بعـد شهـر من جـوازي ج 3 حكايات مني السيد

القاهرة من شباك القطر كان شكلها غريب، كأنها مدينة تانية غير اللي سبتها. الناس، الزحمة، الدوشة.. كل حاجة بقت مختلفة في عيني، أو يمكن أنا اللي اتغيرت. نزلت المحطة وأنا حاسة ببرود غريب، رغم الحر اللي مالي الجو. مشيت وسط الناس، كأني شبح مش حاسس بيه حد، وفي إيدي شنطة صغيرة فيها كشكولي وقلمي.. سلا..حي الوحيد.
مرحتش على البيت، البيت مابقاش بيتي، ده بقى مسرح جري..مة. اتجهت لمكان تاني خالص، لبيت ست عرفتها في أيام الجامعة، ست طيبة وقلبها يوسع الدنيا كلها، “خالة نادية”. خبطت على بابها وأنا خايفة، قلبي كان بيدق بعنف، مش من الخوف، لكن من الترقب.
فتحت الباب، وبصت لي بذهول:
ـ سلمى؟! يا بنتي.. إيه اللي جابك في الوقت ده؟ وشك أصفر كأنك شايفة عفريت!
دخلت من غير كلام، ووقعت على الكنبة زي اللي كان شايل جبل وفلته. خالة نادية قفلت الباب بسرعة وقربت مني، مسحت على شعري:
ـ اتكلمي يا بنتي، في إيه؟ إيه اللي حصل لأحمد؟ وليه سيبتي بيتك؟
حكيت لها كل حاجة.. عن الدهب، عن الصفقة، عن الدفتر، وعن التهديدات. خالة نادية كانت بتسمع ووشها بيتحول لألوان، من الدهشة للغضب للرعب. لما خلصت، ساد الصمت في الأوضة، صمت كان تقيل لدرجة إني سمعت صوت دقات قلبي.
ـ يا بنتي إنتي دخلتي في عش دبابير.. الناس دي ما بتهزرش، دول ممكن يغلطوا في اسمك من سجلات الحياة في لحظة!
ـ مابقاش فارق معايا يا خالة نادية. اللي مات وهو حي، ما بيخافش من الموت. أنا عايزة أوصل للرأي العام، عايزة “الصحافة” تعرف، عايزة الناس تعرف إن الوشوش اللي بتضحك في التلفزيون وراها تاريخ أسود.
خالة نادية سكتت لحظة، وبعدين قامت جابت لي كوباية مية:
ـ عندي صاحب ابني.. شغال في جريدة كبيرة، شاب شجاع وبيحب الحق. هكلمه، بس لازم تضمني إنك مستعدة لكل الاحتمالات.
وافقت فوراً، ومن هنا بدأت “حرب المعلومات”. قابلت الصحفي، شاب في أواخر التلاتينات، عيونه فيها لمعة حماس أول ما سمع كلامي. أخد مني نسخ من الدفتر، وأخد “التسجيلات” اللي كنت عملتها.
ـ ده ملف تقيل يا سلمى.. ده ممكن يهز الحكومة لو طلع للنور.
ـ ده اللي أنا عايزاه.. عايزة الحقيقة تطلع، مهما كان التمن.
رجعت لبيت خالة نادية، بس كنت حاسة إني مراقبة. كل عربية سودة بتعدي، كل راجل بيبص لي بطريقة غريبة.. خيالاتي بقت بتطاردني. في اليوم التالت، لقيت ظرف تحت الباب.. فتحته، كان فيه “صورة” ليا وأنا خارجة من بيت خالة نادية، ومعاها ورقة مكتوب فيها: “اللي بيلعب بالنار، بيتحرق.. لسه قدامك فرصة يا سلمى”.
رميت الصورة، وضحكت بسخرية. هما فاكرين إنهم ممكن يكسروني؟ هما ما يعرفوش إن اللي خسر كل حاجة، ما عندهوش حاجة تانية يخسرها.
قررت أطلع للشارع، مش عشان أستخبى، لكن عشان أواجه. نزلت ميدان التحرير، وسط الزحمة، وسط الناس اللي بتجري على أكل عيشها. وقفت في نص الميدان، وفتحت الكشكول، وبدأت أكتب.. أكتب بوضوح، أكتب “الحقيقة”.
فجأة، حسيت بإيد بتتشد في كتفي. التفت.. كان أحمد! إزاي؟! إزاي خرج؟ عيونه كانت جاحظة، وشه كان مليان غل:
ـ فاكرة إنك هتهربي مني يا سلمى؟ فاكرة إنك لما تروحي للصحافة هتخلصي؟
قلبي دق بسرعة، بس وقفت صلبة:
ـ إنت إيه اللي جابك هنا؟ إنت المفروض تكون في الحبس!
ضحك ضحكة باردة:
ـ الحبس للغلابة يا حلوة.. أما إحنا، فإحنا اللي بنصنع القوانين. كنت فاكرة إن الفلوس اللي في الدفتر دي بتاعة مين؟ دي كانت بتشتري حريتي.
حسيت ببرودة في جسمي.. يعني كل حاجة عملتها راحت هدر؟ يعني هما فوق القانون فعلاً؟
ـ مش هتهربي مني.. والمرة دي، مش هبيع دهبك، أنا هبيع حياتك كلها.
قرب مني، والناس حوالينا مش حاسين بحاجة، كأنه مجرد خناقة عادية بين زوجين. حاولت أصرخ، بس إيده كانت قوية، سد بوقي وجرني لعربية سودا كانت واقفة على جنب.
اترميت جوه العربية، والعربية اتحركت بسرعة. الغضب في عيني اتحول لـ “نار”. قعدت أدور في شنطتي.. كان معايا “قلم” بس مش أي قلم.. كان فيه “كاميرا صغيرة” الصحفي اداهالي عشان أوثق كل خطوة.
ـ بتدوري على إيه يا قطة؟
ـ بدور على نهايتك يا أحمد.
طلعت الكاميرا، وشغلتها، وبدأت أصور وشوش الناس اللي كانوا في العربية، وبدأت أسجل صوته وهو بيعترف بـ “خروجه من السجن بالرشوة”.
العربية وقفت في حتة مقطوعة، مكان كله رمل وحجارة.. مكان “تصفية الحسابات”. نزلني أحمد، وجرني ناحية حفرة كبيرة.. كان واضح إنهم كانوا محضرين كل حاجة.
ـ ليه يا أحمد؟ ليه كل ده؟
ـ عشان إنتي عرفتي اللي ما حدش لازم يعرفه. عشان إنتي “خربتي” الخطة.
وقف قدامي، وبدأ يطلع “سلا..حه”.. مش سك..ينة المرة دي، ده كان “مس..دس”.
ـ قولي آخر دعاء ليكي يا سلمى، عشان الحفلة خلصت.
بصيت في عينه، وما شفتش غير سواد. بصيت للسما، وابتسمت.
ـ الحفلة لسه بتبدأ يا أحمد.. الكاميرا اللي في إيدي سجلت كل حاجة، وبثت كل ده “لايف” على صفحة الجريدة.
أحمد اتجمد، وبص على إيدي.. الكاميرا كانت صغيرة، بس لمبة “التسجيل” كانت منورة بالأحمر، وبتبعت إشارة للصحفي.
فجأة، سمعنا صوت سرينات شرطة! مش شرطة أحمد اللي بيشتريها، دي شرطة النجدة، شرطة المداهمات اللي الصحفي بلغها بكل تفصيل. أحمد اتخض، وبدأ يطلق النار في الهواء بجنون، بس خلاص، العربيات حاصرتنا من كل ناحية.
ـ رمي سلا..حك يا أحمد! سلم نفسك!
صوت الضابط كان عالي ومسيطر. أحمد وقع المسد..س، وبص لي بنظرة يأس.. نظرة إنسان عرف إن اللعبة انتهت، وإن الفلوس ما اشترتش نهايته السعيدة.
الشرطة خدوه، وأنا وقفت لوحدي في وسط الصحراء، وبدأت أضحك.. أضحك وأنا بعيط. خلصت؟ الحقيقة انتصرت؟ ولا ده مجرد فصل تاني في رحلة طويلة؟
قرب مني الضابط، وسألني:
ـ أنتي كويسة يا آنسة سلمى؟
هزيت راسي، وأنا بلملم بقايا روحي:
ـ أنا كويسة.. أحسن من أي وقت فات.
رجعوني القاهرة، بس المرة دي رجعت كـ “بطلة”.. كـ “شاهدة”. الجرائد نشرت كل حاجة، الأسماء، التواريخ، الصفقات. البلد كلها قلبت، والناس بدأت تتكلم، وبدأت الرؤوس الكبيرة “تطير”.
قعدت في شقة خالة نادية، بفتح الكشكول.. الكشكول اللي كان فيه حياتي. بدأت أكتب الفصل الخامس، الفصل اللي فيه “العدالة”.. بس وأنا بكتب، سمعت صوت “تليفون” بيرن في الشقة.
خالة نادية ردت، ووشها اتغير. بصت لي بقلق:
ـ سلمى.. حد عايز يكلمك، بيقول إنه من “الناس اللي فوق”.. وطلبوا يقابلوكي.
اتحولت عيوني لنظرة تحدي:
ـ خليهم يجوا.. أنا ما بقتش أخاف. أنا سلمى، اللي علمتهم إن “البنت الضعيفة” ممكن تهز عروشهم.
قمت وقفت، لبست طرحتي، وبصيت في المراية.. كنت بشوف وشي، وش سلمى اللي عرفت يعني إيه “حياة”، يعني إيه “كرامة”، يعني إيه “حق”.
المعركة لسه ما انتهتش، بس أنا بقيت “مستعدة”. الحرب مش مجرد رصاص، الحرب هي “صوت”.. وصوتي دلوقتي، واصل لكل الناس.
فتحت الباب، ووقفت مستنية.. مستنية الحقيقة، مهما كان تمنها. ومستنية بكرة.. اللي أكيد، هيكون يوم تاني، يوم جديد، لي ولبلدي.
**تكملة الحكاية لسه فيها خيوط تانية، والوحوش لسه ما خلصوش، بس سلمى.. سلمى قررت إنها ما ترجعش لورا تاني.**
القعدة في شقة خالة نادية ما بقتش مجرد سكن، بقت “غرفة عمليات”. الخوف اللي كان بيسكن قلبي زمان اتبخر، وبداله نبتت شجاعة مكنتش أعرف إنها موجودة جوايا. خالة نادية كانت بتراقبني بقلق، وهي بتشوفني بجهز ملفات وقضايا، كأني محامية مش بس “ضحية”.
صوت الخبط على الباب كان هادي، مش زي خبط الشرطة، ولا خبط أحمد الغضبان.. خبط حد تقيل، حد واثق في نفسه. فتحت الباب، لقيت راجل في الستين، ببدلة غالية ووش خالي من أي تعبير، وراه اتنين حراسة زي جبلين.
ـ سلمى هانم؟
ـ أيوه، أنا سلمى. اتفضل، رغم إني ما أعرفش مين حضرتك، بس أكيد عارفة إنت جاي ليه.
دخل وقعد بكل هدوء، حط شنطة جلد على الترابيزة.
ـ أنا جاي أقدم عرض.. عرض ينهي الصداع ده كله. إنتي عرفتي تحرقي “أحمد”، بس أحمد كان مجرد طرف خيط صغير. لو كملتي، هتحرقي أماكن تانية.. وأماكن تانية يعني ناس تانية، وناس تانية يعني “خطر” حقيقي عليكي وعلى كل اللي حواليكي.
ضحكت بسخرية وأنا بصب له قهوة:
ـ حضرتك فاكر إن التهديد ده لسه بيجيب نتيجة؟ إنت جاي تقولي “خطر”؟ أنا عشت الخطر لما كنت عايشة مع جوزي، وعشت الخطر لما اتحطيت في عربية ماشية للمجهول.. إنتو متأخرين كتير يا بيه.
الراجل اتنهد، وصوته اتغير لبنبرة حادة:
ـ العرض هو مبلغ مالي، هيخليكي تعيشي ملكة في أي بلد تانية، ومعاه ضمان بحياتك.. مقابل تسليم باقي “الدفاتر” والسكوت التام.
بصيت له في عينيه، كنت شايفه فيها “جبروت” مستخبي ورا المظاهر.
ـ تسليم الدفاتر؟ يا خسارة.. الدفاتر دي بقت ملك الرأي العام، النسخ الأصلية عند ناس مش هتقدروا تلمسوهم، حتى لو أحرقتوا مصر كلها.
قام وقف، وكان باين عليه الغضب، بس حاول يداريه ببرود:
ـ براحتك يا سلمى.. بس افتكري إنك اخترتي طريق نهايته دايماً بتكون “وحدة”.
مشيو.. وسابوني في البيت، بس مش لوحدي. حسيت بحد بيراقب البيت، حد بيتحرك في الضلمة. بس المرة دي، كنت مجهزة “مفاجأة”. اتصلت بالصحفي، وبدأت أخطط “للضربة القاضية”. مش بس هفضحهم، أنا هكشف “الخيوط” اللي بتجمعهم، وهربط كل اسم بالعملية اللي عملها.
الليل كان طويل، والسكوت في الشقة كان بيخنق. فجأة، سمعت صوت حاجة بتتكسر في المطبخ. قمت بالراحة، مسكت موبايلي، وفتحت “اللايف” على صفحة الجريدة.. “يا جماعة، لو حصل لي حاجة، اللي بيتابعني ده عارف كل التفاصيل، الأسماء، التواريخ، ومكان الدفاتر الأصلية”.
دخلت المطبخ، لقيت شباك مفتوح، وحاجة بتتحرك في الضلمة. ما خفتش.. مسكت السكي..نة، مش عشان أدافع عن نفسي، لكن عشان “أواجه”.
ـ اطلع من الضلمة يا اللي بعتك البيه.. أنا عارفاك ومسجلة دخورك.
طلع راجل ملثم، كان ماسك “مسد..س كاتم للصوت”.
ـ سلمى، سيبي الموبايل، والناس اللي بره هيدخلوا ياخدوا الدفتر.. ما تضيعيش عمرك عشان ورق.
بصيت له وابتسمت:
ـ الورق ده هو اللي رجع لي كرامتي.. والناس اللي بره، مش هيلاقوا غير “فخ”.
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط تالت.. مش شرطة، مش ضيوف، لكن صوت “أهالي المنطقة”. شباب الحارة، اللي عرفوا بقصتي، والستات اللي سمعوا عن اللي حصل لي، كانوا محاوطين البيت. الراجل اتخض، التفت للشباك، لقى الناس بتبص له من بره.
سلم نفسه، مش للشرطة، لكن “للناس”. الناس اللي بقوا حمايتي، الناس اللي أدركوا إن “سلمى” مش بس قض..ية، سلمى بقت “حكاية” كل واحدة فيهم.
الراجل اتمسك، واتسلم للشرطة.. بس دي كانت مجرد بداية. تاني يوم الصبح، نزلت “الجريدة” بكل التفاصيل، صور الناس اللي هددوني، أسماء الشركات الوهمية، والعمليات القذرة اللي كانوا بيديروها. الدنيا قامت وما قعدتش.
قعدت مع خالة نادية، بفتح الكشكول لآخر مرة. الصفحة بقت مليانة.. مليانة وجع، ومليانة قوة.
ـ خلصنا يا خالة؟
خالة نادية دمعت وهي بتبص لي:
ـ لسه يا سلمى.. لسه الفصول ما خلصتش، بس إنتي كتبتي أهم فصل في حياتك.
سرحت في البحر من البلكونة، البحر اللي شال همومي. فجأة، لقيت رسالة على الموبايل.. رقم غريب. “البيت بيتك.. بس اللعبة لسه في ملعبنا”.
رديت برسالة قصيرة: “اللعبة انتهت لما قررت ما أخافش.. دلوقتي، أنا اللي بوزع الأدوار”.
قفلت الموبايل، وبصيت للسما.. القاهرة كانت بتصحى، وأنا كنت بصحى معاها. ما بقتش البنت اللي بتدور على دهبها، بقت البنت اللي استردت “نفسها”.
بكرة.. بكرة هروح المحكمة. بكرة هكون في وشهم، في قاعة المحكمة، وهشهد.. هشهد ضد كل واحد فكر إن “سلمى” ممكن تنكسر.
الرحلة كانت طويلة، صعبة، وموجعة.. بس في الآخر، وقفت على رجلي، ولقيت إن أعظم كنز “سلمى” ممكن تملكه، مش الدهب اللي اتسرق، ده “الحقيقة” اللي ما حدش يقدر يسرقها منها أبداً.
**سلمى، بنت الـ 24 سنة، اللي دخلت الجواز بقلب طفل، وخرجت منه بقلب أسد.. الفصل الأخير جاي، والفجر بيأذن للحقيقة.**
يوم المحكمة كان مختلف عن أي يوم في حياتي. القاهرة كلها كانت بتصحى على خبر “قض..ية القرن”، الأسماء اللي كانت بتتردد في الهمس بقت دلوقتي مكتوبة ببنط عريض على صفحات الجرائد وفي شاشات التلفزيون. وأنا؟ أنا كنت في أوضتي عند خالة نادية، بلبس فستاني الأسود البسيط، وببص في المراية.. الوش اللي كان بيبكي من شهر على دهب ضايع، بقى وش ست تانية، ملامحها ثابتة، وعينيها فيها لمعة قوية، لمعة حد شاف الموت ورجع عشان ينتقم للحياة.
خالة نادية دخلت عليا، دمعتها كانت على خدها:
ـ جاهزة يا سلمى؟
ـ جاهزة يا خالة.. جاهزة أقول الكلمة اللي هتريح قلبي، وهتحط النقط على الحروف.
نزلنا، والشوارع كانت زحمة بشكل مش طبيعي. ناس كتير كانت واقفة قدام باب المحكمة، لما شافوني، بدأت هتافات تطلع.. “سلمى! سلمى!”.. الناس بقت حاسه بقضيتي، بقوا بيشوفوا في سلمى “حقهم” اللي ضاع، و”صوتهم” اللي اتكمم. دخلت من وسطهم، وكأني داخلة ساحة حرب، بس المرة دي، أنا اللي معايا القوة.
في قاعة المحكمة، قعدت في مكاني. كان أحمد هناك.. كان شكله ذابل، كأنه كبر عشر سنين في الكام شهر اللي قضاه في الحبس. أول ما شافني، بانت في عينه نظرة ندم.. أو يمكن خوف. بس أنا بصيت له باحتقار، بصة باردة خلت رقبته تنحني في الأرض.
بدأت المحاكمة. القاضي كان حازم، والنيابة عرضت كل الأدلة.. التسجيلات، الأوراق، شهادات الشهود، والضحايا التانية اللي بدأوا يظهروا واحد ورا التاني بعد ما سلمى كسرت حاجز الخوف.
لما نادوا على اسمي عشان أقف في منصة الشهود، مشيت بخطوات ثابتة. وقفت، أخدت نفس عميق، وبصيت للقاضي، وبعدين بصيت لأحمد وأعوانه اللي قاعدين في قفص الاتهام.
ـ احكي يا سلمى، إيه اللي حصل؟
بدأت أحكي.. ما سبتش تفصيلة، ولا حتى وجع. حكيت عن “الدهب” اللي كان بداية الخيط، عن “أحمد” اللي استغل حبي له عشان يغسل فلوسه، عن “أمه” اللي شاركت في الجر..يمة ببرود، وعن “النظام” اللي كانوا فاكرين إنهم فوق القانون فيه.
ـ سيدي القاضي.. أنا ما جيتش هنا عشان أسترد دهبي.. دهبي راح، وذكرياتي معاه اتحرقت. أنا جيت هنا عشان أقول إن “المرأة” مش بضاعة، وإن “الجواز” مش فخ، وإن “الحق” عمره ما بيضيع لو في حد وراه. أحمد ما سرقش دهبي وبس.. أحمد سرق عمري، سرق براءتي، وكان عايز يبيعني في سوق ما يرحمش. بس أنا سلمى.. أنا اللي وقفت، وأنا اللي كشفت المستور.
القاعة سكتت تماماً، ما كانش فيه غير صوت نَفَسي. أحمد كان بيبص لي بصدمة، كأنه لأول مرة يشوف “الست” اللي اتجوزها. النيابة خلصت مرافعتها، والمحامين بتوع الطرف التاني حاولوا يلفوا ويدوروا، بس الأدلة كانت أقوى من أي كلام.
بعد ساعات من المداولة، القاضي نطق بالحكم.. أحكام سجن مشددة، ومصادرة كل الممتلكات اللي جت من الحرام، ورجوع الحقوق لكل الناس اللي اتنصب عليهم.
لما سمعت “حكمت المحكمة”.. حسيت ببركان جوايا انفجر. مش فرحة.. لأ، ده كان إحساس بالراحة، كأني رميت حمل سنين من فوق كتافي. خرجت من القاعة، الناس كانت بتصفق، الصحفيين كانوا بيحاولوا ياخدوا كلمة، بس أنا مشيت.. مشيت لبعيد، مشيت لمكان فيه شجر وبحر.
قعدت على الكورنيش، وفتحت الكشكول لآخر مرة. كتبت:
“سلمى.. البنت اللي بدأت حياتها بـ 24 سنة، ووقفت قدام العالم كله عشان تقول لا. النهاردة، قفلت الكشكول، مش عشان الحكاية خلصت، لكن عشان الحكاية بدأت بشكل تاني. النهاردة، أنا مش سلمى بتاعة قبل كدة.. أنا سلمى اللي اتعلمت إن القوة مش في الدهب ولا في الجواز، القوة في الحق، والحرية بتشتريها بكلمة الصدق”.
قطعت الصفحة الأخيرة من الكشكول، وسيبتها تطير مع الهوا، تطير وتلمس مية البحر.
جالي تليفون من الصحفي:
ـ سلمى.. إنتي عملتي اللي ما حدش عمله. في مؤسسات كتير عايزة توظفك كـ “مستشارة” عشان تساعدي ضحايا تانيين.
ابتسمت وأنا ببص للسما.. الخوف اللي كان ساجنني سنين، مابقاش له وجود.
ـ موافقة.. مش عشان شغل، بس عشان أكون صوت لكل واحدة “سلمى” تانية لسه خايفة تتكلم.
قمت مشيت، ورجلي كانت خفيفة. عديت على محل دهب، وقفت قدام الفاترينة.. بصيت للسلاسل والخواتم. ما حسيتش بوجع، ولا بـ “نقص”. لقيت نفسي ببتسم، وداخلة المحل.
ـ لو سمحتي، عايزة سلسلة بسيطة، تكون ليا أنا.. سلسلة ألبسها عشان أفكر نفسي إن سلمى قوية، مش سلسلة عشان زينة أو عشان راجل جابهالي.
اشتريت السلسلة، لبستها بإيدي، وبصيت في المراية.. الست اللي في المراية كانت جميلة، قوية، ومستعدة للدنيا.
خرجت من المحل، والنهار كان بيودع والشمس بتغيب.. الشمس اللي بكرة هتطلع، مش بس عليا، دي هتطلع على بلد تانية، بلد سلمى فيها بقت “رمز”، وبنت الـ 24 سنة بقت “أمل” لكل اللي اتكسروا.
مشيت في الشارع، وأنا حاسة إن كل خطوة بتمشيها، بتمسح وجع قديم. سلمى اللي كانت بتعيط في أوضتها، بقت دلوقتي بتضحك وسط الزحمة.. مش زحمة الخوف، بس زحمة الحياة.
الحكاية خلصت؟
لا.. الحكاية لسه بتبدأ، والصفحات اللي جاية.. هكتبها بمداد من نور، وبإيد ما بتهزش.
**وإلى هنا.. انتهت رحلة سلمى، وبدأت رحلة “الست” اللي قهرت الظروف، وقالت للكل: الحق لا يضيع، طالما وراه إنسان ما بيخافش.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *