غلطة عمرى بقلم نورهان العشرى 3
دخل بابا الأوضة عليا كان باين عليه إنه كبر عشر سنين في اللحظة دي. كنت قاعدة على طرف السرير، عينيها منفوخة ومحجرة من كتر العياط، وشي باهت زي الورقة البيضا. أول ما شفت أبويا داخل، وقفت بلهفة وجريت عليه:
“بابا! قولي إنه وافق؟ فهد قال إيه؟ هيسامحني ويرجعني عشان خاطر البنات صح؟”
أبويا مبصش في عينيها، دارى وشه وهو بيمسح دمعة خاينة نزلت من عينه وقال بصوت مكسور:
“ادعي لنفسك بالصبر يا بنتي.. فهد مصمم على الطلاق، وبيقول هيطلقك بالمعروف ويديكِ كل حقوقك.”
الكلمة نزلت عليا زي السكين اللي بتدبح، رجلي مبقتش شيلاني وقعت على ركبي وانا بصرخ بهيستريا: حكايات نورهان العشري
“لأأأأ! فهد لا! مش هيطلقني.. هو بيحبني، أنا عارفة إنه بيحبني! يا بابا ارجعله، قوله يضربني، يعاقبني، يعمل فيا اللي هو عايزه بس ميبعدنيش عنه! أنا هموت من غيره والله العظيم هموت!”
أمي وأختي جريوا عليها يحضنوني ويهدوني، بس مفيش فايدة، البيت كله كان مقلوب بصريخي اللي يقطع القلب، ندم العالم كله كان متجمع في صدري في اللحظة دي.
وجاء اليوم المشئوم.. اليوم اللي كانت نهى بتتمناه ميكتبش في عمرها.
المكتب عند المأذون كان ضيق وخانق، ريحة الأوراق القديمة وحبر القلم كانت بتزود الخنقة في صدرها. فهد كان قاعد على الكرسي، لابس قميصه الأسود، وشه كان عبارة عن قناع من الجمود التام، ملامحه خالية من أي تعبير، كأنه راجل من رخام. بس لو حد ركز في كفوفه اللي فوق ركبته، هيشوف صوابعه وهي بتضغط بعنف، كأنه بيجبر قلبه إنه ميتكلمش.
نهى كانت قاعدة قصاده، جسمها كله بيترعش، دموعها نازلة صامتة ومن غير صوت، بس كانت مغرقة وشها ورقبتها. كانت بتبص له بنظرات استعطاف، نظرات بتقول: *”بص في عيني.. افتكر سبع سنين حب.. افتكر بناتي.. افتكر إنك كنت أماني”
المأذون بدأ يكتب في الدفتر، وصوت حشرجة القلم كانت بتنزل على قلب نهى زي الضربات. فهد كان باصص للورق ومتابع الإجراءات ببرود مصطنع، كان بيحاول بكل قوته يرسم الجمود على ملامحه، بس فكه كان مشدود وعروق رقبته بارزة، المعركة اللي جواه كانت أشرس بكتير من سكوته.
المأذون خلص كتابة، وبص لفهد وقال:
“اتفضل يا أستاذ فهد.. قولها أنتِ طالق .
في اللحظة دي، نهى حست إن روحها بتتسحب بجد. رفعت عينيها المليانة رجاء وشهقت بصوت مسموع ومكتوم:
* “فهد.. عشان خاطري…” حكايات نورهان العشري
فهد فتح بقه عشان ينطق الكلمة، بصلها، وشاف كسرتها ودموعها ونظرتها اللي دمرت كل حصونه.. الجمود اللي كان على وشه اتهز للحظة، وعينيه لمعت بوجع رهيب.
نهى مقدرتش تتحمل اللحظة دي، الدنيا اسودت تماماً في عينيها، الهوا اتقطع عن صدرها، وجسمها كله ارتمى ووقع من على الكرسي على الأرض وهي فاقدة الوعي تماماً، قبل ما الكلمة تطلع من بق فهد.
في اللحظة اللي جسم نهى ارتمى فيها على الأرض، قناع الجمود اللي كان فهد راسمه على وشه اتمزق مية حتة. صرخ صرخة رجت جدران الأوضة: “نهى!”
في ثانية كان نازل على الأرض، شال راسها بين إيديه وهو بينفض من الرعب، ملامحه الصخرية اتقيدت بنار الخوف عليها، نسى كبريائه، ونسى وجعه، وبقى يمسح على وشها الباهت وهو بيزعق في المأذون وفي أبوها بصوت مرعوب:
* “فوقي يا نهى! عشان خاطري فتحي عينك! حد يجيب مية بسرعة.. نهى ردي عليا!”
شالها بين إيديه زي الريشة، وجري بيها على عربيته بأقصى سرعة، وأبوها وراهم مش ملاحق خطواته الواسعة والمرعوبة. ساق العربية بأقصى سرعة لغاية ما وصل لأقرب مستشفى، ودخل بيها وهو بيزعق في الدكاترة يلحقوها.
بعد ربع ساعة من القلق والتوتر، وفهد رايح جاي قدام الأوضة بيموت في كل ثانية، خرج الدكتور وابتسامة خفيفة على وشه:
“اطمنوا يا جماعة، هي جالها هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب الضغط النفسي الشديد.. بس الحمد لله عملنا اللازم،. اه مبروك، المدام حامل في أول الأسبوع الرابع ولازم تبعد تماماً عن أي زعل عشان الحمل يثبت.
أبو نهى رفع إيديه للسما وبقى يحمد ربنا بدموع، أما فهد.. فجمد في مكانه. الكلمة هزت كيانه كله، حس إن ربنا بيبعتله رسالة، بيديه فرصة ثانية يحمي بيها بيته وعياله من غير ما يكسر كبريائه قدام نفسه. بص لعمه وقال بصوت حاول يخليه جامد بس نبرة اللهفة كانت فضحاه:
“أنا مش هطلق نهى يا عمي. نهى هترجع بيتها معايا. أنا مبقاش أن ولادي يتولدوا برة بيتي.”حكايات نورهان العشري
رجعت نهى البيت، دخلت أوضتها وهي مش مصدقة، كانت بتلمس الحيطان بحنان ونفسها تجري على حضن فهد تشكره. دخل وراها فهد، قفل الباب وبصلها بنظرة باردة وناشفة، عكس النار اللي كانت جواه وهو خايف عليها.
نهى قربت منه بدموع ولهفة:
* “فهد.. أنا مش مصدقة إننا رجعنا، والله العظيم ربنا يعلم…”
قاطعها بصوت حاد وقاسي كأنه بيهد كل آمالها:
* “اسمعيني كويس يا نهى.. متوهميش نفسك بكتير. إنتِ رجعتِ هنا لسبب واحد بس.. ولادك، واللي في بطنك. رجوعك عشان أنا مش هسمح لعيالي يتربوا بعيد عني، وعشان صحتك وصحة اللي جاي.”
بلعت ريقها بصدمة وقالت:
“يعني إيه يا فهد؟ مش هتمسامحني؟”
بص الناحية التانية عشان يداري لهفته وعينيه اللي كانت هتفضحه وقال بقسوة مصطنعة عشان يأدبها ويداري جرحه:
* “المعاملة اللي بيني وبينك انتهت، إنتِ هنا أم عيالي وبس.. وأنا، من حقي أشوف حياتي.
سكت شوية وقال
ـ وأنا قررت إني هتجوز.
حكايات نورهان العشري ❤️
الكلمة نزلت على نهى زي الصاعقة، حست إن قلبها وقف عن النبض، الصدمة شلت لسانها وعينيها اتسعت بذهول وقهر.. كانت هتموت من الوجع. فهد شاف المنظر ده، قلبه اتقطع عليها وكان نفسه يأخدها في حضنه ويقولها إنه بيقول كدة من غيظه وزعله، بس داس على قلبه، لف ضهره وخرج من الشقة بسرعة ورزع الباب وراه قبل ما يضعف قدام دموعها.
نهى رمت نفسها على السرير وهي بتشهق من كتر العياط، مش قادرة تستوعب إن فهد حبيبها وعمرها ممكن يلمس واحدة تانية غيرها.
وفجأة.. الباب الخارجي اتفتح، ودخلت خطوات تقيلة ومألوفة. مكنتش أختها ولا أمها، دي كانت حماتها، أول ما عرفت إن فهد خرج، انتهزت الفرصة وطلعتلها الشقة. دخلت الأوضة ووقفت فوق راس نهى، وحطت إيدها في وسطها وعلى وشها ابتسامة شماتة تقرف.
حماتها بصتلها من فوق لتحت وقالت بنبرة كلها غل وسخافية:
* “يا ألف نهار مبروك يا نهى.. رجعتِ؟ مفكرة نفسك ذكية بالحمل ده؟ فاكرة إنك كدة لويتي دراع ابني؟ لأ يا حبيبتي، فهد رجعك عشان حتة العيل اللي في بطنك وعشان كلام الناس، إنما أنتِ خلاص، بقيتي عنده في الأرض.”