ممنوع الرجوع للماضى بقلم ندى الجمل
أنا عمري ما تخيلت إن الغلطة اللي بنتي عملتها وهي عندها 16 سنة، هتفضل تطاردنا لحد بعد 6 سنين كاملة…
أنا اسمي سامية، وعندي بنت واحدة اسمها “يارا”.
يارا كانت هادية وطيبة وبتصدق أي كلمة حلوة تتقالها. أبوها اتوفى وهي صغيرة، وأنا اللي ربيتها لوحدي، كنت بخاف عليها زيادة عن اللزوم… يمكن عشان الدنيا علمتني إن البنت لو وقعت مرة، المجتمع عمره ما بينسى.
لما يارا دخلت ثانوي، اتعرفت على شاب اسمه كريم.
كان أكبر منها بخمس سنين، وبيعرف يتكلم كويس جدًا. يدخل البيت باحترام، ويكلمني بـ”يا طنط” ويجيب معاه حاجات بسيطة كده عشان يكسب قلبي.
بس قلبي ما ارتاحلوش يوم.
كنت كل ما أشوفه أحس إن وراه حاجة مستخبية… نظراته لبنتي ما كانتش بريئة، وطريقته في الكلام كانت دايمًا محسوبة زيادة عن اللزوم.
وفي يوم… الدنيا وقعت فوق دماغي.
عرفت إن بنتي غلطت معاه.
لحد النهاردة فاكرة صوت صريخي وهي قاعدة قدامي بترتعش وبتعيط وبتقول: “هو كان بيقولي إنه هيتجوزني يا ماما…”
كريم وقتها جه البيت بسرعة وقال: “أنا مستعد أتجوزها حالًا.”
بس أنا رفضت.
رفضت وأنا قلبي بيتقطع على بنتي، بس كنت حاسة إن الجوازة دي نهايتها خراب.
الولد اللي يقدر ياخد من بنت صغيرة براءتها بسهولة، عمره ما هيخاف عليها بجد.
بعدها كريم اختفى.
ولا سأل… ولا حاول حتى يطمن عليها.
أما يارا، فاتغيرت تمامًا.
بقت ساكتة، منطوية، وكأن روحها اتكسرت. وأنا فضلت سنين أحاول أرجعلها ثقتها في نفسها، وأقنعها إن الغلط مش نهاية الحياة.
وعدت الأيام…
لحد ما جه شاب اسمه أحمد.
شاب محترم، مهندس، هادي، وابن ناس.
أول مرة دخل بيتنا حسيت براحة غريبة. كان بيبص ليارا باحترام، ويكلمني بأدب، وعمره ما حاول يتجاوز حدوده.
ولأول مرة من سنين… شوفت بنتي بتضحك تاني.
اتقدم رسمي، ووافقنا، واتحدد معاد كتب الكتاب بعد أسبوع.
كنت فاكرة إن ربنا أخيرًا عوض بنتي…
لحد الليلة اللي قلبت كل حاجة.
يارا دخلت أوضتي وشها أصفر وبتترعش.
وقالتلي: “كريم رجع يا ماما.”
قلبي وقع.
رجع بعد 6 سنين كاملة… فجأة!
طلب يقابلني، ولما جه بصلي بثقة وقال: “أنا لسه بحب يارا… ومستعد أنفذ أي شرط تطلبوه.”
بصيتله وأنا حاسة إني مخنوقة.
نفس النظرة القديمة… نفس البرود اللي كان بيستخبى ورا الكلام الحلو.
قولتله بحدة: “دلوقتي افتكرت إنها بتحبك؟ بعد ما سيبتها مكسورة كل السنين دي؟”
رد بكل هدوء: “كنت صغير وغلطت… بس عمري ما نسيتها.”
المصيبة إن يارا… كانت لسه بتحبه.
عرفت ده من عينيها.
ولأول مرة بنتي تقف قدامي وتقول: “أنا موافقة على كريم.”
الكلمة نزلت عليا زي السك..ينة.
قولتلها وأنا مصدومة: “نسيتي عمل فيكي إيه؟!”
قالت وهي بتعيط: “على الأقل هو عارفني بكل حاجة…”
سكت.
لأن الجملة دي كسرتني.
بنتي كانت فاكرة إن ماضيها يخليها أقل… وإن أحمد لو عرف الحقيقة ممكن يسيبها.
قربت منها ومسكت وشها بإيديا وقلت: “إنتِ مش رخيصة عشان غلطة عملتيها وإنتِ طفلة. واللي يحبك بجد هيحبك بكرامتك كلها.”
بس جوايا… كنت تايهة.
أحمد شاب محترم وهيصونها فعلًا… لكن هل ينفع أكمل جوازة وبنتي قلبها مع حد تاني؟
وفي نفس الوقت… هل أسلم بنتي لواحد قلبي مش مطمنله مهما عمل؟
طول الليل ما نمتش.
وفي الفجر… سمعت يارا بتتكلم في البلكونة.
كانت بتقول: “أنا خايفة يا كريم… خايفة تجرحني تاني.”
وساعتها… فهمت.
اللي بينسحب وقت الشدة مرة، ممكن ينسحب ألف مرة.
الصبح ناديت بنتي وقولتلها: “الحب لوحده ما يكفيش. الأمان أهم.”
بكت في حضني كتير…
وبعد يومين، هي بنفسها طلبت تقابل كريم آخر مرة.
رجعت بعدها هادية بشكل غريب.
وقالتلي: “أنتِ كان عندك حق يا ماما.”
عرفت بعدين إن كريم لما حس إنها مترددة، قالها: “لو مش واثقة فيا للدرجة دي يبقى بلاش أحسن.”
بنفس السهولة.
نفس الهروب القديم… بس بشكل أهدى.
أما أحمد…
في يوم كتب الكتاب، كان ماسك إيد بنتي وكأنها أغلى حاجة في الدنيا.
ولأول مرة من سنين طويلة…
حسيت إن بنتي بأمان.
عدى على جواز يارا وأحمد حوالي 8 شهور…
والبيت لأول مرة من سنين كان فيه ضحك وراحة.
أحمد كان حنين بشكل يخليني أوقات أبصله وأقول بيني وبين نفسي: “إزاي ربنا بعت لبنتي الراجل ده بعد كل اللي شافته؟”
كان يحتويها في أبسط التفاصيل…
لو تعبت يطبخلها، لو زعلت يقعد يسمعلها بالساعات، وحتى أنا، عمره ما حسسني إني حمل عليهم.
أما يارا… فبدأت ترجع لنفسها القديمة.
بقت تهتم بشكلها، تخرج، تضحك، وتحكيلي أسرارها تاني.
وأكتر حاجة كانت تريح قلبي إنها بطلت تجيب سيرة كريم نهائي.
لحد يوم عيد ميلاد أحمد.
كنا متجمعين كلنا في البيت، والجو جميل، ويارا كانت مجهزاله مفاجأة صغيرة.
وفجأة… تليفونها رن.
بصت للشاشة واتجمد وشها.
أنا لاحظت، بس عملت نفسي مش واخدة بالي.
قامت دخلت الأوضة بسرعة، وبعد دقايق خرجت وهي متوترة.
قولتلها بهدوء: “مين؟”
قالت بسرعة: “رقم غلط.”
بس الأم عمرها ما بتتضحك عليها.
بعد ما الضيوف مشيوا، دخلت عليها لقيتها قاعدة على السرير وبتعيط.
قلبي اتقبض.
قولتلها: “كريم؟”
هزت راسها وهي منهارة.
طلع رجع يكلمها من رقم جديد.
بيقولها إنه ندمان… وإنه عمره ما حب غيرها… وإنه مستعد يستناها العمر كله.
اتعصبت وقلت: “وإنتِ رديتي عليه ليه؟!”
بصتلي بضعف وقالت: “معرفش يا ماما… يمكن جزء جوايا كان محتاج يسمع إنه ندم.”
سكت شوية… وبعدين سألتها السؤال اللي كنت خايفة منه: “إنتِ لسه بتحبيه؟”
يارا ما ردتش.
وده كان أسوأ رد.
في الليلة دي ما نمتش.
مش خوفًا من كريم بس… خوفًا من إن الماضي يهد بيت اتبنى بالعافية.
لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بأسبوع.
كنت عند يارا بالصدفة، وهي في الحمام، لما تليفونها نور برسالة.
ماكنتش ناوية أتدخل… والله.
لكن اسم كريم اللي ظهر قدامي خلاني اتجمد.
والرسالة كانت: “لو أحمد عرف الحقيقة كاملة، تفتكري هيكمل معاكي؟”
إيديا ساقعت.
فتحت الشات…
ولقيت مصيبتي الأكبر.
كريم كان بيهددها.
كان محتفظ بصور قديمة ومحادثات من أيام ما كانت صغيرة، وكل شوية يلمحلها إنه ممكن يبعتها لجوزها لو بعدت عنه نهائي.
دخلت يارا عليا وشافت التليفون في إيدي.
وشها بقى أبيض.
وقعت على الأرض وهي بتصرخ: “أنا آسفة يا ماما… كنت خايفة أقولك.”
أول مرة أحس بالرعب بالشكل ده.
مش على الماضي…
على بنتي اللي كانت عايشة طول الشهور دي مرعوبة.
قولتلها بعصبية: “وده اللي كنتِ عايزة ترجعي له؟! ده مريض!”
قعدت تعيط وتقول: “أنا فهمت متأخر… كنت فاكرة إنه حب.”
في اللحظة دي، أحمد دخل البيت.
شافنا بالحالة دي، واتخض.
بص ليارا وقال: “في إيه؟”
يارا فضلت تبصلي وهي بترتعش.
كنت عارفة إن اللحظة اللي طول عمرها خايفة منها وصلت.
إما تكذب…
أو تقول الحقيقة.
وفجأة… عملت حاجة ما توقعتهاش.
مسحت دموعها، وقفت قدام جوزها وقالت بصوت مكسور: “أنا لازم أحكيلك على كل حاجه
أحمد فضل واقف مكانه ثواني…
وشه هادي، بس عينيه فيهم قلق عمرى ما شوفته قبل كده.
قال بهدوء: “نفهم الأول… في إيه؟”
يارا كانت بتترعش بطريقة وجعت قلبي.
قعدت على الكنبة وهي ضامة إيديها لبعض كأنها مستنية حكم إعدام.
وأنا… كنت حاسة إني السبب في كل ده.
يمكن لو زمان احتويت بنتي أكتر بدل ما أخوفها من الغلط، ماكانتش فضلت عايشة بالرعب ده كله.
يارا أخدت نفس طويل وقالت: “قبل ما أعرفك بسنين… كنت مرتبطة بحد.”
أحمد سكت.
لا اتعصب… ولا قاطعها.
وده اللي شجعها تكمل.
حكتله كل حاجة.
حكت إزاي كانت صغيرة وساذجة، وإزاي صدقت كلام كريم، وإزاي سابها واختفى بعد ما كسرها.
وكل كلمة كانت بتطلع منها كأنها بتنزع روحها.
أما أنا، فكنت ببص لأحمد بخوف.
مستنية اللحظة اللي يقوم فيها ويمشي.
لكن اللي حصل صدمني.
أحمد قرب من يارا بهدوء وسألها: “هو بيهددك دلوقتي؟”
يارا هزت راسها وهي بتعيط.
قال: “يبقى المشكلة مش في ماضيك… المشكلة في المريض ده.”
أنا بصيتله بعدم استيعاب.
أما يارا، فانهارت أكتر وهي بتقول: “إنت مش زعلان مني؟”
سكت شوية… وبعدين قال الجملة اللي عمري ما هنساها: “كل بني آدم ليه ماضي… وأنا اتجوزتك عشان الإنسانة اللي قدامي دلوقتي.”
يارا انفجرت في العياط.
وأنا كمان.
لأول مرة أحس إن ربنا فعلًا عوض بنتي.
لكن كريم ماكانش ناوي يسيبنا.
بعد يومين، أحمد رجع البيت وشه متغير.
أول ما دخل قال: “كريم قابلني.”
قلبي وقع.
قال إنه استوقفه تحت الشركة، واداله فلاشة صغيرة وقاله: “لو عايز تعرف مراتك بجد… اتفرج.”
يارا شهقت بخضة.
أما أحمد، فطلع الفلاشة من جيبه وحطها على الطاولة بدون ما يفتحها.
وقال بهدوء: “أنا رميتها قبل حتى ما أشوف اللي فيها.”
يارا بصتله بصدمة: “ليه؟”
رد وهو باصلها: “لأني لو وثقت في واحد بيبتز ست… أكتر منك، أبقى أستاهل اللي يجرالي.”
الكلمة دي خلتني أعيط غصب عني.
بس أحمد ما وقفش عند كده.
في نفس الليلة، أخد يارا وروحنا كلنا لمحامي.
واتضح إن اللي كريم بيعمله جري..مة.
المحامي قالنا: “أي تهديد بصور أو محادثات بهدف الضغط أو التخويف يعتبر ابتزاز إلكتروني.”
ولأول مرة… شفت كريم مرتبك.
لأن طول عمره كان متأكد إن خوف يارا هيسكتها.
لكن اللي ماكانش يعرفه… إن البنت اللي زمان كانت بتستخبى وتعيط، بقت ست وراها جوز بيحميها.
بعدها بأيام، الشرطة استدعته.
وفي التحقيق حاول يمثل البراءة، لكن الرسائل كانت كفاية.
وأكتر حاجة صدمتني… اعترافه.
قال بمنتهى البرود: “أنا ماكنتش هأذيها… بس ماقدرتش أشوفها سعيدة مع غيري.”
في اللحظة دي فهمت إن إحساسي عمره ما خانّي.
ده ماكانش حب.
ده كان امتلاك.
بعد شهور، القض..ية خلصت بتعهد قانوني ومنع تواصل نهائي، لأن يارا رفضت تكمل إجراءات أكبر وقالت: “أنا عايزة أقفل الصفحة دي من حياتي.”
وأخيرًا… الصفحة اتقفلت فعلًا.
وفي يوم، كنت قاعدة مع يارا وهي بتحضر أوضة البيبي.
آه… بنتي كانت حامل.
بصتلها وهي بترتب هدوم صغيرة لونها أبيض، وفجأة قالتلي: “عارفة يا ماما؟ أنا كنت فاكرة إن الماضي هيفضل يطاردني طول عمري.”
ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت: “الماضي عمره ما بيكسب… طول ما الإنسان ماوقفش يعيش.”
سكتت شوية وبعدين قالت: “أحمد رجعلي ثقتي في نفسي.”
بصيت من البلكونة لقيته طالع السلم شايل أكياس كتير وبيتخانق مع البواب عشان يدفع الحساب بدل يارا.
ضحكت غصب عني.
وساعتها بس…
اطمنت على بنتي فعلًا.
عدى سنتين…
وساعات ببقى قاعدة لوحدي في البلكونة، أفتكر اللي حصل كله وأسأل نفسي: “لو كنت وافقت على كريم زمان… كان زمان بنتي فين دلوقتي؟”
كل مرة السؤال ده يخوفني.
يارا بقت أم لبنت صغيرة شبهها جدًا، اسمها “ليلى”.
نفس الضحكة… ونفس العيون الواسعة اللي كانت دايمًا تخوفني عليها من الدنيا.
أما أحمد، فكل يوم كان يثبت إنه راجل بجد.
مش بالكلام… بالمواقف.
في تعب الحمل كان شايل البيت كله، ولما يارا كانت تقوم بالليل مع البيبي، كان يصحى قبلها.
وأوقات كنت ألمحه وهو باصصلها وهي نايمة، بنفس النظرة اللي أي أم تتمناها لبنتها.
نظرة أمان.
وفي يوم جمعة، كانوا معزوميني على الغدا عندهم.
دخلت لقيت البيت متبهدل لعب أطفال، ويارا بتزعق للبنت الصغيرة، وأحمد بيجري وراها وهو بيضحك.
وقفت أبص عليهم وأنا ساكتة.
المشهد كان عادي جدًا…
بس بالنسبة لواحدة عاش قلبها سنين في الخوف، كان أجمل مشهد في الدنيا.
بعد الغدا، يارا دخلت المطبخ تساعدني.
وفجأة قالت: “ماما… أنا عمري ما شكرتك.”
استغربت.
قالت وهي بتبصلي: “زمان كنت فاكرة إنك ظلمتيني لما رفضتي كريم… وإنك حطمتي قلبي. بس دلوقتي فهمت إنك كنتِ شايفة حاجة أنا ماكنتش شايفاها.”
قلبي وجعني.
لأن الحقيقة؟
أنا نفسي وقتها ماكنتش متأكدة.
كنت خايفة أكون بحرّم بنتي من الشخص اللي بتحبه.
قولتلها بهدوء: “الأم أوقات كتير بتختار وهي مرعوبة… مش وهي متأكدة.”
ابتسمت ومسكت إيدي وقالت: “بس المرة دي… خوفك أنقذني.”
في اللحظة دي، دخل أحمد المطبخ وهو شايل ليلى على كتفه وقال: “الحقيني يا طنط، بنتك وبنت بنتك عاملين عليا انقلاب.”
ضحكنا كلنا.
وبعدين حصلت حاجة صغيرة… لكنها لمست قلبي جدًا.
ليلى مدت إيديها الصغيرة لأحمد وقالت: “بابا.”
الكلمة كانت عادية…
بس أنا حسيت دموعي نزلت.
لأن البنت اللي كنت خايفة عليها من كلام الناس، ومن الماضي، ومن كسر القلب…
بقى عندها بيت.
وجوز بيحبها.
وطفلة بتناديه “بابا” بكل أمان.
قبل ما أمشي، وقفت في البلكونة أبص عليهم من بعيد.
يارا كانت بتضحك، وأحمد بيأكل ليلى، والبيت كله فيه دفى.
وساعتها فقط…
فهمت إن الستر الحقيقي مش إنك تخبي الماضي.
الستر الحقيقي…
إن ربنا يبعت لبنتك حد يحتوي وجعها، وما يستخدموش ضدها أبدًا.
بقلم ندى الجمل

