مرات أبويا ربتني 3

أصوات صفارة التليفون المتقطعة كانت بتزن في ودني زي جرس إنذار. بصيت لمنى وسامح، ووشوشهم كانت بتقول إن الكابوس اللي هربوا منه لمدة 14 سنة واقف دلوقتي على الباب.

منى مسكت إيدي الاتنين، وكانت بتترعش بس عينيها فيها نظرة تحدي شرسة:

— “مش هسمح لهم يا فرح… مش هخليهم ياخدوا تعب السنين دي كلها، ولا يكسروا قلبي فيكي.”

سامح اتكلم بحسم وهو بيبص لساعة الحيطة:

— “عاصم مش جاي يتكلم بالوصول يا منى، عاصم جاي ومعاه ورق، أو جاي يهدد. اتصاله في وقت زي ده مقصود بيه الرعب. إحنا لازم نكون جاهزين. فرح… هاتي الورقة الرابعة من جيبك، لازم نعرف محمود كاتب فيها إيه بسرعة، يمكن يكون سايب مفتاح الحل هناك.”

طلعت الورقة الرابعة والأخيرة من جيبي بـ إيد مبلولة عرق. فردتها ونور الصالة الضعيف مبين السطور الأخيرة اللي كأنها اتكتبت بأنفاس متقطعة، والخط كان نازل بميل كأن القلم كان بيقع من إيد أبويا:

> “يا فرح… لو عاصم وفتحي ظهروا في حياتك، متواجهيهمش لوحدك. أنا عارف إن منى وسامح هيفضلوا ضهرك، بس القانون بيحتاج ورق مش مشاعر.

> في قاع الصندوق، تحت الهدوم القديمة، هتلاقي بطانة مزدوجة من الكرتون. ارفعيها. هتلاقي جواها دفتر شيكات قديم، وعقد تنازل رسمي وموثق من أمك سلوى ليا وليكي عن كل أملاكها قبل ما تموت، ومعاهم فلاشة صغيرة (Memory Stick) عليها تسجيل صوتي بصوت عاصم وفتحي وهم بيساوموني على حياتك وحياة أمك وأنا في المستشفى بعد ما عرفوا بالمرض. التسجيل ده يوديهم ورا الشمس بتهمة الابتزاز والتهديد.

> المحامي بتاعي زمان، أستاذ ‘رأفت شكري’، هو الوحيد اللي معاه نسخة تانية من الحاجات دي، ومكتبه لسه في وسط البلد. كلميه يا بنتي، هو مستني مكالمتك من سنين.

> يا فرح… أنا مش خايف عليكي، أنا سيبتلك ورايا جيش بيحبك. منى، وسامح، وحقك القانوني. واجهيهم بقلب جامد، وخدوا حق سلوى ومحمود اللي عاشوا وماتوا وهم بيحلموا باليوم ده.”
بصيت لسامح وقولتله وعيني بتلمع بقوة مكنتش عارفاها في نفسي قبل كده:

— “بابا سامح… اطلعي معايا الأوضة اللي فوق. لازم نجيب الصندوق ده ونطلع كل اللي فيه قبل ما الشمس تطلع.”

طلعنا جري، منى وسامح وأنا. قلبنا الكرتونة القديمة، وشيلنا الهدوم والساعة الواقفة والقمصان اللي ريحتها تراب. وبضوافر إيدي، رفعت الكرتونة المزدوجة اللي في القاع.

كان فيه ظرف جلد أسود صغير. فتحته… ولقيت العقود، الدفتر، والفلاشة الصغيرة.

شيلت الفلاشة في كفي، وبصيت لمنى وقولتلها:

— “دلوقتي إحنا مش ضعاف يا ماما. هما فاكرين إني البنت الصغيرة اليتيمة اللي هترتعش لما تسمع صوتهم في التليفون.”

سامح أخد العقود وبدأ يراجعها بنظرة فاحصة، وابتسامة غريبة بدأت تترسم على وشه:

— “الورق ده سليم وموثق، والتاريخ بتاعه يهد أي قضية ممكن يرفعوها. عاصم وفتحي جايين فاكرين إننا معندناش إثباتات.”

قضينا بقية الليل صاحيين، محدش فينا داق النوم. الساعة دقت 7 الصبح، والنور بدأ يدخل من ستاير الصالة. منى عملت قهوة، نفس ريحة القهوة اللي كنت بشمها زمان بس المرة دي كانت ريحة مواجهة.

الساعة بقت 9 الصبح.

وفجأة… سمعنا صوت عربية بتقف بره البيت بصوت فرامل عالي. وبعدها بخمس ثواني، الباب الخارجي اتخبط بقوة وعنف كأن اللي واقف بره مش جاي يزور، جاي يهد البيت.

منى بصتلي، وسامح وقف وبقى قدام الباب. أخدت نفس طويل، حطيت الفلاشة في جيبي، ومشيت بثبات ناحية الباب وأنا بقول لسامح:

— “افتح يا بابا سامح… خلينا نشوف أعمامي.”

سامح فتح الباب، وظهر وراه راجلين، واحد طويل وشعره أبيض وعينه حادة زي الصقر ولابس بدلة غامقة (عمي عاصم)، ووراه راجل تاني أتخن وقصير وماسك في إيده شنطة جلد (عمي فتحي).

عاصم بص لسامح بقرف، وبعدين نقل عينه عليا. ابتسم ابتسامة صفرا وقدم خطوة جوه البيت من غير ما يستأذن وقال:
— “أهلاً يا فرح… كبرتي ووشك بقا شبه محمود الله يرحمه. سيبناكي 14 سنة تتربي في حضن مرات أبوكي، بس خلاص… وقت اللعب خلص، وإحنا جايين ناخد الأمانة.”

عمي عاصم دخل الصالة ووراه فتحي، وكأنهم داخلين يملكوا المكان مش يزوروه. فتحي حط الشنطة الجلد على الترابيزة وفتحها، وطلع منها ورقة رسمية وبص لمنى بنظرة كلها شماتة وقال:

— “إحنا مش بتوع مشاكل يا ست منى، بس القانون قانون. البنت تمت عشرين سنة، والوصاية اللي كانت معاكي بحكم المحكمة انتهت صلاحيتها. ودي عقود الأرض اللي في القاهرة وأرض المحلة، وإحنا جايين بصفتنا الأوصياء الطبيعيين من عصب الأب عشان ندير الأملاك دي، وتوقيع فرح على التنازل والتوكيل ده هيوفر علينا وعليها محاكم ملهاش لزمة.”

عاصم قرب مني، ووطى صوته عشان يبان حنين بس النبرة كانت كلها تهديد:

— “يا فرح يا بنتي… إحنا لحمك ودمك. مرات أبوكي دي عاشت بفلوس محمود طول السنين اللي فاتت، وجوزها ده غريب عنك. متخليش حد يضحك عليكي، إحنا أولى بيكي وباللي سابه أبوكي.”

منى كانت واقفة وضهرها مفرود، وعينيها فيها نظرة ثبات خلت عاصم يستغرب. سامح خطى خطوة لقدام ووقف بيني وبين عاصم وقال بحسم:

— “البيت ده له راجل يا عاصم بيه، والكلام مع فرح ميكونش بالطريقة دي. لو عندك ورق اتفضل وريهولنا.”

فتحي ضحك باستهزاء:

— “نوريهولك بصفتك إيه يا راجل يا غريب؟ إنت مالك ومال ورث محمود؟”

في اللحظة دي، قررت إن وقت السكوت انتهى. طلعت من ورا سامح، وبصيت لعاصم في عينه مباشرة. النفضة والرعشة اللي كانت فيا بالليل اختفت تمامًا، وحسيت إن روحي فيها قوة سلوى وصوت محمود.

قلت بصوت عالي وثابت هز الصالة:

— “الراجل الغريب ده هو اللي أكلني وصرف عليا لما إنتوا اختفيتوا! والست دي هي اللي حمتني منكم! وإنتوا ميتديرلكوش ضهر، ولا ليكم عندي أي حق!”
عاصم وشه اتغير، وملامحه بقيت قاسية:

— “بلاش طيش عيال يا بنت محمود. إحنا معانا ورق يثبت إن الأرض دي من حق العيلة، ولو ممضيتيش بالذوق، المحاكم هتاخد سنين، وهنطلعك من البيت ده وإنتِ مكيش هدوم على ضهرك. محمود مات ومسابلكيش حاجة تحميكي مننا.”

ابتسمت ابتسامة باردة، وطلعت الفلاشة الصغيرة من جيبي، وحطيتها على الترابيزة قدام الشنطة الجلد بتاعتهم، وجنبها الظرف الجلد الأسود اللي فيه العقود الأصلية.

وقلتله:

— “محمود مات اه… بس سابلي جيش يحميني. وسابلي الصندوق ده.”

فتحي وشه اصفر لما شاف العقود الأصلية وعليها ختم النسر الموثق القديم. فتحت الفلاشة وشغلتها من الموبايل بتاعي، ورفعت الصوت على الآخر.

الصوت طلع واضح في الصالة… صوت عاصم وهو بيتكلم من ١٤ سنة في المستشفى، وصوته كان باين فيه الجشع وهو بيقول لمحمود وهو على السرير: *”لو ممضيتش على بيع نصيبك في المصنع والأرض لينا، مش هنسيب بنتك فرح تعيش في سلام بعد ما تموت، وهنرفع قضايا حجر على مراتك سلوى قبل ما تطلع روحها ونفضحكم في كل مكان.”*

صوت عاصم في التسجيل كان صدمة ليهم. عاصم رجع خطوة لورا، وعينيه بقت تروح وتيجي بين الفلاشة وبين العقود. فتحي قفل الشنطة بسرعة وإيده ب we تترعش.

قلت ليهم وأنا بقرب منهم:

— “أستاذ رأفت شكري، محامي بابا الله يرحمه، معاه نسخة من كل ده، وبلاغ الابتزاز والتهديد والسرقة والتزوير جاهز وهيتقدم للنائب العام خلال ساعة لو ملمتوش ورقكم ومشيتوا من هنا. الأرض دي أرض أمي سلوى وأبويا محمود، وباسم ‘فرح محمود’، ومحدش هيلمس منها متر واحد.”

عاصم بص لفتحي، وعم السكوت في المكان. التهديد اللي جايين بيه اتهد في ثواني قدام تضحية منى وتخطيط محمود اللي سابه قبل ما يموت بيوم واحد.

عاصم لم وراقه وبصلي بنظرة غل أخير وقالي:

— “فاكرة نفسك كسبتي يا فرح؟ الحساب مخلصش.”

وقبل ما يلف وضهره للباب عشان يمشي، منى وقفت في طريقه، وبصتله بكل كبرياء وقالت جملة واحدة نهت بيها كل السنين اللي فاتت:

— “الحساب خلص من ١٤ سنة يا عاصم… لما محمود مات وهو عارف إن بنته في إيد أمينة. اتفضلوا بره بيتي، وملكمش بنت اسمها فرح.”

خرجوا وقفلوا الباب وراهم، وسمعنا صوت عربيتهم وهي بتبعد بسرعة. الصالة رجعت لهدوئها، بس المرة دي كان هدوء انتصار.

سامح اتنفس براحة وبصلي بفخر، وأنا لفيت وبصيت لمنى… الأم اللي اختارتني بكامل إرادتها. قعدت على الركبة قدامها، ومسكت إيديها الكريمة وبوستها.

بس الحكاية لسه فيها سطر أخير… سطر مكنش مكتوب في الجواب، سطر أنا اللي هكتبه بنفسي بكره الصبح لما نروح لمكتب المحامي رأفت شكري، عشان أثبت للعالم كله مين هي عيلتي الحقيقية.

في صباح اليوم التالي، كانت الشمس بتشرق بنور جديد وصافي، كأنها بتغسل البيت من تراب السنين وخوفها.

لبست هدومي، ونزلت وسط دنيتي الجديدة… بابا سامح كان مستنينا في العربية، وماما منى كانت قاعدة جنبه ولابسة فستانها الكحلي اللي بتحبه، ووشها رايق وهادي لأول مرة من يوم ما وعيت على الدنيا.

وصلنا مكتب الأستاذ رأفت شكري في وسط البلد. مكتب قديم، ريحة الورق والكتب فيه تفكرك بالزمن الجميل. أول ما السكرتيرة دخلتنا وشافنا الراجل العجوز بنضارته المستديرة، وقف على رجليه والدموع لمعت في عينيه. بص في وشي وقال بصوت مؤثر:

— “أهلاً يا فرح… كبرتي وبقيتي نسخة من سلوى الله يرحمها. أنا كنت مستني اليوم ده من 14 سنة. محمود قالي: ‘بنتي هتيجي يا رأفت، لما تكبر وتفهم الحقيقة هتيجي تاخد حقها’.”

قعدنا، وطلعتله الظرف الجلد الأسود والفلاشة. الأستاذ رأفت ابتسم وقال:

— “أعمامك جم هنا المكتب من أسبوع، وكانوا بيحاولوا يعرفوا لو فيه ثغرة. بس أنا ورتهم العين الحمرا. ودلوقتي، بالورق اللي معاكي ده وبالنسخ اللي عندي، إحنا مش بس هنحميكِ، إحنا هنرفع قضية تعويض عن كل المحاولات اللي عملوها لتهديدكم زمان. حق محمود وسلوى هيرجع تالت ومتلت بالقانون.”

بصيت لماما منى، ولقيتها بتبتسم ودموعها بتنزل بفرحة. مسكت إيدها وقولت للأستاذ رأفت:

— “أنا مش عايزة من الدنيا دي غير إن حق الست دي يرجع، والكل يعرف هي عملت إيه عشاني.”

أنهينا كل الإجراءات القانونية، ووقعنا العقود اللي بتثبت ملكيتي الكاملة لكل شبر سابه أبويا وأمي. خرجنا من المكتب وأنا حاسة إن الهوا اللي بنفسه بقا أخف، وإن الحمل اللي كان على كتاف منى انزاح للأبد.

طول طريق الرجوع، كنت ببص من شباك العربية على شوارع القاهرة، وبفتكر كلام أبويا محمود: *”أمك كانت بتحبك لدرجة إنها ادتلك عمرها كله”*.

دلوقتي بس فهمت الجملة دي صح.

أمي سلوى ادتني عمرها لما اختارت تموت وهي مطمنة إني في إيد أختها وصاحبتها.

وأمي منى ادتني عمرها كله لما ضحت بشبابها واستحملت نظرات المجتمع ولقب “مرات الأب” بس عشان تفضل وافية بوعدها.

لما وصلنا البيت، “عمر” و”يوسف” إخواتي الصغيرين كانوا مستنينا على الباب. جريوا عليا وحضنوني وهم بيضحكوا. بصيت لسامح اللي كان بيبتسم بحنان، وبصيت لمنى…

قربت منها، وحضنتها قدام الدنيا كلها، وقولتلها في ودنها:

— “أنا محظوظة يا ماما… عشان كل بنت بيبقى ليها أم واحدة، إلا أنا… ربنا بعتلي ملاكين يحرسوني في الأرض.”

الحكاية بدأت ببرواز مكسور وجواب مرعب، بس انتهت بأعظم حقيقة عرفتها في حياتي: إن الدم مش هو اللي بيعمل الأهل… **الحب والتضحية هما اللي بيعملوا الأم.**

**تمت الحكاية.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *