فرصه تانيه

ندى فضلت باصة في شاشة الموبايل كأنها مش مستوعبة الرسالة. صوابعهـا كانت بترتعش، وقلبها بيدق بعنف مع كل وجع بيزيد في بطنها. سليم الدهشوري قفل الموبايل بهدوء، لكن الهدوء اللي على وشه كان يخوف أكتر من أي عصبية.

قال للسواق وهو بيقفل باب العربية

على مستشفى الدهشوري… بسرعة.

العربية اتحركت وسط المطر، وحراس الأمن بعربيتين وراها. ندى بصتله بتوتر وقالت

إنت… إنت تعرف جوزي؟

رد من غير ما يبصلها

أعرفه أكتر ما هو متخيل.

سكتت شوية، وبعدين سألت

وليه بتساعدني؟

لف وشه ناحيتها لأول مرة، وقال بنبرة هادية

لأن في ناس تستحق فرصة تانية… وإنتي واحدة منهم.

قبل ما تلحق تسأله أكتر، الوجع ضربها تاني، فصرخت وهي مسكت بطنها.

بعد أقل من عشر دقايق كانت العربية وقفت قدام مستشفى خاص ضخم. أول ما نزل سليم، طاقم طبي كامل كان مستنيه، كأنهم كانوا عارفين إنه جاي.

الدكاترة خدوا ندى بسرعة على قسم الطوارئ، والممرضات كانوا بيتعاملوا معاها باهتمام عمرها ما شافته قبل كده.

الدكتور خرج بعد الكشف وقال لسليم

الحمد لله لحقناها. كان فيه انقباضات مبكرة، لكن قدرنا نثبت الحمل. لازم راحة تامة، لأنها حامل في تلاتة، وأي ضغط ممكن يعرضهم للخطر.

هز سليم راسه وقال

اعملوا أي حاجة تحتاجها… التكلفة مش مهمة.

…

في نفس الوقت، كان كريم المنشاوي قاعد في فيلته مع رنا.

رنا كانت بتشرب قهوتها وهي بتضحك

خلصت منها أخيرًا؟

ابتسم وهو رفع كوباية العصير

من النهارده مفيش ندى في حياتي.

لكن موبايله رن.

المحامي.

رد بثقة، لكن ملامحه اتغيرت في ثواني.

إيه؟!

قام واقف بعصبية.

بتقول إيه يعني اختفت؟

قفل المكالمة ورمى الموبايل على الكنبة.

رنا قربت منه

في إيه؟

قال وهو بيكز على سنانه

ندى دخلت مستشفى خاصة… ومحدش راضي يقول اسمها ولا مكانها.

ابتسمت رنا باستخفاف

سيبها… هتروح فين يعني؟

بصلها بنظرة خلتها تسكت.

وقال

إنتي مش فاهمة… لو حد عرف إنها حامل في تلات توائم، الموضوع هيبقى أكبر بكتير.

…

في المستشفى، ندى فتحت عينيها بعد ساعات.

أول حاجة شافتها كانت أوضة فخمة، وريحتها نضيفة، والأجهزة حواليها.

افتكرت إنها بتحلم.

دخلت ممرضة بابتسامة

الحمد لله على السلامة يا مدام.

قالت ندى

أنا فين؟

في مستشفى الدهشوري.

سكتت لحظة.

الاسم كان معروف في كل مصر.

المستشفى دي محدش يدخلها إلا رجال أعمال وفنانين وشخصيات كبيرة.

قالت باستغراب

وأنا… هدفع منين؟

ابتسمت الممرضة

كل حاجة مدفوعة.

قبل ما تكمل كلامها، الباب خبط.

دخل سليم.

وقف بعيد عنها وقال

عاملة إيه دلوقتي؟

قالت وهي لسه مش فاهمة

إنت ليه بتعمل كل ده عشاني؟

اتنهد وقال

لأن لو كنت اتأخرت خمس دقايق، كان ممكن نخسرك إنتي والأطفال.

ردت بسرعة

أنا مقصدش كده… أقصد ليه أنا؟

ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة

هتعرفي… لكن مش دلوقتي.

…

بعد يومين بدأت صحة ندى تتحسن.

لكنها كانت ملاحظة حاجة غريبة.

كل ما تبص من شباك الأوضة تلاقي عربية أمن.

كل دورية عليها حراسة.

حتى الممرضات بيتعاملوا معاها بحذر شديد.

كأنها شخصية مهمة.

وفي ليلة، وهي راجعة من الأشعة، سمعت اتنين من أفراد الأمن بيتكلموا.

الأول قال

الباشا بنفسه واقف على حمايتها.

التاني رد

أكيد ليها قيمة كبيرة عنده.

ندى وقفت مكانها.

حمايتي؟

ليه؟

…

في اليوم التالت، دخل عليها محامي كبير.

حط قدامها ظرف.

وقال

دي كل ممتلكاتك اللي كانت في بيت جوزك.

فتحت الظرف.

كان فيه عقد شقتها القديمة… وسلسلة والدتها… وصور فرحها.

لكن كان فيه ظرف صغير كمان.

فتحته.

لقيت فيه شيك بمليون جنيه.

بصت للمحامي بصدمة

إيه ده؟

قال بهدوء

دية من الأستاذ سليم.

قالت بسرعة

أنا مستحيل آخد فلوس من حد.

ابتسم المحامي

هو كان متوقع ردك.

عشان كده طلب مني أقولك… دي مش صدقة.

دي بداية حقك.

…

في نفس اللحظة، كريم كان واقف قدام مكتب تحريات خاص.

قال للرجل اللي قدامه

عايز أعرف مين اللي خبى مراتي.

الرجل فتح اللابتوب، وبعد شوية قال

فيه كاميرات صورت عربية خدتها.

كريم قرب بسرعة.

الصورة ظهرت.

عربية سليم الدهشوري.

لون وش كريم اختفى.

قال بعدم تصديق

مستحيل…

إيه اللي يربطها بالراجل ده؟

…

رجع بيته وهو بيفكر.

وفجأة افتكر موقف قديم من أكتر من عشر سنين.

أيام ما كان لسه بيبدأ شغله.

كان فيه صفقة كبيرة خسرها بسبب رجل أعمال رفض يشاركه.

الاسم رجع يدور في دماغه.

سليم الدهشوري.

همس لنفسه

هو… معقول يكون مستني ينتقم مني بعد السنين دي كلها؟

…

في المستشفى، كانت ندى قاعدة لوحدها بالليل.

الباب خبط.

دخل سليم.

كان معاه ملف قديم.

حطه قدامها وقال

افتحيه.

فتحت الملف.

لقيت صور.

أوراق.

تقارير.

وحاجة خلت عينيها توسع من الصدمة.

كلها مستندات تثبت إن كريم كان مزور جزء كبير من ثروته، ومستولي على حقوق شركاء كتير.

رفعت عينيها وقالت

إنت جبت الحاجات دي منين؟

قال بهدوء

بجمعها من سنين.

سألته وهي مش قادرة تستوعب

ليه؟

رد وهو بيبصلها بثبات

لأن اليوم اللي كريم المنشاوي ظلمك فيه… هو اليوم اللي قررت أنهي كل حاجة بيني وبينه.

ندى كانت لسه هتسأله السؤال اللي محيرها.

لكن الباب اتفتح فجأة.

أحد رجال الأمن دخل وهو بيقول بسرعة

باشا… كريم المنشاوي وصل تحت المستشفى… ومعاه قوة من المحامين وبيطالب يشوف مدام ندى بالقانون.

ساد صمت ثقيل.

سليم ابتسم ابتسامة خفيفة، وقف وعدل جاكيته وقال

واضح إنه جه بنفسه… يبقى خلاص، حان وقت أول مواجهة… لكن المرة دي، كريم هو اللي هيكتشف إن اللعبة خرجت من إيده تمامًا.

وقف سليم الدهشوري قدام باب أوضة ندى وهو هادي بشكل غريب، بينما رجال الأمن واقفين في الممر مستعدين لأي حركة. ندى كانت سامعة دقات قلبها أكتر من أي صوت حواليها.

قالت بتوتر

هتسيبه يدخل؟

بصلها بثبات وقال

لأ… لكن هسيبه يعرف إنك مبقتيش لوحدك.

بعد دقايق، دخل مدير المستشفى ومعاه المحامي الخاص بسليم.

قال المحامي

الأستاذ كريم المنشاوي موجود تحت ومعاه إنذار قضائي، وبيطالب إنه يشوف مراته لأنها لسه في فترة العدة، وبيقول إنه من حقه يعرف حالتها الصحية.

ابتسم سليم ابتسامة ساخرة وقال

قولوله إن المستشفى بتحترم القانون… لكن بتحترم حياة المريض أكتر.

…

في الاستقبال كان كريم واقف بعصبية، وكل شوية يبص في ساعته.

أول ما شاف محامي سليم نازل، قال بانفعال

فين مراتي؟

رد المحامي بهدوء

مدام ندى مريضة وممنوع عنها أي ضغط نفسي.

خبط كريم بإيده على المكتب وقال

أنا من حقي أشوفها.

في اللحظة دي، ظهر سليم.

المكان كله سكت.

العاملين في المستشفى وقفوا باحترام، حتى الحراس بعدوا خطوة لورا.

قرب من كريم وقال

من حقك تشوفها… لو هي وافقت.

اتوتر كريم، لكنه حاول يداري خوفه.

قال باستفزاز

واضح إنك مهتم بمراتي زيادة عن اللزوم.

رد سليم وهو ثابت

مراتك السابقة… والكلمة دي لازم تتعود عليها.

…

في نفس اللحظة، طلبت ندى إنها تنزل بنفسها.

الدكتور حاول يمنعها، لكنها أصرت.

بعد دقائق، وصلت على كرسي متحرك.

أول ما شافها كريم، حاول يلين صوته.

ندى… أنا جيت أطمن عليكي.

بصتله ببرود وقالت

بعد ما رميتني في الشارع؟

اتكسف قدام الناس، لكنه قال

كنت متعصب.

ضحكت ندى بسخرية.

متعصب؟

إنت طلقتني، واديتني تلتمية جنيه، وسيبتني أموت أنا وولادي.

رد بسرعة

أنا مستعد أصلح كل حاجة.

قالت

لأ… إنت مستعد تصلحها عشان عرفت إني حامل في تلات توائم.

وشه اتغير.

حاول يقرب منها، لكن رجال الأمن وقفوا قدامه.

…

سليم كان بيتابع الموقف في هدوء.

قال

واضح إنك نسيت حاجة مهمة يا كريم.

لف كريم ناحيته.

إيه هي؟

طلع ملف من شنطة جلد، وفتحه قدام الجميع.

فيه عقود.

تحويلات بنكية.

تسجيلات.

قال

دي مستندات تثبت إنك هربت ضرائب، وزورت عقود، واستوليت على شركات شركائك.

وش كريم اصفر.

قال بعصبية

دي كلها كدب.

ابتسم سليم.

لو كدب… يبقى ليه إيدك بتترعش؟

…

بعد أقل من ساعة، وصلت جهات التحقيق.

كريم حاول يهرب، لكن الأمن وقفه.

قبل ما يركب العربية، بص لندى وقال

إنتي السبب.

ردت لأول مرة وهي رافعة راسها

لأ… إنت السبب في كل اللي حصلك.

واتحركت عربية الشرطة وسط ذهول كل الموجودين.

…

بعد أيام، الأخبار كانت في كل مكان.

رجل الأعمال كريم المنشاوي قيد التحقيق في قضايا فساد وغسل أموال وتزوير.

شركاته اتحفظ عليها.

وحساباته اتجمدت.

أما رنا، أول ما عرفت إنه خلاص خسر كل حاجة، اختفت من حياته كأنها عمرها ما عرفته.

…

ندى بدأت تستعيد هدوءها.

لكنها كانت لسه مش فاهمة حاجة واحدة.

دخلت مكتب سليم وقالت

أنا محتاجة أعرف الحقيقة.

رفع عينه من الملف اللي قدامه.

أي حقيقة؟

ليه ساعدتني؟

سكت شوية، وبعدها فتح درج مكتبه.

طلع صورة قديمة.

ناولها ليها.

بصت فيها.

كانت أمها وهي صغيرة، واقفة جنب شاب في العشرينات.

استغربت.

مين ده؟

قال بابتسامة هادئة

أخو والدتك.

ندى شهقت.

خالي؟

هز رأسه.

أنا سافرت وأنا صغير، وبقيت أبني اسمي من الصفر. انقطعت أخباري عن العيلة سنين طويلة. ولما رجعت، عرفت إن أختي اتوفت، وإن بنتها اتجوزت كريم المنشاوي.

حست ندى إن دموعها بتنزل من غير ما تحس.

قالت بصوت مخنوق

يعني… إنت كنت عارف إني بنت أختك؟

رد

عرفت من فترة، لكن كنت بتأكد. ولما شوفتك في الميكروباص، عرفت إن ربنا إداني فرصة ألحق آخر حاجة فضلالي من أختي.

جريت عليه وحضنته وهي بتعيط لأول مرة من قلبها.

قال وهو بيربت على كتفها

من النهارده… إنتي مش لوحدك.

…

مرت ثلاثة شهور.

ندى ولدت تلات أطفال بصحة كويسة.

المستشفى كلها كانت فرحانة.

سليم كان أول واحد شالهم.

وقال وهو بيضحك

دول هيملوا عليا البيت.

ضحكت ندى وقالت

وأنا أخيرًا حسيت إن ليا عيلة.

…

بعد سنة كاملة.

كانت ندى افتتحت مؤسسة خيرية لمساعدة الستات اللي اتعرضوا للظلم، بتمويل من حقها اللي رجع بالقانون بعد مصادرة جزء من أموال كريم.

رفضت تعيش على فلوس حد.

اشتغلت.

واتعلمت.

وبقت ناجحة.

أما سليم، فكان دايمًا سند ليها ولأولادها، من غير ما يحاول يعوضهم عن أبوهم، لكنه عوضهم بالأمان.

…

وفي صباح هادئ، كانت ندى قاعدة في جنينة الفيلا، والأطفال بيلعبوا قدامها.

واحد منهم وقع، فجريت شالته وضحكت.

افتكرت اليوم اللي كانت فيه لوحدها في المطر، ومعاها تلتمية جنيه بس.

لو كانت استسلمت يومها…

مكنتش هتشوف اللحظة دي أبدًا.

بصت للسما وقالت بابتسامة مليانة رضا

الحمد لله… يمكن الظلم يوجع، لكنه عمره ما بيكسب في الآخر.

وانتهت الحكاية بعد ما كل واحد خد نصيبه… الظالم خسر كل شيء، والمظلومة كسبت كرامتها، وعيلتها، ومستقبل أولادها، وأثبتت إن النهاية السعيدة ساعات بتبدأ من أسوأ يوم في عمر الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *