كنت عارفة من شهور حكايات ميراا
كنت حاسة من شهور إن جوزي كريم الشاذلي بيخبي عني سر كبير، لكن عمري ما واجهته.
لحد اليوم اللي شفته خارج من مركز طبي مع سكرتيرته ريم عزام، وكانوا ماسكين ظرف أوراق واضح إنه مهم.
أول ما الدكتور لمحني، بص لكريم باستغراب وقال
هو… حضرتك ما بلغتهاش لحد دلوقتي؟
وسلّمه التقرير.
في ثواني…
وش كريم فقد لونه.
وريم اتجمدت مكانها.
أما أنا…
فاكتفيت بابتسامة هادئة.
لأني كنت عارفة إن الورقة اللي في إيده… مجرد أول قطعة هتكشف الحقيقة كلها.
من شهور وأنا براجع حسابات الشركة بنفسي.
كل رقم كان بيقول إن في حاجة غلط.
تحويلات مالية غريبة.
عقود اتوقعت من غير علم مجلس الإدارة.
ومصاريف بملايين الجنيهات مالهاش أي مبرر.
كل ما أسأل كريم…
كان يبتسم ويقول
سيبي الإدارة عليا… إنتِ ركزي في شغلك.
لكنه ما كانش يعرف إن شغلي الحقيقي هو مراجعة الحسابات الجنائية.
ولا كان يعرف إن صندوق العيلة، اللي بيمتلك 51 من أسهم الشركة، الكلمة الأخيرة فيه كانت ليا.
عشان كده ما استعجلتش المواجهة.
احتفظت بنسخة من كل مستند.
وسجلت كل مخالفة.
واستنيت اللحظة المناسبة.
ولما شفته في المركز الطبي…
عرفت إن اللحظة دي وصلت.
فتح كريم التقرير بإيد بترتعش.
قرأ أول سطر…
وبعدين همس
إزاي…؟
بصيت له بهدوء وقلت
في النهاية… الحقيقة بتوصل لصاحبها.
رفع عينه يبصلي لأول مرة من غير ثقة.
ولأول مرة…
حس إنه فقد السيطرة.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن التقرير ده ما كانش أخطر حاجة هتقابله.
لأن اجتماع مجلس الإدارة صباح اليوم التالي…
كان هيكشف سرًا أكبر بكتير، وهيغير ملكية الشركة كلها في دقائق في صباح اليوم التالي…
دخل كريم مقر الشركة وهو واثق إنه لسه المتحكم في كل حاجة.
الموظفين وقفوا أول ما شافوه، لكنه لاحظ إن الهمسات ماليه المكان.
سكرتير مجلس الإدارة قرب منه وقال بهدوء
الاجتماع بدأ من عشر دقايق… وكل الأعضاء مستنيين حضرتك.
دخل القاعة بسرعة.
أول ما فتح الباب…
اتفاجئ بيا قاعدة على رأس الطاولة.
قدامي ملفات زرقاء مرتبة بعناية، وعلى يميني المستشار القانوني للشركة، وعلى شمالي مراقب الحسابات الخارجي.
ابتسم كريم ابتسامة مصطنعة وقال
واضح إنكم بدأتم
من غيري.
رديت بهدوء
لأن جدول الأعمال ما كانش يحتمل تأخير.
قعد في مكانه وهو بيحاول يبان هادي.
لكن نظراته كانت رايحة جاية بين الملفات اللي قدامي.
بدأت الاجتماع بكلمات قليلة
خلال الست شهور اللي فاتوا، تمت مراجعة جميع المعاملات المالية للشركة.
سكتت ثواني.
وبعدين فتحت أول ملف.
وتم اكتشاف مخالفات إدارية جسيمة.
كريم قاطعني بسرعة
اعتراض… الكلام ده لازم يتراجع.
المستشار القانوني رفع ملف تاني وقال
كل مستند موجود عليه توقيعات وأختام رسمية.
ساد الصمت.
واحد من أعضاء المجلس سأل
يعني حضرتك بتقولي إن في قرارات اتاخدت خارج صلاحيات المجلس؟
أومأت برأسي.
وده مثبت بالمستندات.
بدأت أعرض ورقة وراء ورقة.
تحويلات تمت من غير اعتماد.
عقود اتوقعت قبل موافقة المجلس.
مدفوعات اتصرفت من غير مستندات مكتملة.
كل مستند كان بيخلي ملامح كريم تتغير أكتر.
أما ريم…
فكانت قاعدة في آخر القاعة تدون الملاحظات، من غير ما تنطق بكلمة.
بعد ساعة كاملة…
أغلقت آخر ملف.
وقلت بهدوء
أنا ما جبتش الملفات دي عشان أتهم حد.
كل الموجودين بصوا ناحيتي.
أكملت
أنا جبتها عشان الشركة متخسرش أكتر من كده.
رفع رئيس المجلس نظارته وقال
إيه اقتراحك؟
وضعت أمامه ملفًا أخيرًا.
تشكيل لجنة مستقلة لمراجعة كل القرارات المالية والإدارية خلال العامين الماضيين، وتعليق أي صلاحيات تنفيذية لحين انتهاء المراجعة.
ساد صمت ثقيل.
نظر الأعضاء لبعضهم.
ثم بدأ التصويت.
كريم كان بيحاول يتكلم…
لكن لأول مرة، محدش قاطعه ولا حتى بص ناحيته.
وبعد دقائق…
أعلن رئيس المجلس النتيجة.
الأغلبية وافقت.
في اللحظة دي…
أدرك كريم إن المعركة الحقيقية ما كانتش داخل المركز الطبي…
ولا حتى داخل الاجتماع.
المعركة الحقيقية كانت على الحقيقة نفسها.
والحقيقة…
كانت لسه بتكشف أوراق جديدة الجزء التالي
خرج معظم أعضاء مجلس الإدارة، لكن التوتر فضل مسيطر على القاعة.
فضل كريم واقف مكانه، وبص لي وقال بصوت منخفض
إنتِ كنتِ بتخططي لكل ده من ورا ضهري؟
قفلت الملف قدامي بهدوء.
أنا ما خططتش ضدك… أنا كنت بحمي الشركة.
رد بعصبية
كل دي مجرد أخطاء إدارية.
المستشار القانوني تدخل وقال
وده بالضبط اللي اللجنة هتحدده. لو هي أخطاء، هيتقال إنها أخطاء. ولو فيها مسؤوليات، القانون هو اللي هيحكم.
سكت كريم.
لأول مرة، ملقاش رد.
بعد يومين…
بدأت لجنة المراجعة شغلها.
اتفتح الأرشيف بالكامل.
كل عقد، وكل تحويل، وكل فاتورة، وكل توقيع اتراجع من جديد.
وكل يوم كانت تظهر معلومة جديدة.
