زواج في سن ال 47 ج3

انجى الخطيب

قفلت الملف بهدوء، ورجعته مكانه كأنني ما قريتش فيه حرف واحد.
خرجت من أوضة النوم، لقيته قاعد قدام التلفزيون، لكن عينه كانت عليا مش على الشاشة.
ابتسم وقال: “ها… قريتي العقد؟”
قلت وأنا بصب لنفسي كوباية مية: “لسه… العقد كبير، وأنا بحب أقرأ كل كلمة على مهلي.”
هز راسه وقال: “براحتك… بس الفرصة دي مش هتستنى كتير.”
رديت بابتسامة خفيفة: “الرزق اللي مكتوبلنا مش هيضيع.”
لاحظت إنه اتضايق من الرد، لكنه كتم انفعاله.
من يومها، بقى يسألني كل يوم نفس السؤال بطريقة مختلفة.
“خلصتي قراءة العقد؟”
“ها… أخدتي قرار؟”
“المحامي بتاع الشركة شافه؟”
أول مرة يستعجلني بالشكل ده.
أما أنا، فكنت عاملة نفسي ولا هنا.
بعد يومين، أخدت العقد وروحت لمحامي كبير رشحهولي ابن خالي.
قعد يقرأ الورق بهدوء، وكل شوية يعلم بالقلم على بند.
بعد نص ساعة، شال النضارة، وبصلي وقال:
“إنتِ قولتي إن جوزك هو اللي جابه؟”
قلت: “أيوه.”
قال: “العقد معمول باحتراف… لكنه في مصلحته هو.”
سألته بقلق: “إزاي؟”
قال: “البنود مكتوبة بطريقة تخليه صاحب القرار في الإدارة، ولو حصلت أي خسارة، إنتِ اللي هتتحملي الجزء الأكبر لأنها صاحبة رأس المال.”
قلت: “ولو المشروع كسب؟”
ابتسم وقال: “ساعتها هو كمان صاحب النصيب الأكبر في الإدارة والأرباح.”
سكت شوية، وبعدها قال جملة خلتني أحس إني كنت على حافة كارثة.
“اللي عمل العقد ده كان بيفكر يحمي شخص واحد… ومش الشخص ده إنتِ.”
خرجت من عنده وأنا حاسة إن آخر خيط ثقة بيني وبين جوزي اتقطع.
رجعت البيت بالليل.
كان مجهز العشا على غير عادته.
أول ما شافني، قال بابتسامة: “إيه الأخبار؟”
قلت: “كويسة.”
قال: “يعني اقتنعتي؟”
قلت وأنا بقعد قدامه: “أيوه… اقتنعت.”
وشه نور، وقال بسرعة: “يعني هنمضي؟”
بصيت في عينه وقلت بهدوء: “اقتنعت إن فلوسي تفضل في البنك أحسن.”
الابتسامة اختفت من على وشه.
فضل يبصلي كام ثانية، وبعدها قال بنبرة جامدة لأول مرة أسمعها منه:
“يعني مش واثقة فيا.”
قلت: “الثقة حاجة… والفلوس حاجة تانية.”
قام من مكانه بعصبية، وراح ناحية الشباك.
فضل واقف ضهره ليا، وبعدين قال من غير ما يبصلي:
“الناس شكلها لعبت في دماغك.”
سألته: “مين الناس؟”
لف ناحيتي بسرعة وقال:
“أي حد بيحاول يوقع بينا.”
قلت بهدوء: “ولا حد وقع بينا… اللي وقع بينا إنك من أول الجواز بتبص على اللي أملكه أكتر ما بتبصلي أنا.”
سكت.
ولأول مرة، ما لقاش رد.
دخل أوضة النوم وقفَل الباب بعنف.
أما أنا، فقعدت في الصالة أبص حواليا.
البيت اللي عشت فيه سنين وأنا حاسة إني ضيفة… لأول مرة حسيت إنه بقى أضيق من أي وقت فات.
وفي صباح اليوم اللي بعده، وأنا بنضف السفرة، سمعت جرس الباب.
فتحت.
لقيت راجل في الخمسينات، شيك جدًا، ماسك ملف في إيده.
أول ما شافني قال:
“حضرتك مدام…؟”
قلت: “أيوه.”
ناولني كارت باسمه، وقال:
“أنا جاي بخصوص موضوع قديم جدًا يخص جوز حضرتك… وبصراحة، كنت فاكر إنه قالك عليه من زمان.”
وقبل ما أسأله أي سؤال، لقيت جوزي خارج من الأوضة، وأول ما وقعت عينه على الراجل… لون وشه اتغير فجأة، وقال بصوت مرتبك لأول مرة:
“إنت!… إنت إزاي عرفت عنواني؟”
……….
أول ما سمعت نبرة صوته، بصيت لجوزي باستغراب.
دي أول مرة أشوفه متوتر بالشكل ده.
الراجل وقف مكانه وقال بهدوء: “متقلقش… أنا مش جاي أعمل مشكلة.”
جوزي رد بعصبية: “أنا مفيش بيني وبينك أي كلام.”
الراجل بصلي وقال: “ممكن أقعد خمس دقايق؟ وبعدها حضرتك تقرري تسمعي مين.”
بصيت لجوزي، لقيته بيحاول يمنعه يدخل.
قال بسرعة: “مفيش داعي… ده واحد معرفوش.”
لكن الراجل طلع من الملف ورقة، ورفعها قدامه.
“لو متعرفنيش… يبقى الورقة دي كمان متعرفهاش؟”
أول ما جوزي شافها، وشه اصفر.
سكت.
وسابه يدخل.
قعدنا في الصالة، والسكوت كان تقيل.
الراجل بدأ كلامه بهدوء: “أنا مش جاي أخرب بيت حد… بالعكس، كان نفسي الموضوع يفضل مقفول. لكن لما عرفت إنك اتجوزت مرة تالتة، ضميري مخلانيش أسكت.”
بصيتله وقلت: “حضرتك تقصد إيه؟”
فتح الملف، وطلع عقد قديم.
وقال: “من حوالي خمس عشرة سنة، جوز حضرتك دخل معايا في شراكة.”
بصيت لجوزي، لقيته مطرق راسه.
الراجل كمل: “أنا كنت صاحب رأس المال… وهو كان هيدير المشروع.”
سألته: “وبعدين؟”
قال: “المشروع فشل، وأنا خسرت جزء كبير من فلوسي.”
جوزي رفع راسه بسرعة وقال: “المشروع خسر فعلًا… وأنا كمان خسرت.”
الراجل هز راسه وقال: “أنا مش بتكلم عن الخسارة… أنا بتكلم عن اللي حصل بعدها.”
سكت لحظة، وبعدين طلع كشف حساب قديم.
“بعد تصفية المشروع، اكتشفت إن جزء من الفلوس اتحول لحساب تاني من غير علمي.”
بصيت لجوزي.
قال بعصبية: “الكلام ده متحققش.”
الراجل رد بهدوء: “عشان كده المحكمة وقتها رفضت الدعوى لعدم كفاية الأدلة… وأنا احترمت الحكم.”
التفت ناحيتي وقال: “أنا مش بقول إنه مجرم… ولا معايا حكم يدينه. لكن من يومها وأنا بقيت أنصح أي حد يدخل معاه شراكة إنه يراجع كل ورقة كويس.”
بصيت للعقد اللي كان في إيده.
قلت: “يعني حضرتك جاي تحذرني؟”
قال: “بالظبط.”
وقف من مكانه، وجمع أوراقه.
وقبل ما يمشي، قال جملة فضلت تتردد في وداني:
“الثقة بين الزوجين جميلة… لكن التوقيع على عقد لازم يبقى بعد فهم، مش بعد ثقة.”
خرج وقفل الباب وراه.
فضلت أنا وجوزي واقفين قدام بعض.
دقايق كاملة من غير كلمة.
بعدها هو اتنهد وقال: “إنتِ مصدقة واحد غريب أكتر مني؟”
رديت بهدوء: “أنا لا صدقتك… ولا صدقته.”
استغرب وقال: “أمال؟”
قلت: “أنا هصدق الورق.”
سألني: “يعني إيه؟”
قلت وأنا ببصله بثبات: “يعني أي ورقة تخص فلوسي هيراجعها محامي، وأي قرار يخص ميراثي هيتاخد بمعرفتي أنا وبس.”
وشه اتشد، وقال بنبرة كلها غضب مكتوم: “واضح إنك خلاص أخدتي موقف.”
قلت: “أنا أخدت احتياط… وده حقي.”
دخل أوضة النوم وسابني.
بعد أقل من ساعة، سمعته بيتكلم في البلكونة بصوت واطي.
ماكنتش ناوية أتصنت.
لكن اسمي اتقال وسط الكلام.
وقفت من غير صوت.
وسمعته بيقول للشخص اللي على التليفون:
“شكلها بدأت تشك… لازم نوقف أي كلام عن المشروع دلوقتي.”
اتجمدت في مكاني.
ماعرفتش الشخص اللي بيكلمه مين…
لكن عرفت حاجة واحدة بس…
إن المشروع ماكانش فكرة بيني وبينه وبس…
كان فيه حد تاني متابع كل خطوة، ومستني دوري في الخطة.
…….
رجعت لورا قبل ما يحس إني سمعت حاجة، ودخلت المطبخ وفتحت الحنفية كأني بغسل كباية.
بعد ثواني دخل هو.
بصلي وقال: “لسه صاحية؟”
قلت من غير ما أبصله: “أيوه… كنت عطشانة.”
هز راسه وطلع ينام، لكن أنا كنت عارفة إن اللي سمعته مش مجرد كلام عابر.
تاني يوم الصبح، خرج كعادته الساعة تمانية.
استنيت عشر دقايق، وبعدها اتصلت بابن خالي.
قلتله: “أنا مش عايزة أطلق وأنا معنديش دليل على أي حاجة… لكن في نفس الوقت بقيت حاسة إن في حاجة مستخبية.”
قال: “يبقى متستعجليش. أهم حاجة دلوقتي إنك تحافظي على فلوسك، ومتوقعيش على أي ورقة، ومتديش لأي حد توكيل.”
قلت: “وده اللي هعمله.”
بعدها أخدت قرار كنت مأجلاه من زمان.
روحت البنك.
راجعت الشهادات والحسابات، وطلبت إن أي إجراء يخص حساباتي ميتمش إلا بحضوري شخصيًا وبعد التحقق من هويتي.
خرجت من البنك وأنا حاسة براحة بسيطة.
على الأقل، الفلوس بقت في أمان.
وأنا ماشية ناحية العربية، لمحت عربية سودا واقفة الناحية التانية من الشارع.
ماكنتش مركزة في الأول.
لكن لما اتحركت، العربية اتحركت.
وقفت… فوقفت.
مشيت… مشت.
فضلت أقول لنفسي يمكن مجرد صدفة.
لفيت أول شارع يمين.
لفت ورايا.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
دخلت صيدلية كبيرة، واستنيت خمس دقايق.
بصيت من الإزاز.
العربية كانت لسه واقفة بره.
طلعت بعدها بسرعة، ركبت تاكسي، وطلبت من السواق يغير الطريق.
بعد حوالي عشر دقايق، بصيت من الإزاز الخلفي.
العربية اختفت.
رجعت البيت، وماحكيتش لجوزي أي حاجة.
بالليل، وهو بيتعشى، قال فجأة:
“هو البنك كان زحمة النهارده؟”
وقعت الشوكة من إيدي.
بصيتله وقلت: “بنك إيه؟”
رد وهو بيقطع الأكل بمنتهى الهدوء:
“أصل أغلب البنوك بتبقى زحمة آخر الشهر.”
ابتسمت وقلت: “معرفش… مروحتش.”
رفع عينه وبصلي ثواني، وبعدها ابتسم هو كمان.
لكن ابتسامته المرة دي كانت غريبة…
كأن كل واحد فينا بيخبي عن التاني حاجة.
عدى أسبوع كامل، وهو مبقاش يجيب سيرة المشروع نهائي.
وده اللي خوفني أكتر.
لأنه طول عمره لما بيعوز حاجة يفضل يكررها.
إنما السكوت المفاجئ ده معناه إنه بيفكر في طريقة تانية.
وفي يوم الجمعة، وأنا بنضف المكتبة، وقع ألبوم صور قديم من فوق الرف.
فتح لوحده على صورة من فرحه الأول.
وقفت أبص للصورة.
العروسة كانت لابسة فستان أبيض، وهو واقف جنبها بيبتسم.
الغريب إن فيه راجل واقف وراهم، حاطط إيده على كتفه.
الملامح كانت مألوفة جدًا.
فضلت أدقق في الصورة لحد ما افتكرت.
ده نفس الراجل اللي جه البيت من كام يوم وقال إنه كان شريكه زمان.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في وجوده في الفرح…
الصدمة كانت في الشخص اللي واقف على الناحية التانية.
لأنني عرفته فورًا…
كان والد الست المجهولة اللي كلمتني في التليفون، واللي قابلتها بعد كده في الكافيه.
ساعتها بس فهمت إن كل الناس دي مش مجرد معارف قدام…
كان في رابط قديم بينهم كلهم…
ورابط ده بدأ قبل ما أنا أدخل حياة جوزي بسنين طويلة.
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *