زعيم المافيا. حكايات_ميرااا
زعيم المافيا لم ينسَ المرأة التي أنقذت حياته… وبعد خمس سنوات عاد ليسدد الدَّين
كانت الأمطار تضرب المدينة بعنف، تغسل رائحة الدم والنحاس من الشوارع، وكأنها تحاول محو خطايا الليل.
قبل خمس سنوات، أخفت نورا رجلاً يحتضر داخل دولاب شقتها، بين المعاطف القديمة، بينما كانت كشافات الشرطة تجوب غرفة المعيشة. لم تسأله عن اسمه، ولم تعرف من يكون… كل ما أرادته هو أن تتوقف صفارات الشرطة.
ظنت أنها اشترت سلامها بزجاجة فودكا رخيصة، وبعض المستلزمات الطبية التي سرقتها من العيادة، وإبرة خياطة عقمتها بولاعة.
لكن في تلك المدينة…
الديون لا تسقط بالتقادم.
بل تكبر… حتى يحين موعد سدادها.
والرجل الذي دخل شقتها ذات ليلة وكتفه مثقوب برصاصة… عاد بعد خمس سنوات.
لكن هذه المرة…
لم يأتِ طالبًا النجاة.
بل جاء ليرد الدين.
كان يوم ثلاثاء عندما قرر القدر أن ينزف أمام باب نورا.
كانت في الثانية والعشرين من عمرها، تعيش على أربع ساعات من النوم يوميًا، وكوب قهوة رخيص حامض المذاق يبقيها واقفة على قدميها.
شقتها الصغيرة في أحد الأحياء الشعبية كانت بالكاد تتسع لسرير وخزانة ومطبخ ضيق. رائحة الرطوبة والكرنب المسلوق لا تفارق المكان، والإيجار كان ثلاثمائة دولار تدفعه نقدًا لصاحب عقار لا يعرف سوى الصراخ وتهديد السكان بالطرد.
الساعة كانت الثانية وأربع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل.
المطر كان غزيرًا لدرجة أنه ابتلع أصوات المشاجرات والسيارات وكسر الزجاج المعتادة في الحي.
جلست نورا على سريرها المهترئ تحدق في فواتير الكهرباء والمياه المتراكمة…
وفجأة…
ارتطم شيء بنافذتها بقوة.
لم يكن طرقًا.
بل جسدًا ثقيلًا ارتطم بالزجاج ثم انزلق ببطء.
تجمد الدم في عروقها.
أول ما فعلته، بدافع غريزة البقاء، هو إطفاء المصباح الوحيد في الغرفة.
غرقت الشقة في الظلام، ولم يبقَ سوى ضوء عمود إنارة مكسور بالخارج يرسل ومضات صفراء باهتة.
حبست أنفاسها.
لم تسمع سوى المطر…
ثم جاء صوت احتكاك
ضعيف عند باب الشقة.
التقطت المقلاة الحديدية الثقيلة من فوق البوتاجاز، وسارت حافية القدمين نحو الباب.
لم تستخدم العين السحرية… فقد كانت مكسورة منذ سنوات.
وضعت أذنها على الباب.
هناك شخص يتنفس.
أنفاس متقطعة…
ثقيلة…
ومليئة بالألم.
فتحت الأقفال واحدًا تلو الآخر، ثم فتحت الباب مسافة سنتيمترات قليلة.
وفجأة…
سقط جسد رجل إلى الداخل، ودفع الباب بقوة.
تراجعت نورا وهي ترفع المقلاة استعدادًا لضربه.
كان الرجل ممددًا على الأرض، نصف جسده داخل الشقة والنصف الآخر تحت المطر.
معطفه الأسود غارق بالماء…
وبالدم.
كانت بقعة الدم تكبر فوق السجادة القديمة عند المدخل.
وصلتها الرائحة فورًا…
رائحة الحديد والدم والمطر.
همست بتوتر
يا أستاذ… قوم… مينفعش تفضل هنا.
لم يتحرك.
وفي اللحظة نفسها…
دوّت صفارات الشرطة في الشارع القريب.
تجمد قلبها.
لو وجد رجال الشرطة رجلًا ينزف داخل شقتها، فلن يصدق أحد أنها بريئة.
ألقت المقلاة على الأرض، أمسكت الرجل من معطفه، وبدأت تجره بكل قوتها.
كان ثقيلًا بصورة مرعبة.
وكل خطوة كانت تترك خلفها أثرًا من الدم.
بصعوبة أدخلته بالكامل، ثم أغلقت الباب وأحكمت الأقفال.
ازدادت أصوات سيارات الشرطة.
الأضواء الحمراء والزرقاء انعكست على ستائر الشقة.
في تلك اللحظة…
تأوه الرجل.
ثم أمسك كاحلها بقوة جعلتها تكاد تصرخ.
كانت يده باردة ومغطاة بالدم.
فتح عينيه بصعوبة وقال بصوت خافت لكنه آمر
اخرسي.
قبل أن تستوعب ما يحدث…
دوّى طرق عنيف على النافذة.
الشرطة! افتحي الباب!
قفز قلب نورا من مكانه.
نظرت للرجل…
ثم إلى الدولاب الضيق بجوار الحمام.
سحبته بسرعة حتى أخفته بين المعاطف القديمة والمكنسة الكهربائية، وألقت فوق ساقيه كومة من الملابس المتسخة.
أغلقت الباب وهمست
لو سمعت صوت واحد منك… انتهينا إحنا الاتنين.
ركضت إلى المطبخ، أمسكت بزجاجة كلور، وسكبتها على بقع الدم عند المدخل.
ثم أخذت فوطة قديمة ومسحت الأرض بسرعة.
بعثرت شعرها، وأسقطت ياقة التيشيرت عن كتفها، ثم فتحت الباب والسلسلة ما زالت في مكانها.
قالت بنبرة نعاس مصطنعة
خير؟
وقف أمامها شرطيان يبتلّان تحت المطر.
أحدهما سلط الكشاف داخل الشقة.
قال
بندور على راجل لابس معطف أسود. جرى ناحية الحارة دي.
ردت
كنت نايمة… ومسمعتش غير صوت المطر.
قال بحدة
افتحي الباب بالكامل.
رفعت حاجبها وقالت
معاكم إذن تفتيش؟
نظر إليها طويلًا.
ثم مرر ضوء الكشاف داخل الشقة.
توقف عند الفوطة المبللة…
ثم عند رائحة الكلور القوية.
ابتسمت بخفة وقالت
وقعت مني القهوة واضطريت أمسح الأرض.
ظل ينظر إليها في صمت.
وفجأة انطلق صوت اللاسلكي
المشتبه فيه اتشاف عند شارع رابع.
استدار الشرطيان بسرعة وغادرا.
أغلقت نورا الباب، وأسندت ظهرها إليه وهي ترتجف.
مرت خمس دقائق كاملة قبل أن تفتح الدولاب.
كان الرجل قد فقد وعيه.
لم تتصل بالإسعاف.
سحبته إلى الحمام، وأضاءت المصباح الأبيض القاسي، ثم خلعت معطفه.
رصاصة اخترقت كتفه الأيسر وخرجت من الجهة الأخرى.
الجرح كان بشعًا.
أحضرت الشاش والأدوات الطبية التي سرقتها من العيادة، وزجاجة فودكا رخيصة، وإبرة خياطة عقمتها بالنار.
سكبت الكحول على الجرح.
استفاق الرجل صارخًا من شدة الألم.
قالت بصرامة
استحمل… وإلا هرميك بره.
نظر إليها بعينين تمتلئان بالحمى والغضب…
ثم أمسك حافة حوض الاستحمام وتركها تكمل.
أغلقت الجرح بغرز بدائية لكنها متماسكة، ثم لفّت كتفه بالشاش.
لم تواسه.
ولم يشكرها.
بعد أن انتهت، خرجت إلى المطبخ، تقيأت في الحوض، وغسلت وجهها، ثم جلست على الكرسي الوحيد حتى أشرقت الشمس.
في السابعة صباحًا…
دخلت الحمام.
لكن الرجل كان قد اختفى.
ولم يترك خلفه سوى ورقة نقدية ملطخة بالدم فوق حافة الحوض.
مرت خمس سنوات.
أصبحت الذكرى مجرد ندبة لا تؤلم إلا إذا لمستها.
كانت نورا قد بلغت السابعة والعشرين.
طُردت من العيادة بعدما اكتُشفت سرقة المستلزمات الطبية.
وأصبحت تعمل نادلة في مطعم شعبي يفتح طوال الليل، بين المنطقة الصناعية ووسط المدينة.
حياتها تحولت إلى روتين بارد.
تستيقظ مساءً…
ترتدي زيًا باهت اللون…
تملأ أكواب القهوة المحروقة…
وتتجاهل العالم.
كانت قد أقنعت نفسها أن الطموح يجلب الوجع…
وأن الاهتمام بالناس ليس سوى فخ.
لكنها لم تكن تعلم…
أن الدين الذي ظنت أنه انتهى قبل خمس سنوات…
كان على وشك أن يعود ويقلب حياتها رأسًا على عقب.
حكايات_ميرااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا
في الساعة الحادية عشرة وثماني دقائق مساءً، كان المطعم شبه فارغ.
آخر زبون أنهى قهوته وغادر، ولم يبقَ سوى صوت الثلاجة القديمة وصفير الزيت في المطبخ.
كانت نورا تمسح الطاولة الأخيرة عندما توقفت فجأة.
ثلاث سيارات سوداء فاخرة توقفت أمام المطعم في وقت واحد.
نزل منها رجال يرتدون بدلات سوداء، وسماعات صغيرة في آذانهم.
تحركوا بسرعة، وانتشروا أمام الباب وكأنهم يؤمنون موقعًا عسكريًا.
همس الطاهي بخوف
يا ساتر… دول مين؟
قبل أن يجيب أحد…
انفتح الباب.
ودخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود أنيقًا، وخلفه حارسان.
ساد الصمت.
حتى الملاعق توقفت عن الحركة.
رفع الرجل عينيه، وبحث في الوجوه، حتى استقرت نظرته على نورا.
أما هي…
فتجمدت.
كان وجهه أكثر قسوة، وشعره يحمل خصلات رمادية خفيفة، لكن عينيه…
عينيه لم تتغيرا.
هما نفس العينين اللتين نظرتا إليها من أرضية حمامها قبل خمس سنوات.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
همست دون وعي
أنت…
ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.
وقال
أخيرًا وجدتك.
اقترب مدير المطعم مرتبكًا.
حضرتك… تحب تطلب إيه؟
أخرج الرجل ظرفًا أبيض ووضعه على الطاولة.
ثم قال بهدوء
أنا مش جاي آكل.
أنا جاي أوفي دين.
فتح المدير الظرف…
ثم شهق.
كان بداخله عقد شراء المطعم بالكامل.
قال الرجل وهو ينظر إلى نورا
من اللحظة دي… المكان ده بقى ملكك.
شهقت نورا.
إيه؟
ده جزء بسيط من حقك.
هزت رأسها بعنف.
أنا مش فاهمة… أنا عملت اللي أي إنسان ممكن يعمله.
ابتسم بمرارة.
لا…
أي إنسان كان هيسلمني للشرطة.
لكن إنتِ خيطتي جرحي بإبرة خياطة… وخاطرتي بحياتك.
اقترب خطوة أخرى.
اسمي ديمتري فولكوف.
وفور أن نطق اسمه…
سقط كوب القهوة
لمحة نيوز
من يد المدير.
كان الاسم وحده كافيًا ليعرف الجميع من يقف أمامهم.
الرجل الذي تسيطر منظمته على الموانئ وشركات الشحن ونصف تجارة المدينة.
زعيم المافيا الذي لا يراه الناس إلا في الأخبار.
أما نورا…
فلم تشعر إلا بالغضب.
قالت بحدة
لو كنت عرفت حقيقتك وقتها… كنت سيبتك تموت.
ساد صمت ثقيل.
ثم…
ضحك ديمتري لأول مرة.
ضحكة قصيرة وصادقة.
وقال
عشان كده كنت لازم أخفي اسمي.
لكن ابتسامته اختفت فجأة عندما دخل أحد رجاله مسرعًا.
اقترب وهمس في أذنه.
في أقل من ثانية…
تغير وجه ديمتري بالكامل.
استدار نحو نورا وسأل بصوت منخفض
هو عندك طفل اسمه آدم؟
اتسعت عيناها.
أيوه… ليه؟
رفع الرجل نظره إليها وقال الجملة التي جمدت الدم في عروقها
لأنه اختفى من المدرسة من عشر دقائق…
والناس اللي خدوه…
سابوا رسالة باسمك.
يتبع…تجمدت نورا في مكانها.
كأن الكلمات فقدت معناها.
ثم سقطت الصينية من يدها، وتناثر الزجاج على أرض المطعم.
همست بصوت مرتعش
مستحيل… آدم لسه كلمني قبل ساعة.
أخرجت هاتفها بسرعة.
اتصلت بابنها.
الهاتف مغلق.
مرة…
ومرتين…
وثلاثًا.
النتيجة نفسها.
شعرت بأن قدميها لم تعودا تحملانها.
لكن ديمتري كان قد بدأ يتحرك بالفعل.
أخرج هاتفًا مشفرًا، وقال ببرود
أقفلوا كل مخارج المدينة.
خلال ثوانٍ، بدأت الأوامر تنتقل عبر السماعات.
فريق ألف للميناء.
فريق باء للمطار.
راقبوا كل الكاميرات من آخر ساعتين.
نظر إليها وقال
من النهارده… ابنك ابني لحد ما يرجع.
لن يلمسه أحد.
بعد أقل من خمس دقائق…
دخل رجل يحمل جهازًا لوحيًا.
قال بسرعة
لقينا العربية.
ظهرت صورة سيارة فان بيضاء على الشاشة.
لكنها كانت محترقة بالكامل في مخزن مهجور.
همست نورا
يا رب…
رد الرجل
العربية كانت تمويه.
الولد مش جواها.
اقترب ديمتري من الشاشة.
ثم أوقف الصورة بإصبعه.
كان هناك انعكاس صغير على زجاج محل مقابل.
كبّر الصورة.
ظهرت شاحنة سوداء لا تحمل لوحات.
ابتسم ابتسامة باردة.
لقيتكم.
التفت إلى رجاله.
دي شغلة فيكتور مارينو.
ساد الصمت.
أحد الحراس قال بقلق
لكنه مات من سنتين.
هز ديمتري رأسه.
لا…
اللي مات كان أخوه.
أما فيكتور…
فكان مستني اللحظة اللي يقدر يوجعني فيها.
ونورا هي نقطة ضعفي الوحيدة اللي عرف يوصلها.
نظرت إليه بدهشة.
أنا؟
قال بهدوء
يوم أنقذتِ حياتي…
أصبحتِ مسؤوليتي.
واللي يقرب منك…
يبقى أعلن الحرب عليّ.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف ديمتري.
فتح مكبر الصوت.
خرج صوت رجل خشن مليء بالسخرية
خمس سنين وأنا مستني اليوم ده.
عايز الولد؟
هات نفسك للمكان اللي بدأت فيه حكايتك…
شقة نورا القديمة.
وجاي لوحدك.
وإلا الصبح هتبقى بتدفن الطفل.
انقطع الاتصال.
ساد صمت ثقيل.
ثم رفع ديمتري رأسه ببطء.
ابتسم ابتسامة أرعبت كل من حوله.
وقال
أكبر غلطة عملها…
إنه افتكر إني هاجي لوحدي.
ثم التفت إلى خمسين رجلًا كانوا قد اصطفوا خارج المطعم، وقال بصوت هادئ
الليلة…
هننهي حرب بدأت من خمس سنين.
يتبع…انطلقت عشرات السيارات السوداء في شوارع المدينة كالسهم.
لكن…
على عكس ما توقع الجميع، لم يكن ديمتري داخل أيٍ منها.
كان يعرف أن فيكتور يراقب كل طريق.
وأي موكب سيقوده مباشرة إلى الفخ.
لذلك، بعد دقائق، خرج من الباب الخلفي للمطعم مرتديًا سترة عامل نظافة برتقالية، وإلى جواره نورا في سيارة توصيل طعام قديمة لا تلفت الانتباه.
نظرت إليه بدهشة.
أنت… زعيم مافيا، وراكب عربية توصيل؟
أجاب وهو يقود بهدوء
اللي يعيش طويلًا… يتعلم يخدع قبل ما يهاجم.
…
في الوقت نفسه…
داخل شقة نورا القديمة.
كان آدم مقيد اليدين، لكنه لم يكن يبكي.
كان ينظر إلى الرجل الجالس أمامه بثبات.
ابتسم فيكتور بسخرية.
مش خايف؟
رد الطفل بصوت صغير
ماما قالتلي… اللي يخاف يخسر.
ضحك الرجل بصوت عالٍ.
ثم أشار إلى أحد رجاله.
صوّر الفيديو.
اقترب الرجل بالكاميرا.
لكن قبل أن يبدأ…
رن هاتف فيكتور.
نظر إلى الشاشة.
ابتسم.
وصل.
أغلق الهاتف، ثم التفت إلى رجاله.
استعدوا.
بعد أقل من دقيقة…
وقف ديمتري أمام باب العمارة القديمة وحده.
رفع يديه ببطء ليؤكد أنه غير مسلح.
ومن نافذة الطابق الثالث، ظهر فيكتور وهو يصفق ببطء.
كنت عارف إنك هتيجي.
رد ديمتري بهدوء
سيب الولد… وخدني.
ضحك فيكتور.
بعد خمس سنين… أخيرًا بقي عندك نقطة ضعف.
في تلك اللحظة…
صدر صوت خافت جدًا.
تك.
لم ينتبه له أحد.
لكن ديمتري ابتسم.
ثانية واحدة فقط…
وانطفأت كل أنوار العمارة بالكامل.
غرق المكان في ظلام دامس.
تعالت صرخات رجال فيكتور.
الكهرباء قطعت!
في حد جوه!
وفجأة…
انطلقت قنابل دخانية من النوافذ.
امتلأ المبنى بالدخان الكثيف.
وبين الفوضى…
بدأ رجال ديمتري، الذين كانوا قد تسللوا قبل ساعة عبر المبنى المجاور وأنفاق الصيانة القديمة، بالسيطرة على الطوابق واحدًا تلو الآخر.
سمع فيكتور صوتًا خلفه.
استدار بسرعة…
لكن الأوان كان قد فات.
وقف ديمتري أمامه مباشرة.
وعيناه مليئتان بالغضب.
قال بصوت بارد
اللعبة انتهت.
أما فيكتور…
فابتسم ابتسامة غامضة وقال
متأكد؟
ثم ضغط بإبهامه على زر صغير كان يخفيه في كفه…
يتبع…كان من الممكن أن تنتهي الحكاية هناك…
لكن بعد ثلاثة أشهر…
في السادسة صباحًا، كانت نورا تفتح المقهى الصغير الذي اشترته بعد أن رفضت أن تأخذ ثروة ديمتري.
وافقت فقط على قرض بلا فوائد، وأصرت أن تسدده بنفسها.
كانت ترتب أكواب القهوة عندما توقفت سيارة سوداء أمام المقهى.
ابتسمت وهي تتمتم
أكيد جاي يشرب قهوة ببلاش.
لكن…
لم ينزل ديمتري.
بل نزل أحد رجاله، وملامحه شاحبة.
دخل مسرعًا وقال
لازم تيجي حالًا.
شعرت نورا بأن قلبها انقبض.
في إيه؟
أجاب بصوت منخفض
السيد ديمتري اتضرب بالنار.
…
داخل المستشفى الخاص…
كان الطابق بالكامل محاصرًا بالحراس.
الأطباء يخرجون ويدخلون بسرعة.
اقتربت نورا من غرفة العمليات، لكن أحد الحراس أوقفها.
قبل أن تتكلم…
فتح باب العمليات.
خرج الطبيب وهو يخلع قفازيه.
قال
الرصاصة كانت قريبة جدًا من القلب… لكنه عاش بمعجزة.
تنفست نورا الصعداء.
لكن الطبيب أكمل
في مشكلة تانية…
الرصاصة كانت مسمومة.
ساد الصمت.
قال الطبيب
السم نادر جدًا… وأمامنا أقل من أربع وعشرين ساعة.
وفي تلك اللحظة…
وصل ظرف أبيض إلى المستشفى.
فتحوه بسرعة.
كانت بداخله صورة قديمة.
صورة لنورا…
ليلة أنقذت ديمتري قبل خمس سنوات.
وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة بالحبر الأحمر
الديون القديمة انتهت… الآن يبدأ الثأر.
رفعت نورا الصورة بيد مرتجفة.
ثم همست
يعني… فيكتور ماكانش العقل المدبر؟
أجاب إيفان، الذي كان يقف خلفها بصوت ثقيل
لا…
كان مجرد جندي.
أما الشخص الحقيقي…
فهو الرجل الذي أمر بقتل والد ديمتري قبل خمسةٍ وعشرين عامًا.
والكل كان يظن أنه مات.
لكن يبدو…
أنه عاد.
يتبع…صدر صوت صفير حاد.
ولثانية واحدة…
توقف الجميع عن الحركة.
نظر رجال ديمتري إلى بعضهم بقلق.
أما ديمتري، فلم يرمش حتى.
قال بهدوء
قنبلة؟
ابتسم فيكتور ابتسامة واسعة.
لا…
أحسن من كده.
فتح الباب الخلفي للغرفة ببطء.
ودخل أربعة رجال وهم يدفعون رجلًا مسنًا مكبل اليدين.
ما إن رآه ديمتري…
حتى تغير وجهه لأول مرة.
همست نورا بدهشة
مين ده؟
قال فيكتور وهو يضحك
تعرفيه؟
ده إيفان بيتروف… الرجل اللي ربّى ديمتري بعد مقتل أبوه.
كان بالنسبة له أكثر من أب.
اقترب أحد رجال فيكتور، ووضع المسدس على رأس الرجل العجوز.
قال فيكتور
عندك اختيار واحد.
يا تنقذ الطفل…
يا تنقذ الراجل اللي ضحى بعمره عشان يربيك.
ساد صمت ثقيل.
كانت عينا آدم مليئتين بالخوف، لكنه لم ينطق بكلمة.
أما الرجل العجوز، فرفع رأسه بصعوبة وقال لديمتري
أوعى تختارني…
أنقذ الولد.
أغمض ديمتري عينيه للحظة.
ثم فتحهما.
وقال بصوت هادئ بشكل مرعب
وأنا… مين قال إني هختار؟
عقد فيكتور حاجبيه.
وفي اللحظة نفسها…
صرخت نورا
تحت الكرسي!
نظر الجميع دون وعي.
كان هناك سلك رفيع يمتد من الزر الذي ضغطه فيكتور إلى عبوة متفجرة مثبتة أسفل المقعد الذي يجلس عليه آدم.
لكن نورا لاحظت شيئًا آخر.
السلك كان مقطوعًا من منتصفه.
تجمد فيكتور.
إيه؟!
ضحك صوت من خلفه.
استدار بسرعة…
ليجد أحد رجاله ممددًا على الأرض فاقد الوعي.
وفوقه وقف رجل من حراس ديمتري يحمل كماشة صغيرة.
قال بابتسامة
وصلنا قبل نص ساعة.
وفصلنا كل المفاجآت.
في اللحظة التالية…
اندفع رجال ديمتري.
دوى إطلاق النار في أنحاء المبنى.
وفي أقل من دقيقة، سقط معظم رجال فيكتور.
حاول فيكتور
الهرب عبر السلم الخلفي.
لكن نورا كانت أول من وقف في طريقه.
أمسكت ماسورة حديد كانت ملقاة على الأرض، وضربته بكل قوتها على ساقه.
سقط وهو يصرخ.
وصل ديمتري إليه ببطء.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال
خمس سنين… وأنا مستني اللحظة دي.
لكن بدلًا من أن يطلق النار عليه…
ألقى سلاحه على الأرض.
ثم اتصل بالشرطة.
قال بهدوء
عندي مطلوب للعدالة… اعرفوا تستلموه.
نظر إليه فيكتور غير مصدق.
هتسلمني؟
أجاب ديمتري
الموت راحة…
وأنت ما تستحقهاش.
بعد دقائق، وصلت الشرطة لتجد أفراد العصابة مقيدين، وآدم وإيفان سالمين.
احتضنت نورا ابنها بقوة وهي تبكي للمرة الأولى منذ سنوات.
ابتسم ديمتري وهو يراقبهما من بعيد.
اقترب منه إيفان وقال
وفيت بالدين أخيرًا؟
أجاب وهو ينظر إلى نورا وآدم
لا…
بعض الديون… لا تُسدد أبدًا.
النهاية تجمدت نورا وهي تنظر إلى الصورة.
ثم سألت بصوت خافت
يعني… كل اللي حصل كان مجرد بداية؟
هزّ إيفان رأسه ببطء.
فيكتور كان بينفذ أوامر… أما صاحب الأوامر، فهو أخطر رجل عرفته المنظمة.
فتح حقيبة جلدية قديمة كان يحملها معه منذ سنوات.
أخرج منها ملفًا أصفر باهتًا.
وضعه أمام نورا.
على الغلاف كُتب بخط اليد
لا يُفتح… إلا إذا عاد أندريه.
شعرت بقشعريرة.
فتح إيفان الملف.
كانت بداخله صورة لرجل في الستين من عمره، يرتدي بدلة رمادية، ويبتسم بهدوء.
لا يبدو مجرمًا…
بل أستاذًا جامعيًا.
قال إيفان
اسمه أندريه موروزوف.
قبل خمسة وعشرين سنة، كان هو العقل اللي بيدير كل شيء من الظل.
ماكانش يطلق رصاصة بنفسه…
لكنه كان يقرر مين يعيش… ومين يموت.
وأول قرار أخده…
كان قتل والد ديمتري.
نظرت نورا إلى الصورة مرة أخرى.
وفجأة…
شعرت أنها رأت هذا الوجه من قبل.
أغمضت عينيها تحاول التذكر.
ثم اتسعت عيناها فجأة.
مستحيل…
التفت إليها إيفان بسرعة.
عرفتيه؟
قالت وهي تخرج هاتفها.
فتحت صورة قديمة التقطتها قبل أسبوع في افتتاح المقهى.
كانت تلتقط صورة مع الزبائن.
وفي الخلف…
كان يجلس رجل مسن يقرأ جريدة.
كبّرت الصورة.
إنه هو.
أندريه.
كان يجلس في المقهى يراقبها.
منذ أسبوع كامل.
ساد الصمت.
قال إيفان بصوت مرتجف لأول مرة
يبقى هو سبقنا.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف نورا.
رقم مجهول.
ترددت لثانية…
ثم أجابت.
جاءها صوت هادئ، يحمل ثقة مرعبة
صباح الخير يا نورا.
واضح إنك شفتِ صورتي.
تجمد الدم في عروقها.
قال الرجل
متتعبيش نفسك تدوري عليّ.
أنا اللي هاجيلك.
بس المرة دي…
مش علشان أقتلك.
علشان أقدملك عرضًا.
لو وافقتِ…
ديمتري هيعيش.
ولو رفضتِ…
الأطباء هيعلنوا وفاته قبل شروق الشمس.
ثم أغلق الخط.
نظرت نورا نحو غرفة العناية المركزة، حيث كان ديمتري يصارع الموت.
ثم قبضت على الهاتف بقوة.
وقالت بصوت ثابت، رغم الخوف الذي يملأ قلبها
لو فاكر إني هسيبك تكسب…
يبقى لسه ماعرفتنيش.
يتبع…مرّت عشر دقائق…
لكنها بدت لنورا كأنها عشر سنوات.
كانت تحدق في باب غرفة العناية المركزة، بينما أجهزة المراقبة في الداخل تصدر صفيرًا متقطعًا.
خرج الطبيب مسرعًا.
قال بقلق
السم بينتشر أسرع من المتوقع.
لو ملقيناش الترياق خلال ساعات… هنخسره.
أغلق الطبيب الباب من جديد.
في تلك اللحظة، رن هاتف نورا مرة أخرى.
الرقم نفسه.
أجابت دون تردد.
قال أندريه بهدوء
لسه قدامك فرصة.
عايز إيه؟
الملف.
عقدت حاجبيها.
أي ملف؟
ضحك ضحكة قصيرة.
الملف اللي إيفان مخبيه من خمسة وعشرين سنة.
الملف اللي فيه أسماء كل الناس اللي خانوني وسرقوا إمبراطوريتي.
سلّميه…
وخدي الترياق.
نظرت نورا إلى إيفان.
كان وجهه شاحبًا.
همست
عنده حق؟
أطرق الرجل العجوز رأسه.
ثم قال بصعوبة
الملف موجود فعلًا…
لكن لو وقع في إيده، هيرجع يبني المنظمة من جديد.
ساد الصمت.
كان الاختيار مستحيلًا.
إما حياة ديمتري…
أو إنقاذ مدينة كاملة من رجل لا يعرف الرحمة.
وبينما كانت نورا تحاول التفكير…
دخل أحد الحراس راكضًا.
لقينا واحد من رجال أندريه!
أُدخل رجل مصاب إلى الغرفة، ويداه مقيدتان.
ابتسم رغم الدم الذي يغطي وجهه.
وقال بثقة
حتى لو قتلتوني…
مش هتعرفوا مكان الترياق.
اقتربت منه نورا.
ثم نظرت إلى جيب سترته.
كان هناك قلم معدني فاخر.
تذكرت شيئًا.
قبل أسبوع، عندما رأت أندريه في المقهى…
كان يحمل القلم نفسه.
ابتسمت فجأة.
قال إيفان باستغراب
بتبتسمي ليه؟
أخرجت القلم من جيب الرجل.
لفّت الجزء العلوي منه.
فانفتح من الداخل.
وسقطت شريحة إلكترونية صغيرة على الأرض.
التقطها أحد خبراء ديمتري بسرعة، ووصلها بالحاسوب.
ظهرت خريطة.
وفي منتصفها نقطة حمراء واحدة…
مكتوب بجوارها
المختبر.
ابتسم إيفان لأول مرة منذ سنوات.
وقال
أندريه ارتكب أكبر غلطة في حياته…
افتكر إن أتباعه أوفياء بنفس الدرجة اللي هو مخلص لنفسه.
رفع ديمتري، الذي كان لا يزال فاقدًا للوعي، يده فجأة حركةً خفيفة، كأنه يقاوم الموت.
نظرت إليه نورا وهمست
استحمل…
إحنا جايين نرجعك.
وفي الخارج…
انطلقت السيارات السوداء مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم تكن المهمة للانتقام.
بل سباقًا مع الزمن…
لانتزاع الترياق قبل أن تتوقف نبضات الرجل الذي لم ينسَ يومًا المرأة التي أنقذت حياته.
يتبع…انطلقت ثماني سيارات في وقت واحد.
لكن إيفان أوقف الموكب قبل أن يغادر بوابة المستشفى.
قال بحزم
لا… أندريه عارف إننا هنروح للمختبر.
كل اللي هناك هيكون فخ.
سأل أحد الحراس
أمال نعمل إيه؟
ابتسم الرجل العجوز.
نبعتهم كلهم… إلا الشخص اللي هيدخل بجد.
نظر الجميع إليه.
ثم إلى نورا.
هز رأسه.
هو عايزها هي.
بعد دقائق…
كانت السيارات السوداء تتجه إلى المختبر المهجور، بينما خرجت نورا وحدها في سيارة أجرة صفراء قديمة، لا يرافقها سوى سائق مسن لا يعرف شيئًا.
وصلت إلى مبنى صغير على أطراف المدينة.
كان يبدو مهجورًا.
لكن الباب كان مفتوحًا.
دخلت بحذر.
فوجدت أندريه جالسًا وحده أمام طاولة خشبية.
وأمامه…
زجاجة صغيرة شفافة.
ابتسم عندما رآها.
كنت واثق إنك هتيجي.
نظرت إلى الزجاجة.
ده الترياق؟
نعم.
لكن مش هتاخديه ببلاش.
أخرج ملفًا قديمًا ووضعه على الطاولة.
امضي هنا.
فتحت نورا الملف.
كان عقدًا ينقل إليه كل المستندات التي يحتفظ بها إيفان، ويمنحه السيطرة على شركات وأموال كانت مخفية منذ سنوات.
قالت ببرود
يعني عايز ترجع تبني إمبراطوريتك.
ابتسم.
بالضبط.
سكتت نورا لثوانٍ.
ثم أمسكت القلم.
بدأت توقع.
ابتسم أندريه منتصرًا.
لكن قبل أن تنتهي…
قالت فجأة
عندي سؤال.
اتفضلي.
إنت ليه سيبتني أعيش بعد ما عرفت إني أنقذت ديمتري؟
ضحك بهدوء.
لأني كنت محتاج حد يبقى نقطة ضعفه.
وفي اللحظة التي أنهى فيها الجملة…
ضغطت نورا بالقلم بقوة على الطاولة.
انكسر القلم.
وانطلقت منه إبرة دقيقة جدًا، غرست في يد أندريه.
قفز من مكانه.
عملتي إيه؟!
ابتسمت لأول مرة.
نفس الغلطة اللي عملتها من خمس سنين…
استخدمت أدوات طبية.
بدأ جسده يرتجف.
قال وهو يلهث
ده… ده إيه؟
ردت
مجرد مهدئ قوي.
مش هيقتلك…
بس هيخليك تنام شوية.
وفي اللحظة نفسها…
تحطم الزجاج.
واقتحم رجال ديمتري المكان من كل الجهات.
حاول أندريه الهرب.
لكن قدميه خانتاه.
سقط على الأرض قبل أن يصل إلى الباب.
أسرع إيفان إلى الطاولة، وخطف زجاجة الترياق.
ثم انطلق بها إلى المستشفى.
بعد ساعة…
وقف الجميع خارج غرفة العناية المركزة.
حقن الطبيب الترياق في الوريد.
مرت دقيقة…
ثم دقيقتان…
وفجأة…
ارتفع صوت جهاز نبض القلب بقوة.
فتح ديمتري عينيه ببطء.
أول شخص رآه…
كان نورا.
ابتسم ابتسامة متعبة.
وقال بصوت خافت
واضح إنك… أنقذتِ حياتي للمرة التانية.
لم تستطع نورا منع دموعها.
ضحكت وسط بكائها وقالت
خلاص… اعتبر الدين اتسد.
ابتسم ديمتري وهز رأسه.
لا…
بعض الناس…
بيبقوا عيلة.
والعيلة…
ملهاش ديون.
النهاية بعد عام واحد…
لم يعد أحد يذكر اسم أندريه.
اختفى نفوذه، وصودرت شركاته، وتفرقت بقايا رجاله.
أما ديمتري…
فنفذ وعده.
ترك معظم أعماله غير القانونية، وباع الكثير من ممتلكاته، وحوّل شركات الشحن والبناء إلى أعمال قانونية.
كان الطريق طويلًا…
لكنه أراد أن يعيش حياة لا يطاردها الدم.
وفي صباح ربيعي هادئ…
كان مقهى نورا مزدحمًا كعادته.
آدم، الذي أصبح في التاسعة من عمره، كان يساعد أمه في ترتيب الطاولات.
رفع رأسه فجأة وهو يبتسم.
عمو ديمتري جه!
دخل ديمتري وهو يحمل علبة صغيرة مخملية.
ضحكت نورا.
كل مرة تيجي بهدية… أنا هفلس.
ابتسم وقال
دي مش هدية.
جلس أمامها، ووضع العلبة على الطاولة.
فتحتها ببطء.
كان بداخلها مفتاح قديم من الفضة.
سألته باستغراب
مفتاح إيه ده؟
أجاب
بهدوء
ده مفتاح الشقة اللي أنقذتِ فيها حياتي.
اشتريتها من صاحبها.
ورممتها.
مش علشان ترجعي تعيشي فيها…
علشان تفضل شاهدة إن عملًا واحدًا من الرحمة يقدر يغيّر حياة إنسان.
سكتت نورا للحظة.
ثم ابتسمت وهي تنظر إلى المفتاح.
قالت
عمري ما تخيلت إن قرار فتح باب في ليلة مطر…
هيغيّر حياتي بالشكل ده.
رد ديمتري
وأنا عمري ما تخيلت إن أغلى حاجة في حياتي…
هتكون مدينة لست بسيطة قالت استحمل… وإلا هرميك بره.
ضحكا معًا.
وفي الخارج…
بدأ المطر يهطل من جديد.
لكن هذه المرة…
لم يكن يحمل رائحة الدم.
بل رائحة بداية جديدة.
تمت بعد خمس سنوات أخرى…
لم يعد أحد ينادي نورا بالنادلة.
أصبحت صاحبة سلسلة مقاهٍ صغيرة اشتهرت في المدينة، وكانت توظف شبابًا فقدوا فرصهم في الحياة، لأنها لم تنسَ يومًا كيف كان العالم يغلق أبوابه في وجهها.
أما آدم…
فأصبح مراهقًا طويل القامة، يرافق ديمتري أحيانًا، ويتعلم منه إدارة الشركات لا حمل السلاح.
وفي إحدى الليالي…
كان الجميع يحتفل بعيد ميلاد آدم الرابع عشر في منزل ديمتري.
الضحكات تملأ المكان.
وإيفان يجلس في الحديقة يراقبهم بابتسامة هادئة.
فجأة…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
اقترب من ديمتري وهمس في أذنه.
اختفت الابتسامة من وجهه.
سأل نورا بهدوء
آدم فين؟
التفتت تبحث بعينيها.
لكن الكرسي الذي كان يجلس عليه أصبح فارغًا.
في اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار القصر بالكامل.
تعالت أصوات الأطفال.
ثم…
دوى إطلاق نار في الخارج.
أخرج الحراس أسلحتهم وانتشروا بسرعة.
وبعد ثوانٍ، عادت الكهرباء.
لكن آدم لم يكن موجودًا.
كانت هناك فقط علبة سوداء فوق كرسيه.
فتحها ديمتري بحذر.
وجد بداخلها ساعة جيب قديمة.
تغير لون وجهه فورًا.
همست نورا
مالها الساعة؟
قال بصوت خافت
دي كانت بتاعة أبويا…
واختفت ليلة مقتله.
تحت الساعة…
كانت هناك ورقة صغيرة.
فتحها.
وقرأ بصوت منخفض
انتهت حرب أندريه… لكن العائلة التي صنعته لم تنتهِ.
نظر إيفان إلى الورقة…
ثم أغلق عينيه بحزن.
قال
كنت خايف من اليوم ده.
سألته نورا بسرعة
تقصد إيه؟
تنهد الرجل العجوز وقال
أندريه ماكانش مؤسس المنظمة…
كان مجرد واحد من خمسة.
والأربعة الباقيين…
ما زالوا أحياء.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف ديمتري.
رفع السماعة.
جاءه صوت شاب هادئ
لو عايز تشوف آدم حي…
ابدأ تدور على أول واحد من مجلس الخمسة.
أغلق الخط.
ساد الصمت.
ثم نهض ديمتري ببطء.
نظر إلى نورا وقال
واضح إن الماضي…
لسه ما خلّصش حسابه معانا.
يتبع…ساد صمت ثقيل داخل القصر.
كانت نورا على وشك الانهيار، لكن ديمتري أمسك بيدها وقال بثبات
هنرجعه… مهما كلف الأمر.
اقترب إيفان من الطاولة، ونظر إلى ساعة الجيب القديمة.
ثم ضغط على زر صغير مخفي داخلها.
صدر صوت طَق.
وانفتح غطاء داخلي لم يره أحد من قبل.
في الداخل…
كانت هناك خريطة صغيرة جدًا، ورمز غريب يشبه رأس غراب.
شهق إيفان.
مستحيل…
سأله ديمتري
تعرفه؟
أجاب بصوت متوتر
ده شعار أول واحد من مجلس الخمسة…
اسمه غابرييل بلاك.
الرجل اللي أسس إمبراطورية تهريب قبل أربعين سنة، واختفى من غير ما حد يعرف هو عايش ولا ميت.
قال أحد الحراس
عندنا معلومة قديمة إنه مات في انفجار.
ابتسم إيفان بمرارة.
الناس اللي زيه… نادرًا بيموتوا بالطريقة اللي الناس تعرفها.
وفي تلك اللحظة، دخل خبير الاتصالات وهو يحمل جهازًا لوحيًا.
لقينا رسالة مخفية.
ظهرت على الشاشة صورة لآدم.
كان جالسًا على كرسي، لكنه بدا هادئًا وغير مصاب.
ثم بدأ التسجيل.
قال آدم
ماما… أنا كويس.
متخافيش عليّ.
وقبل أن يكمل…
ظهر رجل يقف خلفه، لكن وجهه كان في الظل.
قال بصوت هادئ
عندكم 72 ساعة.
بعدها… هعتبر الولد فردًا من عيلتي.
واختفت الصورة.
ارتجفت نورا.
يقصد إيه فردًا من عيلته؟
خفض إيفان رأسه.
غابرييل ماكانش يقتل أبناء أعدائه…
كان يربيهم عنده.
ويخليهم يشتغلوا ضدهُم لما يكبروا.
قبض ديمتري على يده حتى ابيضت مفاصله.
ثم قال
يبقى قدامنا تلاتة أيام.
نظر إلى رجاله.
من الليلة دي…
مش هنستخبى.
إحنا اللي هنبدأ الحرب.
وفي مكانٍ بعيد…
داخل قصر قديم فوق جبل يطل على البحر…
كان آدم ينظر من النافذة.
دخل رجل مسن، شعره أبيض بالكامل، لكنه يمشي بثبات.
ابتسم لآدم ووضع أمامه طبقًا من الطعام.
ثم قال بهدوء
كُل.
أبوك هيحتاج قوة كبيرة… علشان يوصل لك.
رفع آدم رأسه وسأله
وإنت غابرييل؟
ابتسم الرجل.
وأجاب
لا…
أنا مجرد الخادم.
أما غابرييل…
فهو الشخص اللي واقف وراك دلوقتي.
اتسعت عينا آدم ببطء.
واستدار…
يتبع…
