الكـرامة اولا ج 3 حكـايات إنجـي الخطيـب
## الفصل الأخير: جني الثمار والبداية الجديدة
الورقة وقعت من إيد شريف على مكتبه في الشركة، ورجليه مبقتش شايلاه. صراخ أخته منى في التليفون كان بيصحي فيه كابوس مكنش يتخيل إنه يعيشه. “فضايح بجلاجل؟ البوليس تحت البيت؟”
لم حاجته في ثانية، وأخد مفاتيح عربيته وجري كأنه مجنون في شوارع القاهرة وزحمته. طول الطريق عرقان، بيضرب كف على كف، وصوت أمه وهو بيرن في ودنه: “سيبها تغور.. دي حتة عيل هفأ ومش هتستحمل!” أهو الـ “هفأ” دي جابت له المحضرين والشرطة لحد باب البيت وفي وسط المنطقة اللي عايشين فيها طول عمرهم.
وصل شريف الشارع، لقى بوكس الشرطة واقف، والناس والجيران ماليين البلكونات والشبابيك، والكل عمال يوشوش بعضه. لمح عم صلاح، أبو هناء، واقف بكل هيبة ووقار، وجنبه الأستاذ محمود المحامي، ومعاهم اتنين عمال لوريات نقل عفش.
شريف شق الزحمة ووشه جايب ألوان من الكسوف والغضب:
— “إيه ده يا عمي؟ إيه اللي بيحصل هنا ده؟ إحنا يتفضح وسط جيراننا بالشكل ده؟ دي آخرة الـ ١٢ سنة جواز؟”
عم صلاح بصل ببرود تام، ومرفعش صوته حتى:
— “إحنا مبنفضحش حد يا شريف، إحنا بناخد حق بنتنا بالقانون وباحترام. أنت قولت لها مش هتشوفي مليم، والمحكمة قالت كلمتها، وإحنا جايين ننفذ حكم تمكين من قايمة المنقولات وتجهيزاتها تالت ومتلت. افتح الباب بالذوق عشان المحضر ينفذ، بدل ما يتكسر وتبقى الفضيحة فضيحتين.”
في اللحظة دي نزلت الحاجة مرفت تجري من شقتها اللي في الدور الأرضي، وشها أحمر وبتنهج، وزعقت:
— “عفش إيه اللي تاخدوه؟ ده عفش ابني وفي بيته! والله ما أنتم واخدين قشاية واحدة من هنا! يا فندم يا حضرة الضابط، الست دي سابت البيت بمزاجها وعايزة تخرب على ابني!”
الأستاذ محمود المحامي طلع دفتر الأوراق وابتسم بثقة:
— “يا حاجة، الكلام ده تقولو في المحكمة مش هنا. معانا حكم قايمة رسمي، وكل حرف هناءمكتوب في القايمة دي هيتفك ويتشال دلوقتي، ولو في حاجة ناقصة أو متبهدلة، هنعمل محضر تبديد، وده عقوبته الحبس الحتمي.”
كلمة “الحبس” نزلت على شريف وأمه زي الصاعقة. شريف بص لأمه بنظرة لوم وعجز، وعرف إن العناد والـ “عنجهية” الكدابة هما اللي وصلوهم للحظة دي. طلع المفتاح وإيده بتترعش، وفتح باب الشقة.
دخلوا العمال، وبدأوا يفكوا في العفش؛ غسالة الأطباق اللي هناء كانت مشترياها من مرتبها، الثلاجة، الصالون، غسالة الملابس، حتى السجاجيد والستائر والحلل والمواعين اللي طالما وقفت هناء تغسلها وتخدمهم بيها. الشقة كانت بتفضى حتة حتة قدام عين شريف، ومع كل حتة بتتفك، كان بيحس إن كرامته ومظهره قدام الناس بيتفكوا معاها. أمه قعدت على سلم العمارة تعيط وتلطم على حظ ابنها، ومنى أخته واقفة حاطة إيدها على وسطها وبتقول: “أهو.. شفتي يا ماما عنادك ودانة فين؟ الشقة بقت على البلاط!”
في نفس الوقت، في روض الفرج، هناء كانت قاعدة في بلكونة بيت أبوها. مكنتش موجودة في العمارة هناك، مكنتش عايزة تشوف لحظة الانتقام دي ولا تشمت، لأنها ببساطة.. مبقاش يفرق معاها شريف ولا أهله. كانت ماسكة كوباية قهوة، ولابسة نضارتها، وقدامها اللابتوب بتقدم على شغل في مدرسة دولية (International) كبيرة، مستغلة خبرتها الـ ١٢ سنة في التدريس.
تليفونها رن، كان الأستاذ محمود: “مبروك يا هناء، العفش كله اتقيد واتشحن على مخازن تبعنا لحد ما تشوفي هتعملي بيه إيه، وشريف مضى على محاضر النفقة والمؤخر وهو زي الألف، وبكرة هتوصلك ورقة طلاقك غيابي عشان نخلص من القصة دي نهائي.”
هناء أخدت نفس طويل، وحست إن جبل كان كاتم على نفسها انزاح: “الحمد لله يا متر.. كتر خيرك وخير بابا.”
قفلت السكة وبصت للسما، وقالت: “يا رب، أنت الحق، وضهر اللي ملوش ضهر.”
عدت ست شهور على اليوم ده.
الحياة دارت دورتها، وكل واحد جَنَى اللي زرعه.
شريف حاله اتقلب تماماً. شقته بقت فاضية على البلاط، ومبقاش معاه سيولة يفرشها من جديد بعد ما المحكمة ألزمته بنفقات ومتعة ومؤخر كسروا ضهره مادياً. الأكل من الشارع جاب له قرحة في المعدة، وهدومه دايماً مبهدلة لأنه مبيعرفش يغسل ولا يكوي، وأمه مبقتش قادرة تخدمه لكبر سنها وضغطها اللي مبيرساش على حال.
وفي يوم، كان شريف ماشي بعربيته في منطقة مصر الجديدة، وقف في إشارة مرور. بص بالصدفة على الرصيف اللي جنبه، ولمح واحدة خارجة من كافيه شيك ومعاها زملاء ليها بيتكلموا ويضحكوا.
برق عينه مش مصدق.. دي هناء!
بس مكنتش هناء اللي يعرفها. مكنتش الست المطيفة، التعبانة، اللي وشها دبلان من وقفة المطبخ والهم. دي كانت ست تانية خالص؛ خاسة، وشها منور ومكياجها هادي ومظبوط، لابسة الطقم الشتوي اللي كان نفسها فيه وشيك جداً، وضحكتها مسموعة وصافية من قلبها.
شريف حس بنغزة موت في قلبه. افتكر يوم ما قالها: “أنت عانس وعندك ٣٦ سنة ومحدش هيبص في وشك!” أهي باينة قدامه كأنها في العشرينات، مفعمة بالحياة والنجاح. عرف ساعتها إنها مكنتش دبلانة بسبب السن.. كانت دبلانة بسببه هو وأمه. حاول يفتح زجاج العربية وينادي عليها، بس الإشارة فتحت، والعربيات وراه بدأت تزمر، والزحمة خدته بعيد، زي ما الحياة خدتها بعيد عنه وعن قرفه.
هناء كانت فعلاً بدأت مرحلة جديدة تماماً. اتقبلت في المدرسة الجديدة بمرتب محترم جداً ضعف مرتبها القديم. وبقت مشهورة وسط زمايلها بالنشاط والطاقة الإيجابية. فلوسها بقت لنفسها؛ بتشتري لبس، بتهادي أبوها وأمها، وبتخرج وتتفسح. الأهم من كل ده، إنها استردت “نفسها” اللي تاهت منها ١٢ سنة.
وفي ليلة وقفة عيد الأضحى من السنة اللي بعدها…
البيت في روض الفرج كان مليان بريحة الخبيز والبخور، وصوت تكبيرات العيد طالع من جامع السيدة عائشة وقريب منهم. هناء كانت واقفة في المطبخ مع أمها، بس المرة دي بتعمل الأكل بحب وشغف، مش بضغط وأمر. كانت بتجهز صينية فتة صغيرة وركاك لبيتها؛ لأبوها وأمها وأخوها اللي جم يعيدوا معاهم.
دخل عم صلاح المطبخ، وباس راسها، وحط في إيدها ظرف: “كل سنة وأنتِ طيبة يا قلب أبوكي.. عديتك أهي.”
هناء ابتسمت والدموع في عينها: “أنا عديتي الحقيقية يا بابا هي وجودك أنت وأمي جمبي. ربنا ما يحرمني منكم.”
قعدوا كلهم على السفرة أول يوم العيد. هناء كانت قاعدة في رأس السفرة، معززة، مكرمة، الكل بيمد إيده يغرف لها، والكل بيشكر في أكلها ويدعي لها بطول العمر والصحة. بصت لطبق الفتة اللي قدامها، واشتمت ريحة السمنة البلدي والخل والثوم، وابتسمت من قلبها وهي بتفتكر ليلة العيد بتاعة السنة اللي فاتت.
في نفس اللحظة دي، شريف كان قاعد في شقته الفاضية، بياكل علبة كشري بايتة من التلاجة لوحده، وأمه في شقتها تعبانة ومش قادرة تطبخ، والبيت كئيب ومضلم.
عرفت هناء ساعتها إن الصبر آخره جبر، وإن الست لما بتقرر تشتري كرامتها وتبيع اللي باعها، ربنا بيفتح لها أبواب مكانتش تتخيلها. لفت وشها لأبوها وقالت بروقان:
— “كلوا يا جماعة.. الفتة السنادي طعمها غريب وجميل أوي.”
أبوها ضحك وقالها: “عشان معمولة بنَفس راضية يا بنتي.. والنَفس الراضية بتخلي اللقمة البسيطة شهد.”
وانتهت حكاية هناء، مش بنهاية العالم زي ما شريف كان فاكر، لكن ببداية حياة حقيقية، عنوانها: **الكرامة أولاً.**