللي في كل أوضة. مختار كان بيسمع وهو بيحاول يداري الغيظ والطمع اللي جواه. عينيه كانت بتلمع لمعة غريبة.
بعد ما قضى مختار حوالي نص ساعة في الشقة، استأذن عشان يمشي. وهو خارج، ودع عبير بابتسامة خفيفة، لكن جواه كان بركان بيغلي.
“متقلقش على البنات، هيرجعوا زي الفل.” قالتها عبير وهي بتوصله لحد الباب، وابتسامتها كانت مزيج من الانتصار والشماتة.
مختار مشي من عندها وهو مش طايق نرمين. كل ما يفتكر منظر الشقة، وكل ما يتخيل حجم الفلوس اللي مع عبير، كل ما يحس إن نرمين هي السبب الرئيسي في كل المشاكل دي. هي اللي ضيعت منه كل ده. هي اللي أغرته بالكلام، وضيعت عليه كل الخير اللي كان هيجيله من عبير. رجع بيته وهو متضايق أوي، كل تفكيره في الفلوس اللي ضاعت من إيديه.
أول ما دخل الشقة، نرمين قابلته بابتسامة. كانت حاسة إنه متغير من يوم ما عبير ظهرت. “مالك يا مختار؟ شكلك مضايق؟”
كلمتها كانت الشرارة اللي فجرت غضبه المكبوت. “وإنتِ مالك؟ عايزة إيه؟ مش كفاية اللي عملتيه فيا؟ ضيعتي عليا كل حاجة!”
نرمين اتصدمت من طريقة كلامه. “أنا عملت إيه يا مختار؟ أنا كل اللي طلبته الحلال، وأنت اللي وافقت!”
“حلال إيه وزفت إيه؟ كنت عايش ملك في بيتي، والفلوس بتجيلي لغاية عندي! دلوقتي أنا اللي لازم أشقى عشان أكفي مصاريفك ومصاريف ابنك!” صرخ مختار في وشها. “شفتي عبير؟ شفتي اللي كانت عايشة فيه؟ شقة أحسن من دي ألف مرة، وعربية، ولبس ودهب. كل ده راح بسببك!”
الخناقة اشتدت بينهم. كلام قاسٍ كتير اتقال من مختار. نرمين ما قدرتش تستحمل إهانته، جمعت هدومها وهدوم ابنها، وسابت البيت في لحظة غضب، وراحت لأهلها.
مختار ما اهتمش. كان كل تفكيره منصب على عبير. لازم يرجعها. لازم يرجع الفلوس دي تاني.
كملوا الجزء الأخير من الرواية حصري وشوفوا ازاي عبير هتنتقم وتاخد حقها منهم. الجزء الاخير
بعد كام يوم، مختار راح ياخد البنات من عند عبير. وهو بيوصلهم للبيت، طلب يقعد معاها شوية.
“عبير… أنا عايز أتكلم معاكي في حاجة.” مختار قالها بصوت ندمان، وهو بيحاول يبص في عينيها.
عبير قعدت قدامه بهدوء، وكأنها بتديله فرصة، لكن عينيها كانت بتقول: “أنا عارفة اللي في دماغك.”
“أنا… أنا غلطت يا عبير. غلطت لما طلقتك، وغلطت لما سمعت كلام نرمين وأمي. أنا عارف إنك اتظلمتي معايا كتير، وإنك شقيتي عشان عيالنا وعشان بيتنا. أنا ندمان على كل كلمة، وعلى كل تصرف.” مختار قالها وهو بيحاول يستعطفها، وبيطالع بناته اللي كانوا بيلعبوا في الصالة. “إحنا لازم نرجع لبعض يا عبير. عشان البنات. إحنا ماينفعش نعيش بعيد عن بعض كده. أنا متعودتش على حياة من غيرك. ونفسي إن عيالنا يعيشوا في حضن أبوهم وأمهم سوا.”
كان بيحاول يلعب على وتر المشاعر، وعلى حبها لبناتها. عبير سمعته بتمعن، وابتسامة خفيفة ظهرت على وشها، لكنها كانت ابتسامة غامضة، ماحدش يقدر يفهم معناها.
عبير بصت في عينيه، الابتسامة الغامضة رجعت وشها، لكن المرة دي كانت مليانة حسم وخطة محكمة. “أنا موافقة يا مختار.”
كلمتها نزلت عليه زي الصاعقة، كأنها رجعتله الروح من تاني. عينه برقت بالأمل، والتوتر اللي كان باين عليه بدأ يتلاشى. “بجد يا عبير؟ يعني خلاص هنرجع؟” قالها بسرعة ولهفة، وكأنه مش مصدق نفسه.
“بشرط.” قالتها عبير بجدية، وقربت منه أكتر، صوتها بقى واطي ومباشر، وكأنها بتقوله سر خطير. “شرطي الوحيد هو إنك تطلق نرمين.”
كلمة “تطلق نرمين” كانت كافية إنها ترجعه لواقعه. نظرات مختار بدأت تتغير، ما بين الصدمة والتفكير، وبص حواليه في الصالة الكبيرة اللي بيتها، وفي الدهب اللي بتلبسه عبير، والعربية اللي عارف إنها لسه محتفظة بيها. الصورة دي كلها كانت بتدور في دماغه، وبتخليه مستعد يعمل أي حاجة عشان يستعيد كل ده.
عبير لاحظت شرود فكره في ممتلكاته، وكأنها بتقرا اللي بيدور في دماغه بالظبط. “بس في حاجة يا مختار.” كملت كلامها ببرود، وكأنها بتفكر بصوت عالي. “لو طلقت نرمين، ممكن تاخد منك الشقة. يعني المحكمة ممكن تحكم لها بيها، خصوصًا إن عندها ابن، وهي هتكون أم حاضنة.”
نبرتها الهادية دي كانت كافية إنها تضرب على الوتر الحساس عنده. مختار حس بقلبه بيتقبض. شقته! شقته الكبيرة اللي بيعتبرها أهم حاجة في حياته، اللي صرف عليها دم قلبه. فكرة إنها تروح منه كانت كابوس بالنسبة له.
“شقتي؟” قالها بصوت فيه ذهول، وكأن كل كلمة قالتها عبير عن بناته وعن ندمه طارت من دماغه. “يعني إيه تاخد الشقة؟ دي شقتي أنا!”
عبير هزت راسها بتفهم مصطنع. “طبعًا يا مختار. بس القانون ليه أحكامه. وهي ممكن تستغل ده كويس.”
عيون مختار اتحولت بين عبير وبين تفاصيل الشقة اللي حواليه، وكأن الميزان بيترجح قدامه. ما بقاش شايف ندمه ولا بناته ولا أي حاجة. كل اللي في دماغه دلوقتي هو ازاي يحافظ على شقته وعلى الفلوس اللي كان فاكر إنها خلاص راحت منه. نظرة طماعة بدأت تظهر في عينيه، وكأنه بيشوف عبير قدامه كنز لازم يوصله بأي تمن.
“إيه الحل يا عبير؟” سألها بصوت فيه رجاء، مستعد يعمل أي حاجة تطلبها منه.
عبير بصتله بنظرة كلها هدوء وثقة، وكأنها بتقوله إن الحل ده هو الوحيد والأكيد. “الحل يا مختار، إن الشقة دي… الشقة الكبيرة دي، متكونش باسمك خالص.”
صمتت لحظة، مخلياه يحاول يستوعب كلامها، وبعدين كملت: “تكتبها باسمي. ولما تتكتب باسمي، نرمين مش هتقدر تاخدها. كده أنت هتضمن إن شقتك هتبقى في أمان، وبعيد عن أي مشاكل.”
مختار فتح بوقه بصدمة، فكرة إنه يكتب شقته باسم عبير كانت مفاجأة ليه، وحس للحظة إنها عايزة تستغله. عبير قرأت أفكاره بسرعة، وكأنها بتقرا كتاب مفتوح.
“وعشان تطمن،” قالتها وهي بتشاور على العربية الفخمة اللي كانت مركونة بره وباينة من الشباك. “العربية دي أنا هديها لك. تبقى عربيتك. وكده يبقى أنت ضمنت أهم حاجة عندك، وأنا كمان أضمن إن بيتنا ده يفضل لينا وللبنات.”
عينين مختار اتسعت وهو بيبص على العربية. كانت موديل جديد وفاخرة، حاجة هو كان بيحلم بيها. فكرة إنه ياخد العربية دي، ويحافظ على شقته في نفس الوقت، بدت وكأنها صفقة العمر. الضمان اللي كانت عبير بتقدمه ده كان كافي يخليه يفكر بجدية.
“يعني… أكتبلك الشقة، وتاخديني أنا والبنات نرجع نعيش هنا تاني، وأخد العربية؟” قالها مختار وهو بيحاول يرتب كل الأفكار اللي بتدور في دماغه.
عبير أومأت برأسها بابتسامة ناعمة. “بالظبط كده. تجيب حاجتك كلها وتيجي تعيش معانا في شقتك دي. بيتك أنت وبناتك. وساعتها… ساعتها نرجع زي زمان. بس المرة دي، هنرجع بضمان، وبأمان، وبحياة نظيفة بعيد عن أي مشاكل.”
الطمع والراحة اللي كان بيحلم بيها غلبوا على أي تفكير تاني. فكرة إنه يرجع لشقتهم الكبيرة، ويسترد حياته القديمة، ومعاها العربية الفخمة، كانت مغرية جدًا. مختار مافكرش كتير، وكأن كل خطة عبير كانت بتتحقق خطوة بخطوة قدامه.
“موافق يا عبير!” قالها مختار بحماس، وكأنه لقى كنز. “أنا موافق على كل شروطك. نرمين… نرمين هتطلق، والشقة هتبقى باسمك، وأنا هاجي أعيش هنا معاكوا أنت والبنات.”
ابتسامة عبير اتسعت أكتر، ابتسامة انتصار خفية، وكأنها بتقول لنفسها: “أخيرًا، الخطة ماشية زي ما أنا عايزة.”
الخطة كانت ماشية بالمللي. تاني يوم الصبح، مختار كان عند عبير، ووشه منور بالأمل والطمع. نزلوا مع بعض، وكل واحد فيهم جواه خطته الخاصة.
وصلوا الشهر العقاري، الجو كان كله إجراءات وورق. مختار، اللي عينه كانت على العربية الفخمة، وعلى رجوعه لحياة الرفاهية، كتب الشقة باسم عبير. عبير مسكت العقد في إيدها، نظرة انتصار خفية لمعت في عينيها. “كده خطوة خلصت، لسه الباقي يا مختار”، فكرت في سرها، والابتسامة كانت هادية على شفايفها.
بعدها، دخلوا مكتب الموظف عشان يسجلوا العربية باسم مختار. الموظف طلب أوراق العربية، وعبير هنا لعبت دورها ببراعة. “آه يا مختار، نسيت أوراق العربية في الشقة قبل ما ننزل!” قالتها بتمثيلية متقنة، وكأنها متضايقة من نفسها. “طب إيه رأيك نرجع الشقة نجيب الأوراق؟”
مختار أومأ برأسه، ما حسيش بأي حاجة غريبة. ركبوا العربية. أول ما قفلت الباب، عبير بصتله بابتسامة جميلة. “تعالى يا مختار، إيه رأيك نروح للمأذون الأول؟ تطلق نرمين ونتجوز أنا وأنت، عشان تدخل معايا شقتي وأنت جوزي رسمي. تبقى راجع بيتك كزوج، مش مجرد ضيف.”
فكرة إنه يدخل شقته، اللي لسه كاتبها باسمها، وهو جوزها، وأن كل ده بيحصل في نفس اليوم، خلت مختار طاير من الفرحة. “طبعًا يا عبير، فكرة هايلة!”
راحوا للمأذون. عبير قعدت بهدوء، عينيها كانت ثابتة على مختار وهو بيخلص إجراءات طلاق نرمين غيابي. كل كلمة نطقها المأذون، كانت بتخلي قلبها يرتاح، وكل إهانة مرت بيها، كانت بتاخد حقها. مختار خلص كل حاجة، والورق اتمضى، ونرمين بقت مطلقة رسمياً.
جه وقت كتب كتابهم من تاني. المأذون طلب بطاقتها، وهنا عبير لسه عندها ورقة أخيرة. “يا خبر!” قالتها بخضة مصطنعة، “أنا نسيت بطاقتي في الشهر العقاري! أكيد سقطت مني وأنا بكتب العقد.” بصت لمختار بابتسامة بريئة. “مختار حبيبي، ممكن تاخد العربية وتروح تجيب البطاقة من هناك؟ أنا مستنياك هنا.”
مختار، اللي كان خلاص مستسلم لكل خططها، وما بقاش شايف غير حلمه في الرجوع لحياة الرفاهية، أخد مفتاح العربية وهو متفهم. “متقلقيش يا عبير، دقايق وأكون راجع.” وخرج من المكتب، ملهوف على العربية اللي بقت باسمه، وعلى إتمام جوازه من عبير، اللي هو فاكر إنها راجعة لعش الزوجية القديم بكل ممتلكاته.
عبير فضلت قاعدة، بابتسامة هادية، وهي بتشوف مختار وهو بيفتح باب العربية اللي بقت بتاعته، ومشي بيها. نظرتها كانت مليانة ثقة، وكأنها بتقول: “الآن بدأت النهاية الحقيقية.”
أول ما مختار اتحرك بالعربية، ووشه منور بالأحلام الوردية، عبير قامت بهدوء من عند المأذون. الخطوات كانت محسوبة، وكل حركة كانت مقصودة. ما ضيعتش لحظة. راحت مباشرة على قسم الشرطة القريب.
هناك، وبكل ثقة، قدمت بلاغًا إن طليقها مختار سرق العربية اللي هي مأجراها، وإنه كمان بيهددها. وصفت العربية بالظبط، وادتهم رقم اللوحة، وكمان تفاصيل عن مختار ومكانه المحتمل.
في نفس الوقت، مختار وصل الشهر العقاري وهو بيدور على بطاقة عبير. دخل، سأل هنا وهناك، قلب في الأوراق، بس طبعًا مالقاش حاجة. البطاقة مكنتش هناك أساسًا. لما يأس وخرج، كانت المفاجأة مستنياه.
أول ما نزل على السلم، لقى دورية شرطة واقفة جنب العربية اللي هو لسه فاكر إنها بتاعته. قبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، ظابط الشرطة قرب منه.
“الأستاذ مختار؟”
مختار أومأ براسه باستغراب. “أيوة، أنا مختار. خير يا باشا؟”
“العربية دي بتاعتك؟”
“أيوه يا باشا، لسه كاتبها باسمي دلوقتي حالا!” قالها بفخر، وكأنه بيثبت ملكيته.
لكن الظابط رد بجمود: “مختار أحمد… أنت مقبوض عليك بتهمة سرقة عربية وتهديد. العربية دي مبلغ عنها إنها مسروقة.”
كلمة “سرقة” نزلت على مختار كالصاعقة. حاول يستوعب، يبرر، يوريهم ورق العربية اللي معاه، بس الظابط مكانش سامع غير البلاغ الرسمي. مختار بقى في لحظة واحدة متهم وسارق، والعربية اللي كانت حلم، اتحولت لكابوس.
وهو بيتسحب لركوب عربية الشرطة، كانت عينيه بتدور في الأفق، كأنه بيدور على عبير، على إجابة. بس عبير كانت بعيدة، يمكن قاعدة في بيتها، أو بالأحرى، “شقتها”، وهي بتكمل آخر فصول انتقامها.
عبير بخطوات ثابتة وواثقة، راحت على قسم الشرطة. كانت ملامحها هادية بس جواها قوة جبارة. استنت شوية، ومعداش كتير لحد ما جابوا مختار القسم.
مختار كان لسه مصدوم ومش مستوعب اللي بيحصل. عمال يبص حواليه ويدور على أي تفسير، لحد ما عينه وقعت على عبير وهي قاعدة بمنتهى الهدوء قدام الظابط، وكأنها كانت مستنياه بالظبط.
عبير بصتله بصة باردة، مفيهاش أي مشاعر، كأنها بتشوف حد غريب. وبعدين رجعت تتكلم مع الظابط بصوت واضح وثابت. “أنا أستاذة عبير يا حضرة الظابط. وده مختار طليقي. هو اللي سرق مني العربية اللي كنت مأجراها، وكمان بيهددني على طول.”
كلامها كان بينزل على قلب مختار زي السكاكين. ماقدرش ينطق بكلمة. إزاي كل ده حصل؟ إزاي كل حاجة اتقلبت كده؟ كان حاسس إن حلمه كله بيتهد قدام عينيه، مش بس حلم عبير وحياته القديمة، لأ ده حتى حلم العربية والراحة. حس إن الأرض بتتبلع من تحت رجليه.
الظابط، بعد ما سمع كلامها وشاف الورق، بص لمختار بجدية. “يا أستاذ مختار، في بلاغ رسمي ضدك بسرقة عربية وتهديد. بتنكر الكلام ده؟”
مختار حاول يتكلم، لسانه اتلجلج. “يا باشا… دي كدب… عبير… عبير هي اللي…”
قاطعته عبير بهدوء: “هو بيحاول يلف ويدور يا حضرة الظابط. وده مش أول مرة يهددني فيها.”
الظابط، بعد ما سمع من الطرفين وراجع البلاغ، أمر مختار يمضي على تعهد بعدم تعرض لعبير. اللحظة دي كانت القاضية بالنسبة لمختار. خسر كل حاجة. العربية، الشقة، وفي الآخر، كرامته وحريته قدام عبير.
عبير كانت خلصت كل حاجة. بصت لمختار بصة أخيرة، بصة انتصار صامت، وبعدين مشيت من القسم. مكنتش لوحدها. بناتها كانوا مستنينها بفارغ الصبر.
خرجت عبير مع بناتها، اللي جريوا عليها وحضنوها بقوة. رجعت لبيتها، اللي بقى بيتها فعلاً، واللي هي اللي تعبت فيه وربت فيه بناتها. دخلت بيتها وراسها مرفوعة، وحاسة براحة كبيرة جوه قلبها. كانت أخدت حقها، مش لنفسها بس، لأ لبناتها كمان، ولكل ست اتظلمت في حياتها. كانت منتصرة، بذكائها وقوتها، وعزيمتها اللي مابتتكسرش.
النهاية