بنت شوارع وغلبانه
بنت شوارع وغلبانة بتنام تحت الكباري بقالها أسابيع، لقت ابن ملياردير مشلۏل مرمي في أرض جنينة عامة ومربية أطلقت سراحه وسابته ېموت في البرد.. البنت كل اللي كانت عايزاه إنها تنقذ الواد وتختفي عشان خاېفة من الحكومة، بس بمجرد ما ضغطت على رقم الطوارئ في موبايل الولد واتصلت بأبوه، الدنيا كلها اتقلبت والمليار دير وصل بعربيته الفارهة، وأول ما عينه جت في عين البنت الصغيرة، انهار وبكى وقال جملة صدمت الحراس وغيرت مصير البنت دي للأبد!
الهوا البارد كان بيقطع في الجنينة زي السکينة، كان بيهز الشجر العريان ويطير الورق الناشف في الممرات الفاضية، وبيدخل من تحت جاكيت ليلى المقطع كأن البرد نفسه ليه صوابع بتنهش في عضمها. ليلى شدت كمام الجاكيت الدايبة على إيديها الصغيرين وفضلت تتحرك وموقفتش، لأن الأسابيع اللي عاشتها في شوارع القاهرة بعد ما بقت من غير أهل علمتها أهم قاعدة في وسط الحارة والشوارع؛ إياك تقف مكامك بعد ما الليل يليل. ليلى رغم إن عندها سبع سنين بس، كانت خلاص حفظت وفهمت الشارع؛ عرفت فين هويات المترو الداوية اللي بتطلع صهد دافي تنام جنبها، وعرفت أنهي مطاعم بترمى بواقي العيش والأكل قبل ما تقفل، وعرفت أنهي حواري فيها كاميرات مراقبة لازم تستخبى منها، وعرفت مين من الكبار وشه طيب بس بيسأل أسئلة كتيرة تخوف، ومين اللي بيعمل نفسه مش شايفها عشان البص للغلابة بيوجع القلب. اتعلمت تنام خفيف قوي، وتاكل بسرعة، وتخبي القرشين اللي معاها في الفردة بتاعة شرابها، وتجري بسرعة قبل ما حد من الكبار يقرر هيعمل معاها إيه أو ياخدها على فين. الشارع مكنش لسة خلاها قاسېة، بس خلاها حريصة وپتخاف من خيالها. ستي الله يرحمها كانت دايماً تقول لي إن قلبي أكبر من جسمي، بس الكلام ده كان زمان.. قبل الحريقة، وقبل الدخان، وقبل دار الرعاية اللي هربت منها لأن الشارع رغم كل الړعب اللي فيه، على الأقل كان بيسيبها تختار هتقف فين ومن غير قهر. دلوقتي بطنها كانت بتوجعها من كتر الجوع وصوابعها اتجمدت ومبقتش حاسة بيها، وفضلت تلف في الجنينة الكبيرة تدور على عربية بطاطا أو غزل بنات كانت عارفاها زمان عند المدخل، بس لقت الممر فاضي والضلمة نزلت فجأة والوقت سرقها. كانت لسة بتلف ضهرها عشان ترجع تستخبى، لما سمعت الصوت ده؛ صوت عياط وصړخة مكتومة، مكنش صوت قطة ولا كلب، ده كان صوت عيل صغير. ليلى اتسمرت في مكانها، والصوت جه تاني وأضعف من الأول الحقوني… كل غريزة جواها كانت بتصرخ فيها إنها متتبعش الصوت ده وتجري؛ المشاكل في الشارع ليها أصوات، ساعات بتبقى على شكل عياط وساعات بتبقى على شكل حد محتاج مساعدة والمساعدة دي بتبقى فخ، بس الصوت طلع تالت وكان بېموت مش قادر… ليلى اتسحبت بخطوات بطيئة ناحية بلاعة صرف كبيرة في طرف الجنينة، وهناك لقت الصدمة؛ ولد في نفس سنها تقريباً مرمي على الأرض الساقعة، والعكازين الحديد بتوعه مراميين