روحت ازور بنتي
رحت أزور بنتي من غير ما أقولها… لقيتها حافية، وإيديها زرقا من التلج وهي بتغسل المواعين، وجوزها وحماتها قاعدين بيتعشوا بكل هدوء. وفجأة صرخ فيها: (سيبي اللي في إيدك وهاتي أكل زيادة لأمي!). ما اتكلمتش… طلعت موبايلي وعملت مكالمة واحدة بس. بعد خمس دقايق عرفوا مين صاحب البيت الحقيقي.”
الجزء الأول: مطبخ كله برد… وذل
“سيبي المواعين دي حالًا… وروحي طلعي لأمي أكل تاني، ما إنتِ اتجوزتيني عشان تخدميها!”
دي كانت أول جملة سمعتها أول ما دخلت شقة بنتي.
ما رنتش الجرس.
كان معايا نسخة من المفتاح من قبل فرحها. كانت داليا ادتهولي وهي بتهزر وتقول: “لو يوم اتحرق مني المحشي، تيجي تنقذيني.”
بس النهارده ما كانش فيه ريحة محشي… ولا ريحة بيت فيه راحة.
كان فيه ريحة زيت بايت… وخوف… وسكوت يوجع القلب.
دخلت المطبخ…
لقيت داليا واقفة قدام الحوض، حافية، ورجليها على سيراميك ساقع كأنه تلج. هدومها مبلولة لحد كوعها، والشباك مفتوح رغم إن الهوا في عز الشتا كان بيقطع في العضم.
بصيت على إيديها…
كانت مزرقة من السقعة.
مش مبالغة… كانت فعلًا زرقا.
في الصالة، تحت نجفة شيك أنا اللي دفعت
تمنها واتركبت قبل الفرح، كان جوزها كريم، وأمه الحاجة سعاد، قاعدين بياكلوا فراخ مشوية في طقم الصيني الغالي اللي أنا جبته هدية لبنتي يوم جوازها.
الحاجة سعاد شربت رشفة من العصير وقالت وهي بتضحك بسخرية:
“الست المحترمة الأول تتعلم تخدم جوزها وبيته… بعدين تفكر في راحتها.”
أما كريم…
ولا حتى بص ناحية مراته.
كان بياكل بمنتهى البرود، وعلى وشه ابتسامة الواحد اللي فاكر نفسه باشا، لمجرد إن فيه حد بينضف وراه.
وقال بمنتهى الاستهزاء:
“داليا أصلها بتحب تعمل نفسها غلبانة… أي حاجة عندها فيلم.”
بنتي ما ردتش.
بس وطّت راسها وقالت بصوت يكاد ما يتسمعش:
“حاضر يا كريم.”
في اللحظة دي…
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
داليا…
البنت اللي كانت تعيط لما تشوف قطة جعانة في الشارع…
بقت خايفة ترفع صوتها جوه بيتها.
وفجأة…
الحاجة سعاد مدت طبقها الفاضي ناحية بنتي من غير حتى ما تقوم من مكانها.
“اغسلي الطبق ده كمان… وبعدها سخني كام رغيف.”
داليا نشفت إيديها في المريلة وخدت خطوة.
لكن كريم قام مرة واحدة، خطف الطبق من إيد أمه، وزقه في صدر مراته بعنف.
“إنتِ مش سمعتي؟ سيبي المواعين وروحي هاتي الأكل!”
الطبق وقع من إيديها…
واتكسر حتت صغيرة على الأرض.
وداليا…
اتخضت وانكمشت.
الحركة دي وجعتني أكتر من أي قلم.
لأنها كانت حركة واحدة متعودة على الإهانة… ومستنية الضربة اللي بعدها.
في اللحظة دي رفعت عينيها…
وشافتني.
“ماما…؟”
وشها كان أصفر.
وشفت عند معصمها كدمة غامقة مستخبية تحت رغوة الصابون.
حاولت تبتسم…
بس ملامحها خانتها.
كريم لف ناحيتي، ووشه اتقلب من الدهشة للعصبية في ثانية.
“هو ده بقى احترام البيوت؟ حضرتك داخلة شقتي من غير استئذان؟”
أما الحاجة سعاد فقالت وهي بتعدل الإيشارب:
“ما هو واضح مين دلعها… حضرتك ربيتيها على إنها هانم.”
ما اتكلمتش.
ولا صرخت.
ولا حتى جريت أمسكه، رغم إن كل خلية في جسمي كانت نفسها أعمل كده.
كل اللي عملته…
إني بصيت لبنتي.
وقلت بهدوء:
“تعالي يا داليا… يلا معايا.”
كريم خبط بإيده على السفرة.
“مفيش خروج. هي لسه عندها شغل.”
داليا خدت خطوة ناحيتي…
لكنه شاور لها بصباعه وقال بحدة:
“إوعي تتحركي.”
وقفت مكانها.
وساعتها…
عرفت إن بنتي بقت بتخاف من الراجل اللي وعدها يوم الفرح إنه هيصونها.
طلعت موبايلي من جيب البالطو.
الحاجة سعاد ضحكت وقالت:
“إيه؟ هتتصلي بالشرطة عشان بنتك كانت بتغسل المواعين؟”
قلت وأنا بطلب الرقم:
“لأ.”
كريم ابتسم بثقة.
“أمال هتكلمي مين؟”
الخط فتح.
قلت بمنتهى الهدوء:
“أستاذ شريف… فعل الإجراءات فورًا. ملف فيلا التجمع. ابعت الأمن، والمحامي، وكل الأوراق… حالًا.”
كريم عقد حواجبه.
“ملف إيه؟”
بصيت له وأنا بقفل المكالمة.
“ملف مالك البيت الحقيقي.”
الصالة كلها سكتت.
حتى صوت الهوا اختفى.
كريم ضحك ضحكة مصطنعة وقال:
“إنتِ بتهزري؟ أنا صاحب البيت ده.”
بصيت في عينه وقلت:
“لأ يا كريم…
إنت مجرد واحد ساكن فيه.”
داليا بصتلي بذهول.
“ماما… هو فيه إيه؟”
حطيت الموبايل في شنطتي، وبصيت لجوزها لأول مرة من غير ما أشوفه جوز بنتي…
شوفته واحد غريب، قاعد على سفرة مش بتاعته، بياكل بأطباق ما دفعش فيها جنيه، وبيذل بنتي تحت سقف مش ملكه.
وقلت بمنتهى الثبات:
“بعد خمس دقايق…
هتعرف إن أسوأ غلطة عملتها في حياتك… إنك مديت إيدك على بنتي.”
لكن الحقيقة… إن اللي كان مستنيه بعد الخمس دقايق، كان أسوأ بكتير من أي حاجة تخيلها.
بعد أقل من خمس دقايق…
سمعنا صوت عربية وقفت قدام الفيلا.
وبعدها جرس الباب رن.
كريم ابتسم بسخرية وقال: “أكيد المحامي اللي حضرتك جايباه يمثل علينا.”
فتحت الباب بهدوء.
لمحة نيوز
دخل راجل في الخمسينات، لابس بدلة شيك، ومعاه اتنين من أفراد الأمن، ووراهم محضر تنفيذ.
أول ما شافني قال باحترام: “مساء الخير يا مدام ليلى… كل الأوراق جاهزة.”
كريم اتوتر.
“إيه ده؟!”
المحامي بص له وقال: “حضرتك الأستاذ كريم؟”
“أيوه.”
فتح الملف وقال: “أحب أعرف حضرتك إن الفيلا دي مسجلة باسم شركة النور للاستثمار العقاري… وصاحبة الشركة هي مدام ليلى.”
كريم ضحك.
“شركة إيه؟ الفيلا دي كتبها عمي باسم مراتي.”
المحامي هز رأسه.
“لا يا فندم… اللي اتكتب باسم داليا هو حق انتفاع بعد الزواج فقط… وده مش بيدي أي حق للبيع أو التصرف أو منع المالكة الأصلية من دخول بيتها.”
الحاجة سعاد قامت مرة واحدة.
“إحنا مش فاهمين حاجة.”
طلعت نسخة من العقد من شنطتي.
“فاكرة يا داليا لما قلتلك بعد الجواز: الورق ده احتفظي بيه وما تفتحيهوش إلا لو احتجتيه؟”
داليا هزت رأسها وهي دموعها بتنزل.
“افتكر.”
قلت: “أنا يوم فرحك ما جبتلكيش شبكة زيادة ولا عربية أحدث… أنا اشتريتلك أمان.”
بصيت لكريم.
“البيت ده اتعمل
مخصوص علشان بنتي تعيش فيه مكرمة… مش علشان تتحول لخدامة.”
وش كريم بدأ يصفر.
“أنا… أنا مراتى…”
قاطعته.
“مراتك؟”
ورفعت صورة كانت معايا.
صورة لداليا يوم استلام الفيلا.
“دي كانت أول مرة تدخل البيت.”
وبعدين طلعت صورة تانية.
داليا وإيديها مليانة دهانات وهي بتختار ألوان الأوض.
قلت: “هي اللي اختارت كل ركن هنا.”
الحاجة سعاد بدأت تتكلم بعصبية.
“هو يعني علشان غسلت كام طبق…”
لفيت ناحيتها بسرعة.
“كام طبق؟”
وبصيت على إيد بنتي.
“الكدمات دي كام طبق عملهم؟”
ما ردتش.
قلت لداليا بهدوء: “ارفعي الكم.”
داليا سكتت.
لكن رفعت الكم.
الصالة كلها اتجمدت.
زرقان قديم…
وجرح لسه جديد.
المحامي بص للكدمات وقال: “هل حضرتك حابة نثبت ده في المحضر؟”
داليا كانت لسه خايفة.
بصت لكريم.
كريم قرب منها وقال بنبرة متوترة: “قولي لهم وقعتي.”
قبل ما تنطق…
قلت لها: “بصيلي يا بنتي.”
بصت في عيني.
“أول مرة وقعتي فيها… صدقتك. تاني مرة… قلتي خبطيتي في الباب. تالت مرة… قلتي الحنفية وقعت. لكن النهارده أنا شوفت بعيني.”
وسكت شوية.
“كفاية.”
داليا انفجرت في العياط.
جريت حضنتني.
“سامحيني يا ماما… كنت فاكرة هيتغير.”
حضنتها جامد.
“الغلط مش إن الإنسان يثق… الغلط إنه يكمل بعد ما الحقيقة تبقى واضحة.”
كريم بدأ يفقد أعصابه.
“هي مش هتمشي.”
المحامي قال بمنتهى الهدوء: “هي هتمشي بإرادتها.”
أحد أفراد الأمن وقف قدامه.
“وحضرتك هتفضل بعيد.”
الحاجة سعاد صرخت: “إحنا هنروح فين؟”
قلت: “زي ما كنتوا بتقولوا لبنتي كل يوم… الدنيا واسعة.”
لكنني سكت لحظة ثم أكملت:
“أنا مش هطردكم في الشارع الليلة. هتاخدوا أسبوع ترتبوا أموركم، لأن أخلاقي مش هتخليني أعمل فيكم اللي عملتوه في بنتي. لكن من النهارده، داليا مش هتعيش تحت سقف فيه ذل.”
كريم اتغير صوته.
“يا طنط… والله سوء تفاهم.”
ابتسمت لأول مرة.
“من شوية كنتِ بالنسبة لك (حضرتك داخلة شقتي)… دلوقتي بقيت طنط؟”
نزل رأسه.
قلت للمحامي: “قدّم البلاغ.”
رد: “تم.”
وفجأة…
رن موبايل كريم.
كان مديره في الشغل.
رد بسرعة.
ثواني…
ولون وشه اختفى.
“إيه؟.. . إيقاف عن العمل؟… ليه؟”
المدير كان وصله فيديو من كاميرات الفيلا الداخلية، اللي كانت راكبة من يوم التشطيب لحماية البيت. الفيديو أظهر طريقة معاملته لداليا، ودفعه لها، وإهانته المستمرة.
قفل المكالمة وهو بيرتعش.
بصلي.
“حضرتك دمرتي حياتي.”
قلت بهدوء:
“لا…
اللي دمر حياتك هو إنك افتكرت إن القوة معناها تهين اللي أضعف منك.”
خرجت أنا وداليا.
وقبل ما نركب العربية…
قالتلي وهي ماسكة إيدي:
“أنا آسفة يا ماما… كنت فاكرة إن الصبر هيصلح كل حاجة.”
ابتسمت ومسحت دموعها.
“الصبر جميل… بس الصبر على الظلم عمره ما كان فضيلة.”
بعد ستة شهور…
كانت داليا رجعت لشغلها اللي كانت بتحبه.
ابتدت علاج نفسي.
ورجعت تضحك بنفس الضحكة اللي افتقدتها سنين.
أما كريم…
خسر بيته، وشغله، وزواجه، والأهم… خسر احترام نفسه قبل احترام الناس.
وفي يوم، قابلني قدام المحكمة.
قال بصوت مكسور:
“لو يرجع بيا الزمن… كنت هعاملها على إنها نعمة.”
بصيت له وقلت:
“النعمة لما ما تعرفش قيمتها وهي بين إيديك… غالبًا بتروح لحد يعرف يحافظ عليها.”
ومشيت.
وساعتها حسيت إن بنتي ما كسبتش بيتًا…
هي كسبت نفسها من جديد.
تمت.
