في ليلة ذكري جوازنا
في ليلة ذكرى زواجنا، مسك جوزي إيد عشيقته قدام ولادي وقال:
“أول ما هتوقّع على الطـ,ـلاق… هتجوزها”،
لكن ابتسامته اختـ,ـفت لما سألته سؤال واحد بس:
“إنت متأكد إن كل اللي بتتكلم عنه ده ملكك؟”
— خطيبتي موجودة هنا… قاعدة معانا، وأول ما نسرين توقّع على الطـ,ـلاق، هنتجوز.
الكلام ده خرج من بُق “كريم العطار” وسط عشاء احتفال بمرور 18 سنة جواز، قدام ولادي، وأهله، وشركاء شغله… وحتى أمه اللي ما حاولتش حتى تستغرب.
كنت قاعدة ماسكة طرف المنديل في أفخم مطعم في القاهرة.
جابوا فرقة موسيقى، وتورتة 3 أدوار، وورد مختار بعناية عشان يطلع حلو في الصور… كل حاجة كانت متظبطة عشان الشكل… زي حياتنا بالظبط.
على يميني ابني الصغير “عمر” عنده 16 سنة، ووشه محمر من الإحراج.
وبنتي “ليلى” 21 سنة، كانت حابسة دموعها بالعافية.
وفي آخر الطاولة… كانت قاعدة “دينا فؤاد”، مديرة العلاقات العامة الجديدة في الشركة، بفستان نبيتي وابتسامة واثقة زيادة عن اللزوم.
كريم مسك إيدها.
— أنا مش عايز أعيش في كدب تاني — قالها وكأنه عمل حاجة عظيمة — دينا رجعتلي الأمل.
حماتي تنهدت وقالت:
— أخيرًا يا ابني خدت القرار.
ساعتها فهمت… كلهم كانوا عارفين.
كلهم… إلا أنا وولادي.
دينا قامت بهدوء ورفعت إيدها اللي فيها خاتم لامع:
— يا نسرين، مش عايزة أجرحك… بس كريم يستاهل واحدة تدفعه لقدّام، مش واحدة عايشة على اللي أهلها بنوه.
الهمس بدأ ينتشر حواليا:
— يا نهار أبيض…
— غلبانة نسرين…
— أكيد الجواز ده كان منتهي بقاله كتير…
بصيت لكريم… الراجل اللي دخل حياتي ببدلة مستعارة، وديون مخبيها، وطموح كبير… دلوقتي بيبصلي كأني عقبة في طريقه.
— خلصت؟ — سألته.
— ما تعمليش مشهد — رد ببرود.
— لا يا كريم… المشهد إنت اللي جبته بنفسك.
ليلى قامت بعصـ,ـبية:
— بابا! إزاي تعمل كده قدامنا؟
لكنه ما بصّش لها حتى:
— ده عشانكم برضه… كفاية نفاق.
دينا ابتسمت بثقة:
— مع الوقت هتفهموا.
كان نفسي أرد عليها، بس سكت.
مسكت شنطتي، وقفت، وسِبت الكاس زي ما هو.
— مبروك عليكم الجوازة — قلت — هتحتاجوا حظ كتير.
كريم ضحك بسخرية:
— نسرين… إنتِ مالكيش مكان تروحي له. البيت باسمي… والشركة كمان.
ساعتها… ابتسمت لأول مرة.
— إنت متأكد؟
الصمت وقع فجأة.
حماتي بطلت تبتسم… دينا اتلخبطت… وكريم اتعدل في قعدته.
ما قولتش حاجة تاني.
بست ولادي وخرجت من المطعم… من غير دموع، رغم إن قلبي كان بيتحـ,ـرق.
ركبت عربيتي واتصلت بشخص واحد بس:
— أستاذة هالة… فعّلي البند.
سكتت لحظة وقالت:
— متأكدة يا مدام نسرين؟
بصيت لنور المدينة وقلت:
— كريم أعلن جوازه من عشيقته وبيستعرض بالشركة… بكرة هيعرف إنه عمره ما كان صاحبها.
لأن الحقيقة اللي محدش كان يعرفها…
لا حماتي، ولا دينا… ولا حتى كريم نفسه في غروره…
إن “العطار للتجارة”
ما كانتش ملكه هو.
كانت ملك الست اللي أهانها قدام الكل.
ولما وصلت الشركة في نفس الليلة… اكتشفت حاجة خلت الخيانة نفسها مجرد بداية…
إنتوا لو مكان نسرين…
كنتوا هتسكتوا عشان الولاد؟
ولا تفضحوه قدام الكل؟
المبنى كان هادي بشكل غريب، كأن كل حاجة مستنية اللي هيحصل.
طلعت على مكتبي… نفس المكتب اللي كريم كان بيقعد عليه ويفتكر إنه صاحب القرار.
لكن الحقيقة؟
كان مجرد واجهة.
فتحت اللاب توب، ولسه بفكر أراجع الأوراق… لقيت ظرف بني كبير على المكتب.
مش بتاعي.
اسمي كان مكتوب عليه بخط واضح:
“مدام نسرين – عاجل”
قلبي دق بسرعة… فتحت الظرف.
جواه مستندات… وصور.
وأول صورة… خلت إيدي ترتعش.
كريم…
ودينا.
بس مش في مطعم… ولا مناسبة.
في مكتب الشركة…
وفي وضع ما ينفعش يتوصف.
قلبت باقي الصور… واحدة ورا التانية… تواريخ مختلفة… أماكن مختلفة…
والأصعب؟
فيه أوراق تحويلات مالية… مبالغ ضخمة… متسحبة من حسابات الشركة.
باسم شركات وهمية.
وقفت فجأة… وأنا بحاول أستوعب.
— يعني مش بس خيانة…
— دي سـ,ـرقة كمان…
وفي آخر الملف… ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها:
“لو بتقري ده… يبقى لازم تعرفي إن اللي جاي أخطر”
صوت خبط خفيف على الباب قطع تفكيري.
اتجمدت مكاني.
— مين؟ — قلتها بحذر.
الباب اتفتح ببطء…
ودخل “عماد”… مدير الحسابات القديم، اللي كان اختفى من الشركة من شهور.
وشه كان شاحب… وعينه مليانة خـ,ـوف.
— أنا آسف يا مدام نسرين… بس ما كانش ينفع أسكت أكتر من كده.
— إيه ده كله؟ — سألت وأنا شايلة الصور.
بلع ريقه وقال:
— الأستاذ كريم… كان بيحوّل فلوس الشركة لحسابات برة البلد…
— ودينا كانت بتساعده… وهي اللي رتبت كل حاجة.
سكت لحظة… وبصلي بجدية:
— بس المشكلة مش هنا.
حسيت بقلبي بيقع.
— أمال فين المشـ,ـكلة؟
قرب مني وقال بصوت واطي:
— في شريك تالت…
— واحد خـ,ـطير جدًا… ولو الموضوع اتكشف… إحنا كلنا في خـ,ـطر.
في اللحظة دي… موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت بتردد:
— ألو؟
صوت راجل ما أعرفوش قال بهدوء مرعـ,ـب:
— واضح إنك بدأتي تفهمي اللعبة يا مدام نسرين…
— بس نصيحتي؟ اقفلي الملف ده… لو عايزة ولادك يفضلوا بخير.
اتجمدت… وما قدرتش أتكلم.
المكالمة اتقفلت.
بصيت لعماد… وهو كمان سمع كل حاجة.
— إنتي دلوقتي مش بس ضد جوزك…
— إنتي دخلتي حـ,ـرب.
قعدت على الكرسي ببطء… وبصيت للصور تاني.
كريم كان فاكر إنه كسرني…
بس هو ما يعرفش إنه فتح باب… مش هيعرف يقفله.
رفعت عيني وقلت بثبات:
— لا… مش هسكت.
— ولا هسيب حقي.
— واللي لعب معايا… لازم يدفع التمن
.
لكن جوايا… كنت عارفة إن اللي جاي
مش مجرد انـ,ـتقام…
دي معركة.
الجزء الثالث هيكشف السر الأخـ,ـطر… مستعد؟
ما نمتش الليلة دي.
كنت قاعدة في المكتب، الصور قدامي، وكلام الراجل الغريب بيرن في ودني:
“لو عايزة ولادك يفضلوا بخير… اقفلي الملف.”
بس أنا عمري ما كنت من النوع اللي بيـ,ـخاف.
بصيت لعماد وقلت:
— عايزة كل حاجة… كل تحويل، كل حساب، كل اسم.
هز راسه بتوتر:
— تمام… بس لازم نتحرك بسرعة.
بدأنا نراجع الملفات… حسابات في بنوك برة مصر، شركات بأسماء وهمية، توقيعات مزوّرة…
لكن اللي خلاني أقف مكاني فجأة…
اسم واحد بس.
“شركة النور للاستثمار”
الاسم ده أنا أعرفه كويس…
مش شركة عادية.
دي شركة ليها عـ,ـلاقات تقيلة… وناسها ما بيهزروش.
رفعت عيني لعماد:
— إنت متأكد من ده؟
رد وهو بيبلع ريقه:
— للأسف… كل التحويلات الكبيرة كانت رايحة هناك.
في اللحظة دي… كل حاجة ركبت مع بعض.
كريم ما كانش بيـ,ـسرق لوحده…
كان بيشتغل لحساب حد.
حد أكبر منه… وأخـ,ـطر.
مسكت موبايلي واتصلت بأستاذة هالة:
— محتاجة أمر فوري بتجميد كل حسابات الشركة… حالًا.
ردت بسرعة:
— ده هيعمل ضجة كبيرة… خصوصًا لو الأسماء دي اتسحبت.
— خليها تقوم — قلت بحسم — أنا جاهزة.
قفلت معاها… ولسه هكمل كلامي، لقيت باب المكتب اتفتح بعنف.
دخل كريم.
بس مش لوحده.
معاه دينا… وراجل أول مرة أشوفه.
بدلة غالية… نظرة باردة… وابتسامة تخـ,ـوّف.
وقف قدامي وقال بهدوء:
— واضح إنك بتحبي تدوري في اللي ما يخصّكيش.
بصيت له بثبات:
— وأنت مين؟
ابتسم:
— خلينا نقول… أنا الشريك الحقيقي.
حسيت إن الجو تقيل فجأة.
كريم كان واقف ورا… بس المرة دي مش متحكم…
كأنه تابع.
— اللي عملتيه النهارده — الراجل كمل — هيكلّفك كتير.
رديت من غير تردد:
— اللي عملتوه إنتوا… هيكلّفكم أكتر.
دينا ضحكت بسخرية:
— إنتِ لسه فاكرة إن عندك سيطرة؟
فتحت درج المكتب بهدوء… وطلعت ملف.
رميته قدامهم.
— ده نسخة من كل حاجة… اتحولت للنيابة الاقتصادية من ساعة.
الصمت ضرب المكان.
كريم اتغير لونه:
— إنتي عملتي إيه؟!
بصيت له لأول مرة من غير أي وجع:
— عملت الصح.
الراجل الغريب قرب خطوة… صوته بقى أخطر:
— إنتي كده حكمتي على نفسك.
ابتسمت… بس المرة دي بثقة حقيقية:
— لأ… أنا أنقذت نفسي.
وفي اللحظة دي… صوت siren بعيد بدأ يقرب.
كريم بص من الشباك… ووشه اصفر.
— بوليس…؟!
رديت بهدوء:
— أه… واضح إن اللعبة خلصت.
لكن وأنا واقفة…
كنت حاسة إن ده مش النهاية.
لأن الراجل الغريب…
كان لسه بيبتسم.
ابتسامة واحدة بس قالت كل حاجة:
“الحـ,ـرب لسه في أولها”
الجزء الأخير… هيكشف النهاية الصادمة
صوت عربيات الشرطة وقف قدام الشركة…
والتوتر بقى خانق.
كريم كان واقف متجمد… دينا وشها فقد لونه…
لكن الراجل الغريب؟
كان لسه بيبتسم… وكأنه مستني اللحظة دي.
الباب اتفتح… ودخل الظباط.
— أستاذ كريم العطار؟ — قالها واحد منهم.
كريم حاول يتكلم، بس صوته خانُه:
— أ… أيوه.
— معانا أمر ضبط وإحضار بتهم اختلاس وغسيل أموال.
دينا صرخت:
— ده كذب! هي اللي لفّقت كل حاجة!
بصيت لها بهدوء:
— الحقيقة عمرها ما بتتلفّق… هي بس بتظهر.
الظباط بدأوا ياخدوا كريم… وهو بيبصلي بصدمة:
— نسرين… إنتي دمرتي كل حاجة!
هزّيت راسي:
— لأ… أنا كشفتها بس.
لكن قبل ما يخرجوا…
الراجل الغريب رفع إيده بهدوء.
— لحظة.
الكل وقف.
قرب مني… وقال بصوت واطي:
— كنت عايز أشوفك هتعملي إيه… وطلعتي أذكى مما توقعت.
ضيقت عيني:
— إنت إيه حكايتك؟
ابتسم… وطلع كارت صغير وحطه قدامي:
“رئيس مجلس إدارة – شركة النور للاستثمار”
— كل اللي حصل ده… كان اختبار.
اتصدمت:
— اختبار؟!
— كريم… كان مجرد أداة. ضعيف… وطماع.
— ودينا… كانت وسيلة.
بصيت له بغضب:
— وإنت لعبت بحياتي؟
رد بهدوء مرعب:
— لأ… أنا كنت بدوّر على شريك حقيقي.
سكت لحظة… وكمل:
— وإنتي أثبتي إنك تستحقي.
ضحكت بسخرية:
— شريك؟ بعد كل ده؟
قرب أكتر وقال:
— الشركة اللي عندك… كانت دايمًا هدف لينا.
— بس دلوقتي… قدامك اختيار.
سكت… وبص في عيني مباشرة:
— يا تقفي معانا… وتبقي أقوى من أي وقت فات.
— يا ترفضي… وتدخلي حـ,ـرب… مش هتكون سهلة.
المكان كله كان ساكت… حتى الظباط مستنيين ردي.
بصيت حواليّ…
على المكتب… على الملفات… على النهاية اللي بدأت تتكتب.
افتكرت كل حاجة…
الخيانة… الإهانة… التهديد…
وبصيت له تاني.
— وأنا عندي اختيار تالت.
رفع حاجبه باستغراب:
— إيه هو؟
ابتسمت بثقة:
— إني أقعّركم أنتم الاتنين.
سحبت موبايلي… وضغطت تسجيل.
— كل كلمة اتقالت هنا… متسجلة.
وشه اتغير لأول مرة.
— إنتي مش فاهمة إنتي بتعملي إيه…
— بالعكس — قلتها بثبات — أنا أخيرًا فاهمة كل حاجة.
لفّيت للظابط:
— أظن الحوار ده يهمكم.
الظابط خد خطوة لقدّام…
والراجل الغريب بدأ يفقد هدوءه.
وفي لحظة…
اللعبة اتقلبت.
مش بس كريم اللي اتقبض عليه…
لكن كمان الراجل اللي كان فاكر نفسه فوق الكل.
دينا انهارت…
وكريم خرج وهو بيبصلي بنظرة عمرها ما هتتنسي.
أما أنا؟
وقفت لوحدي في المكتب…
بس لأول مرة…
كنت حرة.
بعد شهور…
الشركة رجعت باسمي بالكامل.
كبرت… واتوسعت… وبقت أقوى من أي وقت فات.
ولادي بقوا جنبي…
وما بقاش في أي كدب.
أما كريم؟
اتحكم عليه… وخسر كل حاجة.
ودينا؟
اختفت… كأنها عمرها ما كانت موجودة.
وأنا؟
بقيت الست اللي محدش يقدر يكسرها…
ولا يقلل منها… تاني.
لأن في لحظة واحدة…
قررت ما أبقاش الضحية…
وأبقى أنا اللعبة كلها.
—
لو كنتوا مكاني…
كنتوا تختاروا القوة؟
ولا السلام؟
شاركوني رأيكم… ونشوف مين كان هيتصرف زي نسرين
تمت
حكايات محمد عبده
