حكايه الميكانيكي

الصوت الميكانيكي الحـ . ـاد اللي طلع من تحت كعب شيرين ما كانش مجرد “تكة” عادية، ده كان صوت العد التنازلي لنهاية اللعبة اللي طبخوها على نـ . ـار هادية. الخشب الباركيه اللي حسام دفع فيه الشيء الفلاني عشان يجدد الصالة اخلع من مكانة كأنه ورقة كوتشينة، وفي جزء من الثانية، الأرض اتفتحت تحت رجلين شيرين. هي ما لحقتش حتى تصـ . ـرخ صـ . ـرخة كاملة، يادوب بوقها اتفتح وعينيها برقت من الرعـ . ـب وجسـ . ـمها سقط لورا وهي بتبدل الهوا بإيديها عشان تكسـ . ـر السقوط، بس الجاذبية كانت أسرع.

وقـ . ـعت شيرين في الفتحة اللي تحت الخشب، وهي مش مجرد حفرة، دي كانت السقاطة اللي عملتها بمساعدة مهندس ديكور زميلي من ورا حسام، لغرض واحد بس.. يوم ما أحس بغـ . ـدر، هكون أنا اللي بحدد مين يقع ومين يفضل واقف. السقوط ما كانش لـ دور تحتاني، لأن شقتنا دور أرضي مرتفع في حدائق الأهرام، وتحتها البدروم اللي حسام قفله بالحديد وخلّاه مخزن لشغـ . ـله المشبوه. شيرين نزلت على كومة كراتين فاضية وقديمة، الصوت اللي طلع من تحت كان مزيج بين كسـ . ـر خشب، وهبدة جسـ . ـم تقيل، وصـ . ـرخة مكتومة كأنها طالعة من بئر غريق.

حسام اتسـ . ـمر في مكانه، عينه طلعت لبرة وهو بيبص على الفراغ اللي ظهر فجأة في أرضية الصالة، كأن حد سحب السجادة من تحت رجله بس السجادة كانت الأرض نفسها. بص للحفرة، وبعدين لف رقبته ببطء شديد، كأنه مكنة مصدية، وبصلي. ملامح الوش الباردة، المتباوبة، اللي كانت مستعجلة تخلـ . ـص مني عشان النور ما يقطعش، اتحولت في ثانية لوش واحد شاف عزرائيل واقف قدامه بابتسامة.

حاولت أتحرك، الكرسي المتحرك اللي كان من ثواني أداة لقـ . ـتلي، كان دلوقتي هو حصني. الزرار اللي تحت المـ . ـسند ما فتحش الأرض بس، ده كمان شغـ . ـل نظام الحماية اللي برمجته على اللابتوب بتاعي. الأبواب الحديد الخارجية بتاعة البلكونة والشبابيك نزلت كلها مرة واحدة بصوت رعد هز الحوائط.. “دبببب!”.. البيت اتقفل تماماً. بقيت أنا وهو، في صالة مقفولة، مفيش فيها غير صوت الأنفاس المتلاحقة وصوت شيرين اللي جاي من تحت الأرض وهي بتئن وبتستغيث: “حسام.. إلحقني يا حسام.. رجلي اتكسـ . ـرت.. مش قادرة أتحرك.. حسام!”

حسام ما ردش عليها، ولا حتى بص ناحية الحفرة. عينيه كانت مركزة على صوابع إيدي اللي ساندة على مسند الكرسي. خطى خطوة لقدام، وشه اتشنج، وعروق رقبته ظهرت كأنها حبال مشدودة.

— أنتِ عملتِ إيه؟ — صوت حسام طلع مبحوح، مرعـ . ـوب، بس مليان غـ . ـل — أنتِ مشلولة.. أنتِ ميـ . ـتة إكلينيكياً.. الدكاترة قالوا الفك متثبت ومفيش إشارة عصبـ . ـية للرجلين.. أنتِ بتلعبي علينا من إمتى يا نادين؟

كنت عايزة أقوله: من أول ثانية فقت فيها وشفت دمـ . ـوعك الفيك يا حسام. من أول ما سـ . ـمعتك في الممر برة الأوضة وأنت بتكلم شيرين وبتقولها “الكلـ . ـبة عاشت، جهزي ورق التأمين البديل”. بس الأسلاك الحديد كانت لسه لجمة لساني. اكتفيت إني رفعت راسي ببطء، وبصيت في عينه بنظرة باردة، نظرة حد بيقرا ميزانية خسـ . ـرانة لشـ . ـركة بتفلس. رفعت إيدي اليمين—اللي هما كانوا فاكرين إنها عاجـ . ـزة تماماً—وتكيت على زرار تاني في المـ . ـسند.

شاشة التلفزيون الكبيرة الـ 65 بوصة اللي في الصالة نورت فجأة من غير ريمـ . ـوت. حسام اتخض ورجع خطوة لورا. الشاشة ما جابتش فيلم ولا قنوات، جابت بث مباشـ . ـر لـ أربع كاميرات ميكرو مستخبية في زوايا الصالة والممر. الكاميرات كانت بتعرض بكل وضوح الـ 10 دقائق اللي فاتوا.. شيرين وهي بتشد شعري، حسام وهو بيبص في ساعته وبيقول “خلصينا عشان النور ما يقطعش والمـ . ـسرحية تبوظ”، وصوت شيرين وهي بتبخ في ودني كلامها عن الـ عشـ . ـرة مليون جـ . ـنيه بتوع التأمين وإنهم هيقولوا للناس إني انتـ . ـحرت بسبب الاكتئاب.

الفيديو كان شغال على الـ Loop، بيعيد نفسه، والصوت كان عالي ونقي جداً في الصالة المقفولة. حسام بقا يبص للشاشة ويبصلي، وشه اتقلب ألوان.. الأخضر والأصفر والرمادي.

— هتمسحي القـ . ـرف ده.. — قالها وهو بيقرب مني، وبدأ يستعيد جزء من جبـ . ـروته لما افتكر إني لسه على كرسي ومربوطة — أنتِ فاكرة نفسك ذكية؟ أنتِ محبـ . ـوسة معايا في نفس الأوضة.. والباب حديد ومحدش هيسـ . ـمعك.. لو ما مسحتِش الزفت ده وأديتيني الباسورد بتاع الحسابات، أنا هخلص عليكِ بإيدي دلوقتي.. ومحدش هيعرف.. هقول حـ . ـرامي دخل وقـ . ـتلك!

حسام هجم عليا، إيديه كانت ممدودة عشان تقبـ . ـض على رقبتي. في اللحظة دي، أنا ما خـ . ـوفتش. العياط والخـ . ـوف دفـ . ـنتهـ . ـم في أسفلت طريق الإسكندرية الصحراوي. لما قرب مني وبقت المـ . ـسافة بيني وبينه شبر، دوست على الزرار الثالث.

من الجـ . ـنبين بتوع الكرسي، انطلق رذاذ مضغوط من غاز الفلفل الحارق، المتعدل بتركيز عالي جداً، رش في وشه مباشـ . ـرة. حسام صـ . ـرخ صـ . ـرخة هزت أركان الشقة، حط إيديه الاتنين على عينيه ووقع على ركبه، بدأ يفرك في وشه كأن النـ . ـار شبت فيه، كان بيكح لدرجة القفش، ويسحف على الأرض وهو مش شايف حاجة، وبيدور على أي حاجة يمسك فيها.

— آه يا بنت الـ… عيني! عيني بتتحـ . ـرق! هقـ . ـتلك يا نادين.. والله ما هسيبك عايشة!

وهو بيسحف أعمى على الأرض، ما خدش باله من الحفرة اللي شيرين وقـ . ـعت فيها. في ثانية، إيده غرزت في الفراغ، وجسـ . ـمه اختل، وتوازن تماماً على الحافة قبل ما يسقط هو كمان ورا أخته. الهبدة المرة دي كانت أقوى، لأن حسام نزل على ضهره فوق الكراتين وفوق شيرين اللي صـ . ـرخت لما جسـ . ـمه هبد فوق رجليها المكسورة.

— حسام! أنت كمان وقـ . ـعت؟ ااااه.. رجلي! عينك مالها؟ أنت مش شايف؟ — صوت شيرين كان مليان رعـ . ـب وذهول وهي شايفة أخوها، السند اللي كان هيهربها بالفلوس، نازل فوقيها أعمى وبيصـ . ـرخ من الحـ . ـرقان.

— الكلـ . ـبة عمتني.. الكلـ . ـبة كانت صاحية وبتسجل لنا.. نادين مشلولة إزاي؟ دي كانت هتمـ . ـوت! — حسام كان بيكح ويخبط في حوائط البدروم الضلمة.

قربت بالكرسي بتاعي لحد حافة الحفرة وبصيت تحت. البدروم كان منور بنور خفيف جاي من كشافات الطوارئ اللي اشتغـ . ـلت تلقائي. كانوا شـ . ـكلهم يشفق.. لو ما كنتش أعرف إنهم من كام دقيقة كانوا هيرموني من فوق السلم عشان يلهفوا فلوس دمي. حسام كان بيحاول يفتح عينه ومش قادر، وشيرين حاطة إيدها على قصبة رجلها اللي باين إنها اتكسـ . ـرت فعلاً من سقطة الدور الأرضي المرتفع.

مسكت المايك الصغير اللي متثبت في مسند الكرسي، وبدأت أتحكم في جهاز الـ Text-to-Speech (تحويل النص لصوت) اللي ربطته على كمبيوتر البيت. كتبت بسرعة بصوابعي اللي بتتحرك بمرونة على كيبورد صغير مستخبي: “اللعبه خلصت يا حسام. أنت وشيرين.”

الصوت طلع من سـ . ـماعات الصالة الكبيرة، صلب، ميكانيكي، وواضح، ونزل لهم البدروم كأنه صوت قاضي بينطق بالحكم.

حسام رفع راسه لفوق، جهة الصوت، وعينيه محمرة وبتنزف دمـ . ـوع من الغاز: — نادين! اسـ . ـمعيني.. أنا كنت بهزر.. شيرين هي اللي وزتني! شيرين هي اللي قالت لي نخلص منك عشان نأخذ الفلوس ونسافر.. أنا بحبك يا نادين.. افتحي الباب وطلعينا وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه.. هتنازل لك عن كل حاجة!

شيرين بصت لأخوها بصدمة وهي بتصـ . ـرخ: — أنا يا حسام؟ أنا اللي وزيتك؟ مش أنت اللي كنت بتقولي مش قادر أشوف وشها المشوه ده تاني؟ مش أنت اللي كنت بتقول البت دي فقر وأبوها مـ . ـات ومبقاش ليها لازمة غير قرشين التأمين؟ أنت بتبيعني عشان تطلع؟

بدأوا يقطعوا في بعض تحت في الضلمة، الخـ . ـوف والغـ . ـل خلّوهم زي دياب جعانة محبـ . ـوسة في قفص واحد. وأنا قاعدة فوق، ببص عليهم ببرود تام. كتبت تاني على الكيبورد، والصوت الميكانيكي اشتغـ . ـل: “المقطع اللي اتسجل دلوقتي، اتSubmited (اترفع) تلقائي على سيرفر خاص بشـ . ـركة التأمين اللي أنا كنت شغالة فيها.. وبنسخة تانية لـ رئيس مباحث قطاع أكتوبر. الحـ . ـادثة بتاعة طريق الصحراوي مكنتش حـ . ـادثة.. أنت اللي هببتها يا حسام.. والنهاردة الشـ . ـروع في القـ . ـتل متصور صوت وصورة بـ 4K.”

حسام وشيرين سكتوا تماماً. الصمت حل في البدروم كأنه كفـ . ـن. حسام عرف إن مفيش مخرج. القفل الإلكتروني بتاع البيت مش هيتفتح غير بالبصمة بتاعتي أو بكود أنا الوحيدة اللي عارفاها. النور اللي قال عليه هيقطع، فعلاً قطع في المنطقة كلها لأن الساعة جت 5، بس السيستم بتاعي شغال على بطاريات طاقة شمسية منفصلة تماماً أنا اللي مركباها في البلكونة. هما محبـ . ـوسين في قبـ . ـر من صنع إيديهم.

كتبت الجملة الأخيرة: “النور قطع برة، بس هنا الحساب هيبدأ. البوليس قدامه بالظبط ربع ساعة ويوصل.. استمتعوا بوقتكم مع بعض في الضلمة.”

لفيت الكرسي بتاعي، واتحركت ببطء ناحية الصالة الواسعة، بعيد عن الحفرة. حسيت بنوع من السلام النفسي اللي ما حسيتهوش من شهور. رفعت راسي وبصيت للسقف، وكنت لأول مرة من ساعة الحـ . ـادثة حاسة إني قوية.. إني مش ضحيـ . ـة.

لكن فجأة.. السلام ده اتبخر.

سـ . ـمعت صوت غريب جاي من الممر اللي مؤدي لغرف النوم.. صوت خطوات هادية.. منتظمة.. تقيلة.

خطوات جزمة رجالي بتمشي بثقة على الباركيه.

اتسـ . ـمرت بالكرسي في مكاني. حسام وشيرين تحت في الحفرة.. الباب الحديد مقفول ومتكلـ . ـبش.. الشبابيك متأمنة.. مفيش مخلوق في البيت غيرنا. أومال صوت الخطوات ده بتاع مين؟

الخطوات بدأت تقرب من الصالة.. الصوت بيعلى.. “طق.. طق.. طق”..

لفيت الكرسي ببطء والرعـ . ـب رجع يسري في دمي تاني. من ضلمة الممر، بدأ يظهر خيال راجل طويل، لابس بدلة كاملة ونظارة طبية. ملامحه بدأت توضح مع نور الشاشة اللي لسه شغال.

ما كانش حـ . ـرامي.. ولا كان من رجال البوليس.

ده كان دكتور “طارق”.. الجراح الكبير اللي عملي عملية الفك في القصر العيني، والصديق المقرب جداً لـ حسام، اللي حسام كان بيحلف بحياته إني لولا شطارته كنت زماني تحت التراب. طارق كان معاه في إيده نسخة من ريمـ . ـوتالتحكم الإلكتروني بتاع بيتي.. نفس الريمـ . ـوتاللي أنا كنت فاكرة إن مفيش منه غير نسخة واحدة في إيدي.

وقف طارق على حافة النور، بص للحفرة وبصلي، وابتسـ . ـم ابتسامة هادية وباردة جداً، وطلع من جيب جاكت البدلة سرنجة صغيرة مليانة سائل شفاف، وقال بصوت واطي ومستقر:

— برافو يا نادين.. خطة ممتازة، وذكاء يحترم فعلاً.. بس للأسف، حسام حمار ومقاليش إنك كنتِ مراجعة حسابات تأمين.. حسام كان فاكر إنه بيشغـ . ـل دماغه لوحده، ونسي إن النصيب الأكبر من الـ عشـ . ـرة مليون جـ . ـنيه دول.. بتاعي أنا.. وأنا مبرجعش وبقيتِ متأخرة على ميعاد جرعتك الأخيرة.

قلبي سقط في رجلي.. وبصيت للسرنجة في إيده، وصوابعي اترعشت وهي بتحاول تروح لأي زرار تاني في الكرسي.. بس طارق خطى خطوة سريعة وبقى واقف فوق راسي بالظبط..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *