كذبة الخطوبه 2 بقلم ندى الجمل

البارت الخامس
وقفت أنا وفؤاد قدام أوضة ليان، وسيبنا ياسين معاها.
كنت عارفة إن في كلام لازم يتقال… ومحدش ينفع يسمعه غيرهم.
بعد حوالي نص ساعة، خرج ياسين.
وشه كان هادي… لكن الهدوء ده كان أصعب من أي عصبية.
بص لوالد ليان وقال:
“ممكن نتكلم لوحدنا؟”
رائد هز راسه، وراحوا يقعدوا في آخر الطرقة.
أنا مكنتش سامعة كل الكلام، لكن صوت ياسين كان واطي وحازم.
وبعد شوية، رجع رائد وعينه مليانة دموع.
وقف قدام ابني وقال:
“أنا آسف… والله العظيم أنا اللي غلطان.”
ياسين سأله:
“ليان كانت عايزة تقولي؟”
رائد هز راسه وقال:
“أكتر من مرة.”
سكت لحظة، وكمل:
“قبل كتب الكتاب بيوم، قالتلي: يا بابا لازم يعرف. أنا مش هبدأ حياتي بكدبة.”
حسيت إن قلبي اتقبض.
رائد كمل وهو بيعيط:
“أنا اللي منعتها… قولتلها لو عرف هيبعد، وإنتِ مالكيش ذنب في مرض ربنا كتبه عليكي.”
نزلت دموع سلوى، وقالت:
“حتى يوم الفرح كانت منهارة، وكانت بتقول مش قادرة أخبي أكتر من كده… لكن إحنا اللي أقنعناها تسكت.”
بصيت ناحية أوضة ليان.
البنت دي كانت عايشة بين نارين…
خايفة تخسر الراجل اللي حبته…
وخايفة تعصي أهلها.
بعدها خرجت د. رانيا وقالت:
“المريضة تقدر تخرج بكرة إن شاء الله، لكن لازم تبعد تمامًا عن أي ضغط نفسي.”
وقبل ما تمشي، بصت لياسين وقالت:
“اسمحلي أقولك حاجة… قرار تكمل أو تنفصل ده حقك الكامل، ومحدش يقدر يلومك عليه. لكن قبل ما تاخد القرار، خده بعد ما تهدى… مش وأنت موجوع.”
ياسين اكتفى بهزة بسيطة من رأسه.
وفي اليوم التالي، خرجت ليان من المستشفى.
لكنها ما رجعتش شقة الزوجية…
طلبت بنفسها تروح بيت أهلها.
وقبل ما تركب العربية، خلعت الدبلة من إيدها…
وحطتها في إيد ياسين وهي بتبكي.
وقالت:
“أنا مش هضغط عليك… خد وقتك، ولو قررت إنك مش قادر تكمل، هتقبل قرارك.”
أخذ ياسين الدبلة، وبص لها طويلًا…
لكن ما لبسهاش…
ولا رجعها لها.
وركب كل واحد في عربية…
ومشوا في طريقين مختلفين…
وكان السؤال اللي شاغلني وأنا راجعة للبيت:
هل الحب يقدر يصلح كذبة بدأت بيها الحياة… ولا في جروح عمرها ما بتتداوى؟
البارت السادس
مر أسبوع…
البيت بقى هادي بطريقة تخوف.
ياسين راح شغله، لكن مكنش هو ياسين اللي أعرفه.
لا ضحك… ولا هزار… ولا حتى أكل كويس.
كل يوم أقول له:
“كلم ليان.”
يرد بهدوء:
“لسه مش قادر يا أمي.”
وفي الناحية التانية، كانت سلوى بتكلمني كل يوم تقريبًا.
كل مرة تبكي وتقول:
“ليان بقت ترفض الأكل، ومبتخرجش من أوضتها، وكل اللي بتقوله إنها ضيعت الإنسان الوحيد اللي حبته.”
كنت بسمع وأسكت…
لأن الوجع كان عند الطرفين.
وفي ليلة، ياسين دخل عليا وأنا قاعدة في الصالة.
قعد جنبي وقال:
“يا أمي… هو أنا ظالم؟”
مسكت إيده وقلت:
“جاوبني الأول… إنت لسه بتحبها؟”
فضل ساكت شوية…
وبعدين قال:
“للأسف… أيوه.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
وقلت:
“يبقى المشكلة مش إنك بطلت تحبها… المشكلة إنك بطلت تثق.”
هز رأسه وقال:
“كل ما أبصلها أفتكر إنها خبت عليا أهم حاجة في حياتها.”
قلت له بهدوء:
“وكل ما هي تبصلك، هتفتكر إنها خسرتك بسبب خوفها.”
سكتنا الاتنين.
وفجأة، موبايل ياسين رن.
كان رقم غريب.
رد، وبعد ثواني اتغيرت ملامحه.
قال:
“حضرتك متأكد؟”
وقام واقف مرة واحدة.
قلت بقلق:
“في إيه؟”
قفل المكالمة، وبصلي.
وقال:
“دي د. رانيا.”
قلبي دق بسرعة.
قال:
“طلبت أشوفها بكرة… قالت في حاجة مهمة لازم أعرفها، وإنها تخص ليان، وكانت ناوية تقولهالي من أول يوم.”
فضلت طول الليل أفكر…
إيه الحقيقة اللي لسه مستخبية؟
وإيه اللي ممكن يغيّر كل اللي حصل؟
يتبع…
البارت السابع
تاني يوم الصبح، ياسين راح معاد د. رانيا.
أنا كنت قاعدة في البيت، وكل دقيقة أبص في الساعة.
فضل بره أكتر من ساعة.
ولما رجع، عرفت من وشه إن في حاجة اتغيرت.
قلت بسرعة:
“قالتلك إيه؟”
قعد قدامي وقال:
“يا أمي… الدكتورة مقالتليش أسرار عن حالة ليان، لأنها قالت دي خصوصية تخص المريضة، لكن قالتلي حاجة واحدة.”
سكت شوية، وكمل:
“قالتلي إن الذئبة الحمراء مرض ممكن ناس كتير تتعايش معاه لسنين، وفي حالات كتير بيعيشوا حياة مستقرة مع المتابعة الطبية، لكن أي قرار جواز لازم يكون مبني على الصراحة الكاملة من البداية.”
هزيت راسي وأنا بسمع.
قال:
“وبعدين قالتلي جملة مش راضية تخرج من دماغي…”
سألته:
“إيه هي؟”
قال:
“لو كنت عرفت قبل الجواز ووافقت، كنت هتبقى بطل في نظرها. لكن إنك تعرف بعد الجواز، طبيعي تحس إن حقك في الاختيار اتسلب.”
فضلت ساكتة.
الكلام كان منطقي.
لا بيدين ليان على مرضها…
ولا بيبرر اللي حصل.
بعد يومين، ياسين طلب يقابل ليان.
اتقابلوا في بيت أهلها.
أنا رفضت أروح.
حسيت إن دي مواجهة لازم تكون بينهم هما الاتنين.
بعد ساعات، رجع ياسين.
دخل البيت، وقعد قدامي.
قلت:
“عملتوا إيه؟”
قال:
“سمعتها لأول مرة من غير ما حد من أهلها يكون موجود.”
سكت لحظة، وبعدين كمل:
“قالتلي إنها كتبت أكتر من رسالة تعترفلي فيها بالحقيقة، وكانت كل مرة تمسحها قبل ما تبعتها.”
فتح موبايله، ووراني صورة من مفكرة صغيرة.
كانت ليان كاتبة فيها:
“سامحني لو كرهتني… أنا كل يوم بصحى وأقول النهارده هقوله، وكل يوم بخاف أخسره.”
حسيت بدموعي بتنزل.
لكن ياسين قال وهو بيقفل الموبايل:
“أنا صدقتها يا أمي… وعرفت إنها كانت بتحبني.”
قلت بلهفة:
“يبقى هترجعوا لبعض؟”
بصلي نظرة طويلة وقال:
“الحب لوحده مش كفاية… الثقة لما تتكسر، محتاجة وقت علشان ترجع.”
وسابني ودخل أوضته.
وقتها عرفت…
إن أصعب قرار في حياته…
لسه ما اتاخدش.
البارت الثامن
عدّى شهر كامل…
لا ياسين طلب الطلاق…
ولا رجّع ليان لبيتهم.
كانت العلاقة واقفة في منطقة مؤلمة، لا هي انتهت، ولا هي رجعت.
وفي يوم، فوجئت بياسين داخل عليا وهو لابس هدومه.
قلت له:
“رايح فين؟”
قال:
“عندي معاد.”
استغربت.
“معاد مع مين؟”
رد بهدوء:
“مع دكتور متخصص في أمراض المناعة.”
بصيتله باستغراب.
قال:
“أنا محتاج أفهم المرض بنفسي… من غير خوف، ومن غير كلام الناس.”
لما رجع بالليل، كان شكله مختلف.
مش سعيد…
لكن مرتاح.
قعد قدامي وقال:
“يا أمي… اكتشفت إني كنت بسمع من الناس أكتر ما بسمع من الأطباء.”
سألته:
“يعني إيه؟”
قال:
“الدكتور شرحلي كل حاجة… وقال إن الذئبة الحمراء درجات، وإن في ناس بتعيش عمرها كله وهي شغالة وبتسافر وبتخلف، طالما حالتها مستقرة وتحت متابعة. لكن في نفس الوقت قال إن إخفاء المرض قبل الجواز كان غلط، لأن الطرف التاني من حقه يعرف.”
هزيت راسي وقلت:
“وده نفس اللي كنت بقولك.”
ابتسم لأول مرة من أسابيع.
وقال:
“أنا خلاص بطلت أسأل نفسي: ليان مريضة ليه؟”
سألته:
“طيب بتسأل نفسك إيه؟”
رد:
“بسأل نفسي… أقدر أرجع أثق فيها ولا لأ؟”
وفي مساء نفس اليوم…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت ليان واقفة لوحدها.
وشها كان مرهق، لكنها كانت ثابتة.
قالت:
“أنا جاية خمس دقايق بس.”
دخلت، وقعدت قدام ياسين.
طلعت ظرف أبيض من شنطتها، وحطته على الترابيزة.
وقالت:
“دي كل تقاريري الطبية من أول يوم عرفت فيه بالمرض… وكل التحاليل… وكل حاجة خبيتها.”
وبعدين حطت مفتاح الشقة ودبلتها جنب الظرف.
وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
“المرة دي… مفيش أسرار.”
سكتت لحظة، ثم أكملت:
“ولو شايف إن النهاية هي الطلاق… هوقّع على أي ورقة من غير مشاكل. لكن كان لازم أسيبك قدام الحقيقة كاملة… حتى لو متأخرة.”
أنهت كلامها، وقامت تمشي.
لكن قبل ما توصل للباب…
سمعنا ياسين بيقول لأول مرة من يوم الأزمة:
“استني يا ليان…”
يتبع…
البارت التاسع
وقفت ليان مكانها…
لكنها ما لفتتش.
كانت خايفة إن أي أمل تسمعه يطلع مجرد لحظة شفقة.
قام ياسين من مكانه، ومشى ناحيتها بهدوء.
وقال:
“لفي.”
لفت ببطء…
كانت عينيها مليانة دموع.
بصلها ياسين وقال:
“أنا قريت كل التقارير.”
هزت رأسها وقالت:
“عارفة.”
قال:
“وعرفت إنك من أول يوم كنتِ ملتزمة بالعلاج، وإن حالتك مستقرة.”
ردت بصوت واطي:
“أيوه.”
وسكت.
وبعدين قال:
“بس في سؤال واحد… نفسي أسمع إجابته منك، من غير خوف، ومن غير حد يلقنك.”
ليان قالت:
“اسأل.”
قال:
“لو رجع بينا الزمن لورا… هتخبي عليا تاني؟”
أغمضت عينيها للحظة…
ولما فتحتهم، كانت الدموع بتنزل في هدوء.
قالت:
“لا.”
سكتت، ثم أكملت:
“حتى لو كنت هخسرك… كنت هقولك. لأن الوجع اللي عيشته بعد الجواز أصعب ألف مرة من وجع الرفض.”
كان البيت كله ساكت.
أنا وفؤاد واقفين بعيد، محدش فينا اتدخل.
دي كانت لحظتهم.
ياسين قرب خطوة.
وقال:
“أنا مش زعلان إن ربنا ابتلاكي بمرض.”
ثم أشار إلى قلبه وقال:
“أنا زعلان إن الثقة هنا… اتكسرت.”
ليان مسحت دموعها وقالت:
“عارفة… وعارفة إنك يمكن عمرك ما تسامحني.”
هز رأسه بالنفي.
وقال:
“التسامح حاجة… والرجوع زي الأول حاجة تانية.”
سكت لحظة، ثم مد إيده وأخذ الدبلة من فوق الترابيزة.
بص لها طويلًا…
وقال:
“أنا مش هرجعك البيت النهارده.”
نزلت دموع ليان من جديد.
لكن قبل ما تتكلم، كمل:
“لأننا محتاجين نبدأ من أول وجديد… من غير كذب… ومن غير خوف… ولو رجعنا، يبقى بإرادتنا إحنا الاتنين.”
لأول مرة من يوم الفرح…
ابتسمت ليان.
ابتسامة صغيرة…
لكنها كانت مليانة أمل.
بصيت لفؤاد، لقيته بيبتسم هو كمان.
وقتها حسيت إن ربنا أحيانًا بيؤخر الحل…
علشان الناس تتعلم إن الحقيقة، مهما كانت صعبة، أهون بكتير من أجمل كذبة.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *