جوزي بدل حبوب النوم بقلم مني السيد 1

جوزي بدل حبوب النوم بتاعتي بحاجة تانية خالص، واستنى لحد بكرة الجمعة اللي كل العيلة متجمعة فيه، عشان يفضحني قدام الكل ويقول إني خلاص مابقتش في وعيي، وماعنديش دماغ أدير الصيدلية بتاعتي…

كنت قاعدة على سفرة الصالون…عيلته كلها كانت هناك.
خالاته، ولاد عمامه، إخواته، وحماتي الحاجة سنية قاعدة في رأس الترابيزة كأنها قاضي في محكمة.
قدامي كان فيه سرفيس فراخ محمرة في الفرن، رز بالخلطة والمكسرات، صينية بطاطس، وكوباية عصير مش فاكرة أصلاً إني وافقت أشربها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات
كنت بحاول أتكلم… بس الكلام بيطلع متلخبط ومعوج:
— المفتاح… المفتاح الأزرق جوه الساعة… لأ، مكنتش ساعة…
فيه اللي ضحك في سرّه، وفيه اللي عمل نفسه صعبانة عليه.
حماتي، الحاجة سنية، حطت إيدها على صدرها وقالت بلؤم:
— يا حبيبتي يا ليلى.. حالها بيسوء كل يوم عن اللي قبله.
جوزي، شريف، مسك كتفي جامد… ضغطة تبان للناس حنية، بس ليا أنا كانت تحذير وهو بيهمس:
— اتنفسي يا حبيبتي. إنتي اتلخبطتي تاني.
تاني… دي الكلمة اللي كان عايز يزرعها في دماغهم:
تاني نسيت….تاني اتكلمت كلام ملوش معنى…تاني أعصابها باظت…تاني مش طبيعية….
اسمي ليلى المنشاوي، عندي تلاتة وأربعين سنة. دكتورة صيدلانية في القاهرة، وورثت عن أبويا “صيدلية المنشاوي”، صيدلية صغيرة في حي شبرا، مفتوحة بقالها اكتر من تلاتين سنة.
أبويا كان دايماً يقولي:
“الدوا الغلط مبيشفيش.. الدوا الغلط بيكتم.”
في يوم الجمعة ده، وأنا قاعدة وسط عيلة جوزي، فهمت جملة أبويا دي بس بالطريقة الصعبة.
#حكايات_مني_السيـد
شريف طبطب على ضهري وقال للكل:
— هقوم أودي ليلى الأوضة ترتاح.
قمت براحة، وعملت نفسي بتكعبل في السجادة. الحاجة سنية اتنهدت بصوت عالي عشان الكل يسمع:
— يا رب ارحمنا.. ودي لسه عايزة تمضي عقود، وتتعامل مع حسابات وبنوك، وتدير مخازن وصيدلية؟
أخت جوزي، أميرة، برطمت:
— يا ماما، وطي صوتك.
— أوطي صوتي ليه؟ الحقيقة واضحة قدام عما العيان!
شريف خدني للممر، ولما بعدنا عن الصالون، كبس على دراعي جامد:
— شايفة اللي عملتيه؟
بصيت له بعيون تائهة ومغلوشة كنت مدربة نفسي على النظرة دي بقالي أسابيع:
— أنا عملت إيه؟
— عملتي إيه؟ أهو الكل شاف بعينه إنتي وصلتي لإيه.
هزيت راسي كأني مش فاهمة حاجة:
— أنا تعبانة ومحتاجة أنام.
صوته اتحول فجأة لنبرة الحنية المزيفة:
— عارف يا حبيبتي، عشان كده لازم تسيبيني أنا أدير الحاجات دي.
في بق شريف، “الحاجات دي” كان معناها:
صيدليتي وشقى عمر أبويا…حساباتي في البنك.
شقتي الملك…المكتب العقاري اللي أبويا سابهولي في وسط البلد، والإمضاء والتوكيل اللي شريف بيموت عشان ياخدهم بقاله شهور… حصري على صفحة روايات و اقتباسات…
كله بدأ بقلة نوم. بعد وفاة أبويا، كنت بقضي الليالي صاحية. شريف كان يقول ده توتر، والحاجة سنية تقول دي قلة إيمان وضعف. الدكتور كتبلي منوم خفيف، أخدته لفترة قصيرة، وبعدها بدأت أحس بحاجة غلط.
الحباية شكلها هو هو، بس مفعولها مش هو:
كنت أصحى بريق ناشف زيادة عن اللزوم…ذكرياتي بتيجي مكسرة ومشوشة…إيديا بترتعش من غير سبب.
بعد العشا بحس الحيطان بتبعد عني…الصيدلانية بتفهم جسمها لما يبدأ يتكلم لغة غريبة… وأنا بفهم في التركيبات والمواد الفعالة كويس جداً. شكلها، ريحتها، ملمسها، ووقت المفعول… حصري على صفحة روايات و اقتباسات….
في يوم مسكت العلبة ولقيت الغطا متغير سنة بسيطة. يوم تاني، الحباية كان عليها علامة شبه ممسوحة.. صغيرة بس لقطتها. شريف كان فاكرني بغرق في شبر مية، غلطته إنه نسي إني قضيت نص عمري بركز في تفاصيل وروشتات الناس العادية مبتشوفهاش.
#حكايات_مني_السيـد
الأسبوع ده مأخدتش الحباية. عملت نفسي ببلعها، وخبيتها تحت لساني، ودخلت الحمام حطيتها في ظرف. وتاني يوم خدت العينة لزميلة دراسة قديمة شغالة في معمل تحاليل سموم وأدوية. مقلتش لشريف ولا لأي حد.
لما النتيجة طلعت، رجليا شالتني بالعافية. الدوا مكنش المنوم اللي على العلبة؛ كان فيه مادة بتلعب في الإدراك، الذاكرة، ومراكز الكلام. مكنتش قوية لدرجة توقعني على الأرض، كانت أخبث بكثير… ضعيفة كفاية عشان تبان إن العيب فيا أنا، وإني بـُخرف.
في اللحظة دي كان ممكن أواجه شريف، أصرخ، أطلب البوليس، أو أمشي… بس افتكرت نظرات الحاجة سنية بقالها شهور، وكلامهم اللي بيسكت أول ما أدخل الصالون. وافتكرت التوكيل اللي شريف بيلح عليه كل يوم: “توكيل عام شامل يا ليلى، عشان بس أريحك من قرف البنوك والموردين.”
مفيش حاجة في بق الراجل الكداب بتبقى بسيطة. فعملت حاجة يمكن أبويا مكنش يوافق عليها في الأول، بس كان هيفهمها ويدعمني فيها: فضلت أمثل.
مثلت اللغبطة.
مثلت النسيان والوهن.
مثلت إني بضيع.
شهر بحاله سيبت شريف وأمه يفتكروا إن خطتهم الخبيثة ماشية زي السكي..نة في الحلاوة… وكنت بسجل كل حاجة!
سجلت كلامهم في المطبخ، ومكالمات تليفونية. سجلت الحاجة سنية وهي بتقول: “الست اللي مالهاش عيل ولا أب يحميها بتبقى صيدة سهلة يا شريف، اخلص.”
سجلت شريف وهو بيشرح لمحامي في التليفون إنه عايز يحجر على أملاك مراته قبل ما تضيع وتتصرف بجهل. سجلت حماتي وهي بتفتح درجي بتدور على عقود الملكية، وسجلت شريف بالصوت والصورة بكاميرا خفية وهو بيحط الحبوب المغشوشة في علبتي.

في غدا الجمعة ده، كانوا عايزين المشهد الختامي. عايزين شهود من القرايب يبصموا بالعشرة إني مش في وعيي، عايزين يحولوني لمجنونة رسمياً قبل ما يسرقوني.
في الأوضة، شريف نيمّني على السرير وطبطب عليا:
— ارتاحي يا حبيبتي، بكرة الصبح هننزل نروح الشهر العقاري.
— الشهر العقاري؟ مثلت إني بنطق الكلمة بصعوبة ولساني تقيل….
باس دماغي وقال بلؤم:
— مجرد إقرار وتفويض.. عشان أعرف أخد بالي منك ومن مالك.
أول ما قفل الباب وخرج، استنيت تلات دقائق بالضبط وقعدت على السرير مفيش فيا الهوا. طلعت من تحت المخدة جهاز التسجيل الصغير اللي كنت مشغلاه ومخبياه في الصالون قبل الغدا. اللمبة الحمراء كانت لسه بتنور وتطفي.
من ورا الباب، كان صوت الحاجة سنية جايب آخر الممر وهي بتتكلم براحتها وبصوت عالي:
— بعد النهاردة مفيش مخلوق من العيلة هيقول بنتبلى عليها أو طمعانين فيها، الكل شاف بعينه إنها ضاعت. بكرة هتمضي في الشهر العقاري، ولو ممضتش، هنرفع قض..ية حجر ونكسبها في ثواني.
رد عليها شريف بثقة عمياء:
— بكرة هتمضي يا أمي وعينها مقفولة. أنا اديتها النهاردة جُرعة تخليها مهدودة ومش دارية بالدنيا، بس تفضل واعية ومطيعة للي هقولهولها.
مسكت جهاز التسجيل في إيدي وضغطت عليه… وابتسمت لأول مرة من شهر بحاله.
عشان الست “المجنونة” اللي فاكرين إنهم كسروها، لسه مسجلة بأيدها حكم الإعدام والسجن بتاعهم و و….!!!!
#حكايات_مني_السيـد

## الفصل الثاني: اللعب على المكشوف
صوت قفل الباب اللي اتقفل ورا شريف كان عامل زي صوت طلقة الرصاص اللي بتعلن بداية المعركة، بس المرة دي المعركة شروطها أنا اللي حطاها.
فضلت قاعدة على السرير، ضهري مفرود، ونَفَسي اللي كان طالع متقطع ومكتوم وسطهم رجع منتظم وهادي. بصيت لكف إيدي؛ الرعشة الخفيفة اللي كنت بفتعلها قدامهم اختفت. صوابعي كانت ثابتة وقوية وهي بتلف شريط جهاز التسجيل الصغير وتأمنه جوه جيب سحري في شنطتي.
مديت إيدي تحت السرير، طلعت الشنطة الكبيرة اللي كنت مجهزاها بقالي أسبوع. الشنطة دي مكنش فيها لبس، كان فيها “عُمر ليلى المنشاوي” كله؛ أصل عقود الصيدلية، كشوفات الحسابات البنكية اللي نقلت كل مليم فيها لحساب جديد مفيش مخلوق يعرف عنه حاجة، عقود الشقة، وحتة الأرض اللي أبويا سابهالي في القليوبية. شريف كان فاكر إن العقود دي لسه في الدرج اللي أمه فتشته، ميعرفش إني حاطة لقطات فيديو لحماتي وهي بتفتش في دولابي زي الحرامية على الفلاشة اللي متعلقة في رقبتي.
فتحت تليفوني التاني، الخط اللي ميعرفوش عنه حاجة، وبعت رسالة واحدة لـ “رندا” زميلتي في معمل السموم:
> “الجرعة بتاعة النهاردة كانت تقيلة يا رندا.. تقارير التحليل والشهادة المعتمدة جاهزة؟”
>
الرد جالي في أقل من دقيقة:
> “جاهزة ومختومة يا دكتورة. النتيجة بتقول إن المادة اللي في جسمك بنسبة مركزة، تقرير يودي السجن مرتاح.. إنتي هتعملي إيه؟”
>
ابتسمت وكتبت:
> “هخليهم يكتبوا نهايتهم بإيدهم.”
>
قمت وقفت قدام المراية. وشي كان باهت من قلة النوم الحقيقية مش التمثيل، والوجع اللي في قلبي من غدر الراجل اللي أمنته على نفسي كان هيدبحني، بس النظرة اللي في عيني كانت نظرة دكتورة صيدلانية شايفة الميكروب تحت الميكروسكوب وبتجهز له المضاد الحيوي اللي هيقضي عليه.
من ورا الباب، الأصوات بدأت تخف. العيلة بدأت تمشي. سمعت صوت خالاته وهما بيدعوا لي بالشفاء وبيردوا على حماتي:
— لا حول ولا قوة إلا بالله.. يا حبيبتي يا ليلى، دي كانت زي الورد. معلش يا حاجة سنية، شريف ابنك أصيل وهيتحملها، ده شقى عمرها برضه ومش قليل.
ترد الحاجة سنية بصوت متباكي:
— شريف سيد الرجالة، وهيصونها في مرضها.. ادعولها بس ربنا يرجع لها عقلها.
سمعت صوت الباب الخارجي بيتقفل، والبيت هدي. مفيش غير شريف وأمه وأخته أميرة.
عدت ساعة.. ساعتين. الساعة دخلت على واحدة بعد نص الليل. كنت عارفة إن شريف مستني المفعول يثبت في جسمي عشان يضمن إني الصبح هكون مجرد عروسة خشب بيحركها بصوابعه.
الباب اتفتح براحة. عملت نفسي نايمة، مديت جسمي وغمضت عيني، وسبت بوقي مفتوح سنة صغيرة كأن عضلات وشي مرتخية من أثر “المخدر”.
شريف دخل بخطوات بطيئة، قعد على طرف السرير. حسيت بنظراته وهي بتفحصني. مديت إيدي اليمين براحة وسيبتها تقع على السرير كأنها فاقدة الوعي. شريف مسك إيدي، رفعها ونزلها، لقاها مهدودة.
سمعته بيتنفس براحة، وقال بصوت واطي جداً:
— خلاص يا ليلى.. كلها كام ساعة، وكل حاجة هتبقى باسمي.. شبرى دي مش هتشوفيها تاني، والصيدلية اللي كنتي شيفا نفسك بيها عليا هتبقى المحل اللي هكتب عليه ‘مجموعة شركات شريف’.
خرج وقفل الباب وراه من غير ما يقفله بالمفتاح، هو واثق إني مش هقدر أصلب طولي لحد الصبح.
أول ما خرج، فتحت عيني. النور كان قاطع في الشارع، والضلمة مالي الأوضة إلا من نور عمود النور اللي بره. قمت من على السرير بمنتهى الخفة. غيرت هدومي، لبست عباية سوداء سادة وطرحة، وأخدت الشنطة في إيدي.
فتحت باب الأوضة برفق شديد. الصالة كانت ضلمة، بس فيه نور ضعيف طالع من المطبخ. مشيت على أطراف صوابعي، وقربت من المطبخ. كانوا قاعدين التلاتة؛ شريف، والحاجة سنية، وأميرة.
الحاجة سنية كانت بتشرب شاي وبتقول:
— التوكيل ده يا شريف تطلع بيه على البنك علطول قبل ما تفوت لقطة الصيدلية. أنا سألت المحامي وقال لي التوكيل العام الشامل يديك حق البيع والشراء لنفسك وللغير.
شريف رد وهو بيعدل نضارته:
— أنا مجهز العقود يا أمي. الصيدلية هبيعها لشركة استثمار طبي كلمتني من أسبوع وطالبين فيها رقم خيالي عشان موقعها في شبرا لُقطة. والشقة دي هنأجرها مفروش، وننزل نقعد في الفيلا اللي في التجمع.
أميرة برطمت بلؤم:
— وأنا ماليش نيابة في الليلة دي يا شريف؟ مش أنا اللي ساعدتك وكنت باجي أقعد معاها وأحط لها النقط في العصير لما تكون إنت بره؟
شريف ضحك بصوت واطي:
— ليكي حلاوتك يا أميرة، بس نخلص الصبح. الولية نايمة جوه زي القتيلة، الجرعة بتاعة النهاردة هتخليها تمضي وهي بتضحك.
كنت واقفة في الممر، ماسكة التليفون وبسجل الفيديو ده كمان. كل كلمة بتطلع من بوقهم كانت مسمار في نعشهم. كنت حاسة بنار بتاكل في صدري، بس عقلي الصيدلاني كان شغال بحسبة دقيقة؛ السم لما بيمشي في الدم، لازم تسيبه لحد ما يوصل للقلب عشان تديله الترياق اللي يوقفه خالص.
رجعت الأوضة براحة، قعدت على الكرسي جنب الشباك واستنيت الفجر يدن.
الساعة سبعة الصبح، الباب اتفتح. شريف دخل وهو لابس قميص وبنطلون ومغسل وشه، وعامل نفسه الملاك الحارس.
— ليلى.. ليلى يا حبيبتي، قومي يلا عشان ورانا مشوار مهم هيريحك خالص.
فتحت عيني ببطء، وعملت نفسي مش قادرة أرفع راسي:
— شريف؟ إحنا فين؟ أنا حاسة إن دماغي تقيلة أوي.. مش قادرة أقف.
شريف قرب مني، مسك إيدي وطبطب عليها بحنية تقرف:
— سلامتك يا قلبي، ده من قلة النوم. يلا أنا جهزتلك لبسك، والعربية مستنية تحت. هنروح مشوار صغير خالص في مصر الجديدة، نخلص ورقة ونرجع علطول عشان تاخدي دواكي وترتاحي.
قمت وأنا بتطوح، ومثلت إني مش قادرة ألبس الجزمة. هو اللي لبسهالي وهو بيداري ابتسامة النصر اللي في عينه.
نزلنا. في الصالة كانت الحاجة سنية قاعدة بتسبح بحمار وعينيها بتلمع بالشماتة:
— مع السلامة يا بنتي، ربنا يقويك يا شريف يا ابني على شيلتك.
نزلت معاه، ركبت العربية ورميت راسي على الإزاز كأني غايبة عن الوعي. شريف كان بيسوق بسرعة، وعينه كل شوية عليا، يتأكد إني مش دريانة بالدنيا.
وصلنا قدام مكتب الشهر العقاري في منطقة هادية. كان لسه فاتح، والناس قليلة. شريف نزل، فتح لي الباب وسندني. مشيت معاه خطوة خطوة، كأني حتة قماش بيدرّجها وراه.
دخلنا المكتب، وكان فيه موظف قاعد ورا مكتب خشبي قديم، وتحت إيده دفاتر وجهاز كمبيوتر. شريف قرب منه وقال بصوت واطي:
— صباح الخير يا أستاذ مدحت.. أنا شريف الألفي، اللي كلمتك امبارح بخصوص التوكيل الشامل بتاع المدام.
الموظف بصلي، ولقى عيني مغلوشة وراسي مايل:
— أهلاً يا أستاذ شريف. المدام مالها؟ تعبانة؟
شريف بسرور مكتوم:
— اه والله، عندها ظروف صحية صعبة والذاكرة بعافية شوية، وعشان كده بنعمل التوكيل عشان أعرف أدير شغلها وعلاجها.
الموظف طلع الدفتر الكبير، وحط العقود قدامه:
— طيب، المدام واعية للي هتمضي عليه؟ لازم أسألها بنفسي، ده توكيل عام شامل بيع وشراء وتصرف في كل شيء.
شريف لف ليا، وطبطب على كتفي:
— ليلى.. سامعاني يا حبيبتي؟ الأستاذ بيسألك، إنتي موافقة تعملي لي التوكيل عشان أدير الصيدلية والحسابات وأشيل عنك التعب؟
في اللحظة دي، الموظف كان باصص لي مستني الكلمة، وشريف كان ضاغط على كتفي ضغطة خفيفة وشهيق نفسه محبوس مستني الإجابة اللي هتخليه يملك كل حاجة.
أنا أخدت نَفَس طويل.. طويل أوي.
ورفعت راسي.
وبصيت لشريف في عينه. النظرة التايهة اختفت، وعيني رجعت حادة وصاحية كأن مفيش أي مخدر دخل جسمي.
شريف بربش بعينه، وحسيت بصباعه اللي على كتفي بدأ يترعش.
التفت للموظف، وقعدت على الكرسي المتواضع اللي قدام المكتب، وحطيت شنطتي على رجلي وبقيت بتكلم بنبرة صوت واضحة، حاسمة، ومخارج حروفها زي الطلقات:
— لأ يا فندم.. مش موافقة. ومش بس مش موافقة، أنا جاية أقدم بلاغ رسمي في الأستاذ اللي واقف جنبك ده.
الموظف ساب القلم من إيده وبلم:
— بلاغ؟ بلاغ بإيه يا دكتورة؟
شريف وشه اتخطف، والدم هرب من عروقه، وبقى لونه أصفر زي الليمونة. حاول يمسك إيدي ويتكلم بسرعة ولجلجة:
— ليلى! إنتي بتقولي إيه؟ إنتي تعبانة والجرعة مأثرة عليكي.. أستاذ مدحت معلش، هي مش في وعيها..
قمت وقفت، وبقيت أطول منه بنظرتي. مديت إيدي جوه الشنطة وطلعت حزمة من الورق، وحطيتها على مكتب الموظف بقوة:
— أنا في كامل وعيي يا أستاذ مدحت. دي شهادتي الدكتورة ليلى المنشاوي، وده تقرير رسمي مختوم من معمل تحاليل السموم الشرعية بوزارة الصحة، بيكشف إن الأستاذ شريف الألفي كان بيحط لي مادة مخدرة ومذهبة للعقل في علبة المنوم بتاعي بقاله شهر عشان يوصل للحظة دي؛ لحظة الحجر عليا أو إني أمضي له على التوكيل ده وهو مغيبني.
شريف صوت نفسه بقى مسموع، وبدأ يرجع لورا خطوة:
— إنتي بتخرفي.. إنتي مجنونة.. ورق إيه وتقارير إيه!
طلعت التليفون وجهاز التسجيل وحطيتهم جنب الورق:
— ومش بس كده.. دي تسجيلات بالصوت والصورة، للأستاذ وهو بيحط المادة الفعالة المغشوشة في علبة الدوا بكاميرا خفية في أوضة النوم، ودي تسجيلات ليه هو وأمه وأخته امبارح بالليل وبالتحديد الساعة واحدة صباحاً، وهما بيتآمروا على بيع صيدليتي وطرردي من شقتي بعد ما أمضي هنا.
الموظف مسك التقرير وبدأ يقراه، وعينيه بتوسع من الصدمة. بص لشريف وقال بنبرة غضب:
— الكلام ده حقيقي؟ إنت جايب ست مغيبة عشان تسرقها في مكتبي؟
شريف بدا يتلفت حواليه كأنه فار في مصيدة. حاول يمد إيده عشان يتخانق أو ياخد الورق، بس أنا كنت أسرع. خطيت خطوة لورا وشاورت على الباب:
— متتعبش نفسك يا شريف.. أنا مكنتش غبية عشان أجي هنا لوحدي، ومكنتش عمية طول الشهر اللي فات وأنا شيفاك بتموت عشان تاخد شقى أبويا.
في اللحظة دي، دخل من باب المكتب اتنين رجالة؛ الأول كان المحامي بتاعي، والأستاذ عصام، ومعه اتنين من أمناء الشرطة اللي كانوا مستنيين بره بناءً على المحضر اللي محاميّ مجهزه من امبارح بالليل بالدليل والبرهان.
المحامي قرب وحط إيده على مكتب الموظف:
— صباح الخير يا فندم. أنا وكيلاً عن الدكتورة ليلى، ومعانا أمر بضبط وإحضار المدعو شريف الألفي بتهمة الشروع في القتل بالسم البطئ، والتزوير، والنصب.
شريف بص لي ونبرة الحنية المزيفة بتاعته ضاعت تماماً، وبقى وشه مرعب وشيطاني وهو بيصرخ فيا وسط أمناء الشرطة وهما بيمسكوا إيده وكلبش الحديد بيقفل عليها:
— مش هسيبك يا ليلى! الصيدلية دي بتاعتي.. أنا اللي شيلتك وشيلت قرفك وقرف أبوكي! هطلع منها وهدمرك!
بصيت له بمنتهى البرود، وعدلت طرحتي وأنا بقوله:
— أبويا كان دايماً يقولي ‘الدوا الغلط مبيشفيش.. الدوا الغلط بيكتم’.. وإنت كنت الدوا الغلط في حياتي يا شريف، وآن الأوان إن المفعول بتاعك ينتهي تماماً.
أخدوه وخرجوا بيه والناس في الشارع بتتفرج عليه وهو متبهدل ومكلبش. الموظف بصلي باحترام شديد وقالي:
— حمد الله على سلامتك يا دكتورة.. إنتي ست بمليون راجل.
أخدت ورقي وحاجتي في شنطتي، وخرجت بره في الشمس. الهوا كان نضيف، حاسة إني أول مرة أتنفس بجد من شهر بحاله.
بس وأنا بركب العربية مع المحامي عشان نروح النيابة نقفل المحضر ونصدر أمر بضبط وإحضار الحاجة سنية وأميرة كشركاء في الجري..مة، تليفوني رن.
الرقم كان رقم حماتي، الحاجة سنية.
فتحت الخط وسكت.
جالي صوتها ملهوف وشرير في نفس الوقت:
— إيه يا شريف؟ طمني.. الولية مضت؟ العقود في إيدك؟ يلا اخلص عشان المحامي مستنينا في الشقة عشان نغير الأقفال قبل ما تفوق!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت العربية كلها، وقربت التليفون من بوقي وقلت لها:
— الأقفال هتتغير فعلاً يا حاجة سنية.. بس أقفال زنزانة الحجز اللي هتجمعي فيها إنتي وبنتك وأمير القلوب ابنك.. جهزوا لبس تقيل، عشان الجو جوه النيابة بيبقى سساقع أوي!
قفلت السكة في وشها، وبصيت للطريق قدامي وأنا بفكر في الخطوة الجاية.. لأن الحرب دي لسه ليها فصول تانية، والست اللي فاكروها مكسورة، لسه هتعلمهم يعني إيه صيدلانية بتعرف تطبخ السم وتقدمه بحرفية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *