عـزومـة بطعـم الخيـانة ج 2 حكـايات منـي الـسـيد
**الفصل الثالث (قبل الأخير)**
في ثانية واحدة، تحول البيت اللي كان دايما مترتب وريحة الأكل الشيك مالياه، لخرابة من الصريخ والعياط والذهول.
الحاج شاكر وقع بطوله على السجادة البيروتية اللي في نص الصالة، عصايته الأبنوس رنت على الأرض رنة خلت قلوب الكل تقف. عمه “حسين” وعمته “فوزية” وأولادهم دخلوا من الباب وفرحة العزومة وسؤال “كل سنة وأنتم طيبين” لسه على لسانهم، بس الكلمة اتجمدت في الهوا. عمتهم فوزية أول ما شافت أخوها الكبير واقع على الأرض، صرخت صرخة شقت سكون الشقة: “أخوياااا! شاكر! جرى له إيه؟ الحقونا يا ناس!”
الكل جِري على الحاج شاكر اللي كان وشه أزرق، وعينه مقلوبة لفوق، ونفسه بيطلع بصعوبة وكأن الروح بتتحشر في بلعومه. أحمد رمى نفسه عليه، بيعيط زي العيال الصغيرة، يلطم على وشه ويهز في كتف أبوه: “بابا! رد عليا يا بابا! أنا أحمد يا حبيبي.. قوم عشان خاطري! متعملش فيا كدة!”
أما “سعاد”.. فكانت واقفة في ركن بعيد، لازقة ضهرها في الحيطة، وشها بقى لونه شبه لون الحيطة البيضا، عينيها بتتحرك برعب وجنون بين الحاج شاكر اللي بيموت، وبين الصورة الكانفاس الضخمة اللي فوق السفرة، وبين عيون العيلة اللي بدأت ترفع راسها وتبص للحيطة بالتدريج.
عم حسين، أخو الحاج شاكر، راجل حامش وصاحب كلمة، ساب أخوه ثانية ورفع عينه عشان يشوف إيه اللي ورا الصدمة دي. عينيه جت على الصورة. النضارة القراءة اللي كان معلقها في رقبته وقعت. الراجل بق صُباعه السبابة وشاور على الصورة وهو مش قادر ينطق، صوته طلع مخنوق ومصعوم: “إيه.. إيه الفجر ده؟ إيه قلة القيمة دي؟ أحمد.. وسعاد؟!”
في اللحظة دي، عمتهم فوزية سابت أخوها وبصت لفوق.. الصرخة اللي كانت بتصرخها عشان أخوها المغمى عليه، اتقلبت لشهقة رعب، حطت إيدها على بوقها وبصت لأحمد وبصت لسعاد، وقالت بصوت هسيس مليان قرف: “يا مـ*ـصـ*ـيبتي السودا.. يا فضيحتنا وسط الخلق! ده.. ده حقيقة ولا أنا عيني اتعمت؟”
أنا كنت واقفة بعيد.. بعيد تماماً عن دايرة الزحمة دي. ساندة كوعي على بار المطبخ، بتفرج ببرود غريب عليا، بس البرود ده كان طالع من وجع سبع سنين. كنت حاسة إني بتفرج على فيلم سينما، مش على حياتي اللي بتتفـ*ـرتق حتت. عصير الليمون الساقع في إيدي لسه مخلصش، وكل نقطة عرق بتنزل من أحمد أو من سعاد، كانت بتبرد ناري شوية.
أحمد لف وشه وعينه جت في عيني، صرخ بـ*ـغـ*ـل وجنون وهو قايم من على الأرض ورايح عليا: “أنتِ خربتي البيت! أنتِ مـ*ـجـ*ـرمة! أبويا بيموت بسببك! لو جرى له حاجة أنا هـ*ـقـ*ـتـ*ـلِـك يا مروة!”
قبل ما يوصل المطبخ، كان عم حسين واقف في وشه.. ضربه قلم على وشه رن في الشقة كلها، قلم خلا أحمد يرجع لورا ويقع على كرسى السفرة. عم حسين زعق بصوت هز الحيطان: “اتكتم يا واد يا قليل الأدب! ليك عين تتكلم وتتنطط؟ أنت وخـ*ـر*ة أبوك؟ أنت اللي مـ*ـوّت أبوك بالفضيحة دي! وِشك في الأرض ومتنطقش!”
الكل كان تايه بين الحاج شاكر اللي بيموت، وبين الفضيحة. عيال عم أحمد كانوا واقفين مش عارفين يعملوا إيه، حد يطلب الإسعاف وحد يبص للصورة بوكسوف وقرف. رح ت أنا بكل هدوء، مسكت التليفون الأرضي، وطلبت الإسعاف، وقولت العنوان بالراحة وبالتفصيل، وقفلت.
بصيت لعمتهم فوزية وقولت بصوت عالي وثابت: “الإسعاف جاية في الطريق يا عمتي. بس قبل ما الإسعاف تيجي، وقبل ما الحاج شاكر يتنقل.. لازم الكل يعرف إن المحترمة اللي واقفة في الركن دي، طنط سعاد اللي كانت بتقولي (دي بنتي اللي مخلفتهاش)، كانت بتدير حسابات بيتي من تلات سنين. 7 مليون جنيه يا عيلة الحاج شاكر.. 7 مليون جنيه اتسرقوا من شقايا وتغربي، ومن الحساب المشترك اللي كنت بساعد بيه ابنكم الدكتووور.. عشان يتفسحوا في الفنادق ويسجلوا شاليهات باسمها!”
سعاد حست إنها بتغرق، وإن مفيش مفر، فاتحولت من دور الضحية المصدومة لدور الأفعى اللي بتـ*ـبـ*ـخ سِـم. طلعت من الركن، مشيت بخطوات سريعة ووقفت قدامي، وشها كان قريب من وشي لدرجة إني شميت ريحة برفيومها اللي بقيت بقرف منه، وقالت بصوت واطي ومسموع للكل: “7 مليون إيه يا أم 7 مليون؟ أنتِ هتتبلي عليا يا بت أنتِ؟ الفلوس دي أحمد اللي كان بيدهالي برضاه.. سلفة! ومساعدات! هو أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ أنتِ مجرد ماكينة فلوس.. أحمد عمره ما حبك! أحمد كان بيتجوزك عشان قرشينك وعشان تسنديه في أول حياته.. ولما شبع وعرف الستات بجد، جالي أنا! جالي عشان أنا اللي بعرف أخليه راجل! الصورة دي؟ أه أنا اللي بعتهالك.. وكنت عايزة أعرفهالك عشان تغوري من حياتنا بقى! بس مكنتش فاكرة إنك بالبجاحة دي وتعلقيها قدام أهله!”
الكلام نزل على عيلة أحمد زي الصاعقة. عم حسين متمالكش نفسه، تف على الأرض وقال: ” يا و*ـسـ*ـخة.. ده أنتِ في مقام أمه! شاكر عملك إيه عشان تعملي فيه وفي ابنه كدة؟ شالك من الفقر وعيشك في العز، وتقوم تـ*ـخـ*ـونـ*ـيه مع حتة عيل صايع من لحمه ودمه؟”
أحمد حط راسه بين إيديه وبدأ يصرخ: “بس بقا! بسسسس! كفاية فضايح! ارحموني!”
أنا مبصتش لسعاد ولا ردت على كلامها المستفز بشتيمة. بالعكس، طلعت من جيب الفستان كشكول صغير، ورميته على السفرة تحت الصورة بالظبط، وقولت: “دي كشوف الحسابات.. ده رقم التحويلات.. ودي فواتير الفنادق اللي متسجلة باليوم والساعة. والجميل بقى يا طنط سعاد.. إن الشاليه اللي في الساحل اللي أنتِ فاكرة إنك مأمنة نفسك بيه ومسجلاه باسم شركتك.. الفلوس طالعة من حساب بنكي باسمي أنا.. والمحامي بتاعي رفع قضية خيانة أمانة واستيلاء على أموال النهاردة الصبح.. يعني مش بس فضيحة، ده سجن كمان وتجريد من كل مليم خدتوه.”
سعاد عينيها وسعت، والمرة دي الرعب الحقيقي دخل قلبها. بصت لأحمد وقالتله بزعيق: “اتكلم يا أحمد! قول حاجة! مش أنت اللي قولتلي مروة هبلة وبتثق فيا وعمرها ما بتراجع ورايا؟ مش أنت اللي قولتلي إنها مغفلة وبتحبك ومستعدة تديك عينيها؟ اتكلم!”
أحمد مكنش قادر ينطق، كان بيبص لأبوه اللي بدأ يـ*ـشـ*ـهـ*ـق ونفسه يتقطع خالص. في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة الإسعاف تحت البيت.
شباب العيلة، ولاد عم أحمد، شالوا الحاج شاكر بسرعة ونزلوا بيه على السلم، وعم حسين وفوزية جروا وراهم. الشقة اللي كانت مليانة ناس، فضيت فجأة.. ومبقاش فيها غير تلاتة: أنا.. وأحمد.. وسعاد. والصورة الضخمة المعلقة شاهدة على الخـ*ـراب.
أحمد قفل الباب وراهم، ولف عليا.. وشه مكنش فيه نقطة دم، وعينيه كانت مليانة غـ*ـل وشر. قرب مني بخطوات سريعة، ومسكني من دراعي بقوة لدرجة إن صوابعه علمت في لحمي، وقال بفحيح: “أنتِ دمرتيني.. دمرتي اسمي في الجامعة، ودمرتي أبويا.. أبويا لو مات أنا هـ*ـشـ*ـرب من د*مِـك يا مروة.. مش هسيبك تطلعي منها كسبانة!”
أنا متهزتش.. بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، ورفعت عيني في عينه وقولت بنبرة هادية بس تخوف: “سيب إيدك يا أحمد.. عشان البواب والمحضرين واقفين تحت.. ولو صرخت صرخة واحدة، الشارع كله هيطلع يتفرج على الدكتور أحمد وهو بيمد إيده على مراته بعد ما اتفضح بخـ*ـيـ*ـانـ*ـة أبوه.”
نتر إيده من على دراعي بقرف، وبص لسعاد وقال بـ*ـعـ*ـصبية وجنون: “أنتِ السبب! أنتِ اللي قولتلي ابعتي الصورة عشان نلوي دراعها وتطلب الطلاق وتتنازل عن المؤخر! أنتِ اللي دمرتينا بغبائك!”
سعاد ضحكت بسخرية وهي بتلم حاجتها وقعت من الشنطة: “أنا السبب يا حيلتها؟ ولا أنت اللي كنت بتجري ورايا زي الكـ*ـلـ*ـب؟ أنت اللي كنت بتقولي أبويا كبر وعجز ومبقاش ينفعني، وأنتِ اللي بتفهميني؟ دلوقتي بقيت أنا السبب؟ المحامي بتاع مراتها هيحبسنا إحنا الاثنين يا فالح.. شوف كيريرك في الجامعة اللي انتهى النهاردة لما أعمامك ياخدوا الصورة دي وينشروها!”
أنا سيبتهم يـ*ـقـ*ـطّـ*ـعـ*ـوا في بعض.. السـ*ـم اللي كانوا بيبخوه في حياتي بقالهم سنين، بقوا يبخوه في وشوش بعض دلوقتي. دخلت أوضتي.. الأوضة اللي شهدت على الخيانة. لميت الشنطة الكبيرة اللي كنت مجهزاها بقالي يومين.. هدومي، أوراقي الشخصية، شهادات استثماري، ودهبي. مسبتش فتفوتة واحدة تخصني في البيت ده.
طلعت بالشنطة للريسبشن.. كانوا لسه واقفين بيجرجوا في بعض بالكلام والألفاظ القذرة اللي تليق بيهم. أول ما شافوني شايلة الشنطة، أحمد وقف وقال بذهول: “أنتِ رايحة فين؟”
وقفت عند الباب، بصيت للبيت، وبصيت للصورة الكبيرة اللي هتفضل متعلقة هنا لحد ما البوليس أو العيلة يجوا يكسروها، وقولت:
“رايحة للمكان اللي كان المفروض أكون فيه من 7 سنين.. رايحة أعيش حياتي اللي وقفتها عشان خاطر واحد زيك. ورقة طلاقي هتوصلك على الجامعة يا أحمد.. ده لو فضلت في الجامعة أصلاً. وشقا عمرنا اللي خريتوه أنت والست دي، هيرجعلي مليم مليم بالقانون.. والقانون مبيحاميش المغفلين.. ولا الخـ*ـايـ*ـنـ*ـين.”
فتحت الباب، وخرجت.. سحبت شنطتي ورايا، وسمعت صوت سعاد وهي بتصرخ وبتضرب أحمد على صدره، وصوت أحمد وهو بيـ*ـكـ*ـسـ*ـر في أطباق المطبخ والأكل اللي كنت تعبانة فيه.
نزلت السلم بخطوات ثابتة.. الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشي، ولأول مرة من تلات أيام.. حسيت إني قادرة أتنفس بجد. حسيت إن الحمل التقيل اللي كان كاتم على نفسي انزاح.
ركبت عربيتي، ودورتها.. وأنا بطلع من الشارع، موبايلي رن.
كان رقم عم حسين..
رديت وبطني وجعتني ثانية: “أيوة يا عم حسين.. طمني، الحاج شاكر ماله؟”
صوت عم حسين جه من الناحية التانية، صوت باكي، مكسور، ومليان قهر: “مروة يا بنتي.. الحاج شاكر في العناية المركزة.. الدكاترة بيقولوا جلطة شديدة في القلب.. والوضع حرج جدًا.. بس مش دي المصيبة يا بنتي.. المصيبة إن عمك حسين وأولاده مش هيسيبوا الواد ده وعشيقته.. الليلة مش هتعدي على خير.. أحمد وسعاد النهاردة هيدفعوا تمن اللي عملوه، بس بطريقتنا إحنا.. بطريقة ولاد البلد!”
قفلت الخط.. وحطيت الموبايل جنبي. بصيت للطريق قدامي، وابتسمت ابتسامة غامضة.. الحكاية لسه مخلصتش، والفصل الأخير مجهز مفاجآت مكنش حد يتوقعها.. ووو…..!!!!