لقاء بعد فراق حكايات صافي هاني
دخل طليقي أوضتي في الطوارئ وهو شايل بنته المصابة وهو مرعوب، وفجأة لقي نفسه وش لوش قدامي.. أنا الدكتورة اللي سابها ومشيت من شهور. بس اللي عمره ما تخيله، إنه يلاقيني حامل في الشهر السابع، وشايلة ابنه اللي ما يعرفش عنه أي حاجة.
ما انهرتش، ولا بينت أي حاجة من مشاعري.
قلتله بكل برود ومهنية، وأنا متجاهلة نظرات عينه اللي نزلت فجأة على بطني أنا دكتورة أمل.
لكن بعد كام ساعة، لما بنته همست بكلمة بسيطة، الدم هرب من وشه كله.
ليلتها، شريف دخل من باب الطوارئ زي الإعصار وهو شايل بنته، كان متوقع كركبة، ودكاترة بتجري، وورق بيمضيه، ويمكن يسمع خبر وحش.
بس اللي مش ممكن كان يتوقعه، هو إنه يشوفني أنا.
ولا كان يتخيل أبدًا إنه يلاقيني واقفة تحت إضاءة المستشفى، والحمد لله بطني باينة ومحشومة، وإيدي ساندة بحنان على بطني، بحمي ابني اللي بيكبر جوايا.
في اللحظة دي، الوقت كأنه وقف.
كنت واقفة بره الأوضة وسماعتي حوالين رقبتي، ورابطة شعري لورا بسرعة. شهور الوجع اللي عشتها لوحدي علمتني إزاي أتحكم في أعصابي، وشغلي في الطب جهزني للطوارئ وللأهالي الخايفة والمواقف الصعبة.
بس مفيش أي حاجة في الدنيا كانت هتقدر تجهزني لمشاهدة شريف تاني.
البنت الصغيرة همست من على السرير بابا، ذراعي بيوجعني أوي.
بدلته الغالية كانت متبهدلة، وكرافتته معوجة.
مظهره المنظم اللي دايماً بيحافظ عليه اتمحى تماماً، وحل مكانه رعب حقيقي.
لأول مرة، ماشوفتوش راجل الأعمال الناجح، شوفت أب مرعوب يضيع منه حتة من قلبه.
أخدت نفس طويل وهادي.
وقلت بلطف أنا دكتورة أمل.. اسمك إيه يا قمر؟
البنت تفتحت عينيها وسط دموعها وقالت فريدة.
مالك يا فريدة إيه اللي حصل؟
وقعت من على المرجيحة في المدرسة.
هزت رأسها وقالت بابا خاف عليا أوي.
كنت هبتسم بسخرية.. شريف طول عمره مبيعرفش يعبر عن مشاعره، ودلوقتي واقف بيترعش لمجرد إن بنته اتعورت.
قربت منها وقلت هكشف عليكِ براحة خالص ماشي؟ قوليلي لو في حاجة وجعتك.
ماشي.
وبعدين بصيت له أخيرًا.
لو سمحت يا فندم، سيب لنا مساحة شوية عشان نعرف نكشف عليها.
عيني جت في عينه.
ست شهور اختفوا في ثانية.
الأول ظهرت في عينه الصدمة.. وبعدها المفاجأة.. وبعدين نظراته نزلت لبطني.
ملامحه اتقلبت تمامًا.
وقال بصوت واطي أمل.
منطقهاش كدكتورة.. قال أمل بالطريقة اللي كان بيقولها زمان في أيامنا الهادية، لما كنت فاكرة إن لينا مستقبل سوا.
بصيت الناحية التانية وقلت للممرضة يلا نعمل إشاعة على دراعها والفحوصات الروتينية.
الفريق الطبي اوزع حوالينا بسرعة وكفاءة.
كشفت على فريدة وإيدي ثابتة وصوتي هادي جداً، بس كنت حاسة بنظرات شريف بتراقب كل حركاتي.
كنت عارفة هو بيفكر في إيه بالظبط.
حامل في الشهر السابع.. وإحنا منفصلين من ست شهور.
ست شهور من ليلة المطر ديك، لما وقفت في بيته وسألته السؤال اللي هربت منه كتير أنت بتحبني يا شريف؟
مفهمش يرد.. وبدل ما يجاوب، اعترف إنه مش عارف يبني الحياة اللي أنا بتمناها.
عشان كده مشيت.
وبعدها بأسابيع، وقفت لوحدي في الحمام وأنا شايفة اختبار الحمل الإيجابي، وعرفت إني مش هبدأ طريقي الجديد لوحدي.
دكتورة أمل؟
صوت فريدة رجعني للواقع.
نعم يا حبيبتي؟
أنتِ زي القمر أوي.
ابتسمت وقلت شكراً يا حبيبتي.
عينها راحت لبطني وسألتني هو أنتِ في بطنك نونو؟
آه يا حبيبتي.
قالت بفرحة الله! أنا كان نفسي يبقى عندي أخت صغيرة أوي.
ورايا، سمعت شريف بياخد نفس حاد ومكتوم.. محدش لاحظه غيري.. أنا حافظة كل تفاصيله ونفسه.
الحمد لله الإشاعة طلعت سليمة، شرخ بسيط في المفصل ومحتاجة بس تقعد تحت الملاحظة للصبح.
على آخر الليل، كانت فريدة نايمة في الأوضة فوق ومرتاحة.
والطوارئ خلصت.
بس السكوت اللي مابيننا كان أصعب بكتير.
لقيت شريف واقف لوحده في أوضة الاستشارات بيبص من الشباك.
قلتله فريدة بقت كويسة.
لف ببطء وقال بصوت مكسور الطفل ده ابني؟
السؤال كان فيه كمية ضعف عمري ما شوفتها فيه قبل كده.
من غير ما أحس، حطيت إيدي على بطني بحماية وقلت بنتك محتجاك جمبها دلوقتي.. ركز معاها هي.
أمل…
لا يا شريف. . مفيش كلام يقال.. أنت ملكش حق تفتح السيرة دي بعد ما اختفيت ست شهور كاملين.
الندم كان مالي وشه وقال مكانش عندي فكرة.
رديت عشان عمرك ما حاولت تعرف.
أنا افتكرتك عايزة تبعدي.
كنت عايزاك تختارنا.. تختار تشترينا.
الكلمات طلعت مني غصب عني قبل ما ألحق أمنعها.
كان باين عليه إنه اتهد، وقال بصوت واطي كنت خايف.
قلت بهدوء عارفة.
طب ينفع نتكلم؟
رديت عليه وأنا بنهي الكلام في كلام لما بيجي متأخر.. بيبقى ملوش قيمة.
وسبته ومشيت.
بعدها بساعات، كنت قاعدة لوحدي في كافتيريا المستشفى، وبصيت لكوباية الشاي اللي بردت من بدري، وأضواء المدينة بره منورة في الضلمة.
موبايلي اتهز.. رسالة من شريف.. قلبي انقبض في ثانية.
الرسالة كانت بسيطة فريدة صاحية وبتسأل على الدكتورة الطيبة اللي بطنها فيها نونو ومش عارفة تنام.. ممكن تيجي تطمني عليها؟
فتحت الرسالة وعيني غيمت بالدموع، بس مسحتها بسرعة. خدت نفس طويل وقمت من مكاني، فريدة ملهاش ذنب في كل اللي حصل بيني وبين أبوها، وفي الآخر أنا دكتورة وده واجبي.
طلعت الدور الفوقاني ودخلت الأوضة براحة. فريدة كانت قاعدة في السرير وعينيها مقفلة من التعب، وأول ما شافتني وشها نور بابتسامة خطفت قلبي.
دكتورة أمل! كنت عارفة إنك هتيجي.
قربت منها وقعدت على طرف السرير، وجمعت كل هدوئي وأنا واخدة بالي إن شريف واقف في ركن الأوضة، عينه منزلتش من عليا، بس أنا عملت نفسي مش شايفاه تماماً.
حطيت
لمحة نيوز
إيدي على راسها الحنينة وقلت يا قلب الدكتورة، سألتِ عليا؟ مكنش ينفع أنام من غير ما أطمن على أحلى فريدة.
هو النونو نام؟ سألتني وهي بتبص على بطني ببراءة.
ابتسمت من قلبي وقلت نام وصحي أول ما عرف إن فريدة بتناديه.. يلا بقى عشان تاخدي العلاج وتنامي أنتِ كمان وتصحي الصبح زي الفل.
ادتها الدوا، وفضلت جمبها أقرأ لها آيات من القرآن بصوت واطي وهادي لحد ما عينيها غفلت وراحت في النوم تماماً. غطيتها كويس وسميت عليها، ولما جيت أقوم عشان أمشي، لقيت شريف بيتحرك من مكانه وبيقرب مني بخطوات بطيئة.
أمل، أرجوكِ.. دقيقة واحدة بس. قالها بصوت مخنوق، كأنه هيموت لو مكلّمنيش.
بصيت لفريدة النايمة وبعدين بصيت له، وشاورت له يخرج ورايا الممر عشان مالمصحاش.
وقفنا في الممر الفاضي والمستشفى هس هس. لفيت وشي ليه وكتفت إيديا وقلت بنبرة حاسمة شريف، إحنا معندناش حاجة نقولها لبعض. فريدة واطمنا عليها، والصبح هتقدر تخرجها بالسلامة. يا ريت كل واحد يروح لحاله.
قرب خطوة، وعينه لمعت بالدموع أروح لحالي إزاي وأنا شايف حتة مني ومنك قدام عيني؟ أنا عارف إني غلطت، وعارف إني لما خفت بعدت.. بس والله العظيم ما كنت أعرف إنك حامل! أمل.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أصلح اللي انكسر.. بلاش تحرميني من ابني.
كلامه خبط في قلبي، بس افتكرت الليالي اللي نمت فيها دمعتي على خدي وأنا لوحدي بوجعي وخوفي من المستقبل، فجمعت قوتي وقلت له وعيني في عينه ابنك؟ أنت افتكرته دلوقتي؟ اللي خاف وسابني في أول طريقنا مش هيعرف يشيل شيلة زي دي. أنا اتعلمت أعيش لوحدي، واتعودت إن ابني ده بتاعي أنا وبس. أرجوك يا شريف.. سيبني في حالي.
وقبل ما ينطق بكلمة تانية، لفيت وشي ومشيت في الممر بخطوات سريعة وثابتة، وسبته واقف لوحده مكسور، وأنا إيدي على بطني وبقول يا رب قويني.
القصة الكاملة في أول تعليق
دخلت أوضة الأطباء المقيمين، وقبل ما الباب يقفل ورايا، رجلي مأشلتنيش وقعدت على أقرب كرسي. حطيت وشي بين إيديا ونزلت دموعي اللي حبستها طول الليل. الوجع مكانش وجع تعب الشغل، ده كان وجع ذكريات كاملة افتكرت إنها ماتت، بس طلعت مستنية بس لقطة عين عشان تصحي من تاني.
مسحت وشي بسرعة لما سمعت خبطة خفيفة على الباب، افتكرتها الممرضة بتستدعيني لحالة تانية، فظبطت البالطو وقمت فتحت.
مكانتش الممرضة.. كان شريف.
كان شايل في إيده كوباية عصير دافي، وبصلي بنظرة كلها رجاء وقال بصوت مرعش عارف إنك مش عايزة تشوفيني.. بس أنتِ مأكلتيش حاجة من الصبح، وعشان خاطر اللي في بطنك. . اشربي دي.
بصيت للكوباية وبعدين لبصّة عينه اللي كانت دايماً بتهزني زمان. خدتها منه من غير ما إيدنا تلمس بعض، وقلت ب
جفاء مصطنع شكراً يا فندم، اتفضل حضرتك عند بنتك.
جاء يمشي، بس لف ووقف تاني وقال أنا مش هضغط عليكِ يا أمل، ومش هجبرك تسمعيني دلوقتي.. بس أنا مش هختفي تاني. أنا هفضل هنا، في المستشفى دي، وفي حياتك وحياة ابننا.. لحد ما تديني فرصة واحدة بس أثبتلك فيها إني اتغيرت، وإني شاريكِ لأخر يوم في عمري.
سابني ومشيت خطواته تبعد في الممر. قفلت الباب وسندت ضهري عليه، وأنا حاسة بنبضات ابني بتتحرك جوايا كأنه بيطمني. بصيت من الشباك على الفجر وهو بيشق ضلمة الليل، ودعيت في سري يا رب، دبرلي أمري فإني لا أحسن التدبير.
فاتت الساعات الصعبة، والشمس بدأت تطلع وتملى الأوضة بنور دافي. عديت على أوضة فريدة الصبح عشان أطمن عليها قبل ما ورديتي تخلص. كانت صاحية وقاعدة في السرير بتلعب بفرشة شعر صغيرة، وأول ما شافتني ضحكت وقالت دكتورة أمل! أنا دراعي مبقاش يوجعني خلاص.
قربت منها وأنا ببتسم الحمد لله يا قلب الدكتورة، عشان أنتِ شطورة وسمعتِ الكلام.. الصبح الورق هيخلص وتقدروا تخرجوا بالسلامة.
شريف كان قاعد على الكرسي اللي جمبها، أول ما دخلت وقف وبان على وشه التعب والإرهاق، مكانش نام دقيقة طول الليل. بصلي بنظرة هادية ومليانة امتنان وقال تعبناكِ معانا جداً يا دكتورة.. مش عارف أشكرك إزاي على كل اللي عملتيه مع فريدة.. ومعايا.
مردتش عليه، وبصيت لفريدة وقلت لها يلا يا فري، أشوفك على خير يا حبيبتي، وخلي بالك من نفسك.
جيت ألف وأمشي، لقيت فريدة بتمسك طرف البالطو بتاعي وبتقول ببراءة دكتورة أمل، هو أنتِ هتيجي تزورينا في البيت؟ أنا نفسي نلعب سوا أنا وأنتِ والنونو لما يتولد.
الكلمة لجمت لساني، وبصيت لشريف اللي كانت عينه بتلمع بالأمل ومستني ردّي بفارغ الصبر. أخدت نفس طويل، وطبطبت على إيد فريدة وقلت بشويش ربنا يسهل يا حبيبتي.. ادعيلي بس.
خرجت من الأوضة وأنا حاسة إن حمل الجبال فوق كتافي. غيرت هدومي ولميت حاجتي عشان أمشي. وأنا خارجة من باب المستشفى، لقيت الهوا الصبح نقي وبيجدد الروح. حطيت إيدي على بطني وحسيت بحركة النونو، وكأن كل الوجع والخوف اللي كان جوايا بدأ يهدأ ويحل مكانه راحة ورضا بقضاء ربنا.
عرفت إن الطريق مش هيبقى سهل، وإن الأيام الجاية مخبية كلام كتير ومواقف أصعب، بس لأول مرة من ست شهور، محستش إني خايفة.. كنت حاركبت التاكسي وروحت بيتي، أول ما فتحت الباب شميت ريحة الأمان اللي بجد. أخيرًا رميت نفسي على السرير
وغمضت عيني، ونمت نوم عميق مالحقتش أدوق طعمه من شهور.
عدى أسبوعين، ورجعت لحياتي وشغلي وروتيني الطبيعي. كنت فاكرة إن كلام شريف ليلتها كان مجرد كلام تحت تأثير صدمة الموقف وخوفه على بنته، وإنه هيرجع يختفي تاني زي ما عمل قبل كده. بس شريف فاجأني.
في يوم وأنا نازلة من ورديتي العصر، لقيت عربية شريف واقفة بره المستشفى. هو مكانش راكب فيها، كان واقف جمبها وساند ضهره عليها، وأول ما شافني عدل وقفته وقرب مني بخطوات هادية. كان باين عليه إنه مستني بقاله كتير.
مساء الخير يا أمل. قالها بنبرة صوت رجعتلي ذكريات سنين.
وقفت مكاني وبصيت له بجمود شريف؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وفريدة عاملة إيه دلوقتي؟
فريدة زي الفل وبتسلم عليكِ كل يوم.. أمل، أنا مجيتش أضغط عليكِ والله، أنا بس جيت أوصلك. مش هينفع تسوقي أو تركبي مواصلات وأنتِ في الشهر الثامن وبتسهرى طول الليل في المستشفى.
أنا بعرف أتصرف يا شريف، وشلت نفسي طول الشهور اللي فاتت ومش محتاجة مساعدة من حد. قلتها وأنا بجري خطوتي عشان أبعد.
مشى جمبي وقال بهدوء وصبر عمري ما شوفتهم فيه زمان أنا عارف إنك ب ميت راجل، وعارف إنك تقدري.. بس أنا مش قادر أشوفك تعبانة وأقف أتفرج. أرجوكِ يا أمل، اعتبريني سواق تاكسي يا ستي، بس وافقي أطمن إنك وصلتي بيتك بالسلامة.
بصيت لملامحه اللي كان باين عليها الإصرار الصادق، وبصيت لبطني اللي تقلت ومبقتش قادرة على المهدة والمشي. اتنهدت بقلة حيلة وقلت ماشي يا شريف.. بس لحد البيت ومن غير كلام كتير.. اتقفل الموضوع؟
وشه نور بابتسامة حقيقية وقال بسرعة جاهز طبعاً.. اتفضلي.
طول الطريق كان مشغل قرآن بصوت هادي في العربية، ومفتحش بوقه بكلمة تفكرني بالماضي، كان بيسألني بس لو التكييف عالي أو المحور زحمة. لما وصلنا تحت بيتي، جيت أفتح الباب ونزلت، لفيت وبصيت له وقلت شكراً يا شريف.
بصلي بنظرة مليانة حب وندم وقال العفو يا أمل.. أنا هفضل جمبك، مش هسيبك لوحدك تاني أبدًا، والمرة دي أنا مش خايف من أي حاجة في الدنيا.. غير إني أخسرك أنتِ وابننا.
نزلت وقفلت الباب، وطلعت شقتي وأنا قلبي بيدق بطريقة مابقاش عارف يسيطر عليها. بصيت من شباك الصالة، لقت عربية شريف لسه واقفة تحت، وممشيش غير لما شاف نور شقتي ينور..
عرفت ساعتها إن الحكاية مخلصتش، وإن في صفحة جديدة لسه بتتكتب، بس المرة دي.. بشروطي أنا ومرت الأيام والشهور، ودخلت في الشهر التاسع. في الفترة دي، شريف ما غابش عني يوم واحد؛ كان دايماً موجود في المكان، يسأل من بعيد لبعيد، ويطمن على علاجي وأكلي، وبيبعتلي فريدة تزورني وتملى عليا الشقة بضحكتها وبراءتها، ومن غير ما يحسسني بأي ضغط. كان بيبني اللي اتهد بطوب صبر طويل وثابت.
وفي ليلة، وأنا قاعدة في الصالة بقرأ في كتاب، حسيت بوجع شديد ومفاجئ، وجع عمري ما جربته قبل كده. عرفت علطول إنها علامات الولادة.
مسكت الموبايل وإيدي بترتعش، ولقيت نفسي من غير تفكير بطلب رقم شريف. مكملش الرنة الأولى ولقيته رد عليا بصوت صاحي ومستعد أمل! أنتِ كويسة؟
قلت بنبرة متقطعة من الألم شريف.. أنا بتعب أوي.. شكلي بولد.
مسافة السكة يا أمل.. خمس دقائق وأكون عندك، متتحركيش!
فعلاً، مفيش دقائق وسمعت خبطات جيراننا بيبشروني إنه واقف بره. فتحت الباب ولقيته داخل وعينيه مليانة قلق وخوف عليا، سندني بكل حنان وأمان ونزلنا ركبنا العربية، وطول الطريق للمستشفى كان بيمسك إيدي ويقعد يستغفر ويقرأ آيات القرآن عشان يطمني ويصبرني.
دخلت أوضة العمليات، وكلها ساعات والحمد لله قمت بالسلامة، وسمعت صوت عياط ابني اللي ملى الدنيا عليا فرحة.
لما نقلوني الأوضة وبدأت أفوء، فتحت عيني لقيت شريف قاعد على الكرسي اللي جمب السرير، وواخد ابنه في حضنه بشويش وبيكبر في ودنه بصوت واطي وخاشع، والدموع نازلة على وشه. أول ما شافني صحيت، قرب مني وباس راسي بحرمة واحترام كبير وقال الحمد لله على سلامتك يا أم يوسف.. ربنا يخليكِ لينا ويحفظك.
بصيت له وبصيت ليوسف الصغير اللي بين إيديه، وحسيت إن الوجع والكسرة اللي عشتهم الشهور اللي فاتت دي كلها دابوا في ثانية. شريف أثبت بالفعال مش بالكلام إنه اتغير، وإنه مستعد يشيل المسؤولية ويحافظ على بيته ودينه.
ابتسمت بتعب وقلت له الله يسلمك يا شريف.. هرك هات يوسف في حضني.
حط الولد في حضني، وقعد جمبي وقال بنبرة مليانة رجاء أمل.. ينفع نرجع نكتب كتابنا من جديد؟ ينفع نبدأ صفحة ونربي يوسف وفريدة سوا في رضا ربنا؟
بصيت لملامحه الصادقة، ولقيت قلبي أخيراً بيعلن مسامحته. هزيت راسي بالموافقة وقلت المرة دي هنبني بيتنا على الصح يا شريف.. وعلى طاعة ربنا.
وشه نور بفرحة عمري ما شوفتها فيه قبل كده، وعرفنا إن المحنة دي مكانتش غير بداية جديدة لبيت أقوى وأجمل، مليان بركة وأمان.
النهاية
وبعد كام يوم، رجعنا بيتنا ومعانا يوسف الصغير اللي نور دنيتنا. شريف أصر إننا نعمل عقيقة كبيرة لليوسف ونوزعها على الغلابة والمحتاجين بنية الشكر والحمد لله إن ربنا جمعنا تاني على خير وفي طاعته، وصالح حالنا.
البيت مابقاش زي زمان؛ شريف اتغير تماماً، بقى حريص على كل فرض في وقته، وبقى يدخل البيت وشايل فريدة على كتف ويوسف على إيده التانية،
والضحكة مابتفارقش وشه. فريدة كانت طايرة بالفرحة وبقت كل شوية تقرب من سرير يوسف وتبوسه وتقول أنا بقيت الأخت الكبيرة خلاص يا دكتورة أمل.
في ليلة من الليالي، بعد ما الولاد ناموا والدنيا هديت، كنا قاعدين أنا وشريف بنشرب شاي في البلكونة والجو كان هادي وجميل. شريف بصلي ونظرة عينه كانت مليانة راحة ورضا، ومسك إيدي وقال عارفة يا أمل؟ الشهور اللي بعدت فيها دي كانت أصعب أيام عمري، بس دلوقتي عرفت إن ربنا كان بيأدبني وبيصلحني عشان أستاهل النعمة دي.. أستاهلك أنتِ وأولادنا.
ابتسمت وبصيت للسما وقلت له الحمد لله يا شريف.. المهم إننا اتعلمنا الدرس، وإن بيتنا الجديد مبني على الصدق، والأمان، والتوكل على ربنا.
سندت راسي على كتفه وأنا حاسة بأمان حقيقي عمري ما دوته قبل كده، وعرفت إن كل وجع عشته كان وراه جبر كبير من ربنا، وإنه سبحانه لما بياخد بيعوض بأحسن مما كنا نتمنى.
النهاية