وقت الحساب بقلم ندى الجمل

وقف طليقي كريم قدام المحكمة بابتسامة كلها غرور، وبعد خمس سنين جواز عرض عليّا مليون وربع جنيه تقريبًا وكأنه بيعمل فيّا جميل.
ابتسمت بس… ولغيت في نفس اللحظة مصاريف دراسة أخته ندى اللي كانت بتوصل لملايين في أمريكا.
ولما كروتها وقفت وهي واقفة وسط المول… اتصدمت وبدأت تعيط.
كريم كان فاكر إني هطلع من الجوازة من غير ولا حاجة.
ماكانش يعرف إني من زمان وأنا اللي شايلة عيلته كلها على كتافي.
أول ما الموظف ختم ورق الطلاق، نزلت على سلالم المحكمة وطلعت موبايلي واتصلت بمساعدي.
قولت: “يا أستاذ سامح… وقف كل المدفوعات الخاصة بندى.”
سكت شوية وقال: “حضرتك تقصدي كله؟ الجامعة، الإيجار، الكروت، العربية؟”
قولت بمنتهى البرود: “كله… ومن دلوقتي.”
قفلت المكالمة وبصيت على ورق الطلاق اللي في إيدي.
حر الشمس كان خانق، لكن جوايا كان فيه هدوء غريب.
لا زعل. لا وجع. ولا حتى غضب.
بس وضوح.
أنا اسمي ياسمين، ولمدة خمس سنين كنت متجوزة راجل فاكر إن سكوتي ضعف.
وقف كريم بعيد شوية ببدلته الغالية، بيعدل الساعة اللي في إيده وكأنه كسب صفقة عمره.
وقال بثقة: “أخيرًا خدتي القرار الصح يا ياسمين.”
بصيتله من غير ما أتكلم.
هو نفسه الراجل اللي طلّعته من الديون، وسددتله مشاكل شغله، وشيلت وراه مصاريف عيلته كلها… وهو قدام الناس ياخد الفضل لنفسه.
كمل كلامه وقال: “رغم إنك هتخرجي من الجواز من غير حاجة… هبعتلك مليون وربع جنيه. اعتبريهم تقدير للخمس سنين اللي فاتوا.”
ضحكت بهدوء.
المبلغ بالنسباله كان كبير… لكن بالنسبالي؟ ولا حاجة.
قولت: “لو كنت سمعت الكلام ده من كام سنة… كان ممكن يوجعني.”
ابتسامته اختفت بالتدريج.
وقال بضيق: “إنتِ تقصدي إيه؟”
رفعت ورق الطلاق قدامه وقلت: “تعرف إن دراسة ندى في أمريكا كانت بتتكلف ملايين كل سنة؟ تعرف مين اللي كان بيدفع؟”
اتكشر وقال بسرعة: “دي فلوس الشركة.”
بصيت في ساعتي.
لأن في اللحظة دي بالذات… كل حاجة كانت اتقفلت فعلًا.
قولت: “لأ يا كريم… أول دفعة اتحولت من حسابي الشخصي لما شركتك كانت على وشك الإفلاس.”
بدأ يتوتر لأول مرة.
وكملت: “ومن ساعتها وأنا اللي بدفع الجامعة، والإيجار، والمصاريف، وحتى العربية الجديدة اللي جبتها السنة اللي فاتت.”
قال بعصبية: “إنتِ بتبالغي.”
ابتسمت وقلت: “تحب أطلعلك التحويلات؟”
ولأول مرة… سكت.
فجأة موبايلي رن.
حطيته سبيكر.
صوت ندى كان مليان انهيار: “يا ياسمين! الكروت كلها اترفعت! أنا واقفة في المحل والناس بتبصلي!”
ندى… اللي عندها 22 سنة، وعايشة في شقة أنا بدفع إيجارها، وراكبة عربية أنا اللي جايباهالها… كانت لسه فاكرة إن ده حق مكتسب.
قولتلها بهدوء: “من النهارده يا ندى… هتصرفي على نفسك بنفسك.”
صرخت: “إنتِ مينفعش تعملي كده! عندي جامعة وإيجار وحاجات لازم أدفعها!”
وقفلت المكالمة.
وش كريم قلب أحمر من الغضب.
وقال بعصبية: “شغّلي كل حاجة حالًا.”
بصيتله وقلت: “دي أختك يا كريم… اصرف عليها إنت.”
الكلام كان هادي…
بس وقع عليه زي الضربة.
لأننا إحنا الاتنين عارفين الحقيقة.
شركته كانت واقفة بالعافية.
وفلوسي أنا… كانت هي اللي مسنداهم كلهم.
في اللحظة دي تليفونه رن.
أمه.
بصلها… ورفض المكالمة.
عرف إن كل حاجة بدأت تقع.
قربت منه خطوة وقلت: “لما بعتوا ناس يضغطوا عليّا عشان أمضي ورق الطلاق… كنت فاكر إني مش فاهمة؟”
بصلي وسكت.
فكملت: “أنا بس كنت مستنياك تكمّل بنفسك.”
واستدرت أمشي.
صرخ ورايا: “هتندمي يا ياسمين!”
ابتسمت من غير ما أبصله.
وقولت: “متقلقش… بكرة هيبقى أصعب.”
وفي مراية العربية وأنا بركب، شوفته واقف قدام المحكمة…
أول مرة الخوف يكسر غروره.
هو كان فاكر إنه خسر مراته بس.
ماكانش يعرف إنه خسر كل حاجة.

تاني يوم الصبح، صحيت على أكتر من عشرين مكالمة فائتة.
كلهم من أرقام أعرفها كويس.
أم كريم. ندى. حتى المحاسب بتاع الشركة.
حطيت الموبايل جنب مني بهدوء وقومت أفتح الستارة.
القاهرة كانت لسه بتصحى… بس أنا؟
أنا حاسة إني لأول مرة من سنين بتنفس براحتي.
دخلت المطبخ، عملت قهوتي، ولسه بأخد أول رشفة لما جالي اتصال من سامح.
رديت بهدوء: “صباح الخير.”
قال بسرعة: “مدام ياسمين… فيه مشكلة.”
ابتسمت بخفة. “أكيد فيه.”
قال: “الشركة حساباتها اتجمدت مؤقتًا بعد ما البنك رفض يمدد التسهيلات.”
سكت ثانية وكمل: “واضح إنهم كانوا معتمدين على تحويلاتك الشهرية أكتر مما كنا متوقعين.”
ضحكت ضحكة قصيرة.
“لأ يا سامح… أنا كنت متوقعة.”
قفلت المكالمة وأنا باصة لفنجان القهوة.
الغريب إني ماحسّتش بشماتة.
بس ارتياح.
ارتياح إن الحمل اللي كنت شايلاه فوق ضهري سنين… أخيرًا وقع.
بعد ساعة تقريبًا، البواب كلمني من تحت.
“يا مدام ياسمين، الأستاذ كريم هنا وعايز يقابلك.”
بصيت من البلكونة.
كان واقف بعربيته، لابس نفس البدلة بتاعة امبارح… بس شكله مختلف.
مرهق. متوتر. وكأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة.
قولت للبواب: “طلعه.”
دخل بعد دقايق، وبمجرد ما شافني واقفة بهدوء، اتحرك بسرعة وقال: “إنتِ ليه عملتي كده؟”
حطيت فنجان القهوة على الترابيزة وقلت: “عملت إيه؟”
قال بعصبية: “البنك رفض القرض، والموردين بيطالبوا بفلوسهم، وندى بتعيط من امبارح!”
بصيتله شوية.
ولأول مرة… شوفته من غير الصورة اللي كنت راسماها له طول جوازنا.
ماكانش قوي. ولا ناجح. ولا حتى مسيطر.
كان مجرد راجل متعود إن حد ينقذه كل مرة يقع فيها.
وقال بصوت أوطى: “إنتِ عارفة إن الشركة لو وقعت… أنا هخسر كل حاجة.”
سألته بهدوء: “وأنا؟”
سكت.
قربت منه خطوة وقلت: “فاكر لما تعبت ودخلت المستشفى؟ سيبتني لوحدي وروحت مؤتمر عشان صفقة.”
نزل عينيه.
“فاكر لما والدتك كانت بتعاملني كإني خدامة، وإنت ولا مرة دافعت عني؟”
لسه ساكت.
“فاكر كام مرة دفعت من فلوسي عشان تنقذ شغلك… وإنت قدام الناس تقول إنك بنيت نفسك بنفسك؟”
بدأ يتنفس بعصبية.
وقال: “أنا… كنت مضغوط.”
ضحكت بسخرية خفيفة.
“وأنا كنت إيه يا كريم؟ روبوت؟”
سكت تاني.
المرة دي أطول.
وبعدين قال: “طيب… إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟”
بصيتله بثبات وقلت: “ولا حاجة.”
اتصدم.
كمل بسرعة: “أكيد عايزة تنتقمي.”
هزيت راسي.
“لو كنت عايزة أنتقم… كنت دمرتكم من زمان.”
كان بيبصلي كأنه أول مرة يشوفني.
وأنا فعلًا… كنت شخص جديد.
قولت: “أنا بس بطلت أنقذ ناس عمرهم ما قدّروا وجودي.”
في اللحظة دي، تليفونه رن.
المرة دي كان شريك الشركة.
رد بسرعة، وبعد ثواني وشه اتغير.
“إيه يعني انسحب؟!”
صوته علي فجأة: “لا استنى… إحنا نقدر نحل الموضوع.”
لكن واضح إن اللي على الناحية التانية قفل المكالمة.
نزل إيده ببطء.
وشه بقى شاحب.
همس: “الشريك سحب استثماراته.”
بصيتله بهدوء.
كان الانهيار بيحصل قدامي بالراحة… زي دومينو بيقع واحدة واحدة.
رفع عينه ناحيتي وقال: “إنتِ كنتِ العمود اللي شايل كل حاجة… صح؟”
لأول مرة… اعترف بالحقيقة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت: “أخيرًا فهمت.”
ولأول مرة في حياته…
كريم ماعرفش يقول أي كلمة.

فضل كريم واقف قدامي كذا ثانية، كأنه مستني ألين… أو أرجع أنقذه زي كل مرة.
بس المرة دي كانت مختلفة.
المرة دي، أنا ماكنتش مراته.
ولا طوق النجاة بتاعه.
أخد نفس طويل وقال بصوت مبحوح: “يعني خلاص؟ كل حاجة انتهت؟”
بصيتله بهدوء وقلت: “الحاجات اللي بتتبني على استغلال الناس… لازم تقع في يوم.”
قعد على الكنبة وكأنه فقد القدرة حتى إنه يقف.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته… شوفته خايف بجد.
قال: “الشركة عليها شيكات، والبنك بيضغط، ولو الموضوع كبر ممكن أوصل للمحاكم.”
ما رديتش.
لأنه لأول مرة… دي ما بقيتش مشكلتي.
رفع عينه وقال بسرعة: “ياسمين… ساعديني آخر مرة. مجرد ما أعدي الأزمة دي، هردلك كل جنيه.”
ضحكت بخفة.
“آخر مرة؟”
الكلمة دي سمعتها منه سنين.
آخر مرة عشان صفقة. آخر مرة عشان والدته. آخر مرة عشان ندى. آخر مرة عشان الشركة.
وكل مرة… كنت أنا اللي بدفع التمن.
قولت بهدوء: “إنت عمرك ما كنت ناوي ترد حاجة يا كريم.”
وشه اتشد.
واضح إن الحقيقة وجعته أكتر من الخسارة نفسها.
وفجأة، باب الشقة خبط بعنف.
دخلت أم كريم من غير حتى ما تستأذن، ووراها ندى وهي منهارة وعيونها حمرا من العياط.
أول ما شافتني، أم كريم قالت بصوت عالي: “إنتِ اتجننتي؟! إزاي تقطعي المصاريف عن بنت لسه بتدرس؟!”
ندى جريت ناحية كريم: “الجامعة بعتتلي إيميل! لو ما دفعتش القسط الأسبوع ده هيوقفوا تسجيلي!”
بصيتلهم بهدوء شديد.
الهدوء اللي بيخوف أكتر من العصبية.
وقولت: “وفيه إيه؟ اشتغلوا.”
أم كريم بصتلي بصدمة وكأني قلت جريمة.
“تشتغل؟! ندى متعودة على مستوى معين!”
ابتسمت بسخرية خفيفة.
“وأنا كمان كنت متعودة على الاحترام… وماخدتوش.”
سكتوا.
ندى قربت مني وقالت بعياط: “أنا مالي بكل ده؟”
بصيتلها كام ثانية.
وبعدين قولت: “ولا حاجة. بس طول عمركوا كنتوا فاكرين إن فلوسي حق ليكوا.”
كريم قام بسرعة وقال: “خلاص يا جماعة، اهدوا.”
لكن أمه انفجرت فيه: “إنت السبب! خليتها تتحكم فيك وفي بيتك لحد ما ضيعتنا!”
بصيت لكريم.
حتى دلوقتي… هما لسه شايفينني بنك مفتوح، مش إنسانة.
ندى فجأة قالت بعصبية: “يعني هتسيبينا كده؟ بعد كل السنين دي؟”
ضحكت للمرة الأولى بصدق.
“السنين دي؟”
قربت منها خطوة وقلت: “السنين دي أنا كنت بشتغل ليل نهار، وإنتِ بتنزلي ستوريز من ميامي ودبي بعربيتي وفلوسي.”
وشها احمر.
وكملت: “إنتوا ماحبتونيش يوم… إنتوا حبيتوا اللي كنت بقدمه.”
الصمت ملي المكان.
تقيل.
مؤذي.
أم كريم مسكت إيد ابنها وقالت: “قوم نمشي. دي قلبها حجر.”
بصيتلها بهدوء وقلت: “لأ يا طنط… قلبي كان طيب زيادة. وده كان أكبر غلطة.”
خرجوا كلهم.
حتى كريم.
بس قبل ما يقفل الباب، وقف وبصلي نظرة طويلة.
النظرة دي ماكانش فيها غرور المرة دي.
كان فيها خسارة.
ندم.
وخوف من المستقبل.
قال بصوت واطي: “أنا فعلًا خسرتك.”
بصيتله بثبات.
وقولت: “إنت ما خسرتنيش النهارده يا كريم… إنت خسرتني من زمان أوي، يوم ما اعتبرت حبي ضعف.”
وقفل الباب ومشي.
ولأول مرة من سنين…
البيت كان هادي.
مافيش مشاكل شركة. مافيش طلبات. مافيش استنزاف.
قعدت لوحدي في الصالة، وبصيت حواليا.
الغريب إن الوحدة ماخوفتنيش.
بالعكس…
حسيت إنها أول حاجة حقيقية في حياتي من زمان.

عدّى أسبوع.
أول يومين، التليفون ما سكتش.
أرقام غريبة. رسايل تهديد مبطنة. ناس بتحاول “تتفاهم”.
بس بعد كده… الهدوء بدأ.
الهدوء اللي بييجي بعد الانهيار.
وفي صباح يوم الخميس، كنت قاعدة في مكتبي بمقر شركتي، براجع عقد جديد، لما سامح دخل وقال: “في حد بره مُصر يقابلك.”
رفعت عيني وسألته: “مين؟”
اتردد شوية وقال: “كريم.”
سكت لحظة.
الغريب إني ماحسّتش بحاجة.
لا غضب. لا حنين. ولا حتى فضول.
قولت: “خليه يدخل.”
دخل كريم ببطء.
أول حاجة لاحظتها إنه ما بقاش نفس الشخص.
دقنه طالعة، هدومه بسيطة، والهالة الواثقة اللي كانت حواليه اختفت تمامًا.
وقف قدامي وقال: “إزيك؟”
رديت بهدوء: “خير؟”
بص حواليه على المكتب، على الموظفين اللي بيتحركوا باحترام أول ما يعدي اسمي، وعلى النجاح اللي عمره ما حاول حتى يفهمه.
وقال بصوت واطي: “أنا كنت فاكر إن كل ده بسببي.”
ما رديتش.
لأنه أخيرًا… فهم.
قعد قدامي وقال: “الشركة أعلنت إفلاسها.”
سامح سكت في مكانه، لكن أنا حتى ما اترمشليش رمش.
كمل كريم: “الشريك انسحب، والبنك استحوذ على أغلب الأصول.”
وبعدين ضحك ضحكة مكسورة: “طلع إني ماكنتش شاطر زي ما كنت فاكر.”
بصيتله شوية.
كان أول مرة أشوفه صادق.
بدون استعراض. بدون كذب. بدون قناع.
وقال فجأة: “أنا جيت أعتذر.”
الجملة كانت غريبة لدرجة إني ما استوعبتهاش أول ثانية.
كريم… بيعتذر؟
كمل بسرعة: “أنا استغليتك. وكنت فاكر إنك هتفضلي موجودة مهما عملت.”
سكت، وبعدين قال: “وأمي وندى كمان.”
سامح خرج بهدوء وقفل الباب، وسابنا لوحدنا.
كريم بصلي وقال: “أنا عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي حصل… بس كنت لازم أقولك إني ظلمتك.”
أخدت نفس هادي.
زمان… كنت ممكن أعيط من الجملة دي.
ممكن أعتبرها انتصار.
لكن دلوقتي؟
ماحسّتش غير بالراحة.
راحة إن الحقيقة أخيرًا اتقالت بصوت عالي.
قولت: “الاعتذار الحلو… بييجي قبل ما كل حاجة تقع.”
نزل عينيه.
واضح إن الجملة دخلت فيه.
وبعدين قال: “ندى رجعت مصر.”
رفعت حاجبي باستغراب.
كمل: “اشتغلت في كافيه مؤقتًا عشان تعرف تدفع جزء من مصاريفها.”
ولأول مرة…
ابتسمت فعلًا.
مش شماتة.
بس لأن الحياة أخيرًا بدأت تعلمهم الدرس اللي كنت بحاول أوصله سنين: مفيش حد هيعيش طول عمره معتمد على غيره.
قام كريم وقف وقال: “مش هطلب منك تسامحيني.”
بصلي نظرة أخيرة وكمل: “بس شكرًا… إنك استحملتيني أكتر مما أستحق.”
ولأول مرة من ساعة طلاقنا…
حسيت إنه بيتكلم كإنسان حقيقي.
اتجه للباب، لكن قبل ما يخرج وقف وقال: “على فكرة… العربية السودا اللي كنتِ بتركبيها؟”
بصيتله باستغراب.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “كنت بغير منها جدًا.”
ضحكت رغماً عني.
أول ضحكة حقيقية من شهور.
خرج وقفل الباب وراه بهدوء.
وقعدت أنا في مكتبي أبص من الشباك على زحمة القاهرة تحت.
زمان كنت فاكرة إن القوة إنك تفضلي شايلة الكل.
بس الحقيقة؟
القوة الحقيقية… إنك تعرفي إمتى تبطلي تنقذي ناس مستعدة تغرقك معاها.

بعدها بشهرين، حياتي بدأت ترجع لشكّلها الطبيعي.
أو يمكن لأول مرة… تاخد شكلها الحقيقي.
بقيت أصحى من غير قلق. من غير عشرات المكالمات عن أزمات مش بتاعتي. من غير حد حاطط مسؤوليته كلها على كتافي ومستني مني أصلّح الدنيا.
وفي ليلة هادية، كنت قاعدة في البلكونة عندي، ماسكة كتاب وكوباية قهوة، لما موبايلي رن.
رقم غريب.
كنت هقفله… لكن حاجة جوايا خلتني أرد.
“ألو؟”
جالي صوت بنت متردد: “مدام ياسمين؟ أنا ندى.”
سكت ثانية.
صوتها كان مختلف. أهدى. أضعف. وأصدق.
قولت: “خير يا ندى؟”
قالت بسرعة: “أنا… كنت عايزة أقولك حاجة.”
استنيت.
وأول مرة في حياتها، سمعتها بتقول: “أنا آسفة.”
الجملة خرجت مكسورة.
حقيقية.
كملت: “أنا طول عمري كنت فاكرة إن الحياة سهلة… وإن الفلوس بتيجي لوحدها.”
سكتت شوية وبعدين قالت: “لما اشتغلت وعرفت يعني إيه أقف ساعات طويلة عشان أقبض مرتب بالكاد يكفي أسبوع… فهمت إنتِ كنتِ بتعملي إيه عشانا.”
ما اتكلمتش.
لأن الكلام اللي استنيته سنين… لما جه، ما بقاش بنفس القيمة.
قالت: “أنا كنت وحشة معاكي.”
بصيت للشارع تحت وأنا ساكتة.
القاهرة كانت زحمة كالعادة. عربيات. أصوات ناس. حياة ماشية.
لكن جوايا كان فيه هدوء غريب.
قولت بهدوء: “المهم إنك فهمتي.”
شهقت بالعياط وقالت: “إنتِ عمرك ما أذيتينا رغم إنك كان عندك حق.”
ابتسمت بخفة.
“لا يا ندى… أنا بس اتأخرت إني أحمي نفسي.”
سكتت شوية، وبعدين سألت بتردد: “هو… ممكن في يوم تسامحينا؟”
السؤال فضل معلق بينا كام ثانية.
وبعدين قولت: “المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول.”
قالت بسرعة: “عارفة.”
وأول مرة… حسيت إنها فعلًا عارفة.
قفلنا المكالمة بهدوء.
حطيت الموبايل جنبي ورجعت بصيت للسما.
افتكرت نفسي زمان… البنت اللي كانت مستعدة تتكسر ألف مرة بس عشان الناس اللي بتحبهم يفضلوا مرتاحين.
وأدركت قد إيه كنت ظالمة نفسي.
في اليوم اللي بعده، كنت في اجتماع مهم مع مستثمرين، ولما خلصت، سامح دخل المكتب بابتسامة.
وقال: “في خبر حلو.”
رفعت عيني باستغراب.
ناولني ظرف أبيض.
فتحته… ولقيت عرض شراكة جديد لشركتي من مجموعة كبيرة في دبي.
المشروع اللي كنت بحلم بيه من سنين.
بصيت للورق وأنا مبتسمة.
زمان كنت بخاف أحقق نجاح أكبر… عشان كريم مايحسش بالنقص.
كنت بصغر نفسي بإيدي… عشان جوازتي تفضل مستقرة.
لكن دلوقتي؟
ما بقاش فيه حد يطلب مني أطفّي نوري عشان يبان هو.
سامح قال وهو بيضحك: “واضح إن الدنيا بتعوضك.”
بصيت من الشباك مرة تانية وقلت: “لأ… دي مش تعويض.”
سكت شوية.
وبعدين ابتسمت وأنا بوقّع العقد.
“دي حياتي اللي رجعتلي أخيرًا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *