حق ووفاء بقلم ندى الجمل 1
كنت فاكرة إن أصعب يوم في حياتي هو يوم وفاة أبويا… لكن بعد جوازي بعشرين يوم، اكتشفت إن الأصعب لسه مستنيني.
بعد ما آخر واحد من المعازيم خرج من شقتنا يوم الصباحية، وقفت أبص حواليا وأنا فرحانة. أخيرًا بقيت في بيتي، ومع الراجل اللي اخترته، وكنت متخيلة إن حياتي هتبدأ بداية هادية وجميلة.
أحمد كان واقف مع أصحابه بيوّدعهم، وأنا دخلت المطبخ أرتب أكواب العصير اللي فضلت بعد الضيوف.
فجأة لقيت حماتي، الحاجة فاطمة، دخلت ورايا.
ابتسمت لها وقلت: “اتفضلي يا طنط، تشربي حاجة؟”
بصتلي شوية، وبعدين قالت أول جملة غيرت حياتي:
“هاتي ورثك من عند أخوكي… سايباه ليه؟”
افتكرتها بتهزر.
ضحكت وقلت: “ورث إيه يا طنط؟”
قالت بجدية: “أبوك الله يرحمه ساب بيت وأرض، وإنتِ ليكي حق فيهم. متسيبيش حقك عند أخوكي.”
قبل ما أرد، دخل أحمد، فسكتت وغيرت الموضوع كأنها مقالتش حاجة.
قولت لنفسي: يمكن كلمة وخلاص.
لكن تاني يوم، وأنا بحضر الفطار، لقيتها بتقول:
“كلمتي أخوكي؟”
استغربت.
“أكلمه في إيه؟”
قالت وهي بتحط كباية الشاي قدامها:
“في الورث طبعًا.”
ابتسمت بأدب وقلت: “لسه يا طنط.”
هزت راسها وقالت:
“الحقوق مبتستناش.”
عدى يوم… واتنين… وتلاتة…
ومفيش يوم عدى من غير ما تفتح نفس السيرة.
وأنا كل مرة كنت أتهرب من الرد.
مش لأني خايفة من أخويا…
لكن لأني كل ما أسمع كلمة “الورث”، أشوف قدام عيني صورة كريم وهو راجع من الشغل هدومه كلها تراب، ووشه باين عليه التعب، ومع ذلك أول ما يشوفني يبتسم ويقول:
“ذاكرتي ولا لسه يا سوسو؟”
أبويا توفى وأنا في أولى إعدادي.
وساعتها كريم كان لسه شاب صغير.
كان قدامه يعيش حياته، ويفكر في نفسه، لكن بدل ده كله، قرر يبقى أب قبل ما يكون أخ.
اشتغل شغلانة الصبح، وشغلانة بالليل.
علشان أكمل تعليمي.
ولما دخلت الجامعة، باع موبايله من غير ما أعرف، علشان يدفعلي المصاريف.
ولما اتخرجت، كانت فرحته أكبر من فرحتي.
ولما اتخطبت لأحمد، رفض يخليني أجيب جنيه من أي حد.
كان يقول لأمي:
“سلمى هتخرج من بيتي مرفوعة الراس.”
جابلي أوضة النوم.
والصالون.
والأجهزة.
وكل ما أقوله:
“حرام عليك يا كريم.”
كان يضحك ويقول:
“إنتِ بنتي قبل ما تكوني أختي.”
علشان كده…
كل مرة حماتي تطلب مني أروح أطالبه بالورث، كنت بحس إن حد بيطلب مني أكسر قلب الراجل اللي ضحى بعمره عشاني.
وفي الليلة العشرين من جوازنا…
وأنا قاعدة مع أحمد في البلكونة، لقيته فجأة بيقولي:
“سلمى… هو إنتِ فعلًا ليكي ورث عند أخوكي؟”
بصيتله باستغراب.
وقبل ما أرد…
حسيت إن السؤال ده هيكون بداية أكبر مشكلة هتقابلني في حياتي.
البارت الثاني
بصيت لأحمد باستغراب، وقلت:
“آه… ليا حق شرعي زي أي بنت، لكن إيه اللي خلاك تسأل دلوقتي؟”
اتردد شوية، وبعدين قال:
“أمي كانت بتتكلم معايا.”
ابتسمت ابتسامة باهتة.
كنت عارفة.
قلت:
“وقالتلك إيه؟”
قال:
“بتقول إن أخوكي المفروض يديكي حقك، وإن مفيش داعي تسيبيه عنده.”
اتنهدت وأنا ببص للسما.
وقلت:
“أحمد… هو إنت تعرف كريم أصلًا؟”
قال:
“لا… اتعاملت معاه يوم الخطوبة ويوم كتب الكتاب والجواز.”
قلت:
“يبقى متعرفوش.”
بصلي باستغراب.
كملت كلامي وأنا حاسة بغصة في قلبي.
“أنا كان عندي تلاتتاشر سنة لما أبويا مات. من يومها، كريم مبقاش أخويا… بقى أبويا.”
فضل أحمد ساكت يسمعني.
قلت:
“أول سنة في الثانوية، المدرسة طلبت مصاريف زيادة، وأنا قولتله خلاص يا كريم، هسيب المدرسة وأقعد مع ماما.”
ابتسمت وأنا فاكرة اليوم ده.
“زعقلي وقال: طول ما أنا عايش، محدش هيحرمك من تعليمك.”
“تاني يوم عرفت إنه باع الموتوسيكل اللي كان بيروح بيه شغله.”
أحمد رفع عينه وبصلي.
واضح إنه أول مرة يسمع الكلام ده.
كملت:
“لما دخلت الجامعة، كنت كل شوية أقوله كفاية مصاريف عليا، كان يضحك ويقول: اصرفي وإنتِ مغمضة.”
“ولما اتخطبنا، كنت عايزة جهاز على قدنا.”
“تعرف عمل إيه؟”
هز رأسه بالنفي.
قلت:
“قال لي: إنتِ هتتجوزي مرة واحدة، وعايزك تدخلي بيت جوزك وأنتِ رافعة راسك.”
سكت شوية، وبعدين قلت:
“أحمد… والله لو كريم كان ناوي ياكل حقي، كان أولى ياكل فلوسه اللي صرفها عليا طول السنين.”
فضل أحمد ساكت.
حسيت إنه بدأ يفكر.
لكن للأسف…
في نفس اللحظة، دخلت الحاجة فاطمة علينا وهي شايلة صينية الشاي.
ابتسمت وقالت:
“بتتكلموا في إيه؟”
أحمد رد تلقائيًا:
“في موضوع الورث.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقعدت.
وقالت:
“كويس… يبقى خليها تكلم أخوها بكرة.”
قلت بهدوء:
“يا طنط، خلينا نقفل الموضوع ده.”
ردت بسرعة:
“نقفله ليه؟ ده حقك.”
قلت:
“أنا عارفة حقي.”
قالت وهي بتبص لأحمد:
“شفت؟ أهي مش راضية.”
أحمد قال بهدوء:
“سيبيها براحتها يا أمي.”
أول مرة من يوم الجواز يحاول يقفل الموضوع.
لكن الحاجة فاطمة مردتش.
قالت:
“أنا بس مستغربة… هي ليه خايفة تكلم أخوها؟”
بصيتلها وقلت:
“أنا مش خايفة منه.”
قالت:
“أمال ليه؟”
قلت:
“لأني بثق فيه.”
ابتسمت بسخرية وقالت:
“الثقة حلوة… بس الفلوس بتغير النفوس.”
الجملة دي ضايقتني جدًا.
لأنها كانت بتتكلم عن كريم.
الإنسان الوحيد اللي عمري ما شفت منه غير الخير.
قمت من مكاني، وقلت بأدب:
“بعد إذنكم… هقوم أنام.”
دخلت أوضتي.
لكن النوم كان آخر حاجة ممكن أفكر فيها.
فضلت أبص في السقف، وأفتكر كل موقف حلو بيني وبين أخويا.
وفجأة…
رن موبايلي.
بصيت في الشاشة…
كان كريم.
أول ما رديت، قال وهو بيضحك:
“إيه يا سوسو… بقالك عشرين يوم ناسية أخوكي؟”
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت:
“أنسى الدنيا كلها… وأنساك إنت؟”
لكن كريم سكت ثواني…
وبعدين قال بصوت قلق:
“مالك يا سلمى؟… أنا حاسس إنك مخبية عليا حاجة.”.
البارت الثالث
أول ما كريم قال: “أنا حاسس إنك مخبية عليا حاجة.”
حاولت أضحك وأغير الكلام.
قلت: “أبدًا يا كريم… بس وحشتوني.”
قال وهو ساكت شوية: “سلمى… إنتِ أختي، وربيتك على إيدي. بعرف من نفسك إن في حاجة مضايقاكي.”
لقيت دموعي نزلت من غير ما أحس.
لكن مسحتها بسرعة قبل ما يسمع صوت بكايا.
قلت: “مفيش يا حبيبي… شوية ضغط عادي.”
قال بحزم: “بكرة بعد الضهر تعالي شوفي أمك، بقالها كام يوم نفسها تشوفك.”
وافقت وقفلت معاه.
لكن طول الليل معرفتش أنام.
كل ما أغمض عيني، أسمع صوت الحاجة فاطمة وهي بتقول:
“هاتي ورثك من عند أخوكي.”
تاني يوم، استأذنت من أحمد.
قلت: “هروح أسلم على ماما ساعتين وأرجع.”
رد بهدوء: “ماشي.”
أما حماتي، فبمجرد ما سمعتني، قالت:
“كويس… ابقي افتحي معاه موضوع الورث بالمرة.”
مردتش عليها.
لبست وخرجت.
وأول ما وصلت بيت أمي…
فتحتلي الباب وهي حضنّتني كأنها ماشافتنيش من سنين.
وقالت: “وحشتيني يا بنتي.”
حضنتها وأنا بحاول أمسك دموعي.
دخلت لقيت كريم لسه راجع من الشغل.
أول ما شافني، وشه نور.
وقال: “أهلًا بالعروسة.”
ضحكت لأول مرة من كام يوم.
وقعدنا كلنا نشرب الشاي.
كريم كان بيحكي مواقف من الشغل، وأنا وأمي بنضحك.
لكن فجأة…
وقف كلامه.
وبصلي.
وقال: “دلوقتي احكي.”
استغربت.
قلت: “أحكي إيه؟”
ابتسم وقال: “اللي مخبياه.”
قلت بسرعة: “مفيش.”
قال: “بصي في عيني وقولي مفيش.”
مقدرتش.
وطيت راسي.
أمي بصتلي بخوف.
وقالت: “في إيه يا سلمى؟”
ساعتها حسيت إني لو فضلت ساكتة هتعب أكتر.
فحكيت.
من أول يوم بعد الصباحية…
لحد آخر كلمة اتقالتلي قبل ما أنزل من البيت.
فضل كريم ساكت طول ما أنا بتكلم.
ولا قاطعني مرة.
ولما خلصت…
شرب رشفة مية.
وقال بمنتهى الهدوء:
“هو ده كل الموضوع؟”
بصيتله باستغراب.
قلت: “يعني إيه كل الموضوع؟”
قام من مكانه.
ودخل أوضته.
رجع بعد دقيقتين وهو شايل ملف بني قديم.
قعد قدامي.
وحطه على الترابيزة.
وقال: “افتحيه.”
فتحته.
لقيت إعلام الوراثة.
وأوراق البيت.
وعقود الأرض.
وإيصالات ديون.
وأوراق كتير مفهمتش منها حاجة.
قلت: “إيه ده؟”
قال بهدوء:
“دي كل حاجة أبويا سابه… وكل حاجة اتعملت بعد وفاته.”
وبعدين بصلي وقال:
“يا سلمى… لو إنتِ عايزة حقك، هتاخديه كامل. ده حق ربنا، ومحدش يقدر يمنعه عنك.”
قلت بسرعة:
“أنا مش جاية أطلب ورث يا كريم.”
ابتسم.
وقال:
“وأنا عارف… لكن لازم تبقي مطمنة إن حقك محفوظ.”
ثم مد إيده داخل الملف…
وطلع ورقة مطوية بعناية.
وقال وهو بيحطها قدامي:
“بس قبل أي قرار… اقري الورقة دي الأول… دي آخر حاجة أبويا كتبها قبل ما يموت.”
البارت الرابع
إيدي كانت بتترعش وأنا بفرد الورقة.
كانت مكتوبة بخط أبويا…
الخط اللي كنت كل ما أشوفه أفتكره وأعيط.
بدأت أقرأ بصوت واطي:
“ابني كريم… لو ربنا كتبلي أمشي قبلكم، أوصيك بأمك وأختك. خليك سندهم، ومتخليش سلمى تحتاج لحد غير ربنا ثم أنت.”
وقفت أقرأ، لأن دموعي نزلت غصب عني.
قال كريم بهدوء:
“كملي.”
مسحت عيني، وكملت.
“عارف إن الحمل هيكون كبير عليك، لكن أنا مطمن إنك قدها. ولو ربنا وسع عليك، علم أختك وجوزها جوازة تفرح قلبها، ومتمنش عليها بحاجة.”
حضنت الورقة وأنا بعيط.
بصيت لكريم وقلت:
“إنت نفذت كل كلمة كتبها أبويا.”
ابتسم وقال:
“أنا عملت اللي قدرت عليه… وربنا هو اللي أعانني.”
أمي كانت بتبكي في صمت.
وقالت:
“أبوك كان دايمًا يقول إن كريم راجل من وهو صغير.”
فضلنا ساكتين شوية.
بعدها كريم قفل الملف، وقال:
“دلوقتي نرجع لموضوع الورث.”
قلت بسرعة:
“يا كريم، والله ما عايزة حاجة.”
قال:
“أنا عارف… لكن اسمعيني للآخر.”
فتح الملف تاني، وطلع ورقة فيها تقييم التركة.
وقال:
“دي قيمة البيت والأرض بعد ما اتخصم منها الديون اللي كانت على أبويا.”
بصيت في الرقم.
كان أقل بكتير من اللي الناس كانت متخيلاه.
قال:
“الناس فاكرة إن أبويا ساب ثروة… والحقيقة إنه ساب بيت قديم، وحتة أرض، وعليه ديون.”
وسكت لحظة.
وبعدين قال:
“ولو إنتِ طلبتي حقك النهارده، هتاخديه كامل، من غير ما أقولك كلمة.”
قلت وأنا ببكي:
“أنا مش هطلب منك حاجة.”
ابتسم وقال:
“وأنا مش همنعك لو طلبتي.”
أمي قالت وهي بتبصلي:
“الحق حق يا بنتي… لكن القرار قرارك.”
قمت من مكاني، ومسكت إيد كريم.
وقلت:
“أنا عمري ما هقف قدامك أقولك هات ورثي.”
رد بهدوء:
“وأنا عمري ما هسمح لحد يقول إن كريم أكل حق أخته.”
بعدها غير الموضوع، وقعد يحكي معايا ويضحكني كأنه حاسس إني محتاجة أخرج من اللي أنا فيه.
ولما الساعة قربت على المغرب، قمت أروح.
أمي حضنتني وقالت:
“خلي بالك من نفسك.”
أما كريم، فخرج يوصلني لحد باب العمارة.
وقبل ما أركب العربية، قال:
“سلمى…”
بصيتله.
قال:
“مهما حصل، أوعي تخلي حد يوقع بينا.”
هزيت راسي وأنا بعيط.
ورجعت بيتي.
أول ما دخلت الشقة، لقيت الحاجة فاطمة قاعدة مستنياني.
أول ما شافتني، قامت بسرعة وقالت:
“ها… عملتي إيه؟”
قلعت الإسدال، وبصيتلها بهدوء.
وقلت:
“اطمنت على أمي… وقعدت مع أخويا.”
قالت بنفاد صبر:
“وسألتيه على الورث؟”
بصيتلها في عينيها، وقلت:
“لأ.”
اتغير وشها.
وقالت بعصبية:
“يعني رحتي ورجعتي من غير ما تفتحي الموضوع؟!”
وفي اللحظة دي…
دخل أحمد من باب الشقة، ووقف يسمع آخر كلمة قالتها أمه.