بعض الموردين اتقاضوا مبالغ أكبر من قيمة التعاقد.
وفي شركات متكررة كانت بتحصل على المناقصات بشكل يثير التساؤلات.
اللجنة ما وجهتش اتهامات.
لكنها سجلت كل الملاحظات بالأرقام والمستندات.
بعد أسبوع…
وصل التقرير المبدئي.
اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية.
قرأ رئيس اللجنة أول صفحة، وقال
تم رصد عدد من المخالفات الإدارية والمالية التي تستلزم مراجعة تفصيلية، ونوصي بإعادة تنظيم إجراءات الاعتماد والرقابة الداخلية.
ساد الهدوء.
ثم أكمل
كما نوصي بتعيين مدير تنفيذي مؤقت لحين انتهاء أعمال اللجنة.
نظر الجميع إلى رئيس المجلس.
ثم جاءت المفاجأة.
قال رئيس المجلس
وبناءً على تصويت المساهمين… تم اختيار الأستاذة ليلى الشاذلي لتولي المنصب بشكل مؤقت.
رفعت عيني في هدوء.
أما كريم…
فاكتفى بالنظر إلى الطاولة.
لم يعترض.
ولم يتكلم.
كان يعرف أن القرار صدر وفق اللوائح، وبموافقة الأغلبية.
بعد انتهاء الاجتماع…
خرجت إلى شرفة الشركة.
كانت الشمس بتغيب خلف مباني القاهرة.
وقفت أتأمل المشهد في صمت.
اقترب مني المستشار القانوني وقال
المعركة لسه طويلة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
عارفة… لكن أهم خطوة اتحققت.
هز رأسه وقال
لأن الحقيقة أخيرًا بقت قدام الكل.
نظرت إلى مبنى الشركة مرة أخيرة.
وأدركت…
أن أصعب القرارات ليست تلك التي تهزم شخصًا، بل التي تنقذ مؤسسة كاملة قبل أن تنهار الجزء التالي
مرّ شهر كامل.
كانت لجنة المراجعة تشتغل يوميًا من أول الصبح لحد آخر الليل.
كل قسم في الشركة اتراجع.
وكل إجراء إداري اتقارن باللوائح.
وخلال الفترة دي…
بدأ الموظفون يلاحظوا فرق كبير.
القرارات بقت بتصدر بعد مراجعة.
المصروفات بقت موثقة.
وأي تعاقد جديد لازم يعدي على أكثر من جهة للموافقة.
لأول مرة من سنين…
الشركة بدأت تستعيد استقرارها.
في نهاية الشهر…
وصل التقرير النهائي.
اجتمع مجلس الإدارة مرة تانية.
وقف رئيس اللجنة وقال
بعد مراجعة جميع الملفات، ثبت وجود قصور واضح في نظام الرقابة الداخلية، وعدد من القرارات الإدارية اللي اتخذت من غير اتباع الإجراءات المعتمدة.
ثم أكمل
ولم تثبت اللجنة وجود أي تلاعب في أصول الشركة، لكن أوصت بإعادة هيكلة الإدارة التنفيذية بالكامل لضمان عدم تكرار المخالفات.
تنفس الجميع الصعداء.
كان واضح إن الشركة اتجنبت أزمة أكبر.
نظر رئيس المجلس إلى كريم وقال
إحنا مقدرين السنوات اللي اشتغلت فيها مع الشركة، لكن المرحلة الجاية محتاجة إدارة مختلفة.
ظل كريم ساكتًا للحظات.
ثم قال بهدوء لأول مرة
لو ده قرار المجلس… فأنا هاحترمه.
لم يكن في صوته غضب.
بل كان فيه اعتراف بأن الأمور خرجت من يده.
بعدها بأيام…
بدأ تنفيذ خطة إعادة الهيكلة.
تم تعيين فريق رقابة داخلية جديد.
وتحديث النظام المالي بالكامل.
ووضع سياسة واضحة تمنع أي قرار فردي في الأمور المالية الكبرى.
أما أنا…
فرجعت لمكتبي.
فتحت أول ملف جديد.
وابتسمت.
لأن هدفي الحقيقي ما كانش إقصاء حد.
كان هدفي إن الشركة اللي تعبت في بنائها تفضل واقفة مهما حصل.
وفي آخر اليوم…
وصلني ظرف صغير من سكرتارية مجلس الإدارة.
فتحته.
كان بداخله خطاب مختصر
بالإجماع… تقرر تعيينك رئيسًا تنفيذيًا للشركة اعتبارًا من بداية الشهر المقبل.
أغلقت الخطاب بهدوء.
ونظرت من نافذة مكتبي إلى الموظفين وهم يواصلون عملهم.
وأيقنت أن النجاح الحقيقي…
ليس أن تربح معركة واحدة،
بل أن تترك خلفك مؤسسة أقوى مما كانت الجزء التالي
مرّت ثلاثة أشهر…
والشركة بدأت تحقق نتائج ما حدش كان متوقعها.
المشروعات المتوقفة رجعت تشتغل.
والعملاء اللي كانوا فقدوا الثقة رجعوا يجددوا عقودهم.
وفي أول اجتماع ربع سنوي…
عرض المدير المالي الأرقام على الشاشة.
ابتسم وقال
معدل الأرباح ارتفع بنسبة 18 مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.
بدأت همسات الإعجاب تنتشر بين أعضاء المجلس.
لكن بالنسبة لي…
كان فيه رقم أهم من الأرباح.
صفر.
صفر مخالفات مالية.
وصفر قرارات خرجت من غير اعتماد رسمي.
وده كان أكبر نجاح حققناه.
بعد الاجتماع…
استوقفني أحد الموظفين القدامى.
قال وهو مبتسم
أول مرة نحس إن كل واحد في الشركة عارف مسؤولياته.
شكرته ومشيت.
الكلمات دي كانت أغلى عندي من أي تقرير.
في نفس الأسبوع…
وصل عرض استثماري كبير من شركة إقليمية.
كان العرض مغري جدًا.
لكن قبل أي توقيع…
طلبت مراجعة كاملة
لمحة نيوز
لكل البنود.
ابتسم المستشار القانوني وقال
واضح إنك بقيتي ما بتسيبيش أي تفصيلة.
ضحكت وقلت
تفصيلة واحدة ممكن تكلف شركة كاملة.
بعد أيام…
وافق مجلس الإدارة على الصفقة بعد مراجعات دقيقة.
الخبر انتشر في الصحف الاقتصادية.
واسم الشركة رجع يتصدر الأخبار…
لكن المرة دي بسبب نجاحها، مش بسبب أزماتها.
وفي مساء هادئ…
وقفت في المكتب بعد ما الكل مشي.
بصيت على أول ملف كنت احتفظت بيه من شهور.
الملف اللي بدأت منه كل الحكاية.
قفلت الدرج وقلت لنفسي
الحقيقة مش هدفها إنها تهزم حد…
هدفها إنها تبني مستقبل أفضل.
أطفأت نور المكتب.
وقفلت الباب ورايا.
وأنا عارفة…
إن أصعب فصل في حياتي انتهى.
لكن فصول النجاح…
لسه في بدايتها الجزء التالي
بعد ستة أشهر…
تحولت الشركة إلى نموذج يحتذى به في الانضباط الإداري.
لم تعد الاجتماعات تُعقد لمجرد استعراض الأرقام، بل لاتخاذ قرارات مدروسة.
كل إدارة أصبحت تراجع عملها قبل أن ترفعه إلى مجلس الإدارة.
والثقة التي فقدها الجميع يومًا…
بدأت تعود تدريجيًا.
في أحد الأيام…
دخل عليَّ رئيس قسم الموارد البشرية وقال
فيه اقتراح من الموظفين.
ابتسمت وسألته
اقتراح إيه؟
ناولني ورقة.
كانوا يطلبون إنشاء برنامج لتدريب الموظفين الجدد، حتى تنتقل الخبرات داخل الشركة بدل ما تضيع مع الوقت.
قرأت الطلب حتى النهاية.
ثم قلت
يبدأ التنفيذ من الشهر الجاي.
انتشر الخبر بسرعة.
ولأول مرة…
أصبح الموظفون يشعرون أن آراءهم مسموعة.
بعدها بأسبوع…
وصل تقرير المراجعة السنوي من جهة مستقلة.
جلس أعضاء المجلس ينتظرون النتيجة.
فتح المراجع التقرير وقال
بعد الفحص الكامل… تبين أن أنظمة الرقابة الداخلية أصبحت متوافقة مع المعايير المطلوبة، وتم تدارك جميع الملاحظات التي سبق تسجيلها.
ساد الصمت للحظة…
ثم بدأ التصفيق.
لم يكن تصفيقًا لشخص.
بل للشركة كلها.
بعد انتهاء الاجتماع…
وقف رئيس مجلس الإدارة وقال
في بداية الأزمة، كثيرون توقعوا أن الشركة لن تتجاوز ما حدث.
ثم نظر إليَّ وأكمل
لكن الإدارة الحكيمة أثبتت أن الأزمات قد تكون بداية جديدة.
ابتسمت في هدوء.
وأجبت
الفضل لكل شخص اشتغل بإخلاص.
في المساء…
خرجت من المبنى.
توقفت أمام اللافتة الكبيرة التي تحمل اسم الشركة.
تذكرت أول يوم دخلته قبل سنوات، وأنا أحمل ملفات صغيرة وأحلامًا أكبر من إمكانياتي.
واليوم…
لم يكن أهم ما أملكه هو المنصب.
ولا السلطة.
بل راحة الضمير، لأن المؤسسة التي ساهمت في بنائها أصبحت أقوى وأكثر استقرارًا.
ابتسمت وأنا أركب سيارتي.
وأدرت المحرك.
وفي داخلي يقين واحد…
أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تربحها، بل بعدد الأزمات التي تحوّلها إلى فرص لبداية أفضل الجزء التالي
مرت سنة كاملة…
وفي الذكرى الأولى لإعادة هيكلة الشركة، امتلأت قاعة الاجتماعات بالموظفين والإدارة.
كانت الشاشة تعرض مقارنة بين أرقام العام الماضي والعام الحالي.
ارتفعت الإيرادات.
وزادت ثقة العملاء.
وتوسعت الشركة بافتتاح فرع جديد.
لكن أكثر ما أسعدني…
أن كل نجاح تحقق كان مبنيًا على نظام واضح، مش على اجتهاد شخص واحد.
بعد انتهاء العرض…
وقف أحد الموظفين الشباب وقال
ممكن أسأل سؤال؟
ابتسمت وقلت
اتفضل.
قال
إيه أهم قرار اتخذتيه من أول ما مسكتي الإدارة؟
ساد الصمت في القاعة.
الجميع كان منتظر الإجابة.
قلت بهدوء
إني ما اعتمدتش على الثقة وحدها.
نظر الجميع باهتمام.
أكملت
أي مؤسسة ناجحة لازم تبني شغلها على لوائح واضحة، ورقابة، ومحاسبة، علشان تفضل قوية مهما اتغير الأشخاص.
دوّن كثير من الحاضرين الجملة في دفاترهم.
بعد أيام…
تلقت الشركة دعوة للمشاركة في مؤتمر اقتصادي كبير، لعرض تجربتها في إعادة بناء نظامها الإداري.
وقفت على المنصة أمام عشرات من أصحاب الشركات.
لم أتحدث عن الأزمات.
ولا عن الخلافات.
تحدثت عن التخطيط، والشفافية، وأهمية مراجعة القرارات قبل تنفيذها.
وبعد انتهاء الكلمة…
وقف الحضور يصفقون.
اقترب مني أحد رجال الأعمال وقال
قصتكم أثبتت إن الإدارة السليمة تقدر تنقذ أي مؤسسة.
ابتسمت وشكرته.
وفي نهاية اليوم…
عدت إلى مكتبي.
فتحت الدرج الذي احتفظت فيه بأول ملف راجعته قبل عام.
تأملت الأوراق للحظات…
ثم أغلقت الدرج مرة أخرى.
لم أعد أحتاج إليها.
لأنها لم تعد تمثل أزمة…
بل أصبحت تذكارًا لأول خطوة في طريق طويل من الإصلاح.
وقفت أمام نافذة المكتب.
كانت أضواء المدينة تملأ الأفق.
ابتسمت وأنا أقول لنفسي
كل بداية صعبة… ممكن تتحول إلى أعظم نجاح، إذا واجهناها بالحكمة بدل الاندفاع.
ثم أطفأت أنوار المكتب…
وغادرت، بينما كانت الشركة تبدأ فصلًا جديدًا من النجاح، عنوانه الثقة تُبنى بالنظام، وتستمر بالعدل بعد عامين…
لم يعد اسم الشركة يُذكر بسبب الأزمات، بل بسبب نجاحها في التحول إلى واحدة من أكثر الشركات استقرارًا في مجالها.
وفي صباح أحد الأيام…
وصلني خطاب رسمي مختوم.
فتحته بهدوء.
كانت دعوة للمنافسة على تنفيذ أكبر مشروع في تاريخ الشركة.
مشروع لو نجح…
هيضاعف حجم أعمالنا خلال سنوات قليلة.
اجتمع مجلس الإدارة في اليوم نفسه.
قال رئيس المجلس
المنافسة قوية، وكل الشركات الكبيرة قدمت عروضها.
أجبت بثقة
إحنا مش هنعتمد على أقل سعر… إحنا هنعتمد على أفضل جودة وأوضح خطة.
بدأ الفريق يعمل ليل نهار.
كل إدارة كانت مسؤولة عن جزء من الملف.
ولأول مرة…
كان الجميع يعمل كأنه فريق واحد.
بعد أسابيع…
جاء يوم إعلان النتيجة.
جلسنا أمام شاشة كبيرة في قاعة الاجتماعات نتابع المؤتمر.
بدأ المذيع يعلن أسماء الشركات المشاركة.
ثم توقف للحظة.
وقال
والشركة الفائزة بتنفيذ المشروع هي…
ساد الصمت.
ثم ظهر اسم شركتنا على الشاشة.
انطلقت التصفيقات في القاعة.
بعض الموظفين لم يتمالكوا دموعهم.
أما أنا…
فاكتفيت بابتسامة هادئة.
لم يكن الفوز مجرد عقد جديد.
كان دليلًا على أن كل قرار صعب اتخذناه في الماضي كان يستحق.
في نهاية اليوم…
جمعت جميع العاملين في البهو الرئيسي.
وقلت لهم
النجاح ده مش نجاح إدارة… ده نجاح كل موظف رفض يستسلم وقت الأزمة.
تعالت التصفيقات مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن الشركة لم تعد مجرد مكان أعمل فيه.
بل أصبحت بيتًا لكل شخص آمن بأن العمل الجاد والشفافية قادران على تغيير أي واقع.
نظرت إلى المبنى للمرة الأخيرة قبل أن أغادر.
وتذكرت ذلك اليوم الذي بدأت فيه رحلة البحث عن الحقيقة.
لو كنت واجهت الأمور بانفعال…
ربما ضاع كل شيء.
لكن الصبر، والتخطيط، والاعتماد على الحقائق…
كانوا السبب في أن تنتهي الحكاية بانتصار المؤسسة، لا بانهيارها.
تمت بعد عامين…
لم يعد اسم الشركة يُذكر بسبب الأزمات، بل بسبب نجاحها في التحول إلى واحدة من أكثر الشركات استقرارًا في مجالها.
وفي صباح أحد الأيام…
وصلني خطاب رسمي مختوم.
فتحته بهدوء.
كانت دعوة للمنافسة على تنفيذ أكبر مشروع في تاريخ الشركة.
مشروع لو نجح…
هيضاعف حجم أعمالنا خلال سنوات قليلة.
اجتمع مجلس الإدارة في اليوم نفسه.
قال رئيس المجلس
المنافسة قوية، وكل الشركات الكبيرة قدمت عروضها.
أجبت بثقة
إحنا مش هنعتمد على أقل سعر… إحنا هنعتمد على أفضل جودة وأوضح خطة.
بدأ الفريق يعمل ليل نهار.
كل إدارة كانت مسؤولة عن جزء من الملف.
ولأول مرة…
كان الجميع يعمل كأنه فريق واحد.
بعد أسابيع…
جاء يوم إعلان النتيجة.
جلسنا أمام شاشة كبيرة في قاعة الاجتماعات نتابع المؤتمر.
بدأ المذيع يعلن أسماء الشركات المشاركة.
ثم توقف للحظة.
وقال
والشركة الفائزة بتنفيذ المشروع هي…
ساد الصمت.
ثم ظهر اسم شركتنا على الشاشة.
انطلقت التصفيقات في القاعة.
بعض الموظفين لم يتمالكوا دموعهم.
أما أنا…
فاكتفيت بابتسامة هادئة.
لم يكن الفوز مجرد عقد جديد.
كان دليلًا على أن كل قرار صعب اتخذناه في الماضي كان يستحق.
في نهاية اليوم…
جمعت جميع العاملين في البهو الرئيسي.
وقلت لهم
النجاح ده مش نجاح إدارة… ده نجاح كل موظف رفض يستسلم وقت الأزمة.
تعالت التصفيقات مرة أخرى.
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن الشركة لم تعد مجرد مكان أعمل فيه.
بل أصبحت بيتًا لكل شخص آمن بأن العمل الجاد والشفافية قادران على تغيير أي واقع.
نظرت إلى المبنى للمرة الأخيرة قبل أن أغادر.
وتذكرت ذلك اليوم الذي بدأت فيه رحلة البحث عن الحقيقة.
لو كنت واجهت الأمور بانفعال…
ربما ضاع كل شيء.
لكن الصبر، والتخطيط، والاعتماد على الحقائق…
كانوا السبب في أن تنتهي الحكاية بانتصار المؤسسة، لا بانهيارها.
تمت الجزء التالي
ظن الجميع أن القصة انتهت عند الفوز بالمشروع الكبير…
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
بعد أسبوع من توقيع العقد…
وصل إلى مكتبي ظرف بنيّ اللون، من غير اسم مرسل.
فتحته بحذر.
كان بداخله مفتاح صغير…
ومعه ورقة مكتوب عليها بخط اليد
لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة… افتحي الخزنة رقم 17.
تجمدت للحظة.
الخزنة رقم 17…
كانت موجودة في أرشيف الشركة القديم، اللي اتقفل من سنين.
اتصلت بمدير الأرشيف.
سألته
الخزنة دي لسه موجودة؟
رد بعد لحظات من البحث
أيوه يا فندم… ومحدش فتحها من أكتر من عشر سنين.
طلبت تجهيزها فورًا.
في صباح اليوم التالي…
نزلت بنفسي إلى بدروم المبنى.
كان المكان هادئًا،
مليئًا بالملفات القديمة.
وصلت إلى الخزنة.
أدخلت المفتاح.
دار بصعوبة…
ثم انفتح الباب.
في الداخل…
وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتحته.
كان مليئًا بعقود قديمة، ومراسلات رسمية، وتقارير مراجعة تعود إلى السنوات الأولى لتأسيس الشركة.
وبين الأوراق…
وجدت خطابًا مكتوبًا باسم مؤسس الشركة.
جلست أقرأه في صمت.
كان الخطاب يقول
إذا وصل هذا الخطاب إلى الإدارة الحالية، فمعناه أن الشركة تجاوزت أصعب مراحلها. حافظوا عليها، ولا تسمحوا لأي خلاف شخصي أن يكون أقوى من مصلحة المؤسسة.
أغلقت الخطاب ببطء.
شعرت أن الرجل، رغم رحيله منذ سنوات، كان يترك رسالة لكل من سيحمل المسؤولية بعده.
خرجت من الأرشيف وأنا أحمل الصندوق.
وفي أول اجتماع لمجلس الإدارة…
وضعت الخطاب أمام الجميع.
قرأه رئيس المجلس بصوت مسموع.
ساد الصمت.
ثم قال
يبدو أن دي الرسالة اللي كنا محتاجين نفتكرها.
ابتسمت.
وأجبت
ومن النهارده… هتفضل نسخة منها في كل مكتب مدير داخل الشركة.
وافق الجميع.
وفي نهاية الاجتماع…
تم اعتماد قرار جديد.
أن تكون الشفافية والمراجعة الدورية جزءًا ثابتًا من نظام الشركة، مهما تغيرت الإدارات.
وعندما خرجت من القاعة…
شعرت أن الحكاية لم تكن عن منصب…
ولا عن صراع…
بل عن بناء إرث يظل قائمًا حتى بعد رحيل أصحابه الجزء التالي
بعد قرار مجلس الإدارة بتطبيق نظام جديد للرقابة…
لم يكن الجميع سعيدًا.
في أول أسبوع…
وصلتني رسالة مجهولة على البريد الإلكتروني للشركة.
لم تكن تحمل اسمًا.
ولا توقيعًا.
مجرد جملة واحدة
لو استمريتِ في فتح الملفات القديمة… هتخسري ناس كتير بتثقي فيهم.
أغلقت الرسالة بهدوء.
لم أخف.
لكنني أدركت أن هناك من لا يريد للمراجعة أن تكتمل.
في صباح اليوم التالي…
استدعيت مدير تقنية المعلومات.
قلت له
عايزة أعرف الرسالة دي اتبعتت منين.
أجاب بعد ساعات من الفحص
المرسل استخدم أكثر من وسيلة لإخفاء هويته، لكن في حاجة غريبة.
سألته
إيه هي؟
قال
الرسالة خرجت من داخل مبنى الشركة.
ساد الصمت.
يعني الشخص اللي بيحاول يخوفني…
كان بيشتغل معنا.
قررت ما أقولش لحد.
بل بدأت أراقب كل شيء.
الاجتماعات.
الملفات.
وحركة المستندات بين الإدارات.
بعد أيام…
اكتشفت أن بعض الملفات كانت بتتأخر في الوصول لإدارة المراجعة.
مش بتختفي…
لكن كانت بتوصل بعد موعدها.
وده كان كفيل إنه يعطل اتخاذ قرارات مهمة.
طلبت تقريرًا بكل حركة الملفات خلال آخر سنة.
وفي نهاية التقرير…
ظهر اسم واحد بيتكرر أكتر من أي اسم.
مدير إدارة المشتريات…
حسام رفعت.
استدعيته للمكتب.
دخل وهو مبتسم.
قال
خير يا فندم؟
وضعت التقرير أمامه.
ممكن تشرحلي ليه بعض الملفات كانت بتوصل متأخرة؟
نظر إلى الأوراق.
ثم قال
يمكن ضغط شغل.
ابتسمت.
وأخرجت تقريرًا ثانيًا.
الغريب إن التأخير كان بيحصل في ملفات معينة بس.
اختفت ابتسامته.
لكنه تماسك وقال
أكيد مجرد صدفة.
أنهيت المقابلة بدون أي اتهام.
كنت أحتاج دليلًا…
وليس مجرد شك.
بعد أسبوع…
اكتشفت لجنة المراجعة شيئًا جديدًا.
كانت هناك عقود توريد يتم تجديدها تلقائيًا منذ سنوات، رغم وجود شركات تقدم أسعارًا أفضل.
كل الإجراءات كانت قانونية.
لكنها لم تكن الأفضل لمصلحة الشركة.
قررت تشكيل لجنة منافسات جديدة.
وأعلنت أن أي عقد سيتم تجديده سيخضع لمنافسة مفتوحة.
انتشر القرار في كل الإدارات.
وبدأت الاعتراضات تظهر.
لكنني لم أتراجع.
بعد شهر…
انخفضت تكلفة المشتريات بنسبة خمسة عشر في المائة.
المبلغ الذي وفرته الشركة خلال شهر واحد…
كان أكبر من أرباح أحد الفروع في سنة كاملة.
اجتمع مجلس الإدارة.
قال رئيس المجلس مبتسمًا
واضح إن إعادة المراجعة كانت قرارًا في وقته.
لكن قبل أن أرد…
دخل السكرتير مسرعًا.
وقال
في وفد من هيئة رقابية خارج الشركة وصل دلوقتي، ومعاهم طلب رسمي للاطلاع على بعض الملفات.
نظر الجميع إليّ.
قلت بهدوء
يدخلوا فورًا.
دخل أعضاء الوفد.
توقع البعض أن تكون هناك مشكلة.
لكن رئيس الوفد ابتسم وقال
إحنا مش جايين نحقق… إحنا جايين نختار شركتكم ضمن برنامج الشركات صاحبة أفضل نظم الحوكمة.
ساد الصمت.
ثم انفجرت القاعة بالتصفيق.
أما أنا…
فتذكرت أول يوم بدأت فيه مراجعة أول ملف.
وقتها قال لي أحدهم
الورق عمره ما يغير الواقع.
ابتسمت وأنا أنظر إلى آلاف الملفات المرتبة داخل الأرشيف.
وقلت في نفسي
بالعكس… أحيانًا ورقة واحدة مكتوبة صح… بتغير مستقبل مؤسسة كاملة الجزء التالي
خبر اختيار الشركة ضمن برنامج أفضل نظم الحوكمة انتشر بسرعة.
الصحف الاقتصادية بدأت تتكلم عن التجربة.
واتصالات التهنئة ما كانتش بتقف.
لكن وسط كل ده…
كنت عارفة إن النجاح الحقيقي بيبدأ بعد أول إنجاز، مش قبله.
في صباح الاثنين…
دخلت الشركة بدري كعادتي.
لكن لفت نظري تجمع عدد من الموظفين قدام لوحة الإعلانات.
قربت منهم.
كان فيه إعلان جديد.
مسابقة داخلية لتطوير بيئة العمل، وأفضل فكرة هتتحول إلى مشروع تنفذه الشركة.
ابتسمت.
الاقتراح ده كان من موظفة صغيرة في قسم خدمة العملاء.
اسمها منى.
كانت لسه شغالة بقالها أربعة شهور.
ولما عرضت فكرتها، بعض المديرين قالوا إنها لسه جديدة.
لكن أنا أصريت إنها تاخد فرصتها.
بعد أسبوعين…
وصلت أكثر من مائتي فكرة من موظفين في كل الإدارات.
فيه اقتراحات لتقليل استهلاك الكهرباء.
وأخرى لتسريع دورة المستندات.
وأفكار لتطوير خدمة العملاء.
اكتشفنا وقتها إن الشركة كانت مليانة عقول مميزة…
لكن محدش كان بيسمعها.
وفي يوم إعلان النتائج…
دخلت القاعة ومعايا لجنة التقييم.
قلت للموظفين
كل فكرة اتبعتت اتقريت، وكل صاحب فكرة يستحق الشكر.
ثم أعلنت الفائزين.
لكن المفاجأة…
إننا قررنا ننفذ خمس أفكار، مش فكرة واحدة.
تعالى التصفيق.
ولأول مرة…
حس الموظفون إنهم شركاء في النجاح، مش مجرد منفذين.
بعد شهر…
بدأت نتائج الأفكار الجديدة تظهر.
وقت إنجاز المعاملات انخفض.
وشكاوى العملاء قلت بشكل ملحوظ.
ومعدل رضا الموظفين ارتفع.
حتى العملاء القدامى بدأوا يلاحظوا الفرق.
أحدهم قال في رسالة رسمية
واضح إن الشركة بقت تشتغل بروح مختلفة.
احتفظت بالرسالة في مكتبي.
لأنها كانت أهم من أي شهادة تقدير.
وفي نهاية العام…
أقيم حفل كبير بمناسبة مرور عشرين سنة على تأسيس الشركة.
وقف رئيس مجلس الإدارة على المنصة وقال
قبل سنوات، كنا بنفكر إزاي نخرج من أزمة.
ثم ابتسم وأكمل
النهارده إحنا بنحتفل بأفضل سنة في تاريخ الشركة.
بعدها طلب مني أطلع على المسرح.
وقفت وسط تصفيق الحضور.
لكن بدل ما أتكلم عن نفسي…
قلت
أي مؤسسة بتنجح لما كل شخص فيها يحس إن صوته مسموع، وإن مجهوده مقدر.
ساد الصمت.
ثم وقف جميع الموظفين يصفقون.
وفي الصفوف الأولى…
رأيت وجوهًا كانت في يوم من الأيام مختلفة معي في الرأي.
لكن النهارده…
كان هدفنا واحد.
نجاح الشركة.
بعد انتهاء الحفل. ..
رجعت مكتبي.
وجدت ظرفًا أبيض على المكتب.
فتحته.
كان بداخله خطاب بخط يد مؤسس الشركة، كان محفوظًا ضمن الأرشيف ولم يُقرأ من قبل.
وفي آخر سطر كتب
إذا جاء يوم وأصبحت فيه مصلحة المؤسسة أهم من مصلحة الأفراد… فاعلموا أن الشركة وصلت إلى النضج الحقيقي.
أغلقت الخطاب بهدوء.
ونظرت من نافذة المكتب إلى مبنى الشركة المضيء.
ثم ابتسمت…
لأنني شعرت لأول مرة أن كل ما مررنا به لم يكن مجرد سلسلة من الأزمات، بل رحلة طويلة لبناء مؤسسة تستحق أن تستمر لأجيال الجزء التالي
في صباح اليوم التالي…
كنت أول واحدة وصلت الشركة.
الهدوء كان يملأ المكان.
الموظفون لسه ما وصلوش.
حطيت فنجان القهوة على المكتب، وبدأت أراجع جدول الأسبوع.
اجتماعات.
مراجعة مشروع جديد.
توقيع عقود.
وزيارة من وفد استثماري.
يوم عادي…
أو ده اللي كنت فاكراه.
رن تليفون المكتب.
رفعته.
صباح الخير.
جالي صوت السكرتيرة
يا فندم… في راجل كبير مستني حضرتك في الاستقبال، ورافض يقول اسمه.
استغربت.
قلت
خليه يتفضل.
بعد دقائق…
دخل رجل في أواخر الستينيات.
كان أنيقًا جدًا.
ويمسك حقيبة جلد قديمة.
ابتسم وقال
واضح إنك مش فاكراني.
دققت في ملامحه.
ثم هززت رأسي.
ابتسم أكثر.
وقال
أنا يوسف البدري… أول مراجع حسابات اشتغل مع مؤسس الشركة.
وقفت احترامًا.
صافحته.
وقلت
اتفضل… يشرفني وجودك.
جلس بهدوء.
ووضع الحقيبة فوق المكتب.
ثم فتحها.
كانت مليئة بدفاتر قديمة.
قال
دي سجلات احتفظت بيها من أول يوم اتأسست فيه الشركة.
نظرت إليها بدهشة.
الأوراق كانت مكتوبة بخط اليد.
كل صفحة تحكي مرحلة من تاريخ المؤسسة.
قال يوسف
قبل ما أمشي على المعاش، مؤسس الشركة سلمني الدفاتر دي.
سألته
وليه جبتها دلوقتي؟
ابتسم.
وقال
لأنه قال لي جملة واحدة.
توقف لحظة.
ثم أكمل
سلّمها للي هيحافظ على الشركة… مش للي يديرها.
ساد الصمت.
لم أعرف ماذا أقول.
قضينا ساعات نقرأ معًا.
عرفت كيف بدأت الشركة.
وكيف كان أول مكتب عبارة عن غرفة صغيرة.
وأول خمسة موظفين كانوا بيعملوا كل حاجة بنفسهم.
حتى مؤسس الشركة…
كان أحيانًا يحمل الصناديق بيده.
لم يكن يخجل من أي عمل.
وكان يردد دائمًا
المنصب مسؤولية… مش امتياز.
كتبت الجملة في مفكرتي.
وقررت أنها ستُعلق في قاعة الاجتماعات.
قبل أن يغادر…
أخرج يوسف ظرفًا صغيرًا.
وقال
ودي آخر أمانة.
فتحته.
وجدت بداخله صورة قديمة بالأبيض والأسود.
كانت لأول فريق عمل في الشركة.
في الصف الأول…
وقف المؤسس مبتسمًا.
ومن خلفه مجموعة من الموظفين.
على ظهر الصورة…
كانت مكتوبة عبارة قصيرة
لو فضل الاحترام موجود بين الناس…
الشركة هتعيش مهما كبرت.
ابتسمت.
وأعدت الصورة إلى الظرف.
في الأسبوع التالي…
علّقنا الصورة في المدخل الرئيسي للشركة.
كل موظف يدخل…
كان يقف لحظة يتأملها.
وبجانبها لوحة صغيرة كُتب عليها
كل نجاح نعيشه اليوم… بدأ بحلم صغير وإخلاص مجموعة من الناس.
ومن يومها…
لم تعد الشركة مجرد مكان للعمل.
بل أصبحت قصة يضيف كل موظف فيها صفحة جديدة… دون أن ينسى الصفحات الأولى التي صنعت البداية الجزء التالي
مرّت عدة أشهر…
وكانت الشركة تعيش أفضل فتراتها منذ تأسيسها.
لكن في أحد الأيام…
وصل خطاب رسمي إلى مجلس الإدارة.
كان مختومًا بختم المحكمة الاقتصادية.
ساد الهدوء في القاعة.
نظر الجميع إلى الخطاب قبل أن يفتحه المستشار القانوني.
قرأه ببطء…
ثم ابتسم.
قال
اطمنوا… مفيش قضية.
تنفس الجميع الصعداء.
ثم أكمل
دي دعوة لحضور جلسة تحكيم بين شركتين كبار، وطلبوا ترشيح خبير محاسبة جنائية من شركتنا.
التفتت الأنظار نحوي.
قال رئيس المجلس
أنا برشح ليلى.
وافق الجميع بالإجماع.
بعد أيام…
دخلت قاعة التحكيم.
كانت مليئة بالمحامين والخبراء.
أمام كل طرف عشرات الملفات.
القضية معقدة.
وفيها عقود تمتد لسنوات.
استغرقت مراجعة المستندات أسبوعين كاملين.
كنت أقرأ كل بند أكثر من مرة.
وأقارن كل رقم بما قبله.
حتى وصلت إلى ملاحظة صغيرة…
كانت تبدو غير مهمة.
لكنها غيّرت مسار القضية بالكامل.
قدمت تقرير المراجعة.
وبعد ساعات من المناقشات…
أعلنت هيئة التحكيم قرارها.
وأشادت بدقة التقرير.
بعد انتهاء الجلسة…
اقترب مني أحد رجال الأعمال.
وقال
إحنا محتاجين ناس عندها نفس الدقة دي.
شكرته بابتسامة.
لكني اعتذرت عن أي عروض.
كان هدفي واضحًا…
تطوير الشركة التي بنيت معها كل هذه الرحلة.
بعد عودتي…
فوجئت بأن الموظفين كانوا قد أعدوا استقبالًا بسيطًا.
لافتة صغيرة كُتب عليها
أهلًا بعودة من رفعت اسم شركتنا.
ابتسمت وأنا أنظر إليهم.
وقلت
النجاح ده باسمكم كلكم.
رد أحد الموظفين ضاحكًا
بس التقرير حضرتك اللي كتبتيه.
ضحك الجميع.
وعادت أجواء العمل.
في نهاية الأسبوع…
دعاني رئيس مجلس الإدارة إلى مكتبه.
قال وهو يناولني ملفًا جديدًا
ده أكبر مشروع توسع في تاريخ الشركة.
فتحت الملف.
وجدت دراسة لإنشاء مقر إداري جديد، ومركز تدريب، وأكاديمية لتأهيل المحاسبين الشباب.
رفعت رأسي إليه.
قال مبتسمًا
إحنا مش بنبني مبنى جديد… إحنا بنبني جيل جديد.
أغلقت الملف بهدوء.
وأجبت
يبقى لازم نحطه على أسس قوية… زي ما عملنا من أول يوم.
صافحني وهو يقول
وده السبب اللي خلانا نوصل لحد هنا.
خرجت من مكتبه، وأنا أحمل الملف بين يدي.
لكن في داخلي…
كنت أحمل مسؤولية أكبر من أي وقت مضى.
لأن الحفاظ على النجاح…
أصعب بكثير من الوصول إليه الجزء التالي
بدأ تنفيذ مشروع الأكاديمية بعد أسابيع قليلة.
خصصنا جزءًا من المقر الجديد ليكون مركزًا للتدريب العملي.
لم يكن الهدف مجرد إعطاء محاضرات.
بل إعداد جيل يعرف أن الأرقام ليست مجرد جداول…
بل مسؤولية.
في أول يوم استقبال للمتدربين…
دخل أكثر من مائة شاب وشابة.
كانت الحماسة واضحة على وجوههم.
وقفت أمامهم وقلت
ممكن أي حد يتعلم يراجع فاتورة أو يعمل تقرير.
ثم توقفت لحظة.
وأكملت
لكن المحاسب الحقيقي هو اللي يعرف يسأل السؤال الصحيح قبل ما يدور على الإجابة.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يدون الملاحظات.
بعد انتهاء المحاضرة…
اقترب مني شاب في بداية العشرينات.
قال
حضرتك… أنا قدمت في خمس شركات قبل كده واترفضت.
ابتسمت.
وسألته
وليه مكملتش محاولة؟
قال
كل مرة كنت بحس إني مش كفاية.
ناولته بطاقة التدريب.
وقلت
الفرصة الحقيقية بتبدأ من أول مرة تقرر متستسلمش.
خرج من المكتب وهو يبتسم.
ولم أكن أعرف وقتها…
أنه سيكون من أفضل الموظفين بعد سنوات.
في الوقت نفسه…
كان العمل في المقر الجديد يسير بسرعة.
كل أسبوع كنت أزور الموقع.
وأتأكد من التفاصيل بنفسي.
وفي إحدى الزيارات…
لاحظت أن أحد المقاولين اقترح استخدام خامات أقل جودة لتقليل التكلفة.
رفضت فورًا.
قال
الفرق مش هيبان.
أجبته بهدوء
يمكن النهارده مش يبان… لكن بعد عشر سنين هيبان.
أغلق الملف.
ووافق على تنفيذ المواصفات الأصلية.
بعد عام…
افتتحنا المبنى الجديد.
كانت القاعة الرئيسية ممتلئة.
موظفون.
عملاء.
شركاء.
وعدد من خريجي الدفعة الأولى للأكاديمية.
وقف رئيس مجلس الإدارة وقال
زمان كنا بنفكر إزاي نحافظ على الشركة.
ثم أشار إلى المبنى.
وأكمل
النهارده بقينا بنفكر إزاي نصنع شركات ناجحة تانية من خلال الناس اللي بندربهم.
بعد انتهاء الحفل…
أخذت جولة وحدي داخل المبنى.
مررت على قاعات التدريب.
والمكتبة.
وغرف الاجتماعات.
وفي نهاية الممر…
وجدت لوحة رخامية.
اقتربت منها.
كان مكتوبًا عليها
هذا المركز أُنشئ إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي… يبدأ بالإنسان.
وقفت أمامها طويلًا.
ثم ابتسمت.
لأنني تذكرت كل خطوة بدأت منها الرحلة.
ملف صغير.
سؤال واحد.
وقرار بعدم تجاهل الحقيقة.
واليوم…
لم يعد أثر تلك القرارات يظهر في ميزانية الشركة فقط.
بل في كل شخص دخل هذا المكان، وتعلم أن النجاح لا يصنعه الحظ…
بل تصنعه الأمانة، والعلم، والعمل المستمر الجزء التالي
بعد افتتاح الأكاديمية بستة أشهر…
بدأت نتائجها تظهر بشكل واضح.
عدد من الشركات الكبرى طلبت التعاقد مع خريجيها.
وأصبح اسمها يتردد في المؤتمرات الاقتصادية باعتبارها واحدة من أفضل برامج التدريب العملي.
لكن في أحد الاجتماعات…
قال المدير المالي
فيه مشكلة لازم نتكلم فيها.
ساد الصمت.
عرض على الشاشة مجموعة من الرسوم البيانية.
وقال
مبيعاتنا مستقرة… لكن المنافسة بقت أقوى من أي وقت فات.
سألته
إيه السبب؟
أجاب
في شركات جديدة دخلت السوق بأسعار أقل.
بدأ أعضاء المجلس يقترحون حلولًا.
واحد قال
نخفض الأسعار.
وآخر قال
نقلل المصروفات.
استمعت للجميع.
ثم قلت
لو نافسنا بالسعر هنخسر.
نظروا إليّ باستغراب.
أكملت
لكن لو نافسنا بالجودة والثقة… هنكسب.
طلبت إعداد دراسة كاملة عن احتياجات العملاء.
استغرقت الدراسة شهرين.
اكتشفنا أن أغلب العملاء لا يبحثون عن أرخص خدمة…
بل عن أسرع استجابة وأوضح تقارير.
بدأنا نعيد تنظيم فرق العمل.
أنشأنا إدارة لخدمة كبار العملاء.
وخصصنا فريقًا لمتابعة كل مشروع بعد تسليمه.
خلال ثلاثة أشهر فقط…
بدأت النتائج تتغير.
رجع عملاء قدامى.
وانضم عملاء جدد.
بل إن بعض الشركات التي كانت تتعامل مع المنافسين قررت نقل أعمالها إلينا.
وفي نهاية السنة…
عقد مجلس الإدارة اجتماعًا لتقييم الأداء.
فتح المدير المالي التقرير.
ثم ابتسم.
وقال
أعلى نسبة نمو في تاريخ الشركة.
نظر الجميع إلى الشاشة.
كانت الأرقام تتحدث وحدها.
لكن أكثر ما لفت انتباهي…
أن نسبة رضا العملاء تجاوزت كل التوقعات.
بعد الاجتماع…
جاءتني رسالة من أحد العملاء.
كتب فيها
إحنا اخترناكم مش لأنكم الأرخص… لكن لأننا واثقين إنكم هتقولوا الحقيقة حتى لو كانت صعبة.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
ثم احتفظت بها داخل مكتبي.
لأنها كانت تلخص كل ما حاولنا بناءه طوال السنوات الماضية.
في مساء ذلك اليوم…
صعدت إلى سطح المبنى الجديد.
كانت القاهرة تلمع بالأضواء.
وقفت أتأمل المدينة.
ثم سمعت خطوات خلفي.
التفت.
كان رئيس مجلس الإدارة.
وقف بجواري وقال مبتسمًا
عارفة إيه أكتر حاجة اتغيرت؟
سألته
إيه؟
قال
زمان الناس كانت تثق في اسم الشركة.
ثم نظر إلى المبنى وأضاف
النهارده… بقت تثق في المبادئ اللي الشركة بتمثلها.
ابتسمت في هدوء.
لأنني أدركت أن أعظم إنجاز لم يكن تحقيق الأرباح…
ولا الفوز بالمشروعات…
بل بناء ثقافة كاملة، تجعل كل قرار يُتخذ على أساس النزاهة والمسؤولية، مهما تغيرت الظروف أو الأشخاص الجزء التالي
بعد أسابيع…
كنت بمراجعتي المعتادة لتقارير الإدارات.
ولاحظت رقمًا غريبًا.
ليس خطأ.
ولا مخالفة.
لكن معدل استقالة الموظفين الجدد ارتفع خلال آخر ثلاثة أشهر.
أغلقت التقرير.
وطلبت اجتماعًا عاجلًا مع إدارة الموارد البشرية.
دخل المدير ومعه الملفات.
قلت له
إحنا بنوظف أفضل الكفاءات… ليه بيمشوا بسرعة؟
فتح أحد التقارير وقال
الرواتب مناسبة، وساعات العمل طبيعية.
ابتسمت.
وقلت
إذن المشكلة مش في الأرقام.
قررت أقابل الموظفين بنفسي.
من غير مديرين.
ومن غير مشرفين.
جلسنا في قاعة التدريب.
وقلت لهم
عايزة أسمع منكم… بكل صراحة.
في البداية…
لم يتكلم أحد.
ثم رفعت إحدى الموظفات يدها.
وقالت
إحنا بنحب الشغل… لكن ساعات بنحس إننا خايفين نغلط.
تكلم موظف آخر
أي حد جديد بيحتاج حد يعلمه.
وأضاف ثالث
لما بنسأل… بنحس إننا بنضيع وقت الناس.
سجلت كل كلمة.
ولم أقاطع أحدًا.
في اليوم التالي…
أصدرت قرارًا جديدًا.
كل موظف جديد…
سيكون معه مشرف من ذوي الخبرة لمدة ثلاثة أشهر.
وأي خطأ في فترة التدريب…
سيعتبر فرصة للتعلم، وليس سببًا للعقاب.
اعترض بعض المديرين.
قال أحدهم
ده هيضيع وقت الموظفين القدامى.
ابتسمت.
وأجبته
الوقت اللي هنستثمره في تعليم الناس… هيوفر علينا سنين من الأخطاء.
بعد ستة أشهر…
انخفضت نسبة الاستقالات إلى أقل مستوى منذ تأسيس الشركة.
بل إن بعض الموظفين الذين تركوا العمل…
طلبوا العودة مرة أخرى.
وفي نهاية العام…
أقامت الأكاديمية حفل تخرج دفعة جديدة.
لكن هذه المرة…
لم يكن الخريجون من خارج الشركة فقط.
كان بينهم عشرات من الموظفين الذين بدأوا معنا متدربين، ثم أصبحوا قادة فرق.
وأثناء الحفل…
صعد أحدهم إلى المنصة.
وقال
أول يوم دخلت الشركة… كنت فاكر إن النجاح معناه أبقى مدير.
ابتسم.
ثم أكمل
لكن اتعلمت هنا إن النجاح الحقيقي… إنك تسيب المكان اللي بعدك أفضل مما
استلمته.
ساد الصمت.
ثم بدأ الجميع يصفق.
بعد انتهاء الحفل…
عدت إلى مكتبي.
فتحت الدرج القديم.
وجدت أول مفكرة كنت أكتب فيها ملاحظاتي.
في أول صفحة…
كانت هناك جملة كتبتها منذ سنوات
لا تتخذي قرارًا وأنتِ غاضبة… ولا تؤجلي قرارًا تعرفين أنه صحيح.
ابتسمت.
وأغلقت المفكرة.
ثم وضعتها في مكتبة الأكاديمية، داخل صندوق زجاجي صغير، ومعها بطاقة مكتوب عليها
كل نجاح كبير… بدأ بملاحظة صغيرة، وقرار شجاع، وإصرار على فعل الصواب.