على بعد خطوات منه، والجاكيت الغالي اللي لابه متمرمغ في الطين والتراب، ووشه أبيض زي الليمونة ومبلول من الدموع، ورجليه كانت متنية بزاوية غريبة.. مكنتش مکسورة بس كانت عاجزة ومش بتتحرك بطريقة ليلى مِفهمتهاش في الأول. الولد أول ما شافها همس بۏجع وخوف أرجوكي… ليلى قربت منه براحة وعينها بتلف حوالين الشجر والممرات والضلمة خاېفة يكون حد مستخبي ليها، الولد كان باين عليه الغنى والعز، مش
موقع أيام نيوز
الغنى العادي.. لأ، غنى من النوع اللي ليلى عمرها ما شافته غير من ورا إزاز المحلات الكبيرة؛ جاكيت ماركة غالية، جزمة أوريجينال، قصة شعر مظبوطة ومبلولة من العرق، وموبايل في جيبه تمنه يجيب شقة كاملة. بس الخۏف والړعب بيبقى شكله واحد على العيال الأغنياء والفقراء، مفيش فرق. قعدت على ركبها جنبه وقالت له أنا ليلى.. إيه اللي جابك هنا وحصل لك إيه؟. الولد سنانه كانت بتخبط في بعضها من التلج وقال أنا سليم.. سليم الهواري.. وقعت، ورجلي مش راضية تتحرك ومش عارف أقوم. ليلى بصت على العكازين وسألته أنت قاعد هنا بقالك قد إيه؟. وشه اتكرمش وعيط من الصبح. من الصبح؟! والناس اللي معاك فين؟. سليم صوته اتقطع من العياط المربية اللي معايا سابتني.. قالت لي هجيب حاجة وجاية علطول ومجتش. ليلى بحلقت فيه ومش مصدقة؛ الشمس خلاص غابت تماماً والجو بقى تلج، وشفايف الولد بقت زرقا وإيديه بترتعش لدرجة إنه مش قادر يحرك صوابعه. سألوه وأهلك فين؟. سليم قال وهو بېموت من الړعب بابا في الشغل.. الموبايل في جيبي بس مش عارف أطلعه، إيديا سقعانة ومش حاسس بيها. ليلى ترددت وخاڤت؛ موبايل يعني ناس كبار، وناس كبار يعني أسئلة، وأسئلة يعني شرطة وأخصائيين اجتماعيين، وده معناه إنها هترجع لدار الرعاية تاني! بس سليم كان بېموت من السقعة ومفيش وقت. ليلى مدت إيدها في جيب الجاكيت بتاعه وطلعت الموبايل، الشاشة نورت وبقت بتبرق، وكان فيه عشرات المكالمات الفايتة مكتوب عليها بابا طوارئ. ليلى سألته أكلمه؟. سليم هز راسه بضعف وقال رقم الطوارئ.. أول واحد في القائمة. ليلى ضغطت على الاسم قبل ما الخۏف يخليها تتراجع، الخط جمع ورن رنة واحدة،
وفجأة رد صوت راجل مړعوپ ونبرته مکسورة سليم! الحمد لله يا ابني.. أنت فين؟! طمني عليك. ليلى بلعت ريقها وبصت حواليها وقالت يا فندم.. أنا اسمي ليلى، وأنا لقيت ابنك سليم مرمي في الجنينة الكبيرة، وقع ومش عارف يقوم والجو تلج عليه وېموت من السقعة. السكوت نزل على الخط لثواني، وبعدين صوت الراجل اتغير تماماً؛ بقى حاد وفيه ړعب اِحترافي مسيطر عليه قولي لي بالظبط أنتم فين في الجنينة؟. ليلى قالت جنب بلاعة الصرف الكبيرة، وفي تمثال راجل راكب حصان مش بعيد عننا. الراجل قال بسرعة ومن غير ما يفكر أنا عرفت المكان.. أنا مسافة دقيقتين وهكون عندك، خليه صاحي وبلاش ينام.. أرجوكي!. الخط قفل، فليلى قلعت الجاكيت البسيط والمقطع بتاعها وحطته فوق جسم سليم، فسليم همس بصوت ضعيف لأ.. كدة أنتِ اللي ھتموتي من البرد. ليلى كذبت عليه وقالت بابتسامة متخافش.. أنا واخدة على كدة. وفجأة، كشافات عربية قوية شقت الضلمة ونورت الممر، عربية رولز رويس سوداء فخمة وقفت فرملة قوية عند مدخل الجنينة، ونزل منها راجل طويل لابس بدلة غالية جداً وجري على النجيل والتراب بكل قوته سليم!. مراد الهواري رمى نفسه على الأرض وفي الطين وجلس على ركبه، مكنش باين عليه إنه ملياردير وصاحب شركات؛ كان باين إنه أب وروحه وعالمه كله كان مرمي على الأرض وبيموت! وبعدين رفع عينه وبص لليلى اللي كانت بتلم نفسها وبترجع لورا عشان تستخبى وتختفي في الضلمة قبل ما حد يمسكها، وقبل ما تتحرك خطوة واحدة، سليم مسك في يد أبوه وهمس بصوت مبحوح بابا.. عشان خاطري بلاش تسيبها هنا في الشارع……
يا ترى مراد بيه الهواري هيعمل إيه مع البنت الغلبانة اللي
أنقذت حياة ابنه من المۏت، وإيه السر المرعب اللي هينكشف عن المربية الخاېنة اللي سابت الولد المشلۏل في البرد ومشت، وإزاي مكالمة الطوارئ دي هتغير حياة ليلى من بنت شوارع لأهم شخص في قصر الملياردير؟ المفاجأة اللي جاية هتشقلب كل التوقعات!
الجزء الثاني
مراد الهواري كان واقف في مكانه، قلبه لسه بيدق بسرعة من الړعب اللي عاشه الساعات الأخيرة، وعينيه ما زالتا مثبتتين على ابنه اللي كان مرمي على الأرض، وشكله بيوحي إنه كان على حافة المۏت. بس كلام سليم اللي همسه بصوت ضعيف نحاه شوية عن صډمته، وخلاه يرفع عينيه ببطء ناحية البنت الصغيرة اللي كانت واقفة على بعد خطوات، بتلف نفسها في ملابسها الممزقة، وعينيها مليانة خوف وحذر، كأنها مستعدة تجري في أي لحظة.
نظر إليها مراد، وشافها بوضوح لأول مرة جسمها الصغير نحيل، وشعرها الأشعث مبلول قليلًا من الهوا الرطب، وملابسها القديمة الممزقة بتظهر أجزاء من جلدها اللي بقي محمرًا من البرد، وعينيها الواسعتين السوداوين كانتا تلمعان ببراءة غريبة وسط كل الحذر اللي عليها. شافها پتخاف، پتخاف منه، ومن الحراس اللي بدأوا يوصلون بسرعة وراءه، ومن كل شيء حولها.
تقدم منها خطوة بطيئة، ورفع إيده بحركة هادئة عشان يطمنها، وقال بصوت دافئ ومحاولة يكون لين ومش پيخوف
مټخافيش يا بنتي.. محدش هيعملك حاجة.. أنا مش جاي أأذيكِ.. أنا بس عايز أشكرك.. عايز أعرف إيه اللي حصل، وإزاي لقيتي سليم؟.
ليلى رجعت خطوة تانية لورا، ولسانها اتعقد من الخۏف، وقالت بصوت واطي ومتردد
أنا.. أنا كنت بتمشى.. سمعت صوت عياط.. لقيته هنا.. وموبايله.. كلمتك زي ما قال.. وخلاص.. أنا هامشي دلوقتي.. مش عايزة حاجة.. سلام.
حاولت تدور وتجري، بس مراد تكلم بسرعة من غير ما يرفع صوته
استني رجاءً.. متسبيناش.. ابني بيقولك متسيبيش، وأنا كمان عايزك تفضلي شوية.. الجو برد قوي، وأنتِ كمان تعبانة.. تعالي معانا، ناخدك مكان دافئ، تاكلي، وترتاحي، وبعدين نحكي كل حاجة براحتك، وتعملي اللي أنتِ عايزاه.
في نفس الوقت، اقترب الطبيب الخاص بمراد، وفحص سليم بسرعة، وقال باطمئنان
الحمد لله يا فندم.. حالته مستقرة.. الرجلين مش مكسورين، بس ضعف العضلات والبرد الشديد سبب له تقلصات شديدة، وإن بقى أكتر من كده كان ممكن يتعرض لضرر كبير أو حتى التهاب رئوي خطېر.. محتاجين ننقله المستشفى فوراً عشان ياخد الرعاية الكاملة.
حمل الحراس سليم بحذر ورفق، ومراد لسه بيبص على ليلى، وشافها بتتردد بين الرغبة في الهروب والشعور بالدفء اللي حست به من كلامه، وخصوصًا لما شافت كيف كان خايفًا على ابنه، وكيف كان بيتعامل معاه بحنان.
قال لها تاني بهدوء
تعالي معانا.. محدش هيمسكك، ولا هيسألك أسئلة صعبة.. بس عايز أتأكد إنك كويسة زي ما أنقذتِ ابني وتأكدتِ منه.. وبعدين أنتِ حرة تروحي في أي وقت.
ليلى نظرت لسليم اللي كان بيلتفت لها، وبصت للراجل اللي وعدها، وفكرت أنا مش معايا حاجة أخسرها.. الشارع برد، والليل قرب يطول، وربما المكان ده يكون أحسن من النوم تحت الكوبري. فهزت راسها بصعوبة، وقالت بصوت واطي
تمام.. بس هروح بعد كده.
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة، وقال
أكيد.. زي ما قلتلك.
أشار لحراسه، وطلب منهم يجيبوا بطانية دافئة، ولفوها بسرعة حول ليلى، وحسّت فورًا بالدفء يغمر جسمها المتجمد، وده خلى قلبها يرتاح شوية. ركبوا كلهم العربية الفخمة، وكانت المرة الأولى في حياتها اللي تركب عربية زي دي، والمرة الأولى اللي تحس بهذا الدفء والراحة، وعينيها كانت بتتجول في كل مكان بدهشة، ومش مصدقة إنها موجودة هناك.
في
الطريق، سألها
مراد بهدوء
اسمك إيه يا بنتي؟.
ردت بسرعة
ليلى.
وأنتِ عايشة فين يا ليلى؟ ومع مين؟.
سكتت شوية، ونزلت عينيها، وقالت
مش معايا حد.. وعايشة في الشارع.. تحت الكباري، في المحطات، أي مكان…
مراد اتسعت عينيه من الصدمة، وقال بصوت متأثر
بس أنتِ صغيرة قوي.. سبع سنين كده بتعيشي لوحدك؟.
هزت راسها ببساطة، وقالت
الشارع علمّني كل حاجة.. ستي ماټت في حريق، ودار الرعاية كانت قاسېة، فهربت…
سكت مراد، وحس پألم في قلبه، وشاف في ليلى شيئًا غريبًا، شيء بيجذبه، وقرر في داخله إنه مش هيسيبها ترجع للشارع، مهما كان الثمن.
وصلوا المستشفى، ودخلوا سليم فورًا، وبدأ الأطباء يعالجونه، وبيحاولوا يدفئوا جسمه، ويعطوه الأدوية اللازمة. أما ليلى، فأخذتها ممرضة لغرفة أخرى، وغسلت لها وجهها ويديها، وأعطتها ملابس نظيفة ودافئة، ووجبة ساخنة أكلتها بسرعة لأن جوعها كان شديدًا.
وبعد ساعات، خرج الطبيب وطمن مراد إن سليم أصبح بخير، وإن حالته مستقرة، ويمكنه يروح البيت في اليوم التالي، بس محتاج راحة تامة.
دخل مراد لغرفة سليم، ووجد ليلى واقفة بجانب السرير، بتبص لسليم بفضول، وسليم كان بيبادلها النظرات، وابتسم لها أول ما شافها.
قال سليم لأبوه
بابا.. هي اللي أنقذتني.. لو ما جاتش كنت هاموت.. المربية سابتني ومجتش…
نظرة الڠضب ظهرت على وجه مراد، وقرر إنه لازم يعرف كل حاجة عن المربية، وماذا فعلت، وكيف تجرأت على ترك ابنه في هذا الموقف الخطېر.
الجزء التالت
في الصباح الباكر، استيقظ سليم ووجد أبوه جالسًا بجانبه، وابتسم له، وقال
أنا كويس يا بابا.. وليلى فين؟.
رد مراد بابتسامة
هي في الغرفة التانية، نايمة.. جسمها كان تعبان جداً.
وبعدين أخذ نفسًا عميقًا، وقال
عندي سؤال يا سليم.. إيه اللي حصل بالظبط؟ إزاي وقعت؟ وإزاي سابتك المربية؟ قولي لي كل حاجة بالتفصيل.
حكى سليم القصة كاملة، بصوت واضح ومترابط، وشرح كيف كانوا يتمشون في الحديقة، وكيف رأت المربية صديقة لها، واتصلت بها، وقالت له إنها ستذهب لجلب شيء ما وتعود فورًا، لكنها لم تعد أبدًا، وكيف حاول هو التحرك وسقط، ولم يستطع النهوض، وكيف مر الوقت والبرد يزداد، وبدأ يفقد وعيه لولا وصول ليلى.
كان ڠضب مراد يزداد مع كل كلمة، وطلب من رئيس الحراس التحقيق فورًا، ومعرفة مكان المربية، والقبض عليها، وتقديمها للعدالة، لأنها ارتكبت چريمة لا تُغتفر، وهي ترك طفل معاق لا يستطيع الحركة وحيدًا في ظروف قاسېة.
وبعد ساعات قليلة، وصلت الأخبار، وتبين أن المربية، اسمها نادية، كانت تعمل معهم منذ فترة، لكنها كانت تعاني من ديون كثيرة، وتعرضت لضغوط من أشخاص سيئين، واتفقت معهم على ترك سليم في الحديقة، عشان يعتقد الجميع إنه اختطف، ويمكنهم الحصول على فدية كبيرة، لكنها خاڤت وفرت بعد أن علمت أن ليلى وجدته واتصلت بوالده.
تم القبض عليها، واعترفت بكل شيء، واتضح إنها كانت تخطط لسړقة الموبايل والأشياء الثمينة، وترك سليم ېموت، لكنها فرت خوفًا من أن يكتشف أمرها.
علم مراد بكل التفاصيل، وشعر بالڠضب الشديد، لكنه في نفس الوقت شكر الله أن ابنه نجا بفضل ليلى، وقرر إنه يجب أن يكافئها، لكنه شعر إن مجرد المال لا يكفي، خاصة بعد ما عرف إنها يتيمة ولا أحد لها، وتعيش في الشارع.
ذهب لغرفة ليلى، ووجدها استيقظت، وجالسة على السرير، بتلعب بأصابعها بتوتر، ومستعدة للرحيل.
قال لها بهدوء
صباح الخير يا ليلى.. إزاي حالك؟.
ردت بسرعة
كويسة.. شكرًا.. أنا ممكن أمشي دلوقتي؟.
جلس مراد على كرسي بجانبها، وقال
ليلى.. أنا عارف إنك عايزة تروحي، وعارف إنك خاېفة، وعارف إنك متعودة تعتمدي على نفسك.. بس أنا عايز أقولك شيء.. أنتِ أنقذتِ حياة ابني، وده
أغلى شيء عندي في الدنيا.. وبدونك، كان ممكن أفقده.. فأنا مدين لكِ بكل شيء.
سكت شوية، وكمل
وعرفت كمان إنك مالكش حد، ومش عندك مكان آمن تعيشي فيه.. والشارع مش مكان لطفلة صغيرة زيك، وبيحمل مخاطر كتير ممكن تؤذيكِ.. فأنا جاي أقدم لكِ عرض.. تعالي عيشي معانا في القصر.. نعطيكِ الأمان، والطعام، والملابس، والتعليم، وكل شيء تحتاجينه.. وتبقي زي بنتي، وزميلة لسليم، وتبقي دائمًا جنبه.
اتسعت عيني ليلى من الدهشة، وقالت بصوت متردد
أعيش معاكم؟ في القصر؟ ليه؟ أنا مش عملت حاجة تستاهل كل ده.. أنا بس كلمتك…
رد مراد بجدية وصدق
بالنسبة لكِ كان شيء بسيط، لكن بالنسبة لي كان فرق بين الحياة والمۏت.. واللي أنتِ عملته كان من قلب طيب، من غير ما تنتظري مقابل، وده أغلى ما في الناس.. وأنا مش هجبركِ على شيء.. لكن فكري فيها.. تعيشي في مكان دافئ، ومش هتجوعي، ومش هتخافي، وتتعلمي وتكبري في أمان.. وتبقي عندك بيت وعيلة.
فكرت ليلى، وتذكرت البرد، والجوع، والخۏف اللي كانت تعيشه كل يوم، وتذكرت سليم، وكيف كان طيب معاها، وتذكرت كلام جدتها إن الخير دائمًا بيجيب خير، فهزت راسها ببطء، وقالت
تمام.. أوافق.. بس لو ما عجبتنيش، أقدر أمشي؟.
ابتسم مراد وقال
أكيد.. في أي وقت، وأنتِ حرة تمامًا.
فرح سليم جداً بالخبر، وقال لها بحماس
هتتعلمي معايا، ونلعب مع بعض، وهعرفك كل حاجة.. القصر كبير وفيه حاجات كتير حلوة!.
وبعدها، غادروا المستشفى، وذهبوا للقصر الكبير، وكل شيء كان جديدًا وغريبًا على ليلى، لكنها شعرت بشيء لم تشعر به من قبل الأمان.
الجزء الرابع
بدأت حياة ليلى الجديدة في قصر آل الهواري، وكانت كل يوم بتتعلم شيء جديد، وبتكتشف عالم مختلف تمامًا عن اللي كانت تعرفه. في البداية،
كانت مترددة، وحذرة، ومش قادرة تتعود على الراحة والهدوء، وكانت دائمًا پتخاف إن كل ده حلم وسيستيقظ وتجد نفسها في الشارع مرة أخرى.
لكن مع مرور الأيام، وبتعامل مراد اللطيف، وحنان الخادمات، وصداقة سليم، بدأت تسترخي، وبدأت تفتح قلبها، وبدأت تظهر طبيعتها الطيبة والذكية.
تم توفير كل ما تحتاجه غرفة كبيرة ومريحة، ملابس جميلة ونظيفة، وبدأت تتعلم القراءة والكتابة، ووجدت إنها ذكية جداً، وتتعلم بسرعة، وبدأت تحب الدراسة، وتتمنى تصبح معلمة يومًا ما عشان تساعد الأطفال الفقراء زيها.
كانت تقضي معظم وقتها مع سليم، تساعده في الحركة، تقرأ له القصص، تلعب معه، وبدأت علاقة صداقة قوية تربط بينهما، وكل منهما وجد في الآخر رفيقًا يفهمه. سليم كان يعاني من صعوبة في الحركة، وكان يشعر أحيانًا بالحزن والوحدة، لكن وجود ليلى جعل حياته أجمل، وعلمته الصبر والقوة، وكيف يتعامل مع الصعوبات بابتسامة. أما ليلى، فوجدت في سليم صديقًا وفيًا، وعائلة حقيقية لم تكن تحلم بها أبدًا.
مراد كان يراقبها بفرح، ويرى كيف تتغير وتنمو، وكيف يظهر فيها طيبة قلبها وحنانها، وبدأ يحبها كابنة له، ويعتبرها جزءًا من عائلته.
وبعد مرور عام، حدث أمر غير متوقع.. كان مراد يبحث في أوراق قديمة، وملفات عائلية، ووجد شيئًا لفت انتباهه.. تذكر زوجته الراحلة، وكيف كانت لديها صديقة مقربة جداً، كانت تعيش معهم لفترة، وتزوجت، وبعدها حدث حريق في منزلها، وټوفيت هي وزوجها، وابنتهما الصغيرة اختفت، ولم يعرف أحد مصيرها..
تذكر التفاصيل، وتذكر الاسم، وبدأت الشكوك تدور في رأسه، فأخذ يبحث ويحقق، وطلب عمل تحليل حمض نووي، وجمع كل المعلومات، حتى وصل لحقيقة مذهلة..
ليلى لم تكن مجرد طفلة وجدت في الشارع.. كانت ابنة صديقة زوجته المقربة، والطفلة التي كانوا يبحثون عنها منذ سنوات، بعد
أن اختفت بعد الحريق، واعتقد الجميع إنها ټوفيت، لكنها نجت، وعاشت في الشارع، ونسيت تفاصيل ماضيها الصغير.
عندما اكتشف مراد هذه الحقيقة، شعر بالدهشة، وشعر إن القدر له طريقة غريبة في ربط الأرواح، وإن ما حدث لم يكن مجرد صدفة، بل كان أمرًا مقدرًا.
ذهب لليلى، وحكى لها القصة، وأظهر لها الأوراق والصور، وبدأت ليلى تتذكر أشياء بسيطة، صور غامضة في ذاكرتها، تذكرت صوت جدتها، وتذكرت اسم أمها، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها، وهي تشعر إنها وجدت أخيرًا جذورها.
قال لها مراد
يعني أنتِ مش مجرد ضيفة هنا.. أنتِ من عائلتنا.. صديقة أمك كانت زي أختي، وأنتِ كنتِ زي ابنتها، وكنتِ ستعيشين معنا لو لم يحدث ما حدث.. فالآن أنتِ فعلاً ابنتي، وعائلتك هنا.
فرحت ليلى جداً، وشعرت إنها وجدت بيتها الحقيقي، وعائلتها الحقيقية، وإن الحياة بدأت تعوضها عن كل ما عانته.
الجزء الخامس
مرت السنوات، وكبرت ليلى وسليم، وتغيرت حياتهما تمامًا. ليلى أصبحت فتاة ذكية ومتعلمة، أكملت دراستها، وتخرجت من الجامعة بتفوق، وقررت تحقيق حلمها مساعدة الأطفال المشردين، واليتامى، والذين يعانون من ظروف صعبة.
أسست جمعية خيرية تحمل اسم جدتها، وساعدت مئات الأطفال، وفتحت لهم مراكز تعليمية، وملاجئ آمنة، وعملت بجد لتحسن حياتهم، بناءً على تجربتها الشخصية، وكيف كانت بحاجة لمن يمد لها يد العون في يوم من الأيام.
أما سليم، فقد خضع لعمليات جراحية ناجحة بفضل التقدم الطبي، وبدأ يستعيد قدرته على الحركة تدريجيًا، ونجح في أن يصبح مهندسًا ناجحًا، وشارك والده في إدارة شركاته، وكان دائمًا يدعم مشاريع ليلى الخيرية بكل قوته.
ظلت علاقتهما قوية ومميزة، تجمع بينهما الصداقة والأخوة، وكل منهما كان يعتبر الآخر نعمة من الله.
مراد كان فخورًا بهما جداً، وشعر إن حياته اكتملت، وإن ما بدأ بموقف صعب ومؤلم، انتهى بأجمل نهاية، وإن الخير الذي فعلته ليلى عاد عليها أضعافًا مضاعفة.
وظلت قصة ليلى وسليم تُحكى في كل مكان، لتكون عبرة لكل من يسمعها
لا تستهن بفعل خير صغير، ولا تعرف كيف ستغير حياتك وحياة الآخرين، ولا تحكم على الناس من مظهرهم أو ظروفهم، فالقلب الطيب هو أغلى ما يملكه الإنسان، والقدر يجمع الأرواح الطيبة في الوقت المناسب، ويعوض المظلومين والمتألمين بكل ما هو جميل.
وهكذا انتهت القصة.. بدأت بطفلة صغيرة تعيش في الشارع، وطفل وحيد في البرد، وانتهت بعائلة متماسكة، ونجاح، وعطاء، وبرهان قاطع على أن الحب والخير والصدق قادر على تغيير كل شيء، وإن الشمس تشرق دائمًا بعد أشد الليالي ظلمة.