الصبح يوم جنازة أبويا
الصبح يوم جنازة أبويا، الشيخ اللي بيغسّله طلع وقال إن المرحوم قابض على إيده جامد ورافض يسيب اللي فيها حتى بعد موته. سكتنا كلنا، بس سعد جوزي فجأة لونه اتخطف، وطلب منهم يسيبوا إيده مقفولة زي ما هي ويكملوا تغسيل.
ساعتها مفهمتش سر رعب جوزي من إيد راجل ميت مكملش كام ساعة، خصوصاً إنه من الصبح وهو رافض يخليني أدخل أشوف أبويا وأودعه للمرة الأخيرة.
زحمة ووحشة
وقفت برة أوضة التغسيل وأنا لافة عبايتي السودا عليا وجسمي كله بيترعش. سامعة الهمس جوة بيزيد، وسعد جوزي عمال يكرر إن الوقت اتأخر ولازم نستعجل ونخلص عشان نلحق صلاة العصر، ب إكرام الميت دفنه.
من لحظة ما جالي خبر الوفاة وأنا حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية؛ البيت كان مليان قرايب وجيران، رجالة داخلة وطالعة، ستات قاعدة بتقرأ قرآن وتسبح بصوت واطي، وصواني الشاي والقهوة السادة بتلف بين الإيدين. بس وسط الزحمة دي كلها، كنت حاسة إني وحيدة، وكأن كل اللي موجودين عارفين سر أنا معرفوش.
الخبر جالي قبل الفجر بحاجات بسيطة. جوزي هو اللي صحاني بنفسه، كان واقف جنب السرير، وشه أصفر وعينيه حمرا دم. قالي إن أبويا جاتله أزمة قلبية مفاجئة بالليل وتوفى. في الأول عقلي مستوعبش كلامه، فضلت باصاله ثواني طويلة مستنياه يقولي
إن دي هزارة بايخة، أو سوء تفاهم، أو حتى الدكتور غلطان.. بس مفيش أي حاجة من دي حصلت.
في أقل من ساعة كنا في بيت أبويا، وكان الجثمان وصل خلاص. كل حاجة حصلت بسرعة لخبطتني. سألت كذا مرة
مين كان معاه لما تعب؟
مين طلب الإسعاف؟
مين وداه المستشفى؟
بس الإجابات كلها كانت عايمة ومش واضحة؛ مرة يقولوا جارنا لقاه، ومرة يقولوا قريبنا هو اللي نقله. وكل ما أحاول أفهم أكتر، سعد يقاطع الكلام، يطلب مني أهدى، وأركز في الدعاء وقراءة الفاتحة للمرحوم.
في الأول قولت إنه بيحاول يخفف عني ويحميني، بس مع مرور الوقت، بدأت أحس بحاجة تانية. كل ما أطلب أشوف أبويا، كانوا بيأجلوا الموضوع، وكل ما أقرب من الأوضة اللي فيها الجثمان، ألاقي اللي يقف في طريقي. مرة بحجة إن المُغسل جوة وشغال، ومرة يقولوا الستات مينفعش تدخل دلوقتي، ومرة تالتة يقولولي شكلك مش هيستحمل صدمة منظره… لحد ما بقيت متأكدة إن فيه حد قاصد يبعدني عنه
ولما سمعت كلام المُغسل عن إيد أبويا المقفولة، الشك كلبش في قلبي أكتر. الراجل خرج من أوضة التغسيل وهو بيمسح عرقه، وباين على وشه الحيرة وقال
ربنا يرحمك يا حاج أبو زيد… بس فيه حاجة غريبة.
الرجالة اتلمت حواليه بسرعة وسألوه خير يا شيخ؟ في إيه؟
اتنهد وقال إيده اليمين مقفولة ومكلبشة جامد، حاولنا نفتحها كذا مرة مفيش فايدة… وباين كده إن فيها حاجة.
في اللحظة دي، شفت منظر عمري ما هنساه. شفت الرعب الحقيقي في عينين جوزي. نفس الرعب اللي بيبان على وش واحد خايف سر دفنه بإيده يتكشف. اتقدم بسرعة ناحية المُغسل وقاله بلهجة فيها زعيق مكتوم يا عم الشيخ الموضوع مش مستاهل عطلة، المهم نخلص ونكفّن الراجل وندفنه!
بس المُغسل رفض، وأكد إن تغسيل الميت وتجهيزه لازم يتم على أكمل وجه بما يرضي الله.
الوصية الأخيرة
من اللحظة دي، الشك بدأ ياكل في قلبي. مش بس عشان إيد أبويا، عشان سعد.. عشان طريقته، وتوتره، وإصراره الغريب إنه يسلق كل حاجة ويخلص بسرعة.
سندت على الشباك وأنا بحاول أخد نفسي، وافتكرت آخر ليلة شفت فيها أبويا عايش. كنت زورته بعد صلاة المغرب، وقعدنا لوحدنا في صالة البيت. كان باين عليه التعب والإرهاق أكتر من العادي، بس مشتكيش من حاجة. بالعكس.. كان بيتكلم وكأنه عايز يفضفضلي بسر كبير، ويرجع يبلع الكلام في آخر لحظة.
وفجأة سألني يا زينب… إنتي واثقة في كل اللي حواليكي؟
يومها ضحكت وقولتله إيه السؤال الغريب ده يا بابا؟
بس هو مضحكش، فضل باصص لكوباية الشاي اللي في إيده فترة، وبعدين قال
ساعات الخطر مبيجيش من الغريب. .. ده بيجي من الناس اللي بتدخل بيوتنا وتاكل معانا على طبلية واحدة.
استغربت كلامه وسألته يقصد إيه، بس هو غيّر الموضوع بسرعة ودخل في حوار تاني. ولما جيت أمشي، مسك إيدي وضغط عليها جامد وقالي لو حصلي أي حاجة فجأة… إياكي تتسرعي في أي قرار.
بصيتله باستغراب قصدك إيه يا بابا؟
اكتفى إنه يبصلي وقالي بهدوء خلي كلامي ده حلقة في ودنك وبس.
وقتها افتكرت إن كلامه ده من التعب أو كبر السن. لكن دلوقتي، وأنا واقفة برة أوضة التغسيل، وسامعة المُغسل بيتكلم عن إيده المكلبشة، وشايفة جوزي بيبص في ساعته كل دقيقتين وعرقان… اتأكدت إن أبويا كان بيحذرني من حاجة.
حاجة بدأت من زمان.
حاجة مكنتش فاهماها لسه.
بس مكنتش أعرف إن التحذير ده هيكون أول خيط يوصلني للحقيقة… الحقيقة اللي خلتني، بعد كام يوم بس، أروح بنفسي للنيابة وأطلب فتح تحقيق رسمي في موت أبويا.
القصة كاملة في أول تعليق متنساش تصلي علي النبي وقفت قدّام الرسالة وأنا مش قادرة أتنفس.
رقم أبويا مستحيل.
إيدي بتترعش وأنا بفتح الرسالة تاني وتالت، يمكن عقلي يقتنع إنها مجرد لعبة فيروس أي حاجة غير اللي أنا شايفاها.
لكن الجملة كانت ثابتة ابعدي عن الشريحة قبل ما توصلك للي مايرحمكيش.
ساعتها حسّيت إن الأرض تحت رجلي بتسحبني.
في نفس الليلة، المحقق
لمحة نيوز
اتصل بيا بنفسه عايزك تيجي فورًا.
روحت وأنا قلبي مش مطمّن.
لما دخلت، كان قاعد قدام ملف مفتوح، وشه متغير لأول مرة من بداية التحقيق.
قال من غير مقدمات الشريحة اللي اتلقّت جوه إيد والدك عليها تسجيلات صوتية.
سكت لحظة، وبعدين كمل وتواريخ وأسماء.
بلعت ريقي أسماء مين؟
بصلي نظرة طويلة وقال ناس قريبة منك جدًا.
الدنيا بدأت تتكسر واحدة واحدة.
اتعرض عليّ تسجيل قصير.
صوت أبويا واضح مرهق لكنه ثابت لو حصل لي حاجة، يبقى مش طبيعي سعد هو اللي دخل البيت من الباب اللي مش شايفينه.
قلبي وقع في رجلي.
المحقق ضغط زر تاني.
صوت تاني صوت سعد.
بس مش الصوت اللي أعرفه.
كان بيقول الراجل خلاص بدأ يشك لازم نخلص قبل ما يكتب حاجة.
سكت.
بصيت للمحقق وأنا مش مصدقة ده ده مش حقيقي
رد بهدوء للأسف كل حاجة هنا موثقة.
رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي.
البيت نفسه كان مختلف.
كأن الجدران بقت بتراقبني.
فتحت الباب بهدوء، ولقيت نور الصالة شغال.
مع إن مفيش حد في البيت.
وبعدين سمعت صوت في المطبخ.
خطوة خطوة.
قلبت ورا الباب وببطء دخلت.
وكان سعد واقف.
بس أول ما شافني ابتسم.
ابتسامة مفيهاش أي دفء.
قال روحتِي النيابة صح؟
ماقدرتش أرد.
قرب مني خطوة وقال بهدوء غريب مش كان لازم توصلي للمرحلة دي يا زينب أبوكي كان فاهم، بس إنتي اللي ما سمعتِش.
رجعت خطوة لورا إنت عملت إيه؟
ساعتها، سكت لحظة طويلة وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة
أنا ماقتلتوش أنا بس سيبت الحقيقة تموت قبله.
وفي نفس اللحظة
فوق الدولاب في الصالة
وقعت علبة صغيرة على الأرض.
وانفتحت لوحدها.
وكانت جواها نسخة تانية من نفس الشريحة سقطت العلبة على الأرض وصوتها كان أعلى من الطبيعي كأن البيت كله سمعها.
سعد ما اتحركش، بس عينه راحت ناحية الشريحة اللي اتفتحت قدامي.
ولأول مرة، ابتسامته اختفت.
قال بصوت واطي إنتي مفكرتيش إنها هتبقى في مكان واحد صح؟
قلبي دق بسرعة يعني إيه؟
سحب نفس طويل، وبص حوالينه كأنه بيتأكد إن مفيش حد بيسمعنا أبوكي ماكنش أول واحد يمسكها ولا آخر واحد.
في اللحظة دي، الموبايل رن تاني.
رقم مجهول.
بس المرة دي المحقق.
صوته كان مستعجل ابعدي من البيت حالًا. دلوقتي!
قبل ما أسأله ليه، سمعنا خبط جامد على الباب.
خبطات سريعة متتالية مش خبط عادي.
سعد بصلي وقال بهدوء مرعب اتأخرتوا.
النور قطع.
الصمت سقط على البيت مرة واحدة.
وفي الضلمة، سمعت صوت الباب بيتفتح ببطء رغم إن محدش فينا اتحرك.
همس المحقق في التليفون قبل ما الخط يقطع هم وصلوا ما تفتحيش لأي حد
الصوت اختفى.
سعد قرب مني.
المرة دي ما هربتش.
وقفت مكاني، وأنا ماسكة الشريحة في إيدي.
قلت له بصوت مكسور أبويا كان عارف إيه؟
بصلي ثواني طويلة، وبعدين قال كان ماسك حاجة لو اتكشفت ناس كتير هتختفي.
سكت.
وبعدين زاد وأنا واحد من الناس دي.
الصوت برّه الباب بقى أقرب.
خطوات على السلم.
سعد فجأة مسك إيدي بقوة اسمعيني كويس لو عايزة تعيشي، الشريحة دي لازم تختفي دلوقتي.
نظرت له أو إيه؟
قال أو هم هيكملوا اللي بدأوه مع أبوكي معاكي.
وفجأة
باب الشقة اتكسر بقوة.
ودخلوا.
لكن الغريب
مش كانوا رجالة عادية.
كانوا لابسين زي مدني، لكن عيونهم واضحة إنها مش جايه للقبض جايه تمسح أثر.
سعد شدني ورا الحيطة بسرعة وهمس مفيش وقت تفكير يا إما نطلع الحقيقة للنور يا إما نختفي معاها.
في إيدي الشريحة كانت سخنة بشكل غريب كأنها شغالة.
والصوت الوحيد اللي سمعته قبل ما الدنيا تقلب
كان صوت أبويا.
بس المرة دي مش تسجيل.
كان بيقول اختاري الصح يا زينب حتى لو وجعك.
وفي نفس اللحظة
النور رجع.
والباب اللي اتكسر
كان واقف عنده شخص واحد بس.
ماعرفتوش.
لكن أول ما بصلي
عرفت إن الحقيقة لسه ما خلصتش.
والبداية الحقيقية لسه جاية الشاشة السودة في إيدي بدأت تنبض كأنها بتتنفس.
الجملة اللي ظهرت كانت ثابتة التسجيل الكامل هيبدأ الآن.
وبعدين فجأة الصوت اشتغل.
صوت أبويا.
لكن المرة دي مش رسالة قصيرة ده تسجيل طويل.
لو التسجيل ده اتفتح، يبقى أنا ماقدرتش أحميكم لحد النهاية
سكت لحظة في التسجيل، وصوته كان مرهق أكتر من أي مرة سمعتُه فيها.
اللي دخل بيتنا مش شخص واحد ده نظام كامل وناس قريبة مني ومنكم.
بصيت ناحية سعد غصب عني.
وشه كان أبيض.
الرجل اللي واقف قدام الباب قال بهدوء اسمعي للنهاية.
التسجيل كمل
سعد مش اسمه الحقيقي واللي دخل حياتك مش صدفة.
ساعتها الدنيا وقفت جوا دماغي.
التفت لسعد بسرعة إيه الكلام ده؟!
سعد صرخ ده تسجيل متفبرك! بيحاولوا يكسروكي!
لكن صوته كان أعلى من اللازم وأكتر توتر من الطبيعي.
التسجيل كمل
لو حصل لي حاجة، متثقيش في أي حد غير الشخص اللي هيوصلك للعلامة.
وبعدها مباشرة صوت احتكاك زي باب بيتفتح في التسجيل.
وبعدين صرخة قصيرة وانقطع الصوت.
سكون تام.
لا صوت لا حركة.
بس الشاشة في إيدي بدأت تعرض صورة.
صورة بيت قديم.
نفس البيت اللي كنت فاكرة إنه انتهى من حياتي من سنين.
الرجل قال العلامة اللي أبوكي كان يقصدها مش شخص مكان.
سعد فجأة حاول يقرب مني اقفلي ده فورًا!
لكن أول ما مد إيده
الرجل اللي عند الباب قال بصوت حاسم متقربش منها.
وسعد وقف مكانه.
مش لأنه خاف منه
لكن لأنه كان واضح إن أي حركة غلط هتفتح باب تاني أسوأ.
بصيت بين الاتنين، وقلبي بيتكسر بين كل كلمة.
وبعدين سألت بصوت واطي لو فتحت التسجيل ده للآخر إيه اللي هيحصل؟
الرجل رد هتعرفي مين قتل أبوكي ومين كان ناوي يقتلِك بعده.
سكت لحظة.
وبعدين زاد بس مش مضمون ترجعي زي ما كنتي.
الشاشة بدأت تهتز.
والصورة بدأت تقرّب من باب البيت القديم لحد ما ظهر تفصيلة صغيرة جدًا
مفتاح صدئ متعلّق في
الباب.
نفس المفتاح اللي كنت فاكرة أبويا رماه من سنين.
سعد بصلي بصوت مكسور لو فتحتي ده مش هنعرف نرجع تاني.
الرجل قال وإن ما فتحتيش الحقيقة هتفضل مدفونة وإنتي كمان.
سكون تاني.
التسجيل وقف عند لحظة واحدة.
صوت أبويا رجع آخر مرة أهدى من الأول
اختاري بس اختاري وانتي فاهمة.
الشاشة قدامي بقت مستنية.
زر واحد بس ظهر
تشغيل النهاية.
وإيدك إنتي بقت هي اللي هتقرر الإصبع كان واقف فوق زر تشغيل النهاية كأنه مش تبعي.
الثواني كانت تقيلة بشكل يخنق.
سعد بصلي متعمليش كده لو فتحتيه مش هتقدري ترجعي.
والرجل عند الباب قال بهدوء عكس كل التوتر اللي في المكان ولو ما فتحتيهوش هتفضلي عايشة في نص الحقيقة طول عمرك.
قلبي كان بيضرب في ودني.
صورتين في دماغي أبويا وصوته في التسجيل. وسعد اللي لحد دلوقتي مش قادرة أفهمه.
سحبت نفس طويل.
وضغطت.
في لحظة الضغط النور في الشقة كله فصل تاني.
بس المرة دي ماكانش ظلام عادي.
كان فيه صوت جاي من كل مكان.
صوت خطوات أبواب بتتفتح همسات مش مفهومة.
وبعدين الشاشة نورت لوحدها.
ظهر فيديو.
أبويا.
واقف في نفس البيت القديم اللي شوفته قبل كده.
لكن المرة دي كان مش لوحده.
كان معاه شخص واقف وراه مش واضح ملامحه.
وأبويا بيقول لو إنتي شايفة الفيديو ده يبقى أنا خسرت الوقت.
سكت لحظة في الفيديو.
وبعدين كمل سعد دخل حياتك باسم تاني عشان يقرب مني. مش منك.
سعد صرخ فجأة كفاية كذب!
لكن الصوت في الفيديو كمل
هو ما كانش جوزك كان مراقب.
الدنيا بدأت تدور في دماغي.
بصيت لسعد عينيه كانت مليانة حاجة مش عارفة أسمّيها.
مش دفاع. مش غضب بس. كان خوف حقيقي.
الرجل اللي عند الباب قال بهدوء كمّلي الفيديو للآخر.
أبويا في التسجيل قرب من الكاميرا وقال بصوت واطي
لو وصلتي لآخر لحظة هتعرفي إن أخطر حاجة مش اللي قتلتني
سكت.
وبعدين قال الجملة اللي كسرتني
أخطر حاجة إنك تكوني وثقتي في القاتل من غير ما تعرفي.
الفيديو اتقطع فجأة.
وظهر مشهد جديد.
سعد ماسك ملف.
وبيسلم حاجة لحد مش ظاهر.
وبصوت منخفض بيقول المرحلة الأولى خلصت.
سعد وقع الملف من إيده.
وقال بصوت مبحوح ده مش أنا ده متفبرك
لكن صوته كان أضعف من إنه يقنع حتى نفسه.
الرجل عند الباب رفع عينه وقال الآن فهمتي ليه أبوكي خبّى الشريحة جوه إيده لحد ما مات.
بصلي لأنه كان عارف إن أول حد هتحاولي تثقي فيه هو اللي هيحاول يدفن الحقيقة.
سكون.
حتى الصوت اللي كان في الجدران اختفى.
وبقيت أنا وسعد والشخص اللي عند الباب.
والحقيقة اللي بدأت تظهر ومش ناوية ترجع تستخبى تاني.
سعد بصلي للمرة الأخيرة وقال بهدوء غريب اختاري تصدقيهم أو تصدقيني أنا.
وفي اللحظة دي
الرجل قال مفيش اختيارين يا زينب.
في حقيقة واحدة وباقي كله كان تمثيل.
والشاشة قدامي نورت تاني
بس المرة دي ماكانش فيها زرار.
كان فيها كلمة واحدة بس
الاعتراف الكامل يبدأ الآن الكلمة الاعتراف الكامل يبدأ الآن فضلت منوّرة على الشاشة لكن مفيش زرار، مفيش رجوع.
بس فيه صوت.
مش صوت أبويا المرة دي.
صوت تسجيل تاني أعمق أقرب للواقع.
أنا اللي هاعترف قبل ما حد يكمّل عني.
سكتت ثانية.
وبعدين ظهر على الشاشة
صورة رجل غريب قاعد في مكان شبه مكتب تحقيق.
واللي اتكلم كان هو نفسه اللي واقف عند الباب.
سعد بصّ له بصدمة إنت؟!
الرجل رفع إيده بهدوء اقعد يا سعد القصة انتهت عندك من بدري.
قلبي وقع.
المشهد اتغير.
وبقى في تسجيل جديد بيتعرض كأنه فيلم كامل.
الرجل بيحكي
اللي حصل مش جريمة عادية ده كان تفكيك شبكة من جوه. وأبو زينب كان جزء منها وبعدين قرر ينسحب.
التفت ليه بسرعة أبويا كان منهم؟!
الرجل هز راسه كان شاهد وبعدين حاول يخرج. وده أخطر قرار ممكن أي حد ياخده.
سعد بصوت مكسور أنا كنت بحاول أحمي العملية مش أأذيه!
الرجل رد بحدة لأول مرة أنت كنت بتكمّلها حتى لو من غير ما تفهم.
الصورة على الشاشة اتغيرت تاني.
مشهد أبويا.
لكن المرة دي مش لحظة موت لحظة كتابة.
كان بيكتب حاجة بإيده المرتعشة وبيحط الشريحة جوه إيده بنفسه.
كأنه بيخبّيها من كل العالم حتى من الموت.
سكت الرجل وقال أبوك ما اتقتلش بإيد واحدة.
اتقتل بالخوف وبالاختيار اللي أخدوه حواليه كلهم.
أنا واقفة مش قادرة أتنفس.
كل حاجة اتكسرت جوايا في لحظة واحدة.
لا أبيض ولا أسود.
كل اللي كنت فاكرة إني فاهماه طلع رمادي.
سعد قرب خطوة مني، بصوت هادي لأول مرة أنا ماكنتش عدوك كنت بحاول أوقف حاجة أكبر مني ومنك.
لكن صوته نفسه كان فيه انهيار.
الرجل أشار للشاشة الاعتراف الأخير هو أهم جزء.
وفجأة ظهر تسجيل صوتي واضح.
صوت أبويا آخر مرة.
لكن المرة دي كان بيقول
لو بنتي وصلت هنا يبقى أنا نجحت أخليها تشوف الحقيقة حتى لو الحقيقة وجعتها مني.
الصمت سقط على المكان كله.
والشاشة بدأت تطفي واحدة واحدة.
الرجل قال بهدوء خلصت اللعبة لكن الحقيقة لسه هتبدأ معاكِ إنتي بس.
سعد بصلي للمرة الأخيرة وقال أنا آسف على كل حاجة ماقدرتش أقولها في وقتها.
وبعدين سكت.
والرجل عند الباب استدار عشان يمشي.
لكن قبل ما يخرج قال جملة واحدة
أبوك كان بيقول دايمًا أخطر حاجة مش السر.
أخطر حاجة مين اللي بيحكيه.
والباب اتقفل.
والبيت رجع هادي.
بس المرة دي
مفيش حاجة انتهت فعلاً.
لأ دي كانت أول مرة الحقيقة تبقى ملكي أنا لوحدي.
