كذبة الخطوبه1 بقلم ندى الجمل

“تالت يوم بعد فرح ابني، كنت مستنياه يكلمني ويقولي إنه أسعد واحد في الدنيا… لكن بدل الضحكة، سمعت صوته بيترعش وهو بيقول: (يا أمي… تعالي بسرعة، أنا اكتشفت حاجة هتغير حياتي كلها). لما وصلت، لقيته قاعد قدام شنطة أدوية مفتوحة، وبيبصلي بصدمة ويقول: (ليان كانت مريضة قبل ما نتجوز… وأهلها أخفوا الحقيقة كلها). في اللحظة دي حسيت إن بيت اتبنى على سر كبير، ومكنتش أعرف هل اللي مستنينا بعد كده هيكون إنقاذ للجواز… ولا بداية نهايته.”
البارت الأول
أنا إلهام، أم ياسين.
ربنا رزقني بابن واحد، وكان كل حياتي. ربيته أنا وأبوه فؤاد على الأصول، وكبر قدام عينينا راجل محترم، عمره ما عرف طريق البنات، ولا شغل باله غير بشغله ومستقبله.
كل ما كنت أفتح معاه سيرة الجواز، كان يضحك ويقول:
“لما ألاقي بنت الحلال يا أمي.”
ولما جه اليوم اللي قالي فيه إنه شاف بنت وعاوز يتقدملها، فرحتي كانت متتوصفش.
اسمها ليان…
بنت جميلة، هادية، متعلمة، وكلامها موزون. أول مرة شفتها، قولت في نفسي: “الحمد لله… ربنا عوض ابني.”
روحنا بيتهم أكتر من مرة، وقعدنا مع والدها رائد ووالدتها سلوى، واتكلمنا في كل حاجة تقريبًا.
النسب… الشغل… المؤخر… قايمة العفش… حتى الأمراض الوراثية سألنا عنها بشكل صريح.
وكان الرد بكل ثقة:
“الحمد لله… كلنا بخير.”
اطمنت… وياسين اطمن… وكملت الخطوبة في هدوء.
بعد كام شهر، اتجوزوا، والفرح كان من أحسن اللي حضرناه.
وأنا راجعة من الفرح، كنت بدعي من قلبي:
“يارب… اكتب لهم السعادة.”
لكن مكنتش أعرف إن بعد يومين بس… دعواتي هتدخل في أصعب اختبار.
يتبع…
البارت الثاني
تاني يوم بعد الفرح، كلمت ياسين أطمن عليه.
لقيته بيضحك، وقاللي:
“متقلقيش يا أمي… إحنا بخير.”
قفلت المكالمة وأنا قلبي مرتاح.
لكن في صباح اليوم التالت، الموبايل رن.
بصيت في الشاشة… ياسين.
رديت بسرعة، أول ما سمعت صوته قلبي اتقبض.
قال بصوت مكسور:
“يا أمي… ممكن تيجي دلوقتي؟”
قلت بخضة:
“خير يا حبيبي… إيه اللي حصل؟”
سكت شوية، وبعدها قال:
“تعالي بس… مش هعرف أقولك في التليفون.”
لبست بسرعة، وأنا طول الطريق بدعي إن يكون أي حاجة إلا إن يكون حصل بينهم مشكلة كبيرة.
لما وصلت، فتحلي الباب.
وشه كان شاحب، وعينيه حمرا كأنه ما نامش طول الليل.
دخلت الشقة، لقيته قاعد على الكنبة، وقدامه شنطة صغيرة سودة مفتوحة.
قال وهو بيزقها ناحيتي:
“بصي.”
بصيت لقيت علب أدوية كتير… وروشتات… وتحاليل.
استغربت وسألته:
“شنطة مين دي؟”
رد وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
“شنطة ليان.”
حسيت باستغراب أكتر.
قلت:
“وإيه يعني؟ يمكن فيتامينات ولا علاج بسيط.”
هز راسه بالنفي.
وقال:
“أنا افتكرتها كده برضه… لكن لما لقيت أسماء الأدوية غريبة، فتحت الروشتة.”
بلع ريقه بصعوبة، وكمل:
“لقيت مكتوب فيها تشخيص… الذئبة الحمراء.”
اتجمدت مكاني.
قلت بعدم تصديق:
“يمكن التشخيص قديم.”
قال:
“سألتها.”
وسكت.
قلت بلهفة:
“قالتلك إيه؟”
رفع عينه وبصلي، وقال:
“اعترفت إنها عندها المرض من خمس سنين… وإنها كانت بتاخد العلاج طول فترة الخطوبة… وأهلها كلهم كانوا عارفين.”
حسيت إن الكلام نزل على صدري زي الحجر.
لكن قبل ما أتكلم، خرجت ليان من الأوضة.
وشها كان باين عليه إنها بكت كتير.
بصت لياسين وقالت بصوت مهزوز:
“أنا مكنتش عايزة أخدعك… والله كنت ناوية أقولك.”
رد عليها ياسين وهو لأول مرة يرفع صوته:
“إمتى؟ بعد الجواز؟ بعد ما بقيت مسؤول عنك؟ ولا بعد ما نخلف؟”
ليان انهارت في العياط، وقالت:
“بابا وماما قالولي لو عرف هيبعد… وقالولي المرض تحت السيطرة ومش هيأثر على حياتنا.”
ساعتها حسيت إن البيت كله اتقلب.
كان قدامي بنت مريضة وخايفة، وقدامي ابني حاسس إن أهم قرار في حياته اتبنى من غير ما يعرف الحقيقة.
ولأول مرة، معرفتش أقول مين المظلوم… ومين الغلطان.
وفي اللحظة دي… جرس الباب رن.
ياسين بص من العين السحرية، واتغيرت ملامحه.
وقال بهدوء مخيف:
“أهل ليان.”
البارت الثالث
أول ما ياسين قال: “أهل ليان.”
بصيت عليه وقلت بهدوء:
“افتح الباب… الهروب مش هيحل حاجة.”
فتح الباب، ودخل رائد وسلوى.
من أول ما شافوا وشوشنا، عرفوا إن السر اتكشف.
سلوى جريت على بنتها، حضنتها وهي بتبكي، أما رائد فوقف مكانه، مكسوف حتى يرفع عينه في حد.
ياسين اتكلم قبل أي حد.
قال بصوت كله وجع:
“أنا مش هسألكم ليه بنتكم مريضة… المرض بإيد ربنا.”
وسكت لحظة، وبعدين كمل:
“أنا هسألكم ليه خبيتوا؟”
فضل رائد ساكت شوية، وبعدها قال:
“كنا خايفين.”
ياسين رد بسرعة:
“خايفين من إيه؟”
قال:
“خايفين كل ما حد يعرف إنها عندها الذئبة الحمراء، يرفض الجواز… زي اللي حصل قبل كده.”
بصيت له باستغراب.
قلت:
“يعني كان في عريس قبله؟”
تنهد رائد وقال:
“أيوه… اتقدم لها شاب، ولما عرف بمرضها انسحب هو وأهله، ومن يومها ليان دخلت في حالة نفسية صعبة جدًا.”
سلوى مسحت دموعها وقالت:
“الدكاترة قالولنا إنها تقدر تعيش حياة طبيعية طالما ملتزمة بالعلاج… وإن المرض مش معناه إنها متتجوزش.”
ياسين رد وهو بيضغط على أسنانه:
“ولو ده صحيح… ليه مخبيتوش حاجة أصلاً؟”
محدش رد.
الصمت كان أبلغ من أي كلام.
ليان قربت من ياسين بخطوات بطيئة، وقالت وهي بتبكي:
“أنا كنت كل يوم أقول هقولك… لكن كنت بخاف أخسرك.”
ياسين بص لها للحظات، وقال:
“أنا يمكن كنت هقبل… ويمكن كنت هرفض… لكن ده حقي أنا اللي أقرر، مش حقي يتاخد مني.”
الكلمة دي خلت حتى رائد ينزل دماغه في الأرض.
أنا وقتها حسيت إن المشكلة مبقتش المرض…
المشكلة إن الثقة اتكسرت.
وفجأة…
رن تليفون ليان.
بصت في الشاشة، واتغير لون وشها.
وقبل ما ترد، وقعت من إيدها علبة الدوا على الأرض…
وأول ما حاولت تنحني تجيبها، جسمها كله بدأ يترعش، ووقعت قدامنا.
صرخت سلوى:
“ليان!”
وجري ياسين عليها وهو ناسي كل غضبه…
وفي ثواني، كنا بننزل بيها على المستشفى، وكل واحد فينا قلبه بيدق بطريقة مختلفة…
البارت الرابع
طول الطريق إلى المستشفى، ياسين كان سايق العربية بإيد بتترعش.
كل شوية يبص على ليان في الكرسي الخلفي، وهي مغمضة عينيها، وسلوى ماسكة إيدها وبتقرأ قرآن، وأنا قاعدة جنب فؤاد، ومحدش فينا نطق بكلمة.
أول ما وصلنا، دخلوا ليان الطوارئ.
عدت عشر دقايق… وبعدين نص ساعة…
وياسين واقف قدام باب الكشف، رايح جاي، وعينيه متعلقة بأي دكتور يخرج.
بعد شوية، خرجت د. رانيا.
بصت علينا وقالت:
“مين زوج المريضة؟”
ياسين قرب منها بسرعة.
قالت بهدوء:
“اطمن… هي مستقرة دلوقتي.”
كلنا تنفسنا الصعداء.
لكن الدكتورة كملت:
“اللي حصل نوبة إرهاق، وممكن التوتر النفسي الشديد يكون سبب أساسي فيها.”
رائد قال بسرعة:
“يعني المرض زاد؟”
هزت الدكتورة رأسها وقالت:
“الذئبة الحمراء مرض مناعي، ساعات بيكون هادئ وساعات ينشط، لكن مع العلاج والمتابعة كتير من المرضى بيعيشوا حياة طبيعية. المشكلة دلوقتي مش في المرض… المشكلة في الضغط النفسي اللي حصل لها.”
بصيت على ياسين.
كان واقف ساكت… ملامحه كلها حيرة.
الدكتورة سألته:
“حضرتك كنت عارف بحالتها قبل الجواز؟”
قبل ما يرد، نزل بعينه للأرض وقال:
“لا… عرفت من تلات ساعات.”
الدكتورة سكتت لحظة، وكأنها فهمت كل اللي حصل.
قالت بهدوء:
“أنا مش هتدخل في الخلاف بينكم… لكن أي علاقة بتتبني على الثقة، ولما الثقة تتكسر، العلاج بيكون أصعب من علاج أي مرض.”
الكلمات نزلت على الكل كأنها صفعة.
بعد ساعة، سمحوا لياسين يدخل يشوف ليان.
دخل الأوضة، وأنا فضلت واقفة برة.
من خلال الباب المفتوح، شفته واقف جنب السرير، وهي أول ما فتحت عينيها، بصتله بخوف.
قالت بصوت ضعيف:
“أنا آسفة…”
فضل ساكت.
وبعد ثوانٍ، سألها سؤالًا واحدًا:
“لو كنت أنا اللي مخبي عليك حاجة زي دي… كنتِ هتسامحيني؟”
ليان مقدرتش ترد…
اكتفت إنها غطت وشها بإيديها، وانفجرت في البكاء.
وساعتها عرفت…
إن أصعب جرح في حياتهم، ماكانش المرض…
كان الحقيقة اللي اتقالت بعد فوات الأوان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *