جوز اختي ج 3 حكـايات منـي الـسـيد
الفصل الخامس (قبل الأخير)
— وقوليله إن الوقت خلص… وأنا جاي آخد حقي بنفسي.
أول ما المكالمة اتقفلت، حسيت إن إيدي بقت ساقعة.
فضلت ماسكة التليفون وببص للشاشة السودة.
مش قادرة أستوعب اللي حصل.
الصوت كان هادي جدًا.
لكن الهدوء ده كان مرعب أكتر من أي تهديد.
رفعت عيني ناحية جوز أختي.
كان واقف مكانه كأنه اتصدم.
قلت بعصبية:
— مين ده؟
سكت.
صرخت:
— رد عليا!
أمي قامت من مكانها هي كمان.
— هو فيه إيه بالضبط؟!
مرر إيده في شعره بعصبية.
وبعدين قال:
— أعتقد إن خلاص مفيش فايدة من السكوت.
قعدنا كلنا.
حتى الأطفال حسوا إن فيه حاجة كبيرة بتحصل.
ودخلوا أوضتهم من غير ما حد يطلب منهم.
فضلنا ساكتين ثواني.
لحد ما قال:
— الراجل ده اسمه شريف.
الاسم ما قالش أي حاجة بالنسبة ليا.
لكن واضح إنه قال كتير بالنسبة لأمي.
لأن وشها اتغير فجأة.
وقالت:
— شريف؟!
بصلها بسرعة.
— إنتِ تعرفيه؟
أمي سكتت.
وده كان كفاية يخليني أتوتر أكتر.
قلت:
— ماما؟
تنهدت.
وقالت:
— من أكتر من عشر سنين كان شغال مع أبوكم الله يرحمه.
اتسعت عيني.
أبويا؟
إيه علاقته بالموضوع؟
قالت:
— كان شريك في مشروع قديم.
بس بعد فترة حصلت بينهم مشاكل كبيرة.
سألت بسرعة:
— مشاكل إيه؟
هزت رأسها.
— معرفش التفاصيل كلها.
أبوكم عمره ما كان بيحب يدخلنا في شغله.
لكن فاكرة إن الشراكة انتهت بشكل وحش.
جوز أختي بص لها بدهشة.
وقال:
— أختك عمرها ما قالتلي المعلومة دي.
أنا نفسي كنت مصدومة.
عمري ما سمعت الاسم ده قبل كده.
قال:
— يبقى كده الصورة بدأت تتضح.
قربت منه.
— وضحها إنت كمان.
تنهد.
وقال:
— قبل وفاة أختك بشهور، الراجل ده ظهر فجأة.
وكان بيدور على أوراق قديمة تخص شراكة حصلت من سنين.
استغربت.
— شراكة مين؟
قال:
— والدكم.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
كل الخيوط فجأة بدأت تترابط.
أختي.
الرسائل.
الصور.
المراقبة.
وأبويا اللي مات من سنين.
قلت:
— وأختي مالها بكل ده؟
رد:
— لأنها كانت محتفظة بصندوق قديم من حاجات أبوكم.
أمي شهقت.
— الصندوق البني؟
بصلها بسرعة.
— إنتِ تعرفيه؟
هزت رأسها.
— أيوة.
كان موجود زمان فوق الدولاب.
بس اختفى بعد وفاة أختها.
اتجمدت مكاني.
أختي كانت محتفظة بحاجة من أبويا؟
وليه؟
وليه محدش قال حاجة؟
جوز أختي قال:
— يوم ما الراجل ده جه، كان بيسأل على الصندوق.
قلت:
— وإيه اللي جواه؟
— معرفش.
— يعني إيه متعرفش؟
قال:
— لأن أختك رفضت تفتحه قدامي.
الكلام ده كان غريب جدًا.
أختي ما كانتش بتخبي حاجة.
أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه.
قال:
— كل اللي أعرفه إنها كانت مقتنعة إن جواه مستندات مهمة.
ومش أي مستندات.
مستندات ممكن تثبت حاجة كبيرة حصلت زمان.
سكتنا.
وأمي كانت باصة قدامها كأنها بتحاول تفتكر حاجة.
وفجأة قالت:
— يا نهار أبيض.
بصينا لها كلنا.
قالت:
— افتكرت.
قربت منها بسرعة.
— إيه؟
قالت:
— قبل ما أبوكم يموت بأيام، كان قلقان جدًا.
وكان بيقول إن فيه ناس عايزة تاخد حق مش حقها.
اتجمدنا.
أمي كملت:
— وقتها افتكرته بيتكلم عن الشغل وخلاص.
لكن يمكن الموضوع كان أكبر.
في اللحظة دي جوز أختي قام فجأة.
وراح للشنطة.
وطلع مفتاح صغير.
قديم.
ولونه نحاسي.
وقال:
— ده كان مع أختك.
لقيته في درج خاص بيها.
أخدته من إيده.
— مفتاح إيه؟
قال:
— معرفش.
لكنها كانت مخبياه كويس جدًا.
بصيت للمفتاح.
وشعور غريب سيطر عليا.
حاسّة إني شوفته قبل كده.
لكن فين؟
وفجأة افتكرت.
وقفت مرة واحدة.
— الدولاب!
أمي بصتلي.
قلت:
— دولاب أبويا القديم.
الموجود في المخزن.
اتسعت عينيها.
— يا ساتر…
جريت ناحية المخزن.
والكل ورايا.
الدولاب كان قديم جدًا.
ومن سنين محدش فتحه.
الغبار مغطيه بالكامل.
لكن فعلاً…
فيه درج صغير تحت.
وعليه قفل.
نفس حجم المفتاح تقريبًا.
إيدي كانت بترتعش وأنا بحاول أفتحه.
وأخيرًا…
القفل لف.
واتفتح.
فتحنا الدرج ببطء.
ولثواني محدش اتكلم.
لأن جواه كان صندوق خشبي صغير.
بني اللون.
قديم.
نفس الصندوق اللي أمي كانت بتتكلم عنه.
أمي حطت إيدها على بقها.
وقالت:
— هو ده.
بصينا لبعض.
وقلبي كان بيدق بعنف.
بعد كل اللي حصل…
الصندوق أخيرًا قدامنا.
مديت إيدي علشان أفتحه.
لكن جوز أختي مسك إيدي بسرعة.
— استني.
بصيت له.
قال:
— لو فعلًا ده اللي الراجل بيدور عليه…
يبقى لازم نفكر الأول.
قلت بعصبية:
— نفكر في إيه؟!
إحنا بقالنا أيام بنتطارد بسبب الصندوق ده!
لازم نعرف فيه إيه.
أمي وافقتني.
وبدأنا نفتح الغطا.
ببطء شديد.
ولما اتفتح…
لقينا ملفات قديمة.
وأوراق كتير.
وصور.
وأظرف مقفولة.
وفي النص بالضبط…
مظروف كبير مكتوب عليه بخط أبويا.
“لا يُفتح إلا بعد وفاتي.”
سكتنا كلنا.
حرفيًا سكتنا.
بصيت للجملة أكتر من مرة.
خط أبويا كان واضح.
وإحساس غريب هجم عليا.
كأنه موجود وسطنا.
بعد كل السنين دي.
مديت إيدي ناحية الظرف.
لكن قبل ما ألمسه…
سمعنا صوت تكسير قوي جدًا.
جاي من الصالة.
كلنا اتخضينا.
وجرينا برا المخزن.
وأول ما وصلنا…
اتجمدنا مكاننا.
لأن زجاج الشباك الكبير كان متكسر بالكامل.
وفي نص الأرض…
كانت طوبة ملفوف حوالين ورقة.
وأولادنا الأربعة واقفين بعيد مرعوبين وبيعيطوا.
جريت عليهم بسرعة.
أما جوز أختي فالتقط الورقة.
وفتحها.
ولما قراها…
اللون اختفى من وشه تمامًا.
قلت بخوف:
— مكتوب فيها إيه؟
رفع عينه ناحيتي ببطء.
وقال:
— هو عرف إن الصندوق اتفتح.
شهقت أمي.
أما أنا فقلت:
— مستحيل!
قال:
— مش بس كده.
ناولني الورقة.
بصيت فيها.
وكان مكتوب بخط أسود كبير:
“آخر فرصة… سلموا الصندوق قبل بكرة بالليل.”
وتحت الجملة مباشرة…
كان فيه سطر واحد خلاني أحضن أولادي تلقائيًا من شدة الرعب:
“المرة الجاية… مش هكسر الشباك.”
يتبع…
الفصل الأخير
“المرة الجاية… مش هكسر الشباك.”
فضلت باصة للورقة وأنا حاضنة أولادي.
حاسّة إن قلبي هيخرج من مكانه.
أما أمي فكانت بتبكي وهي تحاول تهدي الأطفال الأربعة.
وجوز أختي كان واقف في نص الصالة، ماسك الورقة ومش قادر يخبي توتره.
لأول مرة أحس إن الموضوع بقى خطر بجد.
مش مجرد رسائل غامضة.
ولا صور مجهولة.
ولا مكالمات تهديد.
دلوقتي فيه حد وصل لحد بيتنا.
وعارف إحنا فين.
وعارف إن الصندوق اتفتح.
وأكيد بيراقبنا.
قلت بصوت مرتعش:
— لازم نبلغ الشرطة.
جوز أختي هز رأسه فورًا.
— ده أول حاجة هنعملها.
بعد أقل من ساعة كنا في القسم.
حكينا كل حاجة.
الرسائل.
الصورة.
المكالمات.
والتهديدات.
والضابط سمعنا للآخر.
وبعدين طلب يشوف الصندوق ومحتوياته.
رجعنا البيت.
وقعدنا حوالين الترابيزة.
أول مرة من يوم ما بدأ الكابوس ده نحاول نفتح المظروف اللي أبويا كاتبه.
المظروف اللي مكتوب عليه:
“لا يُفتح إلا بعد وفاتي.”
إيدي كانت بتترعش.
لكن المرة دي ما كانش فيه وقت للتردد.
فتحت الظرف.
وسحبت الورق اللي جواه.
كانت عدة صفحات.
أول صفحة مكتوبة بخط أبويا.
بدأت أقرأ بصوت عالي.
“لو بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.”
دموعي نزلت فورًا.
رغم مرور السنين.
لسه اشتياقي لأبويا زي ما هو.
كملت.
“أنا بكتب الكلام ده علشان أحمي ولادي من غلطة عملتها زمان.”
بصينا لبعض.
وكملنا قراءة.
واتضح إن أبويا فعلًا كان شريك لشريف من أكتر من عشر سنين.
وكانوا داخلين في مشروع كبير.
لكن بعد فترة اكتشف إن شريف بيزور أوراق وعقود علشان يستولي على أملاك مش من حقه.
أبويا رفض.
وحاول ينسحب.
لكن قبل ما ينسحب احتفظ بنسخ من كل المستندات اللي تثبت الحقيقة.
وخباها في الصندوق.
عشان لو حصل له حاجة.
تظهر الحقيقة يوم من الأيام.
أمي حطت إيدها على قلبها.
وقالت:
— يا ساتر يا رب.
أما أنا فكنت مصدومة.
كل السنين دي.
وأبويا شايل السر لوحده.
كملت القراءة.
وفي آخر الرسالة كتب:
“لو وصلتم للورق ده، يبقى لازم تسلموه للجهات المختصة فورًا. لأن الحق لازم يرجع لأصحابه.”
هنا فهمنا كل حاجة.
شريف ما كانش بيدور على فلوس.
ولا على ميراث.
كان بيدور على المستندات.
المستندات اللي ممكن تفضحه.
وتثبت جرايمه.
والأصعب من كده…
إننا لقينا داخل الصندوق نسخ عقود وأوراق رسمية بالفعل.
أسماء.
وتوقيعات.
وتواريخ.
كل حاجة.
الضابط أخد الأوراق كلها.
وبدأت تحقيقات رسمية.
لكن المشكلة إن شريف اختفى.
كأنه تبخر.
ومر أسبوع كامل من غير أي خبر.
أسبوع كامل عايشين في خوف.
كل صوت في الشارع يخضنا.
كل جرس باب يخلينا نتوتر.
وكل رقم غريب يرن نخاف نرد عليه.
لكن في نفس الوقت…
حاجة غريبة بدأت تحصل.
أنا وجوز أختي بقينا بنتكلم أكتر.
مش عن الجواز.
ولا عن الماضي.
عن الأطفال.
عن الخوف.
وعن المسؤولية.
وفي مرة بعد ما الأولاد ناموا، قعدنا في البلكونة.
وكان لأول مرة من شهور قاعدين بهدوء.
بصلي وقال:
— أنا مدينلك باعتذار.
استغربت.
— ليه؟
تنهد.
— علشان أول مرة اتكلمنا فيها كنت أناني.
سكت.
وكمل:
— كنت شايف أولادي بس.
مش شايف أولادك.
الجملة دي أثرت فيا أكتر مما توقعت.
قال:
— الحقيقة إني كنت خايف.
قلت:
— عارف.
هز رأسه.
— لا… ما كنتيش تعرفي.
أنا بعد وفاة أختك بقيت مرعوب من فكرة إني أفشل في حماية أي طفل تاني.
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
— لكن الأيام اللي فاتت فهمت حاجة.
بصيت له.
قال:
— الأطفال الأربعة دول بقوا إخوات فعلًا.
ولادك بيحموا ولادي.
وولادي بيحبوا ولادك.
وأي حد يفكر يفصلهم هيكسر قلوبهم كلهم.
لأول مرة أحس إنه بيتكلم من قلبه.
مش من خوفه.
ولا من حساباته.
وفي اللحظة دي افتكرت أول يوم طلب مني أسيب أولادي.
وحسيت قد إيه الدنيا بتتغير.
بعد يومين حصلت المفاجأة.
الشرطة قبضت على شريف.
كان مستخبي في شقة بإسم مزور.
ولما واجهوه بالمستندات انهار.
واعترف بحاجات أكتر مما توقعوا.
وتأكد إن أبويا كان بيقول الحقيقة.
وإن أختي فعلًا كانت اكتشفت جزء من الموضوع قبل وفاتها.
علشان كده كانت محتفظة بالصندوق.
وعلشان كده كانت خايفة.
لكن الأهم من كل ده…
إن وفاة أختي نفسها اتأكد إنها كانت وفاة طبيعية.
ودي كانت أكتر حاجة ريحت قلبي.
لأن فكرة إنها تكون اتأذت كانت قاتلاني.
بدأت الأمور تهدى تدريجيًا.
والخوف يختفي.
والحياة ترجع طبيعية.
أو على الأقل أقرب للطبيعي.
لكن كان لسه فيه قرار واحد لازم يتاخد.
قرار الجواز.
أمي كانت مستنية.
وأهله مستنيين.
وحتى الأطفال بقوا يسألوا.
وفي يوم طلب يقابلني.
نفس الكافيه اللي اتقابلنا فيه أول مرة.
لكن المرة دي كان كل شيء مختلف.
قعد قدامي.
وبعد شوية صمت قال:
— أنا غيرت رأيي.
ابتسمت بحذر.
— في إيه؟
قال:
— في كل حاجة تقريبًا.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— لو فيه جواز… يبقى بالأطفال كلهم.
الأربعة.
من غير استثناء.
ومن غير شروط.
حسيت دموعي قربت تنزل.
قال:
— لأنهم بقوا عيلة واحدة فعلًا.
ولأول مرة من شهور حسيت إن الحمل اللي فوق صدري بدأ يخف.
لكنني سألته:
— وإنت متأكد؟
ابتسم.
وقال:
— لا.
ضحكت رغم توتري.
فكمل:
— مفيش حد متأكد من المستقبل.
بس أنا متأكد من حاجة واحدة.
إني مش عايز أخسر الناس اللي بقوا عيلتي.
رجعت البيت يومها وأنا بفكر.
كتير.
طول الليل.
وبصيت لأولادي وهم نايمين.
وبصيت لصورة أختي المعلقة على الحيطة.
وكأنها بتبتسم.
افتكرت كل اللي حصل.
الخوف.
والرسائل.
والأسرار.
والاختبارات الصعبة.
وفي الآخر اكتشفت حاجة مهمة جدًا.
إن الأمومة مش حاجة بنرميها لما تيجي فرصة جديدة.
ومش حمل بنتخلص منه علشان نرتاح.
أولادي كانوا أولويتي من أول يوم.
وهيفضلوا أولويتي لآخر يوم.
وأي إنسان يدخل حياتي لازم يقبلهم قبل ما يقبلني.
لأننا مش صفقة.
ولا شروط.
إحنا عيلة.
بعد شهور قليلة، اتكتب كتابنا في احتفال بسيط وسط العيلة.
وأولادنا الأربعة كانوا واقفين جنبنا.
بيضحكوا.
ويتخانقوا.
ويرجعوا يضحكوا تاني.
وأمي كانت قاعدة تبكي من الفرحة.
مش علشان فيه جواز.
لكن علشان أخيرًا شافت البيت كله مجتمع.
وفي لحظة وسط الزحمة بصيت لصورة أختي اللي كنا حاطينها على ترابيزة صغيرة تكريمًا ليها.
وهمست:
— اطمني… ولادك بخير.
وأولادي بخير.
وكلنا بقينا عيلة واحدة.
وساعتها لأول مرة من سنين…
حسيت إن قلبي مرتاح فعلًا.
تمت