جوزي بدل حبوب النوم بقلم مني السيد 2

## الفصل الثالث: رد الشرف
السكوت اللي حل في خط التليفون بعد ما قفلت السكة في وش الحاجة سنية كان أحلى نغمة سمعتها في حياتي. مفيش ثواني وتليفون شريف اللي المحامي كان شايله مع الحِرز بدأ يرن ويرن ويرن.. تلاتين مكالمة ورا بعض، الحاجة سنية بتستغيث، بتدور على ابنها البكري اللي راح يربط الضحية فرجع مكلبش في بوكس الشرطة.
بصيت من شباك العربية، شوارع القاهرة كانت صاحية ونازل فيها نور شمس يوليو الحامي، بس جوايا كان فيه برود وتخطيط مبيغلطش. المحامي بتاعي، الأستاذ عصام، لف ليا وقال وهو بيعدل ورق القض..ية:
— دكتورة ليلى، إحنا كده في السليم. شريف دلوقتي بيتحقق معاه في النيابة، والتقرير الطبي وجهاز التسجيل هما القاضي والجلاد في القض..ية دي. بس لازم نعرف إن حماتك وبنتها مش هيسكتوا، أول ما يعرفوا إن شريف اتمسك، هيحاولوا يتصرفوا في أي حاجة تطولها إيدهم.
سندت ضهري على الكرسي وقلت بنبرة هادية بس ناشفة زي الحجر:
— ميعرفوش يتصرفوا في الهوا يا أستاذ عصام. أنا من أسبوعين بالظبط، سحبت كل الفلوس اللي في الحساب المشترك اللي شريف كان حاطط عينه عليه، ونقلت بضاعة المخزن الرئيسية بتاعة الصيدلية لمخزن تأمين تاني خالص باسم واحدة صاحبتي بره شبرا. هما دلوقتي في الشقة، فاكرين إنهم يملكوا الجدران.. بس الجدران دي باسمي، والنهاردة هطردهم منها قدام المنطقة كلها.
العربية وقفت قدام قسم الشرطة عشان نتابع صدور أمر الضبط والإحضار للحاجة سنية وبنتها أميرة كشركاء في جري..مة التسميم العمد والنصب. قعدت في مكتب رئيس المباحث، وبقيت بتابع الإجراءات وكل خطوة بتتاخد بحساب. الصيدلانية اللي جوايا مكنتش بتسيب ففوتة؛ زي ما بوزن المادة الفعالة بالجرام، كنت بوزن خطة حبسهم باليوم والساعة.
على الساعة واحدة الضهر، جالي تليفون من “إسماعيل”، المساعد بتاعي في صيدلية المنشاوي في شبرا. صوت إسماعيل كان متوتر ومخضوض:
— دكتورة ليلى! إلحقيني يا دكتورة.. الست أميرة أخت الأستاذ شريف جاية الصيدلية ومعاها اتنين رجالة غُرب، وبتقول للزبائن وللعمال إن الصيدلية اتقفلت وإنها بتصفي البضاعة عشان إنتي تعبانة ومش في وعيك! وجايبة قفل حديد كبير عايزة تقفل بيه الباب الخارجي!
دمي غلي في عروقي، بس مخلتش صوتي يتهز:
— إسماعيل، اسمعني كويس. متتخانقش معاهم ولا تمد إيدك. شغل كاميرات الصيدلية اللي واصلة على تليفوني، واقفل باب المكتب الداخلي عليك. أنا عشر دقايق بالظبط وهكون عندك.. ومعايا المفاجأة اللي هتقطم ضهرهم.
التفت للأستاذ عصام ولضابط المباحث اللي كان بيقفل المحضر:
— يا فندم، المتهمين التانيين بيحاولوا دلوقتي يسرقوا الصيدلية بتاعتي ويستولوا عليها بالقوة في حي شبرا، ومعايا مكالمة وإثبات حالا.
الضابط قام وقف، وندى على اتنين من أمناء الشرطة:
— اطلعي معاهم يا دكتورة، وقوة الضبط والإحضار هتحصلك حالا على هناك. النهاردة الليلة دي هتتقفل كلها.
ركبت العربية، وأنا بفتح التليفون وأراقب كشاشات كاميرات الصيدلية. كانت أميرة واقفة بجلابيتها وعبايتها السودا، ووشها مليان غل، وعمالة تزعق في الزباين وتطردهم:
— يلا يا أستاذ منك ليها.. مفيش دوا هنا خلاص.. الدكتورة ليلى عقلها فوت وبقت بتخرف، والصيدلية دي بقت ملك أخويا شريف الألفي! يلا بره!
وكان معاها اتنين من صبيان المنشية بتوع الحتة اللي شريف مأجرهم عشان يعملوا نمرة بلطجة. قلبي كان بيتعصر وأنا شايف اسم أبويا “صيدلية المنشاوي” اللي عاش طول عمره يبني في سمعتها، بيتهان على إيد شوية حثالة. بس قفلت التليفون وضغطت على سناني وقلت لنفسي: “مبطلش اسمي ليلى المنشاوي لو مخلتكيش تدفعي التمن غالي يا أميرة.”
وصلنا شارع شبرا. الشارع كان زحمة زي عادته يوم الجمعة بعد الصلاة، والعربية وقفت على بعد خطوات من الصيدلية. نزلت من العربية، مفرودة الظهر، لفينا الطرحة كويس، ومشيت بخطوات ثابتة بتهز الأرض.
أول ما قربت، الناس في الشارع والجران بتوع المحلات أول ما شافوني بدأوا يتهامسوا:
— أهي الدكتورة ليلى أهي! دي واعية وزي الفل ومفيهاش الهوا.. أمال أخت جوزها بتقول إيه؟
أميرة كانت مدية ضهرها للشارع وبتحاول تقفل القفل الحديدي في الباب، رحت واقفة وراها بالظبط وقلت بصوت جهوري سَمع الشارع كله:
— سيب القفل ده من إيدك يا حرامية.. المحل ده مش للبيع، والمحل ده ملوش غير صاحب واحد، وهو ليلى المنشاوي!
أميرة اتخضت ولفت بسرعة، أول ما شافتني عينيها طلعت لبره، وبلمت كأنها شافت شبح. بصت لي من فوق لتحت، ولقتني مفيش فيا رعشة، ولا لساني تقيل، ولا عيني مغلوشة زي ما سابتني الصبح.
— ليلى؟! إنتي.. إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي واقفة طولك كده؟ شريف فين؟
ضحكت ببرود وقربت منها خطوة:
— شريف جوزك؟ قصدك شريف أخوكي الحرامي؟ شريف دلوقتي قاعد في ضيافة النيابة العامة، بيمضي على اعترافه بالسم اللي كان بيحطهولي في الدوا، وبيمضي على قرار حبسه 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في قتلي!
أميرة وشها بقى أبيض كأن مفيش فيه نقطة دم، والرجالة البلطجية اللي معاها بدأوا يرجعوا لورا لما شموا ريحة الحكومة. أميرة صرخت بجلجلة:
— كدابة! إنتي بتتبلي على أخويا عشان تاكلي حقه وتطردينا! أخويا سيد الرجالة وهو اللي شايلك!
في اللحظة دي، عربية البوكس بتاعة الشرطة وقفت ورايا بالظبط، ونزل منها أمناء الشرطة اللي كانوا معايا من القسم. المحامي بتاعي طلع أمر الضبط والإحضار ورفعه في وشها قدام جيران الشارع والمنطقة كلها اللي اتجمعت تتفرج:
— يا أميرة يا ألفي.. إنتي ومامتك الحاجة سنية مطلوب القبض عليكم بتهمة الاشتراك في النصب والمساعدة في تقديم مواد سامة ومخدرة للدكتورة ليلى المنشاوي للاستيلاء على أملاكها. اتفضلي معانا من غير شوشرة.
الشارع كله اتقلب؛ الجيران وأصحاب المحلات اللي ياما أبويا وقف معاهم وياما أنا اديتهم الدوا من غير فلوس لما كانوا مزنوقين، بدأوا يصرخوا في وش أميرة:
— حرامية! طمعانين في الست الأصيلة! دي الدكتورة ليلى دي ست الشارع كله.. بقالكم شهر بتطلعوا عليها إشاعات إنها اتجننت عشان تسرقوها يا غجر!
أميرة بدأت تلطم على وشها وتصرخ:
— يا مصيبتي! يا فضيحتنا وسط الناس! والله ما عملت حاجة يا بيه.. ده شريف هو اللي كان بيجيب الحبوب وهو اللي قالي حطيها في العصير!
أمير الشرطة مسكها من دراعها وكلبش إيدها:
— اطلعي اتكلمي في القسم يا شاطرة.. يلا قدامي على البوكس.
ركبوها البوكس وسط فضيحة جرسة في وسط شبرا كلها. التفت لإسماعيل اللي خرج من الصيدلية وعينه مدمعة من الفرحة:
— حمد الله على سلامتك يا دكتورة.. إحنا كنا بنموت من الخوف عليكي.
طبطبت على كتفه وقلت له:
— الصيدلية تفضل مفتوحة يا إسماعيل، والناس تاخد دواها. المنشاوي مبيموتش.. المنشاوي بيمرض بس بيرجع أقوى من الأول.
المعركة مخلصتش هنا. لسه الراس الكبيرة؛ الحاجة سنية اللي قاعدة في شقتي مستنية الغنيمة.
أخدت المحامي بتاعي وقوة الشرطة وطلعنا على البيت. العمارة اللي أنا مولودة فيها وكل سكانها عارفيني. أول ما وصلنا باب الشقة، لقيت باب الشقة موارب.
دخلت بخطوات هادية. الشقة كانت مقلوبة؛ الحاجة سنية مكنتش مستنية شريف يرجع بالتوكيل، كانت قاعدة في الصالون وفاتحة الدوابير والمفارش، وعمالة تلم في الفضة والتحف الكريستال اللي أبويا جابهالي في جهازي، وتحطهم في كرتونة كبيرة جنب الباب.
وقفت عند باب الصالون، ربعت إيدي وقلت بنبرة تقطر سم:
— نورتي شقتي يا حاجة سنية.. بس بتهيألي الكريستال ده غالي عليكي شوية، ومش هيليق مع ملايات الحجز جوه.
الحاجة سنية اتنفضت من مكانها، السبح اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض. بصت لي بعيون مليانة شر ورعب:
— ليلى؟! إنتي إزاي بتتكلمي كده؟ فين شريف؟ وفين التوكيل؟
— شريف في الحجز يا حاجة.. والتوكيل اتقلب لتقرير جنائي يوديه ورا الشمس. وبنتك أميرة حصلته من عشر دقايق من قلب الصيدلية وهي مكلبشة زي الحرامية. ودلوقتي الدور عليكي يا راس الحية.. يا اللي كنتي بتقولي ‘الست اللي مالهاش عيل ولا أب يحميها بتبقى صيدة سهلة’.. نسيتي إن ليها ربنا، ونسيتي إنها دكتورة وبتفهم في السموم أكتر من عيلتك كلها!
الحاجة سنية حاولت تعمل نمرة الست العجوزة المريضة، حطت إيدها على قلبها وقعدت على الكرسي تنهج:
— أه يا قلبي.. إنتي بتتبلي عليا يا ليلى؟ أنا اللي كنت بدعيلك وبشيلك في مرضك؟ يا ناس الحقوني، الولية اتجننت رسمي وعايزة ترميني في السجن!
المحامي خطى خطوة لقدام ومعاه أمين الشرطة:
— وفرّي تعبك يا حاجة سنية. التسجيلات اللي معانا فيها صوتك وإنتي بتشرحي لشريف إزاي يزور عقود البيع والشراء وإزاي يثبت حالة الجنون على الدكتورة ليلى. اتفضلي معانا عشان السن مبيحميش من تهمة الاشتراك في الشروع في القتل.
أمين الشرطة قرب منها ومسكها من إيدها وقومها بالعافية. بصت لي ونظرة الغل والشر اللي في عينيها كانت كفيلة تحرق بيت:
— مش هنسيبك يا ليلى.. لو خرجنا مش هنسيب فيكي حتة سليمة! الشقة دي والصيدلية دي هناخدها يعني هناخدها!
قربت منها لحد ما نَفَسي بقى في وشها وقلت لها بابتسامة نصر تداوي كل الوجع اللي عشته:
— لما تخرجي يا حاجة.. ابقي فكري هتاخدي إيه. بس المشكلة إن القض..ية جنائية، وفيها تسميم عمد وشروع في قتل، يعني عقوبتها الأشغال الشاقة المؤبدة. يعني لما تخرجي إن شاء الله، هتكون الصيدلية دي بقالها 60 سنة مفتوحة، وأنا بكون بقيت عجوزة ونسيت أصلاً إن كان في حياتي ناس زبالة زيكم.
أخدوها ونزلوا بيها، وصوت صراخها ولمها للناس في الشارع كان مسمع العمارة كلها. الجيران كلهم طلعوا على السلالم يباركوا لي ويسلموا عليا، والكل كان مذهول من القوة والصبر اللي كانوا عندي طول الشهر اللي فات عشان أوقعهم في شر أعمالهم.
قعدت في الصالون لوحدي بعد ما الكل مشي. الشقة كانت فاضية، مفيش فيها غير صوت تكتكة الساعة القديمة بتاعة أبويا.
بصيت لروحي في المراية الكبيرة. حسيت برعشة خفيفة في كتفي، بس المرة دي مكنتش رعشة مرض ولا تمثيل.. كانت رعشة الصدمة اللي بدأت تروح، ورعشة الخوف اللي عشته وأنا بنام في أوضة واحدة مع راجل بيحط لي السم في دوايا كل يوم وهو بيبوس دماغي ويتمنى لي أحلام سعيدة.
دموعي نزلت.. دموع حامية ونظيفة، غسلت كل القهر وكل الوجع اللي كتمته جوه صدري طول الأسابيع اللي فاتت عشان مضعفش قدامهم. رحت لأوضة أبويا، مسكت صورته اللي متعلقة على الحيطة، وبستها وقلت له:
— عملت بأصلك يا بابا.. الدوا الغلط مبيشفيش، وأنا كتمت سرهم لحد ما قطعت نَفَسهم بالقانون وبحقي. بنتك ليلى المنشاوي فضلت قوية ومسمحتش لحد يكسرها.
تليفوني رن تاني. بصيت في الشاشة، لقيت الرقم بتاع الأستاذ عصام المحامي. فتحت الخط وأنا بمسح دموعي:
— أيوة يا أستاذ عصام، فيه جديد في النيابة؟
صوت الأستاذ عصام كان فيه نبرة قلق غريبة وغير متوقعة:
— دكتورة ليلى.. إحنا في مشكلة كبيرة. شريف لما دخل التحقيق وتواجه بالتسجيلات والتقارير، منكرش. بالعكس، ده ضحك وقال إن التقرير المادي بتاع السموم ملوش قيمة، لأن الحبوب اللي كان بيحطهالك مكنش بيشتريها من سوق سوداء ولا مركبها بنفسه..
وقفت مكاني وقلت بسرعة:
— يعني إيه؟ مفسرتش كلامه إزاي؟
الأستاذ عصام كمل بصوت واطي:
— شريف قال إن الدوا ده كان بيجيبه بروشتة رسمية ومختومة من دكتور نفسي كبير جداً في القاهرة، والدكتور ده كاتب في تقريره الطبي المعتمد من شهرين إنك بتعاني من حالة فصام حاد وهلاوس سمعية وبصرية، وإن الدوا ده هو علاجك الشرعي! شريف معاه ورق رسمي يثبت إنك مريضة نفسياً وعلاجك تحت إشراف طبي، وده معناه إن خطته للحجر عليكي قانونية 100%، والنيابة دلوقتي بتنظر في الورق ده وممكن شريف يخرج بكفالة لو ثبت إن الدوا ده علاجك الفعلي!
تليفوني كان هيقع من إيدي، والحيطان اللي كنت فاكرة إنها ثبتت رجعت تتهز تاني.. شريف مكنش بيلعب لوحده، شريف كان مأمن ضهره بورق رسمي يخليني أنا المجنونة في نظر القانون حتى لو كنت صاحية..!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *