الوعد الأخير بقلم ندى الجمل
اسمي كريم، وبعد تلات سنين من وفاة مراتي… لسه معرفتش أعيش مع الفراغ اللي سابته جوايا.
البيت الخشبي اللي فوق الجبل في سانت كاترين كان مكاننا المفضل. أنا وسلمى كنا نهرب له من دوشة الدنيا كلها. كانت بتحبه أكتر من أي مكان تاني، وبعد ما ماتت… مقدرتش أرجع هناك تاني. الدكتور النفسي كان بيسمي ده “محاولة للتعافي”، لكن بالنسبالي كان عذاب.
ولما عربيتي دخلت طريق الحصى وقت المغرب يوم الجمعة، كنت واخد قرار إني مش هقعد غير ساعات بسيطة. ليلة بالكتير… ويمكن أمشي قبلها كمان.
الكوخ كان زي ما هو. الخشب القديم، الشرفة اللي بدأت تتهالك من الهوا، والجرس المعدن اللي سلمى كانت معلّقاه جنب الباب ولسه بيتحرك مع نسمات الجبل.
ولثانية… تخيلت إنها هتفتح الباب وتطلعلي وهي لابسة واحدة من قمصاني الواسعة وبتضحك.
بس اللي كان واقف هناك مكانها… كانوا طفلتين توأم.
في الأول افتكرت إني بتهيألي من الحزن.
البنتين كانوا واقفين جنب سور الشرفة، ساكتين تمامًا، وبيبصوا عليا بعيون زرقا واسعة تخوف. مايبانوش أكبر من سبع سنين. حافيين، هدومهم متبهدلة، ورفيعين بشكل يوجع القلب. وكل واحدة ماسكة حتة عيش ناشفة وقديمة كأنها آخر أكل في الدنيا.
ولا واحدة ابتسمت.
ولا واحدة اتكلمت.
حتى الجبل كله حسيت إنه سكت فجأة.
نزلت من العربية ببطء، وقلبي بيدق جامد مع كل خطوة ناحيتهم. ولما قربت… المنظر كان أسوأ.
شعرهم الأشقر متلخبط ومقصوص بعشوائية، وطين مالي هدومهم، وخدوش في إيديهم ورجلهم.
ومافيش أي حد حوالينا.
لا عربية.
لا صوت.
لا أهل.
بس شجر وسكون يخوف.
قلت بهدوء وأنا بقرب من السلم: “إزيكم… أنا كريم. إيه أساميكم؟”
البنت اللي على الشمال شارت لنفسها: “ملك.”
وبعدين شارت للتانية: “مريم.”
الغريب إن حركتهم كانت متطابقة بشكل مرعب… كأنهم شخص واحد.
أنا اللي طول عمري بتعامل مع رجال أعمال ومش بخاف من حد، لقيت نفسي عاجز قدام طفلتين مرعوبين.
سألت بهدوء: “فين مامتكم؟”
أول ما قلت السؤال… كل حاجة اتغيرت.
مريم وطّت راسها فورًا.
وملك مسكت العيشة بإيديها أكتر.
ولا واحدة ردت.
حسيت ببرودة غريبة جوا صدري.
قلت: “إنتوا جعانين؟”
ملك هزت راسها بخفة.
استغربت: “طيب ليه مبتاكلوش؟”
البنتين بصوا لبعض ثواني طويلة، وبعدها ملك همست بصوت ضعيف كسر قلبي:
“ماما قالت لازم نوفره.”
سألتها: “نوفره ليه؟”
بس محدش رد.
بدل كده… الاتنين لفوا راسهم ببطء ناحية الغابة اللي ورا الكوخ.
ناحية الممر الضيق اللي بين الشجر.
نفس الطريق اللي سلمى كانت بتمشي فيه كل يوم قبل الغروب.
الطريق اللي محدش يعرفه غيري أنا وهي.
جسمي كله اتجمد.
وفجأة… مريم بصتلي مباشرة.
وبصوت مرتعش قالت الجملة اللي خلت الدم يتجمد في عروقي:
“سلمى قالت إنك هتيجي.”
قلبي وقف.
لأن مافيش أي تفسير في الدنيا يخلي البنتين يعرفوا اسم مراتي.
وفي عمق الغابة المظلمة… حاجة اتحركت فجأة بين الشجر.
حاجة كانت مستخبية… ومستنيانا.
اتسمرت مكاني وأنا ببص ناحية الغابة.
الهوا البارد عدى بين الشجر بصوت صفير خافت، والضلمة بدأت تنزل بسرعة فوق الجبل.
البنتين كانوا لسه واقفين قدامي كأنهم مستنيين مني أعمل حاجة.
بلعت ريقي بالعافية وسألت: “مين قالكم اسم سلمى؟”
ملك ردت من غير ما ترمش: “هي.”
قلبي دق بعنف. “إمتى؟”
مريم رفعت صباعها ناحية الغابة. “هناك.”
حاولت أقنع نفسي إن أكيد في تفسير منطقي. يمكن حد كان عارفني أنا وسلمى. يمكن أمهم كانت تعرفها. يمكن…
بس جملة واحدة فضلت بتخبط جوا دماغي: محدش يعرف الطريق ده غيري أنا وسلمى.
قربت منهم أكتر وقلت بهدوء: “إنتوا قاعدين هنا لوحدكم من إمتى؟”
البنتين بصوا لبعض، وبعدها ملك همست: “مش فاكرين.”
الإجابة خلت معدتي تنقبض.
طلعت تليفوني بسرعة عشان أطلب الشرطة… لكن ماكانش فيه شبكة. ولا شَرطة واحدة.
طبعًا.
الكوخ دايمًا الشبكة فيه ضعيفة.
بصيت حواليّا تاني، وبعدين قلت: “تعالوا ندخل الأول.”
البنتين ما اتحركوش.
مريم قالت بخوف: “هو هيزعل.”
“مين؟”
سكتت.
لكن في نفس اللحظة… سمعنا صوت فرقعة جاية من وسط الشجر.
صوت رجل بيدوس على غصن ناشف.
البنتين اتخضوا فورًا، وملك جريت استخبت ورا ضهري وهي بترتعش.
قلبي بدأ يدق بجنون.
“مين هناك؟!” صرخت بأعلى صوتي.
مافيش رد.
بس كان فيه إحساس مرعب إن في حد واقف وسط الضلمة… بيتفرج علينا.
مسكت قطعة خشب كبيرة كانت جنب الباب ونزلت درجات الشرفة بحذر. عيني بتلف وسط الأشجار، بحاول ألمح أي حركة.
وفجأة…
ظهر راجل.
طلع ببطء من بين الشجر كأنه طالع من كابوس.
دقنه طويلة ومليانة تراب، هدومه مقطعة، وجسمه هزيل بشكل يخوف. لكن اللي جمد الدم في عروقي فعلًا… كانت عينيه.
كان بيبص على البنتين مش عليا.
وبصوت مبحوح قال: “أخيرًا رجعت.”
رفعت الخشبة قدامي فورًا. “إنت مين؟!”
الراجل وقف بعيد شوية ورفع إيده بهدوء. “أنا مش هأذيهم.”
ملك بدأت تعيط بصمت ودفنت وشها في ضهري.
صرخت فيه: “البنات دول تبعك؟!”
هز راسه بالنفي.
وبعدين قال الجملة اللي خلت الأرض تميد بيا:
“مراتك هي اللي طلبت مني أحميهم.”
نفسي اتقطع.
“إنت مجنون؟ مراتي ماتت من تلات سنين!”
الراجل بصلي بنظرة غريبة… فيها خوف وحزن حقيقي.
وقال: “عارف.”
سكت ثانية، وبعدين همس: “بس قبل ما تموت… سلمى كانت مخبية سر عنك.”
الهوا برد أكتر حوالينا.
وكنت حاسس إن حياتي كلها بدأت تتفكك قدامي.
الراجل مد إيده ببطء ناحية جيبه، وقلبي كان هيقف وهو بيطلع حاجة صغيرة ملفوفة بقماش قديم.
ولما فتحها…
شفت سلسلة فضة كنت أنا اللي جايبهالها يوم عيد جوازنا الأول.
السلسلة اللي اتدفنت بيها.
واللي مستحيل تكون مع أي حد غير سلمى.
حسيت رجلي مش شايلاني.
السلسلة كانت قدامي فعلًا… نفس الخدش الصغير اللي عملته فيها بالغلط وأنا بلفها حوالين رقبة سلمى يوم عيد جوازنا.
مستحيل.
بصيت للراجل وأنا مخنوق:”جبت دي منين؟!”
الراجل بلع ريقه وقال بهدوء:”هي ادتهالي بنفسها.”
صرخت فيه بعصبية:”بقولك مراتي ماتت!”
البنتين اتخضوا من صوتي، وملك بدأت تعيط أكتر.
الراجل بص للبنتين بسرعة وكأنه خايف عليهم، وبعدها قال:”لو فضلتوا واقفين بره… هو هيجيلكم.”
الجملة نزلت في قلبي زي التلج.
“مين هو؟”
بس الراجل ما ردش.
بدل كده، لف بسرعة ناحية الغابة كأنه سامع صوت أنا مش سامعه.
وفي اللحظة دي…
سمعنا كلنا صوت جرس.
خفيف… معدني… جاي من بعيد وسط الشجر.
رنة واحدة.
ثم اتنين.
ثم تلاتة.
إيديا تلجت فورًا.
لأن الصوت ده… كنت أعرفه.
جرس الرياح النحاس اللي سلمى كانت معلّقاه قدام الكوخ.
لكن الجرس الحقيقي كان لسه ورايا جنب الباب… بيتحرك بهدوء مع الهوا.
يعني إيه اللي بيرن جوه الغابة؟!
مريم رفعت عينيها ناحيتي وهمست بخوف:”هو صحي.”
الراجل اتحرك بسرعة ناحية الشرفة وقال:”لازم تدخلوا حالًا.”
الموقف كله كان جنوني، بس غريزة جوايا قالتلي إن الخطر حقيقي.
دخلت البنتين بسرعة وقفلنا الباب الخشبي القديم.
الكوخ من جوه كان زي ما سيبته… الأثاث القديم، البطانية اللي سلمى كانت بتحبها فوق الكنبة، وحتى ريحة القرفة الخفيفة اللي كانت دايمًا مالية المكان.
لكن الإحساس بالأمان اختفى تمامًا.
الراجل وقف يبص من الشباك وهو متوتر بشكل مرعب.
سألته:”إنت اسمك إيه؟”
“حسن.”
“مين البنتين دول؟”
سكت لحظة، وبعدين قال:”بنات أخت سلمى.”
الكلمة ضربتني كأن حد خبطني في صدري.
“إيه؟!”
“سلمى كان عندها أخت أكبر… اسمها نادية.”
مخي وقف.
سلمى عمرها ما جابت سيرة أي أخت.
ولا مرة.
حسن كمل بصوت واطي:”كان بينهم مشاكل كبيرة… وقطعوا علاقتهم من سنين. بس قبل ما سلمى تموت بشهور، نادية هربت وجت هنا.”
حاولت أستوعب الكلام، لكن كل حاجة كانت بتنهار جوايا.
“هربت من مين؟”
حسن بص ناحية الباب المقفول.
وبصوت شبه الهمس قال:”من جوزها.”
وفجأة…
سمعنا خبطة قوية على الحيطة الخارجية للكوخ.
كلنا انتفضنا.
ثم خبطة تانية.
أقوى.
كأن حد بيلف حوالين البيت… وبيجرب يدخل.
ملك شهقت بخوف ومسكت إيدي بقوة.
قربت من الشباك بحذر وبصيت برا…
ويا ريتني ما بصيت.
كان فيه راجل واقف بعيد بين الأشجار.
طويل جدًا.
واقف ساكت تمامًا.
وشه مستخبي في الضلمة.
لكن الشيء الوحيد اللي كان واضح…
ابتسامته.
ابتسامة واسعة بشكل مرعب.
وكأنه عارف إننا شايفينه.
ثم ببطء شديد…
رفع إيده وأشار ناحية البنتين.
جسمي كله اتجمد.
الراجل اللي واقف وسط الشجر ماكانش بيتحرك… بس عينيه كانوا ثابتين على ملك ومريم بطريقة خلت الدم يبرد في عروقي.
همست لحسن: “مين ده؟”
حسن وشه شحب فجأة، ورد بصوت مرتعش: “قفل الشبابيك.”
“مين هو؟!”
صرخ فيا المرة دي: “قفل الشبابيك يا كريم!”
جريت بسرعة وقفلت الشباك الخشبي، وسحبت الستارة الثقيلة وأنا حاسس إن الراجل برا لسه واقف بيبصلنا.
أول ما اتقفل الشباك، ملك بدأت تعيط بانهيار.
مريم حضنتها وهي بتبص ناحية الباب بخوف: “هو زعلان…”
قعدت قدامهم على ركبتي وحاولت أهديهم: “محدش هيأذيكم، فاهمين؟”
لكن حتى وأنا بقولها… ماكنتش مصدق نفسي.
لفيت لحسن بعصبية: “عايز أفهم كل حاجة حالًا.”
حسن قعد ببطء على الكرسي الخشبي، وكأنه شايل جبل فوق كتافه.
وقال: “جوز نادية كان راجل خطر… غني جدًا وليه نفوذ. الناس كانت بتخاف منه.”
“اسمه إيه؟”
سكت ثانية قبل ما يرد: “فؤاد.”
الاسم وقع تقيل في المكان.
حسن كمل: “في الأول كان طبيعي… أو يمكن كان بيعرف يمثل. بعد ولادة التوأم بقى مهووس بيهم بشكل مرعب. منع نادية تخرج، منع البنات يشوفوا حد، وحتى المدرسة كانوا بيتعلموا في البيت.”
قلبي كان بيدق أسرع مع كل كلمة.
“وليه هربت؟”
حسن بلع ريقه: “عشان اكتشفت الحقيقة.”
“حقيقة إيه؟”
بص ناحيتي مباشرة وقال: “فؤاد كان مقتنع إن البنتين مش بني آدمين طبيعيين.”
الكوخ سكت تمامًا.
حتى صوت الهوا اختفى.
ضحكت بعصبية: “إنتوا مجانين؟”
لكن حسن ما ضحكش.
قال: “كان بيقول إنهم بيشوفوا حاجات… وبيعرفوا حاجات قبل ما تحصل.”
بصيت تلقائي ناحية ملك ومريم.
البنتين كانوا ساكتين… لكنهم مركزين مع كل كلمة.
وفجأة ملك همست: “هو قرب.”
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت خطوات بطيئة فوق الشرفة الخشبية.
تك…
تك…
تك…
حد بيمشي برا البيت.
إيدي بدأت ترتعش.
الخطوات وقفت قدام الباب مباشرة.
ثم سمعنا صوت خبط خفيف جدًا.
مرة واحدة.
وبعدين صوت راجل هادي بشكل مرعب قال:
“افتح يا حسن… أنا عارف إن البنات عندك.”
ملك دفنت وشها في حضني فورًا.
أما حسن… فكان مرعوب لدرجة إن لونه بقى أبيض.
همستله: “إيه اللي هيحصل لو دخل؟”
حسن رد من بين سنانه: “هياخدهم.”
“ليه؟!”
لكن قبل ما يجاوب…
الصوت برا الباب قال حاجة خلت قلبي يقف تمامًا:
“وسلّم على سلمى بالمرة… أصلها وحشتني أوي.”
نفَسي اتقطع.
حسن رفع عينيه ناحيتي بصدمة حقيقية، كأنه هو كمان مش مستوعب اللي سمعه.
أما أنا… فكنت حاسس إن الأرض بتسحبني لتحت.
صوت فؤاد برا الباب كان هادي بشكل مرعب… الهدوء اللي بيبقى قبل الكارثة.
قربت من الباب بحذر وصرخت: “إنت مين؟ وإيه علاقتك بسلمى؟!”
ثواني عدت من غير رد.
ثم سمعته يضحك ضحكة قصيرة باردة.
وقال: “اسأل نفسك السؤال الصح يا كريم… إنت كنت تعرف مراتك فعلًا؟”
الكلمة ضربتني زي الس*كينة.
بصيت تلقائي ناحية صورة سلمى اللي كانت فوق المدفأة. نفس الابتسامة الهادية… نفس العيون اللي كنت فاكر إني حافظ كل أسرارها.
وفجأة… حسيت إني ماكنتش أعرفها أصلًا.
الخبط على الباب رجع تاني.
أقوى المرة دي.
البنتين صرخوا بخوف، وحسن جري بسرعة ناحية المطبخ وطلع بندقية قديمة من تحت الدولاب.
شهقت: “إنت مخبي س*لاح هنا؟!”
رد وهو بيعمّرها بإيد بترتعش: “عشان كنت عارف إنه هييجي يوم.”
وفجأة الكهربا قطعت.
الكوخ غرق في الضلمة.
ملك بدأت تعيط بانهيار، ومريم حضنتها جامد وهي بتردد: “متخافيش… هي موجودة.”
قلبي وقف.
“مين؟”
مريم رفعت عينيها لركن الصالة المظلم.
وبهمس قالت: “سلمى.”
لفيت بسرعة ناحية المكان اللي بتبصله…
وفي ثانية، شفت فعلًا خيال واقف جنب الستارة.
ست طويلة بشعر غامق.
اختفى فورًا.
رجعت لورا مصدوم وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده من التوتر.
لكن حسن شافه هو كمان.
عرفت ده من الرعب اللي ملأ عينيه.
وفجأة…
صوت زجاج بيتكسر انفجر من ناحية المطبخ.
حسن رفع البندقية فورًا.
وصوت فؤاد اتسمع من جوه البيت المرة دي:
“أنا دخلت يا حسن.”
الدم اتجمد في عروقي.
إزاي دخل؟!
الباب لسه مقفول.
حسن شدني بعنف: “خد البنات واهرب من الباب الخلفي!”
“وأنت؟”
“امشي يا كريم!”
صوت خطوات بدأ يقرب من الطرقة المظلمة.
بطيء.
هادئ.
كأنه واثق إن محدش هيهرب.
مسكت إيد ملك ومريم وجريت ناحية الباب الخلفي، لكن قبل ما أوصله…
سمعنا صوت طلقة نار دوّت جوه الكوخ.
ملك صرخت.
وقلبي وقع.
لفيت بسرعة…
ولقيت حسن واقع على الأرض.
والبندقية بعيدة عنه.
أما فؤاد… فكان واقف وسط الضلمة.
أطول مما تخيلت.
لابس معطف أسود طويل، ووشه شاحب بشكل مخيف.
لكن اللي جمدني فعلًا…
إنه ماكانش باصص على البنات.
كان باصص عليا أنا.
وبابتسامة هادية قال:
“سلمى كانت بتحبك أوي… عشان كده حاولت تخبيك عن الحقيقة.”
قرب خطوة.
“بس للأسف يا كريم… إنت بقيت جزء منها دلوقتي.”
ثم رفع إيده ببطء…
وفيها صورة قديمة.
صورتي أنا وسلمى يوم فرحنا.
لكن في خلفية الصورة…
كان فؤاد واقف.
بيبتسم.
الصورة وقعت من إيدي وأنا ببص عليها بعدم تصديق.
مستحيل.
أنا متأكد إن الصورة دي اتصورت في قاعة صغيرة في القاهرة… بحضور الأهل والأصحاب بس.
إزاي فؤاد كان هناك؟
وليه عمر سلمى ما قالتش أي حاجة؟!
فؤاد قرب أكتر، ونور القمر اللي داخل من الشباك المكسور كشف ملامحه أخيرًا.
وكانت الصدمة أسوأ مما توقعت.
الراجل ماكانش كبير في السن زي ما تخيلت.
بالعكس… كان قريب من عمرنا جدًا.
ملامحه هادية بشكل مرعب، لكن عينيه… عينيه كان فيهم جنون حقيقي.
قال وهو بيبص للصورة: “يوم فرحكم كان آخر مرة شافتني فيها.”
حسن كان لسه عايش، بيتنفس بصعوبة على الأرض، وبيحاول يرفع نفسه.
صرخت: “إنت عايز إيه مننا؟!”
فؤاد سكت ثواني، وبعدين بص ناحية التوأم.
ملك ومريم كانوا مستخبيين ورايا، لكن الغريب إنهم ماكانوش بيعيطوا دلوقتي.
كأنهم… مستنيين.
فؤاد قال بهدوء: “عايز آخد بناتي وأمشي.”
“بعد ما قت*لت أمهم؟!”
الكوخ سكت تمامًا.
ولأول مرة… ابتسامة فؤاد اختفت.
قال بصوت واطي: “أنا ماقت*لتش نادية.”
بصيت لحسن بسرعة.
لكن حسن قفل عينيه كأنه مش قادر يبصلي.
وهنا فهمت.
قلبي بدأ يدق بعنف: “إيه اللي مخبيه؟!”
حسن همس بالعافية: “نادية… ماتت هنا.”
الهواء اختفى من حواليا.
“إيه؟”
“بعد ما هربت… فؤاد فضل يدور عليها شهور. وسلمى خبّتها هنا في الكوخ.”
بصيت حواليا كأني بشوف المكان لأول مرة.
حسن كمل: “بس نادية كانت مرعوبة طول الوقت… كانت مقتنعة إن فؤاد هيق*تل البنات.”
فؤاد قال فجأة: “وأنا كنت بحاول أنقذهم.”
صرخت فيه: “من إيه؟!”
وفجأة…
ملك اتكلمت.
لأول مرة بصوت واضح وثابت: “منها.”
الكوخ كله برد فجأة.
الأنوار بدأت ترعش رغم إن الكهربا مقطوعة.
ومريم بصت ناحية السلم اللي بيطلع للدور العلوي.
ثم همست: “هي نزلت.”
سمعنا كلنا صوت خطوات فوقنا.
بطيئة.
ناعمة.
لكن واضحة جدًا.
تك…
تك…
تك…
كل خطوة كانت بتنزل على قلبي.
أنا متأكد… متأكد مليون في المية إن مافيش حد فوق.
لكن الخطوات كانت بتقرب.
وفجأة…
ريحة القرفة انتشرت بقوة في المكان.
نفس ريحة برفان سلمى.
الخطوات وقفت فوق السلم مباشرة.
وبعدين…
ظهر خيال ست واقفة في الضلمة.
شعرها الطويل نازل على كتفها.
وفستان أبيض قديم بيتحرك مع الهوا.
ملك ومريم حضنوا بعض فورًا.
أما فؤاد…
فرجع خطوة لورا لأول مرة، والخوف ظهر في عينيه.
الخيال بدأ ينزل السلم ببطء.
درجة…
درجة…
لحد ما نور القمر لمس وشها.
ووقتها فقط…
عرفتها.
سلمى.
لكن مش سلمى اللي أعرفها.
عينيها كانوا سودا بالكامل.
وبشرتها شاحبة بشكل مرعب.
وكانت بتبتسم.
ابتسامة واسعة… مرعبة… مستحيل تكون بشرية.
حسن بدأ يصرخ: “اقفلوا عينيكم!”
لكن كان فات الأوان.
سلمى بصت مباشرة لفؤاد.
وفجأة… فؤاد وقع على ركبته وهو بيصرخ بألم مرعب، كأنه في حاجة بتتحرق جواه.
البيت كله اهتز.
الزجاج انفجر.
والهواء بقى متجمد.
جريت حضنت البنات وأنا سامع صريخ فؤاد بيتحول لشيء مش بشري.
ثم…
كل حاجة سكتت.
مرة واحدة.
الصمت رجع للكوخ تاني.
رفعت راسي ببطء.
فؤاد اختفى.
حسن مغمى عليه.
وسلمى… ماكانتش موجودة.
لكن على الأرض قدامي، كانت فيه سلسلة الفضة بتاعتها.
ولأول مرة من يوم وفاتها…
سمعت صوتها بوضوح جوه ودني.
هادئ… دافي… وكأنه جاي من بعيد جدًا:
“خلي بالك منهم يا كريم.”
بعدها اختفت ريحة القرفة.
واختفى البرد.
وطلع أول نور للفجر من بين الشبابيك المكسورة.
بعد شهور…
قدمت طلب رسمي عشان أتبنى ملك ومريم.
الناس كلها كانت فاكرة إنهم مجرد بنتين مروا بصدمة كبيرة.
لكن أنا كنت عارف الحقيقة.
عارف إن في أسرار ماتت مع سلمى.
وأسرار تانية… لسه مستخبية وسط جبال سانت كاترين.
وأحيانًا…
في الليالي الهادية جدًا…
لما الهوا يحرك جرس الرياح اللي قدام البيت…
البنتين يبصوا ناحية الغابة ويبتسموا.
كأن حد هناك…
لسه بيراقبنا.
بقلم ندى الجمل
