فتح المحامي حط الشنطه الجلد على الترابيزه

فتحي المحامي حط الشنطة الجلد على التربيزة الكبيرة اللي في وسط الصالون، صوته وهو بيفتح القفل المعدني كان زي صوت تعمير طبنجة في وسط السكون. نادية كانت قاعدة على الكنبة، ضامة نسمة لصدرها لدرجة إن البنت الصغيرة طلعت صوت مزمجر وهي نايمة، كأنها حاسة بالزلزال اللي بيحصل جوه أمها. الحاجة راوية كانت واقفة عند الشباك الكبير، باصة على الجنينة والصبح بيشقشق، وفي إيدها سبحة عقيق أسود بتتحرك بين صوابعها بانتظام قاتل، الست دي لما بتسكت، بيكون ورا السكوت ده خراب بيوت مستعجل.

“اتفضلي يا ست نادية.. ده كشف الحساب التفصيلي من يوم ما الحساب ده اتفتح بطلب من الحاجة راوية” فتحي قالها وهو بيمد إيده بملف أسود كئيب، الورق اللي جوه مكانش ورق عادي، ده كان شريط سينما بيعرض كل يوم عاشت فيه نادية في ذل وقهر وهي فاكرة إنها عايشة مع راجل شيل الحمول.

نادية حطت البنت براحة جنزبيلي على الكنبة، وإيدها بتترعش وهي بتاخد الملف. عينيها جت على أول صفحة، وبدأت تقرأ. الأسماء.. التواريخ.. المبالغ.. المبالغ مكانتش بتتسحب كاش من مكنة الـ ATM زي ما أي حرامي غبي بيعمل، لأ، دي كانت بتتحول بانتظام وبأوامر دفع ثابتة لحسابات تانية.

أول اسم صدمها كان “شركة الهدى للتوريدات العمومية وتجارة الأدوية”.. الاسم ده نادية عارفاه كويس، ده اسم المخزن اللي كانت بتشتغل فيه ورديات بالليل في تفتيش كفر الشيخ! المخزن اللي كانت بتقف فيه على رجليها تمن ساعات لحد ما ضهرها يتقوس من التعب والوجع عشان تاخد ألفين جنيه في الشهر، طلع بتاع مصطفى! مصطفى مكانش شغال موظف غلبان هناك زي ما فهمها، مصطفى شاري المخزن ده بالكامل، وشاري الأرض اللي عليه، من فلوسها! يعني كان بيشغلها بفلوسها، ويذلها بفلوسها، ويسيبها تتذلل عشان ألفين جنيه من حر مالها!

لكن الصدمة الأكبر، الصدمة اللي خلت ريق نادية ينشف تماماً وأصابعها تتجمد على الورق، كانت الصفحة التانية. تحويلات شهرية ثابتة بقيمة 100 ألف جنيه تروح لحساب باسم “جيهان عبد الحميد السلاب”.

نادية همست بصوت حشرج في زورها: “مين.. مين جيهان دي يا فتحي؟”

فتحي بص للأرض لثانية، كأنه مشفق على الست اللي لسه قايمة من دمها، وبعدين بص للحاجة راوية اللي لفت ببطء وسابت السبحة من إيدها. الحاجة راوية قربت، حطت إيدها الخشنة المليانة عروق على كتف نادية وقالت بنبرة ناشفة: “قوليلها يا فتحي.. متخبيش حاجة. البت لازم تتوجع وجعة واحدة تفوقها العمر كله، بدل ما تعيش في وهم”.

فتحي اتنهد وقال: “مدام جيهان السلاب تبقى زوجة الأستاذ مصطفى التانية يا فندم. متجوزها من سنتين، يعني بعد جوازه منك بست شهور بالظبط. ومشتريلها شقة تمليك في كومباوند في التجمع الخامس، والتحويلات دي بتغطي أقساط الشقة ومصاريف الست، غير عربية زيرو جيبهالها من سنة، كله متسجل من الحساب بتاعك وبأمر تفويض رسمي عليه توقيعك البنكي”.

“توقيعي؟” نادية صرخت، الكلمة طلعت زي طلقة رصاص شرخت هدوء الفجر. “أنا مضيت على تفويض؟ أنا عمري ما دخلت البنك ده ولا أعرف مكانه فين!”

الحاجة راوية قعدت قصادها، عينيها الواسعة كانت بتلمع بذكاء السنين: “افتكر يا نادية.. افتكر الستة شهور الأولى من جوازك.. مصطفى مكانش بيخليكي تمضي على ورق؟ فواتير؟ طلبات قروض؟ تنازلات عشان شغل المخزن؟”

نادية حطت إيدها على راسها، وعقلها بدأ يرجع لورا.. السنتين اللي فاتوا مروا قدام عينيها زي كابوس سريع. افتكرت لما جاب لها ورق كتير وهي تعبانة وعندها دور برد شديد ومكنتش قادرة تفتح عينيها، وقالها: “يا حبيبتي دي أوراق تبع النقابة عشان نعملك تأمين صحي ونقلك على مستشفى نظيفة لما تخلفي، امضي هنا وهنا عشان مأخركيش”. وهي بقمة الغباء والثقة، مضت وهي مش شايفة الحروف. وافتكرت كمان لما أخد بطاقتها الشخصية وجددها، ولما طلب منها تروح معاه الشهر العقاري عشان يعمل “توكيل عام إدارة” قال إيه عشان يخلص لها حوار أرض ورث قديمة من ناحية أبوها مكانش ليها أي قيمة، وهو استغل التوكيل ده وفتح بيه الحساب المشترك أو نقل الصلاحيات كاملة لنفسه.

الدموع نزلت من عيني نادية، بس المرة دي مكانتش دموع انكسار، دي كانت دموع نار بتغلي جواها. “كان بياخد فلوس أكل بنته.. عشان يأكل بيها ست تانية؟ كان بيبخل عليا بلقمة نظيفة، وسايبني في شقة إيجار قديم في حتة زحمة، ورطوبة بتاكل في صدري، وهو بيبني قصور لغيري بفلوس جدي؟”

الحاجة راوية وقفت، وبصوت هز الصالون كله قالت: “الحق اللي وراه مطالب بيموتش يا نادية. ومصطفى والست والدته افتكروا إنك مقطوعة من شجرة عشان أبوكي الله يرحمه مات وأمك متجوزة في بلد تانية. نسوا إن ليكي جَدة تقدر تشتري عيلتهم دي كلها وتحطهم في جيبها الصغير. فتحي.. رتبت كل حاجة؟”

فتحي ابتسم ابتسامة ذئبية: “كله تمام يا حاجة. القضية مش هتبقى مجرد طلاق ونفقة. إحنا داخلين قضية تزوير، واستغلال توكيل، وتبديد أموال، وخيانة أمانة. ومن حظنا.. التفويض البنكي اللي معمول، مصطفى غلط غلطة عمره واستخدم فيه صورة بطاقة لنادية منتهية الصلاحية لما نقل الصلاحيات الكبيرة من سنة، والبنك مشى الموضوع بالحب والرشوة من تحت الترابيزة مع موظف هناك. يعني إحنا هنجيب رقبة مصطفى ورقبة الموظف والبنك نفسه”.

في اللحظة دي، تليفون نادية اللي كان محطوط على التربيزة بدأ يرن ويهتز بعنف. الاسم على الشاشة كان “مصطفى”.

نادية بصت للتليفون برعب، جسمها كله اتنفض. الحاجة راوية شاورتلها بصباعها: “ردي.. وافتحي السبيكر. اسمعي الحية عايزة تقول إيه، بس أقسم بالله لو صوتك اتهز أو بان فيه ضعف، لكون سحباني منك البنت دي ورمياكي بره بيتي. الضعيف ملوش مكان وسط الشبراوية”.

نادية بلعت ريقها، أخدت نفس طويل وعميق، حست كأن روح تانية دخلت جواها، روح الست اللي اتهانت واتظلمت ومبقاش عندها حاجة تخسرها. فتحت الخط وفتحت السبيكر.

صوت مصطفى جه من الناحية التانية، مكانش صوته الحنين ولا الهادي، كان صوته الحقيقي.. صوت الراجل الأناني، المذعور، اللي بيحاول يفرض سيطرته بالعافية: “أنتِ فين يا نادية؟ إيه قلة القيمة اللي عملتيها في المستشفى دي؟ سحبتي نفسك وخرجتي مع جدتك من ورايا كأني سوسو واقف ملوش لازمة؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ عشان جدتك معاها قرشين هتتنططي عليا؟ لمي نفسك واركبي أي ميكروباص وتجيلي على الشقة حالاً، أمي قاعدة مستنياكي عشان نخلص الحوار ده”.

نادية بصت للحاجة راوية، وشافت في عينيها نظرة تشجيع حادة. نادية ردت بصوت هادي، هدوء ما قبل العاصفة: “مش هأجي يا مصطفى. أنا في بيت جدتي”.

مصطفى صوته علي أكتر، وبان فيه نبرة التهديد: “بقولك إيه.. شغل العيال ده مش عليا. الحساب اللي جدتك بتتكلم عليه ده حساب مشترك وأنا ليا فيه زي ما ليكي، والفلوس اللي فيه دي فلوس بيتي وأنا حر أديرها إزاي. لو مجيتيش دلوقتي، وربنا وما أعبد، لا هتشوفي بنتك، ولا هتعرفي ليكي جوز، وهسيبك معلقة زي البيت الوقف. اخلصي وتعالي بدل ما أجي أجيبك من قفاكي من هناك”.

قبل ما نادية ترد، الحاجة راوية مدت إيدها وأخدت التليفون، وقالت بصوت واثق وهادي مرعب: “هتيجي تجيب مين من قفاها يا ابن إلهام؟ اسمعني كويس يا واد يا فاشل يا اللي كنت بتشحت اللقمة قبل ما نادية تتنازل وتنزل لمستواك وتتجوزك.. خطوة واحدة ناحية بوابة بيتي، وهخلي رجالة المحلة كلها تتفرج على قفاك وهو بيتغسل. فلوس حفيدتي اللي كلتها هترجع مليم مليم، والشقة اللي أنت قاعد فيها دي، والشركة والمخزن اللي فاكر نفسك بيهم راجل، كلهم هيتقفلوا بالشمع الأحمر قبل ما الشمس تغيب. اجهز يا مصطفى.. عشان الأيام اللي جاية هتشوف فيها أيام أسود من قرن الخروب”.

الحاجة راوية قفلت السكة في وش مصطفى من غير ما تديله فرصة ينطق حرف واحد، وبصت لفتحي: “اتحرك يا فتحي.. ابدأ بالموظف بتاع البنك”.

الـ 24 ساعة اللي بعد كدة كانوا عبارة عن حرب تكسير عظام في الخفاء.

مصطفى مكنش مستوعب حجم المصيبة اللي وقع فيها. هو كان فاكر إن نادية ست غلبانة وطيبة، وحتى لو جدتها عرفت، أخرهم هيطلبوا الفلوس أو يهددوا بالطلاق، ومكنش يعرف إن الحاجة راوية عندها علاقات واصلة لأعلى المراكز.

الساعة عشرة الصبح، مصطفى كان قاعد في مكتبه في مخزن الأدوية في تفتيش كفر الشيخ، بيشرب قهوة وعينيه حمرا من قلة النوم، وأمه إلهام قاعدة قصاده بتهز في رجلها بعصبية.

“أنا قولتلك من الأول يا مصطفى” إلهام قالت بغل، “البت دي من ريحة راوية الشبراوي، والست دي حية ومابتسبش حقها. كان لازم تسحب الفلوس كلها وتحطها في حساب بره البلد، أو تشتري الشغل كله باسمي أنا مش باسمك أنت!”

مصطفى زعق في أمه: “يا أمي جرى إيه؟ أنتِ اللي قولتلي اشتري المخزن واعمل الشركة باسمك عشان تكبر في السوق ويبقى ليك وضعك! وبعدين نادية هبلة ومبتفهمش حاجة، دي كانت بتبوس إيدي عشان أديرلها الحساب! أنا مش عارف العجوزة دي عرفت منين وجت في التوقيت ده بالذات إزاي!”

فجأة، الباب بتاع المكتب اتفتح بقوة، ودخل اتنين رجالة بلبس مدني، ووراهم قوة من الشرطة. مصطفى وقف ومخضوض: “في إيه يا فندم؟ خير؟ أنتوا مين؟”

الظابط بص في ورقة في إيده وقال ببرود: “أنت مصطفى كامل السيد؟”

“أيوا أنا يا فندم”.

“مطلوب القبض عليك بناءً على أمر من النيابة العامة.. بتهمة التزوير في أوراق رسمية، واستغلال توكيل منتهي، وتبديد أموال قاصر -لأن الحساب كان فيه شق يخص نادية من وهي صغيرة قبل السن القانوني ومحمي بشروط- وخيانة الأمانة. اتفضل معانا من غير شوشرة”.

إلهام صرخت وصوتت: “يا مصيبتي! ابني! تزوير إيه وفضايح إيه؟ ده مأخدش حاجة، دي فلوس مراته!”

الظابط زقها براحة وقال: “الكلام ده تقوله قدام وكيل النيابة يا ست.. هاتوه”.

في نفس اللحظة، في فرع البنك اللي مصطفى كان بيتعامل معاه، كانت قوة تانية من مباحث الأموال العامة بتدخل مكتب مدير الفرع، وبيتسحب الموظف المسؤول عن حساب نادية والكلبشات في إيده، بعد ما فتحي المحامي قدم مستندات وفيديوهات من كاميرات البنك بتثبت إن مصطفى كان بيدخل يمضي مكان نادية بعلم الموظف وتسهيل منه مقابل عمولة ثابتة.

في بيت الحاجة راوية، نادية كانت قاعدة في الأوضة الكبيرة، باصة من الشباك. كانت حاسة بوجع غريب.. وجع الخيانة أصعب بكتير من وجع الفقر. الوجع إنك تكتشفي إن الشخص اللي كنتِ بتنامي جنبه على سرير واحد، وبتأتمنيه على اسمك وشرفك وحياتك، كان بيبصلك كأنك فرخة بتبيض له ذهب، وبيمص دمك بالبطيء وهو بيضحك في وشك.

الباب خبط، ودخلت الحاجة راوية، وفي إيدها كوباية ميرمية دافية. حطتها قدام نادية وقعدت جنبها.

“لسه بتعيطي عليه يا نادية؟” الحاجة راوية سألتها وعينيها فيها عتاب حنين.

نادية مسحت دمعة نزلت غصب عنها وقالت: “مش بعيط عليه يا جدتي.. بعيط على نفسي. بعيط على الأيام اللي كنت بوفر فيها من قوتي وقوت بطني عشان أريح قلبه. بعيط على الورديات اللي وقفتها بالليل في عز البرد وأنا حامل في السابع والثامن، ورجلي بتنزف دم من التعب، وهو قاعد في التكييف مع مراته التانية بفلوسي أنا! أنا إزاي كنت بالغباء ده؟”

الحاجة راوية أخدت إيد نادية بين إيديها وضغطت عليها: “الست لما بتحب يا بنتي، بتغمي عينيها بإيدها. أنتِ مكانش عندك غباء، أنتِ كان عندك أصل ونظافة. وهو كان عنده خسة وندالة. والخسيس بيفكر إن الطيب مغفل.. لحد ما الطيب يثور. مصطفى دلوقتي في الحجز، والنيابة جددت حبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق، والمحامي بتاعه عمال يتصل بفتحي ويبوس إيده عشان نعمل تسوية ونقسط الفلوس مقابل التنازل”.

نادية عينها لمعت بشرار: “تسوية؟ تقسيط؟ لا يا جدتي.. لو مخدتش حقي كامل مكمل، وشفته ومظلوم ومكسور زي ما كسرني، مش هيرتاح لي بال”.

الحاجة راوية ابتسمت، والابتسامة دي كانت أول مرة تظهر على وشها من يوم المشكلة: “أيوا كدة.. دي ريحة الشبراوية بدأت تطلع عليكي. فتحي مش هيتنازل عن مليم، والمخزن والشركة اللي عملهم بفلوسك، إحنا رفعنا قضية فرض حراسة وتثبيت ملكية، وخلال أيام هيبقوا باسمك وباسم بنتك نسمة بالكامل. وال شقة اللي في التجمع اللي قاعد فيها الهانم التانية، البنك حجز عليها لأن القسط الأخير مدفعش والتحويلات وقفت، والست جيهان أول ما عرفت إن مصطفى اتقبض عليه وفلوسه اتجمدت، راحت رفعت عليه قضية طلاق للضرر عشان تخلع جلدها من الليلة!”

نادية ضحكت بمرارة: “سبحان الله.. كأن ربنا بيخلص حقي منها ومنه في نفس اللحظة”.

“لسه يا نادية.. لسه التقيل ورا” الحاجة راوية قالت بـ غموض وهي بتقوم، “الحكاية دي وراها سر أكبر من مجرد طمع مصطفى وفلوس المحولالك.. سر يخص أبوكي الله يرحمه، والسبب اللي خلاني أفتحلك الحساب ده بالذات من ورا عيلته كلها”.

مر أسبوع، ونادية بدأت تسترد صحتها وعافيتها. شالت الهدوم القديمة والمبهدلة ورمتها في الزبالة، والبيت امتلأ بـ أحدث لبس وأجود أنواع الأكل والشرب ليها ولـ بنتها. الحاجة راوية جابتلها أكبر دكاترة يتابعوا حالة البنت وحالتها بعد الولادة الصعبة اللي مرت بيها.

وفي يوم، فتحي المحامي اتصل بالحاجة راوية وقالها إن النيابة طلبت حضور نادية عشان تسمع أقوالها الأخيرة في مواجهة مصطفى وأمه إلهام، اللي تم استدعاؤها هي كمان بتهمة التستر والمشاركة في تبديد أموال متحصلة من جريمة.

نادية لبست عباية سودا شيك جداً، وحطت شال حرير على كتفها، ورفعت راسها لفوق. ركبت العربية مع جدتها وفتحي، واتجهوا لمقر النيابة في المحلة.

لما دخلت الأوضة بتاعة وكيل النيابة، شافت مصطفى قاعد على كرسي خشبي.. شكله كان يصعب على الكافر. دقنه طلعت، وهدومه الشيك بقت مبهدلة ومكرمشة، ووشه أصفر وعينيه غارزة لجوه من الرعب والبهدلة وسط المساجين. أمه إلهام كانت قاعدة على كرسي تاني، بتعيط ومنهارة، ومبقاش فيها حتة من المنظرة والـ “إتيكيت” اللي كانت بتعامل بيهم نادية.

أول ما مصطفى شاف نادية داخلة، والكل بيوسع لها احتراماً وبقت ست مجتمعية تانية خالص، وقف ودموعه نزلت: “نادية! نادية عشان خاطر بنتنا نسمة.. سامحيني! أنا غلطت، الشيطان وزني، أمي هي اللي كانت بتزن عليا وتقولي أمن مستقبلك ومستقبل عيلتك. أنا بحبك يا نادية، متخربيش بيتنا وتضيعي أبو بنتك في السجون!”

إلهام هي كمان رمت نفسها تحت رجلين نادية وهي بتصرخ: “بوس إيدك يا بنتي.. احنا طمعنا وعمينا، بس مصطفى ضاع، هيموت جوه! والناس بتاكل وشنا في المنطقة! اعفي عنه والفلوس اللي تطلبيها ه نكتبلك بيها شيكات وتنازلات عن كل حاجة!”

نادية بصت لهم بقرف شديد، ومتحركتش خطوة واحدة لورا. بصت لـ وكيل النيابة وقالت بصوت قوي وواضح وثابت: “يا فندم.. أنا متمسكة بكل أقوالي، ومش هتنازل عن مليم واحد من حقي، ولا هتنازل عن القضايا دي. الراجل ده تآمر عليا واستغل مرضي وتعبى، وسابني أشتغل وأنا بموت عشان يشغل فلوسي في الحرام ويتجوز عليا ويبني قصور لغيري. أنا بطالب بأقصى عقوبة عليه وعلى أي حد ساعده”.

مصطفى لما لقى نادية صلبة ومش هتلين، وشه اتقلب تماماً، وبان الغل والحقد اللي في قلبه. صرخ وهو العساكر بيمسكوه: “أنتِ فاكرة نفسك إيه يا نادية؟ فاكرة الفلوس دي بتاعتك؟ ولا بتاعة الست العجوزة دي؟ الفلوس دي مش بتاعتكم! الفلوس دي تمن الدم اللي أبوكي دفعه! اضحكي عليها يا راوية يا شبراوي.. قولي لها الحقيقة! قولي لها أبوها مات إزاي وعشان إيه!”

الأوضة كلها سكتت. نادية حست بـ رعشة مشيت في ضهرها، ولفت بصت لجدتها راوية.

الحاجة راوية وشها اتحول للون الأبيض الزهيد، وإيدها اللي ماسكة السبحة اتجمدت في الهوا، وعينيها لأول مرة يظهر فيهم علامات الخوف والارتباك الشديد.

نادية قربت من مصطفى وقالت بصوت مرعوب: “أبويا؟ ماله أبويا؟ أبويا مات في حادثة عربية من عشر سنين! أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟”

مصطفى ضحك ضحكة هستيرية وهو العساكر بيسحبوه لبرة الأوضة: “حادثة؟ اسألي جدتك المحترمة! اسأليها الفلوس الـ 300 ألف جنيه اللي بتنزل كل شهر دي بتيجي منين ومين اللي بيدفعها وليه! دي مش فلوس ورث يا مغفلة.. دي فلوس سكوت! تمن السر اللي أبوكي مات بسببه، وجدتك هي اللي باعت أبوكي عشان تكبر شركتها!”

العساكر قفلوا الباب وسحبوا مصطفى وصوته لسه بيرن في الممر، وإلهام وراه بتصوت.

نادية فضلت واقفة في وسط الأوضة، حاسة إن السقف بيقع عليها. لفت ببطء، وبصت لجدتها راوية اللي كانت ساندة على الحيطة ونفسها طالع بالعافية، والمحامي فتحي باصص للأرض ومش قادر ينطق كلمة واحدة.

نادية همست ودموعها بتنزل تاني، بس المرة دي من الرعب من الحقيقة الجديدة: “جدتي.. مصطفى بيتكلم عن إيه؟ أبويا مات إزاي؟ والفلوس دي.. فلوس إيه؟”

الحاجة راوية بصت لنادية بعيون مليانة دموع لأول مرة في حياتها، وقالت بصوت مكسور تماماً: “ارجعي معايا البيت يا نادية.. والورق اللي في الخزنة القديمة.. هو اللي هيقولك كل حاجة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *